الفقرة 47 ـ اللقلاق ـ يوميات فنان مهاجر ـ بحثا عن الزمن الضائع

اللقلاق

يوميات فنان مهاجر


 بحثا عن الزمن الضائع 




اللقلاق

بلّرج


ء    مضت العطلة الصيفية بِمشاكلها وحرارتها الجوية وإشكالياتها العائلية. وتعاقبتْ دورة السّنين بهمومها ومسرّاتها. وحملتُ حقيبتي عائدٌ إلى الرباط وأنا أتخبّط ذهنياً في مشاكل العائلة. كانت هيأتي الظاهرة تبدو عادية ككل العابرين، ولكن داخلي كان يغلي كالبركان، بسبب التفكير في أحزان أمي العزيزة التي لا تستحق أن يهجرها ابنها ولو مؤقتا، بعد كل ما عانته من مسؤوليات وويلات وتضحيات من أجلنا جميعا...ء
ء    في محطة السّكك الحديدية بمدينة "تاوريرت" المغربية، كنتُ أنتظر وصول القطار وعقلي منشغل في التفكير في هذا العام الأخير من الدراسة في الجامعة بالرباط. لم يكن عندي همّ من ناحية السكنى هذه السنة. لِأني وعدْتُ الحسناء نجية بالعودة لِلسّكن في فيلَتهم الفارهة بَمدينة "سلا"، وبالضبط، في حيّ "بطّانة" البورجوازي الذي لا يسكنه إلا الوزراء والأغنياء. كانت صديقتي نجية هي التي عرّفتني على فيلاّ الوزير زْنيبر الساكن بجوارهم، وقدّمتْ لي في إحدى المناسبات أحد أبنائهم الذي كان يدرس معها.
و    سافر عقلي بعيدا في  الماضي القريب، لِيستقرّ بي التفكير في قلب أحداث عرس أخي عبد الله الذي كاد أن يتحوّل إلى دراما بسبب سلوك إحدى أخوات الخطيبة. ولولا هدوء أخواتي وحكمتهن، لَقامتِ الفوضى. ولكنه عرس شقيقنا، ومن مصلحتنا أن نتغاضى عن هذه الصّبيانيات ولا نحرج أخانا أمام الضيوف في يوم عرسه الغالي. ء
ء    تناهتْ إلى مسمعي في سكون الليل، أصداء صوت القطار البعيدة وهو  يقترب رويدا رويدا من المحطة، ينفث دخانه الأسود في السماء، وبدأ رصيفها يعجّ بحركة المسافرين. أخذتُ حقيبتي ودخلتُ إلى مقصورة نصفها مليء. أخذتُ مكاني بينهم وأنا أسبح في التفكير.ء
ء    وقفتُ وتناولتُ من حقيبتي رواية "قصة مدينتين" للروائي الإنجليزي شارلز ديكنز التي كنت قد بدأتها منذ أسبوع. فاستأنفتُ قراءتها. بعد استراحة قصيرة، صدح منبّه القطار وبدأ يتحرّك ليمخر الطريق الطويلة إلى الرباط. كان الهدوء سائدا في الليل، وكنتُ لا أسمع سوى طقطقة اِحتكاك عجلات القطار الحديدية مع السِّكّة الفولاذية. وهدير المحرك البخاري. وبدأ يغازلني النوم. وثقلتْ جفوني وبدأتْ تنغلق شيئا فشيئا. والأفكار بدأت تختلط بينها بسريالية، نظرتُ حولي، كان أغلبية المسافرين نائمون، والقطار مستمر في نفث الدخان وهو يشق طريقه في الصحاري ويلتوي من حين لِآخر كالأفعى الهائمة. إلى أن وصل إلى محطة سلا في التاسعة صباحا بسبب تأخّرنا في فاس. " 



