الفقرة 46 ـ زواج أخي عبد الله ـ يـوميات فنان مهاجر - بحثا عن الزمن الضائع
زواج أخي عبد الله
يـوميات فنان مهاجر
بحثا عن الزمن الضائع
زواج أخي عبد الله
ع عندما أوصلنا الطاكسي إلى محطة الناظور، ذهبنا مباشرة إلى دارنا. كانت أختي ميمونت هي التي طرقتْ الباب. لم نلبث بعض ثوان، حتى فتحتْ لنا أمّنا. فطِرْنا عليها نعانقها ونقبّلها. وبعد ذالك، وضعنا رحالنا في الصالون، وجلسنا نتحدث بلهفة مع الوالدة. لم أشعر وأنا أُمْطرها بسيل من الأسئلة:ء
ء ـ كيف حالك أمي؟ وهل يأتي عندك أخونا عبد الله لِيراك؟ ومَن يصْرف عليكم؟ وكيف تعيشون؟ وكيف حال زبيدة ونسرين؟ وهل ..؟ء
ء ـ عبد الله زارني مرتين لِيتفقّد حالي. وأخوك مُحمّادي أرسل لنا 2000 درهم. لا تكفي لٍتغطية مصاريفنا، ومن هنا مشقّة عيشنا.ء
ء سكتتْ هنيهة تنهّدتْ خلالها ثم قالت بنبرة حزينة:ء
ء ـ المشكل الكبير هو والد زبيدة. جاء عندنا وقال إنه يفكر في اصطحابها مع حفيدتي نسرين لِتُقيمان عنده في داره. وأنه لا يمكن لِابنته أن تنتظر الزوج الذي قد يأتي ولا يأتي. ولكن زبيدة اِمتنعتْ لِحسن الحظ ورفضت الذهاب معه. عنده الحق. الزوج يجب أن يكون مع زوجته وليس في قارّةٍ أخرى!ء
ء تفاجأنا بهذا النبأ الكئيب الصّادم، فقالت أختي ميمونت بنبرة اِحتجاجية:ء
ء دخلتْ زبيدة حاملة نسرين معها. فسلّمتْ علينا بحرارة وجلستْ قُرْب ميمونت. في حين اِستمرّتْ أمي في حديثها الشّجيّ:ء
ء نعم يا ابنتي. السيد محمد والد زبيدة كبُرَ في السن، وكذالك أمها، أي زوجته. وربما يحتاجان ابنتهما لِتساعدهما في أشغال البيت. ولذالك يريد أن تسكن معه ريثما يُحَلّ مشكل التجمع العائلي، وتذهب زبيدة إلى حيث يجب أن تكون.ء
ء وهنا نطقتْ زبيدة بِنبرة شبه اِحتجاجية:ء
ء ـ أنا أكّدْتُ لِأبي أنني لا أريد مغادرة بيت زوجي. وثانيا أخي مصطفى خطب فتاة من الخارج هذا الصيف وسوف يتزوج قريباً، وتساعدهم على أشغال البيت. أنا أفضّل العيش معكم ولو في ضائقة مالية. ستعلمني حورية الخياطة، فأعمل ونساعد بعضنا البعض. أنا أحبكم ألالّة، وسعيدة في حياتي معكم جميعا، لِأنكم تحبونني وتحترمونني.ء
ء فقالت أمي مبتسمة ومتأثّرة وهي تنظر إلى زبيدة ونسرين بحب وحنان:ء
ء ـ الله يرضي عليكِ يا ابنتي زبيدة، أنتِ بنت الأُصول، ولستَ مثل خطيبة ابني عبد الله التي لم تنطق أبداً بكلمة "لالّة"، كأنني عدوّتها، إنها لا تحمل في عائلتنا شعرة! لقد خطفتْ اِبني وأبعدتْه عن عائلته، كان مُعيلنا الوحيد، ولكنها أغلقتْ هذا الينبوع الذي كنا نعيش به..!ء
ء وبدأتْ أمي تبكي على بداية تشتَت أولادها. فقامتْ زبيدة تُعانق أمي وتُصبّرها قائلة وعيناها مُبلّلتان بالدموع:ء
ء ـ أصبِري لالّة وستُحل كل مشاكلنا. قريبا سيكون جواز سفري وباقي الوثائق جاهزة، وسألْحق بِزوجي محمادي بألمانيا، وسنبعث لكِ كل شهر بحاوالة بريدية لِتعيشي في سلام. أنا لا أُخفي عليكم أنني جدّ سعيدة معكم، عبد الله وعبد الرحمان وميمونت يحترمونني كلهم، وأنتِ لالّة في مقام أمي. حفظكم الله لي جميعا.ء