محطة القطار سلا المدينة


ء    نزلتُ من القطار وجلستُ في أول مقهى قريب من المحطة. كنتُ جائعا وأريد أن أدخن سيجارتي. وبعد ذالك تابعتُ طريقي توّاً إلى حي بطّانة. وصلت إلى الفيلا في الساعة الحادية عشر إلا ربعا، بدأتُ أتأمّلها بعينٍ فاحصة: لا شيء تغيّر في هذه الفيلا الجميلة من الخارج ما عدا شجرة المزاح التي تطاولتْ فروعها وتدلّتْ خارج السور. ضغطتُ على جرس الباب الخارجي، وتسمّرتُ في مكاني أنتظر من سيفتح لي الباب. سوف لن أخجل وهم يستقبلونني بكرمهم ومحبتهم لي كالمعتاد، لِأنني اشتريتُ لهم هدايا بسيطة من مليلية. علبة مرهم "نيفْيا" لِعمّتي الحاجة محجوبة، وزجاجة عطر لنجية، وعلبة سجائر أمريكية لِسيدي محمد... كنتُ غارقاً في التفكير حين سمعتُ الباب الحديدي يُفتح، ونجية تخرج لِترى مَنِ الطّارق. عندما عرفتني، سلّمتُ عليها في وجنتيها كالعادة. فابتسمتْ مُرحِّبة.
ء    ـ مرحبا عبد الرحمان. نْهار كْبير هذا! تفضّلء
ء    ـ من في الدار؟ء
ؤ    ـ لا أحد. أنا وحدي. أمي ذهبت مع زْهور وسعيدة إلى أختي جميلة. أبي في محطة طوطال. وسيدي محمد ذهب عند صديقه إبن الوزير زنيبر.ء
ء    ـ ماذا كنتِ تفعلين؟ء
ء    ـ لا شيء مهم. كنتُ أُهيّؤ الغذاء.ء
ء    دخلنا وجلسنا في الصالون الذي أعرفه جيّدا. أدرتُ عيوني متفحّصة. لا شيء تغيّر. الساعة المنبهة الكبيرة في مكانها، وجرسها النحاسي الطويل دائم الدوران.ء
ء    أتتْ لي نجية بكأس شاي وحلويات، وطلبت سيجارة، ثم قالت:ء
ء    ـ عبد الرحمان، تعال سندخّن في الحديقة أفضل. لا أريد أن تشمّ أمي رائحة التّبغ وتعاقبني كالمرة السابقة. هل تتذكّر؟ء
ء    ـ ومن يمكن أن ينسى مثل ذالك اليوم الأسود؟!ء
ء    تناولتُ شيئا من الشاي مع حلوى وتبعتها إلى الحديقة. أشعلتْ سيجارتها وسألتني:ء
ء    ـ هذه هي آخر سنة لك في الجامعة لِتحصل على إجازتك في علم النفس. وماذا ستفعل بعد؟ء
ء    ـ في الواقع لستُ أدري. هل سأتوظّف أم سأتابع دراساتي العليا في أروبا في السلك الثالث.ء
ء    ـ أنا في نظري الوظيفة أفضل. الدراسة لا تنتهي أبدا، يمكن أن يتعمق فيها ويستمر الإنسان حرّا. ولكن أهل مكة أدرى بشعابها.ء