ء مسحتْ أمي دموعها، ووقفتْ قائلة:ء
ء ـ اِنهمكْنا في سرْد همومنا ونسينا الفطور. ستكونان مرهقين وجائعين بسبب السفر يا أولادي.ء
ء وذهبتْ إلى المطبخ وزبيدة تتبعها.ء
ء أخذتُ نسرين ووضعتها في حجري أقبلها وأداعبها. ثم أخذتُ من حقيبتي حلوى ودمية جميلة لها فأعطيتها أياها. وبعد بضع دقائق، دخلتْ أمي حاملة صحنا من البيض وزيت الزيتون والخبز. وتبعتْها زبيدة بصينية الشاي بالنعناع الذي سبقتْ رائحته العطرة إلينا. وبدأنا نتناول فطورنا بكل شهية. لا تكتمل سعادة الإنسان سوى في العيش وسط الأقارب المخلصين. فقالت أمي:ء
ء ـ عبد الرحمان، منذ أسبوع جاء صديقك ميمون التّمْتام، صاحب دكان الصور والأطر. قال إن نصرانية إسبانية تحتاجك لرسم صورة قديمة لمدينة الناظور أيام الاستعمار، تريد أن تكبّرها وتصبغها بالألوان الزيتية. وصور أخرى للمستشفى العسكري بمليلية. إذهب عنده وسيفسّر لك أكثر.ء
ء ـ شكرا أمي. سأذهب حال انتهائي من الفطور. نحن في حاجة إلى النقود، ولهذا يجب أن أعمل.ء
ء ـ أنتَ دائما تعمل ولا تعرف الراحة أبداً يا ابني.ء
ء ـ عبد الله زارني مرتين لِيتفقّد حالي. وأخوك مُحمّادي أرسل لنا 2000 درهم. لا تكفي لٍتغطية مصاريفنا، ومن هنا مشقّة عيشنا.ء
ء سكتتْ هنيهة تنهّدتْ خلالها ثم قالت بنبرة حزينة:ء
ء ـ المشكل الكبير هو والد زبيدة. جاء عندنا وقال إنه يفكر في اصطحابها مع حفيدتي نسرين لِتُقيمان عنده في داره. وأنه لا يمكن لِابنته أن تنتظر الزوج الذي قد يأتي ولا يأتي. ولكن زبيدة اِمتنعتْ لِحسن الحظ ورفضت الذهاب معه. عنده الحق. الزوج يجب أن يكون مع زوجته وليس في قارّةٍ أخرى!ء
ء تفاجأنا بهذا النبأ الكئيب الصّادم، فقالت أختي ميمونت بنبرة اِحتجاجية:ء
أختي الصغرى وأمي
ء ـ ولكن أخي محمّادي يُهيّئ المنزل لزبيدة ونسرين في المانيا. ورأينا في الصور التي بعثها وهو يصبغ الدار ويُؤثَِثها، وأرسل كل الوثائق اللازمة لِلتّجمّع العائلي، وعبد الله هو مَن يتكفّل بهذه المهمة، ويرافق زبيدة ونسرين إلى "فرانكفورت"، أولا تتذكرين أمَي؟ هذا ما وقع الاتفاق عليه هنا في هذا
الصالون. وكان حاضر يومها والد زبيدة نفسه وأخوها مصطفى وأخي محمد الذي جاء من "أزغنغان".ءء دخلتْ زبيدة حاملة نسرين معها. فسلّمتْ علينا بحرارة وجلستْ قُرْب ميمونت. في حين اِستمرّتْ أمي في حديثها الشّجيّ:ء
ء نعم يا ابنتي. السيد محمد والد زبيدة كبُرَ في السن، وكذالك أمها، أي زوجته. وربما يحتاجان ابنتهما لِتساعدهما في أشغال البيت. ولذالك يريد أن تسكن معه ريثما يُحَلّ مشكل التجمع العائلي، وتذهب زبيدة إلى حيث يجب أن تكون.ء
ء وهنا نطقتْ زبيدة بِنبرة شبه اِحتجاجية:ء