فيلة عمي الحاج التي سكنتُ فيها سنوات


ء    نظرتُ إلى شجرة المزاح واقتربتُ منها متناولا بعض حبّات فاكهتها الصفراء الحلوة وقلت لها:ء
ء    ـ هذه الشجرة كبُرتْ كثيرا وتصاعف حجمها. كنتُ أحب أن أسقيها كل يوم.ء
ء    ـ نحن لا نلاحظ نموّها لِأننا نسكن هنا ونراها يومياً، أمّا أنتَ فتفضّل الرباط والعيش بعيدا عنّا. لماذا لم تسكن عندنا؟ ولماذا لم تكن تأتي عندنا عبد الرحمان؟ء
ء    ـ الموسيقى والجامعة والفن والمكتبات العمومية، كل هذه عوامل دراسية جعلتني أستقر في الرباط لِأن كل شيء قريب مِنّي. ولكنني كنتُ أزوركم أحيانا.ء
ء    ـ أحيانا... نادرة جدّا..!ء
ء    قالتْها بامتعاض وبنوع من السّخرية وربما المرارة أيضاً. كنت أعرف مشاعرها العميقة نحوي. كانت تحبني وتحترمني. ولكن لِسوء حظّها، أنها أحبّتْ شخصا جريحا بحب فاشل: حب مليكة التي لم أستطع أن أنسى جرحها العميق في قلبي! واتفاقنا العام الماضي وإلْحاحها عليّ أن أذهب عندها في بروكسل لِلسكن والزواج بها، ومتابعة الدراسات العليا لِنيل الدكتوراه في تخصّصي. وقد وعدْتُها بذالك ولا يمكن أن أرتبطَ بغيرها. وهذا ما كانت تجهله نجية التي لم أكن أرى فيها سوى أُخْت.ء
ء    ـ عبد الرحمان، اِنطلاقاً من اليوم، ستسكن معنا دائما. وبعد نجاحك ستلتحق بمدرسة تكوين الأطر العُليا للأساتذة وتتوظّف كأستاذ رسمي، وآنذاك سنتزوج. أعرفُ أنكَ تخاف أن يُطوّحوك المسؤولون على التّعيين في الصحراء أو أقاليم أخرى بعيدة عنّا وعن أهلك في الناظور، لا تخف، أبي سيساعدك في التعيين. وإذا عُيّنتَ لِلتدريس في منطقتكم، فسأعيش معك في الريف.ء
ء    سنرى في آخر السنة نجية.ء
ء    ـ سأفشي لك بِسرّ يُؤرقني عبد الرحمان. منذ بضعة أسابيع كان والداي يناقشان قضية زواجي ورغبة أمي أن تكون أنتَ صهرها، أي زوجي المستقبلي. فقال أبي لِأمي:ء
ء    ـ لا تُعوِّلي على عبد الرحمان لِيتزوج من فتاة عربية. "الرّيفي يعْيا ما يْدور، كيرجع يتزوج بالرّفية دْيالو"! هل هذا صحيح؟ء
ء    سمعنا باب الفيلا يُفتَح وصوت عمتي الحاجة تتحدّث. كانت عائدة مع بناتها زهور وسعيدة. عندما لمحتني قالت:ء
ء    جِئتَ يا ولدي عبد الرحمان؟ مرحبا بك.ء
ء    سلمتُ عليهن ودخلنا. بعد أن نزعت جلبابها قالت:ء
ء    ـ كيف حال مامّة؟ وعبد الله ومحمّادي وأخوك الكبير في زغنغان؟ء
ء    ـ الكل بخير عمتي الحاجة. كلهم يسلّمون عليكم جميعا.ء
ء    ـ يسلّم عليهم الخير.ء
ء     لم أرد أن أخبرها بزواج أخي عبد الله لِأن ذالك سيؤلمها. كانت تأمل أن يتزوج اِبنتها نجية أو نعيمة، وذالك بعد زواج أخي محمّادي وذهابه إلى المانيا الذي كانت تعْقِد عليه نفس الأمل، والزواج بِإحدى بناتها. أمّا وقد تزوّجا..!ء
ء    ـ تناولتُ من حقيبة سفري علبة المرهم الذي اشتريته لها، فأعطيتها إياها:ء
ء    ـ عمتي الحاجة، هذه علبة "نيفْيا" لك.ء
ء    ـ لماذا يا ولدي عبد الرحمان؟ أنتَ طالب ويتيم، ولا يجب أن نطمع فيك. أشكرك على كل حال.ء
ء    نظرتُ إلى الساعة الكبيرة أمامي، كان قرصاها ثابتان على الواحدة. وسمعنا باب الفيلا يُفتَح والسيارة رونو 4 البيضاء تدخل إلى عمق الحديقة. إنه عمّي الحاج بنعاشر يعود من عمله للغذاء مصحوب بولده الأكبر سيدي محمد. 
سلمتُ عليهما بحرارة. وبعد ذالك تناولنا الغذاء الذي هيّأتْه نجية، وعمي الحاج يسألني عن أحوال العائلة...ء
مم    مضتْ هذه السنة الدراسية عادية الروتين. وحدّدَ لي أستاذ علم النفس المرضي الدكتور خليل العمراني موضوع أطروحة الإجازة: "اللعب عند الأطفال الرّضّع من 0 إلى 12 شهرا". كان هذا البحث حسب اعترافه هو شخصيا صعب، والدراسات والمراجع في هذا المجال حول سيكولوجية اللعب عند الأطفال الصغار جدّ شحيحة. لذالك يجب قراءة كل المراجع في هذا المجال، والاعتماد بالأساس على الملاحظة الدقيقة لسلوك الطفل في دور الحضانة وروض الأطفال.ء
و   لكل هذه الأسباب، اضطُررتُ إلى إيقاف دراسة الموسيقى والصولفيج في السنة الرابعة، والتّفرّغ لهذا البحث الشيق، ودراسة وكتابة أطروحتي التي يجب أن تكون كاملة قبل.يونيه من هذا العام الدراسي الحالي 1981.ء