ء ـ أنا أكّدْتُ لِأبي أنني لا أريد مغادرة بيت زوجي. وثانيا أخي مصطفى خطب فتاة من الخارج هذا الصيف وسوف يتزوج قريباً، وتساعدهم على أشغال البيت. أنا أفضّل العيش معكم ولو في ضائقة مالية. ستعلمني حورية الخياطة، فأعمل ونساعد بعضنا البعض. أنا أحبكم ألالّة، وسعيدة في حياتي معكم جميعا، لِأنكم تحبونني وتحترمونني.ء
ء فقالت أمي مبتسمة ومتأثّرة وهي تنظر إلى زبيدة ونسرين بحب وحنان:ء
ء ـ الله يرضي عليكِ يا ابنتي زبيدة، أنتِ بنت الأُصول، ولستَ مثل خطيبة ابني عبد الله التي لم تنطق أبداً بكلمة "لالّة"، كأنني عدوّتها، إنها لا تحمل في عائلتنا شعرة! لقد خطفتْ اِبني وأبعدتْه عن عائلته، كان مُعيلنا الوحيد، ولكنها أغلقتْ هذا الينبوع الذي كنا نعيش به..!ء
أمي تحمل نسرين في حضنها
ء وبدأتْ أمي تبكي على بداية تشتَت أولادها. فقامتْ زبيدة تُعانق أمي وتُصبّرها قائلة وعيناها مُبلّلتان بالدموع:ء
ء ـ أصبِري لالّة وستُحل كل مشاكلنا. قريبا سيكون جواز سفري وباقي الوثائق جاهزة، وسألْحق بِزوجي محمادي بألمانيا، وسنبعث لكِ كل شهر بحاوالة بريدية لِتعيشي في سلام. أنا لا أُخفي عليكم أنني جدّ سعيدة معكم، عبد الله وعبد الرحمان وميمونت يحترمونني كلهم، وأنتِ لالّة في مقام أمي. حفظكم الله لي جميعا.ء
ء مسحتْ أمي دموعها، ووقفتْ قائلة:ء
ء ـ اِنهمكْنا في سرْد همومنا ونسينا الفطور. ستكونان مرهقين وجائعين بسبب السفر يا أولادي.ء
ء وذهبتْ إلى المطبخ وزبيدة تتبعها.ء
تاريخ عائلة وصراعها من أجل البقاء
ء أخذتُ نسرين ووضعتها في حجري أقبلها وأداعبها. ثم أخذتُ من حقيبتي حلوى ودمية جميلة لها فأعطيتها أياها. وبعد بضع دقائق، دخلتْ أمي حاملة صحنا من البيض وزيت الزيتون والخبز. وتبعتْها زبيدة بصينية الشاي بالنعناع الذي سبقتْ رائحته العطرة إلينا. وبدأنا نتناول فطورنا بكل شهية. لا تكتمل سعادة الإنسان سوى في العيش وسط الأقارب المخلصين. فقالت أمي:ء
ء ـ عبد الرحمان، منذ أسبوع جاء صديقك ميمون التّمْتام، صاحب دكان الصور والأطر. قال إن نصرانية إسبانية تحتاجك لرسم صورة قديمة لمدينة الناظور أيام الاستعمار، تريد أن تكبّرها وتصبغها بالألوان الزيتية. وصور أخرى للمستشفى العسكري بمليلية. إذهب عنده وسيفسّر لك أكثر.ء
ء ـ شكرا أمي. سأذهب حال انتهائي من الفطور. نحن في حاجة إلى النقود، ولهذا يجب أن أعمل.ء
ء ـ أنتَ دائما تعمل ولا تعرف الراحة أبداً يا ابني.ء
بمجرد انتهائي من الأكل، خرجتُ لِأرى
ميمون. في طريقي نحو دكان الأطر، كنت أفكر في حياتي وماذا أصنع بوجودي فيها. أنا
محظوظ أن أجد عملا مربحا ينتظرني بمجرد عودتي إلى بلدتي. لو أنني لستُ طالبا أو أنني عاطل عن العمل،
لَاتّخذتُ من موهبتي في الرسم عملا ومهنة. أنا واثق أنها وظيفة ومغامرة يمكن أن أعيش
بها. ولو أنني أحيا في بيئة ثقافية متخلفة وعديمة التربية الفنية والتشكيلية... لم
أشعر وأنا تائه مع أحلامي حتى وجدتُ نفسي وجها لوجه مع صديقي ميمون التمتام
ـ ـ أأأأأهلا ععععععبدالرحمان. ككككك كيف
حالك؟ء
ـ الحمد لله ميمون. وأنتَ، كيف حالك وأحوال
التجارة؟ءـ
ـ ـ أنتَ ترى! الللللعمل ممموجود، لكن الككككفاءات والمممواهب قليلة وممممعدومة. ببببحثتُ عن رسام ليرسم لي لوحة تمثل مممم منظرا طبيعيا لِأحد الززززبناء فلم أجد أحدا في الممممدينة كلها. أنتَ كككنتَ في الرباط. هذا ما قالته لي والدتك ععععندما سألتها ععععنك
ء سحب ميمون صورا من درجه ووضعها على فوق مكتب عمله وهو يقول:ء
ء ـ ععععبد الرحمان، هههذه الصور لِللامرأة إسسسبانية تريد أن تصورها ببببالصباغة الزززيتية. تريدها كككبيرة في حجم 50 × 70 سنتم. وهاتين الصورتين للمستشفى العسكري بمليلية. تريدها أيضا زيتية حجمها 60 × 40 سنتم. هههل توافق؟
المستشفى العسكري بمدينة مليلية. صباغة زيتية. 80 × 60 سنتم. المغرب
المستشفى العسكري بمدينة مليلية. صباغة زيتية. 80 × 60 سنتم. المغرب
ء:ـ تفحّصْتُ الصور وأجبته ء
ـ ـ بطبيعة الحال ميمون، أنا محتاج إلى بعض المال. كما تعلم، لا أحد في
العائلة يعطيني النقود.و
ء.. ـ هههل تريد أن أعطيك التسبيق لِششششراء المواد التي تحتاجها ء
ء ـ نعم ميمون، أحتاج النقود لِأذهب إلى مليلية لشراء الصباغة والشيتات
وسجائري.ي
ء فتح درج مكتبه، وأخرج منه ظرفا مدّهُ لي قائلا:ء
ء ـ ههههاك 400 درهم. هههل تكفيك؟ء
ء ـ نعم. هذا يكفي حالا.ء
ء أخذتُ الصور والنقود، وخرجتُ من دكانه شاكرا وفرحا. وعندما وصلتُ إلى دارنا، عرضتُ على أمي الدراهم التي ربِحتُها، وأعطيتُ لها 100 درهم لشراء لوازم الدار والغذاء. كانت سعيدة ومبتسمة. فقبَلتني قائلة:ء
ء ـ أنتَ مرْزاق يا ابني. وستكون دائما كذالك. أدعو لك دائما بالخير والنجاح.ء
ء بعد ذالك خرجتُ لشراء اللوح للرسم. أمّا فاتورة الماء والكهرباء الجديدة، والتي كانت معلقة على باب الثلاجة بالمطبخ، فلم أُعرها أي اهتمام. لِأنني أحتاج ما تبقّي من الدراهم لشراء الصباغة واللوح الذي سأرسم عليه. هذه الأزمة المالية جعلتني أفكّر في الاِلتحاق بالتعليم لِأتوظّف وأصرف على عائلتي وأُسعِدهم. ولكنني استبعدتُ الفكرة. هذه ستكون السنة الأخيرة لي في الجامعة. يجب أن أُنهيها لِأحصل على إجازتي في علم النفس، وبعدها سأتوظّف وأصرف على عائلتي العزيزة كما نشاء. إنها سُنّة الحياة أن يخلف الأبناء الآباء في حماية عائلتهم وعيشهم، ولوْ أن أخي عبد الله اِنسحب من هذه المهمة الأخلاقية قبل الوقت بسبب ضغوطات خطيبته. ولكنني حتى إذا أتممتُ دراساتي الجامعية وحصلتُ على إجازة، فإنهم سيطوَحونني لِأُدرّس في مدن ومناطق وقرى بعيدة عن عائلتي، فأعيش من جديد في الغربة التي مللْتُها. ثم إنني سأدرِّس الأدب وليس مادّتي التي تخصّصتُ فيها! هذا إذا افترضنا مسبّقاً أنني تعيّنتُ كأستاذ إن لم يكن معلّم..! لا شيء مضمون في هذا البلد، ولا يمكن أن تبني معهم برنامجا، هذا النظام كله فوضى في فوضى، ويُرْغمونك أن تعيش إجباريا في غيس هذه الفوضى الشاملة..!ء
ء اِستمرّيتُ مُبحراً وتائهاً في بحر تأمّلاتي وتخطيطاتي لِمستقبلي، إلى أن سمعبُ صوتا أيقظني من حلمي المزعج:ء
ء ـ زِّمحْمان!ء
ء كان صوت أختي ثمونْت، "زِّمحْمان" = اِختصار لِ "عزيزي عبد الرحمان"، هكذا كانت تناديني هي وأختي حورية. دُرتُ أنظر إليها وهي تحمل ربطة النعناع وقالت:ء
ء ـ نسيتْ أمي النعناع فخرجتُ لِأشتريه. عندنا ضيوف.ء
ء فقلتُ لها:ء
ء ـ مَنْ؟ء
ء ـ أخونا عبد الله مع صهره، أقصد أخو خطيبته. جاء ليدعونا إلى عرسه يوم السبت والأحد.ء
ء ـ إنه موعد قريب. بقي أربعة أيام فقط، يجب أن أنهي اللوحات الثلاث بسرعة لِأعطيك النقود لِشراء فستان جديد. لِحسن الحظ أن ميمون أعطاني 400 درهم تسبيق.ء
ء أخذتُ 30 درهما ومددتها لها قائلا:ء
ء ـ هذه لك، نقود الجيب. ليس لديّ سوى ما أشتري به أدوات الرسم.ء
ء فقبّلتني شاكرة. وتابعنا طريقنا إلى الدار.ء
ء في أواخر شهر يوليوز من عام 1980، كانت الاِستعدادات قائمة على قدم وساق في الطابق الثاني في شقة أخي عبد الله، التي اكتراها عند صديقه اليعقوبي نقيب المحامين آنذاك. وكانت جميع أخواتي حاضرات في ذالك العرس الميمون: يمينة التي جاءت من مدينة "أزغنغان" مع بناتها، ويامْنة وزوجها الذان قدِما من "إعْزانن"، وحورية مع زوجها وأولادها الذين جاءوا من مدينة العرْوي، وأختي ميمونت، وزبيدة زوجة أخي مُحمّادي الذي كان في ألمانيا في انتظارها. فضلا عن خالي المجاهد عبد السلام وزوجته حبيبة الصقلي وأولادهما، وأخي محمد وزوجته وأولاده، وأعمامي مع زوجاتهم، والجيران... كنّا مجتمعون في الشقة في انتظار وصول موكب العروس التي ستأتي من بعيد في قرية "بويافار". وكانت طقطقات البندير وأنغام "إزران نرَيف" تصدح من الصالون، لِتُظفي البهجة على أجواء العرس، وتنتشر أصداؤها في المحيط البهيج. كان هذا اليوم جميلا واستثنائياً، وكنتُ فرحاً بزواج أخي الشقيق...ءء
ء كنتُ أمام مدخل العمارة على الرصيف ألْهو مع توفيق الصغير، إبن أختي حورية التي تركتْه معي لكيلا ينغص عليها الأجواء المُمتعة لِلزفاف، وفي نفس الوقت أستقبل الضيوف الكرام الذين يتقاطرون على بيت العرس. كان الجوّ مشمساً ورائعاً، والناس تغدو وتروح في الشوارع على إيقاع آذان صلاة العصر الصادحة من أبواق صوامع المدينة. تناهتْ إلى سماعي أصوات منبّهات السيارات المختلطة الآتية من بعيد. إنه موْكب عرس أخي عبد الله الذي بدأ يقترب رويداً رويدا. وتململ الضيوف وبدأوا يطلّون من النوافذ والشّرفات لِرؤية الموكب السعيد الذي كان جرّارا: كثير من السيارات المختلفة الأشكال والألوان. معظمها لِأفراد العائلة الكبيرة وأصدقاء العريس. وتعالتِ الهتافات والزغاريد المختلطة بِالآذان ومنبّهات السيارات إعلانا بوصول الموكب، كأنني أُحلّق في سماء سيمفونية متناغمة. ووقفتْ السيارة الفارهة التي تحمل العروسين أمام باب العمارة، وخرج العروسان الجميلان مُحاطان بِأخوات العروسة، وصعدوا الدرج تتبعهم أخواتي فرحات مُزغردات. وعندما وصل العروسان إلى غرفة نومهما التي كان أثاثها جديدا. وفجأة، أسرعتْ الأخت الكبيرة للعروسة تمنعها من الاِقتراب والجلوس على السرير. وبدأتْ تقلب وتُبعْثِر الفراش وتبحث داخل الوسائد بحركات غير مفهومة! فغضبتْ أختي الكبيرة يمينة التي كانت واقفة في باب الغرفة تتأمّل مع أخواتي الأخريات هذا المنظر السوريالي العبثي، وقالت لِأخت العروسة التي كانت تقْلِب و"تُشقْلِب" الفراش والوسائد وتفتّشها:ء
ء ـ ههههاك 400 درهم. هههل تكفيك؟ء
ء ـ نعم. هذا يكفي حالا.ء
ء أخذتُ الصور والنقود، وخرجتُ من دكانه شاكرا وفرحا. وعندما وصلتُ إلى دارنا، عرضتُ على أمي الدراهم التي ربِحتُها، وأعطيتُ لها 100 درهم لشراء لوازم الدار والغذاء. كانت سعيدة ومبتسمة. فقبَلتني قائلة:ء
ء ـ أنتَ مرْزاق يا ابني. وستكون دائما كذالك. أدعو لك دائما بالخير والنجاح.ء
ء بعد ذالك خرجتُ لشراء اللوح للرسم. أمّا فاتورة الماء والكهرباء الجديدة، والتي كانت معلقة على باب الثلاجة بالمطبخ، فلم أُعرها أي اهتمام. لِأنني أحتاج ما تبقّي من الدراهم لشراء الصباغة واللوح الذي سأرسم عليه. هذه الأزمة المالية جعلتني أفكّر في الاِلتحاق بالتعليم لِأتوظّف وأصرف على عائلتي وأُسعِدهم. ولكنني استبعدتُ الفكرة. هذه ستكون السنة الأخيرة لي في الجامعة. يجب أن أُنهيها لِأحصل على إجازتي في علم النفس، وبعدها سأتوظّف وأصرف على عائلتي العزيزة كما نشاء. إنها سُنّة الحياة أن يخلف الأبناء الآباء في حماية عائلتهم وعيشهم، ولوْ أن أخي عبد الله اِنسحب من هذه المهمة الأخلاقية قبل الوقت بسبب ضغوطات خطيبته. ولكنني حتى إذا أتممتُ دراساتي الجامعية وحصلتُ على إجازة، فإنهم سيطوَحونني لِأُدرّس في مدن ومناطق وقرى بعيدة عن عائلتي، فأعيش من جديد في الغربة التي مللْتُها. ثم إنني سأدرِّس الأدب وليس مادّتي التي تخصّصتُ فيها! هذا إذا افترضنا مسبّقاً أنني تعيّنتُ كأستاذ إن لم يكن معلّم..! لا شيء مضمون في هذا البلد، ولا يمكن أن تبني معهم برنامجا، هذا النظام كله فوضى في فوضى، ويُرْغمونك أن تعيش إجباريا في غيس هذه الفوضى الشاملة..!ء
ء اِستمرّيتُ مُبحراً وتائهاً في بحر تأمّلاتي وتخطيطاتي لِمستقبلي، إلى أن سمعبُ صوتا أيقظني من حلمي المزعج:ء
ء ـ زِّمحْمان!ء
ء كان صوت أختي ثمونْت، "زِّمحْمان" = اِختصار لِ "عزيزي عبد الرحمان"، هكذا كانت تناديني هي وأختي حورية. دُرتُ أنظر إليها وهي تحمل ربطة النعناع وقالت:ء
ء ـ نسيتْ أمي النعناع فخرجتُ لِأشتريه. عندنا ضيوف.ء
ء فقلتُ لها:ء
ء ـ مَنْ؟ء
ء ـ أخونا عبد الله مع صهره، أقصد أخو خطيبته. جاء ليدعونا إلى عرسه يوم السبت والأحد.ء
ء ـ إنه موعد قريب. بقي أربعة أيام فقط، يجب أن أنهي اللوحات الثلاث بسرعة لِأعطيك النقود لِشراء فستان جديد. لِحسن الحظ أن ميمون أعطاني 400 درهم تسبيق.ء
ء أخذتُ 30 درهما ومددتها لها قائلا:ء
ء ـ هذه لك، نقود الجيب. ليس لديّ سوى ما أشتري به أدوات الرسم.ء
ء فقبّلتني شاكرة. وتابعنا طريقنا إلى الدار.ء
إحدى سيارات موكب الزفاف السعيد
ء كنتُ أمام مدخل العمارة على الرصيف ألْهو مع توفيق الصغير، إبن أختي حورية التي تركتْه معي لكيلا ينغص عليها الأجواء المُمتعة لِلزفاف، وفي نفس الوقت أستقبل الضيوف الكرام الذين يتقاطرون على بيت العرس. كان الجوّ مشمساً ورائعاً، والناس تغدو وتروح في الشوارع على إيقاع آذان صلاة العصر الصادحة من أبواق صوامع المدينة. تناهتْ إلى سماعي أصوات منبّهات السيارات المختلطة الآتية من بعيد. إنه موْكب عرس أخي عبد الله الذي بدأ يقترب رويداً رويدا. وتململ الضيوف وبدأوا يطلّون من النوافذ والشّرفات لِرؤية الموكب السعيد الذي كان جرّارا: كثير من السيارات المختلفة الأشكال والألوان. معظمها لِأفراد العائلة الكبيرة وأصدقاء العريس. وتعالتِ الهتافات والزغاريد المختلطة بِالآذان ومنبّهات السيارات إعلانا بوصول الموكب، كأنني أُحلّق في سماء سيمفونية متناغمة. ووقفتْ السيارة الفارهة التي تحمل العروسين أمام باب العمارة، وخرج العروسان الجميلان مُحاطان بِأخوات العروسة، وصعدوا الدرج تتبعهم أخواتي فرحات مُزغردات. وعندما وصل العروسان إلى غرفة نومهما التي كان أثاثها جديدا. وفجأة، أسرعتْ الأخت الكبيرة للعروسة تمنعها من الاِقتراب والجلوس على السرير. وبدأتْ تقلب وتُبعْثِر الفراش وتبحث داخل الوسائد بحركات غير مفهومة! فغضبتْ أختي الكبيرة يمينة التي كانت واقفة في باب الغرفة تتأمّل مع أخواتي الأخريات هذا المنظر السوريالي العبثي، وقالت لِأخت العروسة التي كانت تقْلِب و"تُشقْلِب" الفراش والوسائد وتفتّشها:ء
ء ـ أنتِ مطمئنّة الآن؟! حْشومة عليك! كما يقول المثل الشعبي: "اللّي فيه الخزّ كيقفز"! تبحثين عن "السّحر" في السرير! عائلتنا ليستْ من ذالك النوع الذي يؤمن بالشعوذة والتمائم والخرافات! نحن لسنا ساحرات مثل البعض..! بدأتم العرس بِإعلان الحرب كأنّنا أعداء! هل أتيتم لِلزواج بِأخينا أمْ لِتشتيت عائلتنا!؟ لوْ لم أسْتَحِ من أمي، لَعدلْتُ عن الحضور في هذا العرس ولَعُدْتُ أدراجي. ولكني أفهم دواخل نفسية أخي وأحترمها. لِأن عبد الله يبقى دوماً شقيقنا..!ء
ء وانسحبتْ من غرفة العروسين مع أمي وأخواتي الأخريات وبعض الضيوف الذين استنكروا ذالك السلوك العدائي الهجين الذي لم يكن يُبشّر بِأيّ خير مع الأسف الشديد..!ء
ء وانسحبتْ من غرفة العروسين مع أمي وأخواتي الأخريات وبعض الضيوف الذين استنكروا ذالك السلوك العدائي الهجين الذي لم يكن يُبشّر بِأيّ خير مع الأسف الشديد..!ء
أختاي يمينة ويامنة في الثمانينات من القرن الماضي
يتبع








Ajouter un commentaire