من خلال اللعب يكتشف الطفل العالم المحيط به


ك    كنتُ أعرف مسبقاَ حسب قراءاتي الماضية المتعدد، وملاحظاتي لِسلوك حفيدتي نسرين، أنّ اللعب عند الطفل ليس مجرد مُتعة بسيطة ومضيعة للوقت. بل هو جزء حيوي من نمو
الطفل العقلي الجسدي والحسّي، إذ يساعده على فهم محيطه، واكتشاف وإدراك الأشياء في علاقاتها السببية التي تربط بينها، وتطوير بعض الوظائف الدماغية، وحل المشاكل التي تعترض الطفل خلال اللعب. وبناء الذاكرة، والتفكير المنطقي.ء
ء    كما يساعده غلى اتّخاذ القرارات اللازمة، كمُختبر للتفكير العقلي وهيْكلة النظام المعرفي بصفة عامة. بعبارة أخرى، على سبيل المثال، حين يضغط الطفل على زر لعبة مراراً وتكراراً، وهو يستمتع بالصوت الذي يحدثه الزر؟ إنّه يتعلم ببطء أن يتذكر تسلسل الأحداث، ويساعد تكرار اللعب على  مهاراته وتطوير ذاكرته وفهمه نتائج أفعاله وتعزيز ثقته بنفسه في النمو الانفعالي الجسمي، وحلّ المشاكل، وتشجيع وفهم واستيعاب قانو ن السببية. والتواصل الاجتماعي. ويعتبر علم النفس للأطفال من العلوم الحديثة نسبياً، حيث بدأ عام 1840م، كما قام العديد من العلماء والمختصون بالبحث ف هذا الموضوع ومن أهمّهم: ستانلي هول: وهو عالم نفس تربوي أمريكي، قام بتأسيس المدرسة التربوية، وهي مدرسة متخصصة في علم نفس الطفل وعلم التربية. وسيجموند فرويد و ابنته آنا فرويد الذين قاما بدراسة علم نفس الطفل، حيث تعاملا مع تطور الطفل من وجهة نظر منهاج التحليل النفسي. وفي كتابها "التشخيص بواسطة اللعب عند الأطفال"، ركزتْ الباحثة والمحللة النفسية النمساوية واليهودية الأصل ميلاني كلاين على أوجه القلق عند الطفل وطرقه في الدفاع عن نفسه ازاءها خلال اللعب. أما الطبيبٌ النفسي العالم جان بياجيه، الذي كان تأثيره عظيماً، خاصةً على علم نفس الأطفال الحديث، حيث قام بتطوير العديد من النظريات المتعلقة بفهم الطفل وتعلمه.فقد اهتم بدراسة علم النفس السريريّ، وعلم نفس الطفل، ووضع مجموعة من النظريات حول الدراسات النفسيّة، أُطلقَ عليها نظريات بياجيه، وتعتبرُ نظريته في التنمية المعرفيّة من أشهر النظريات النفسيّة، والتي ما زالت تستخدمُ في علاجِ العديد من الحالات المرضيّة، في الطب النفسي وخصوصاً المرتبطة بأمراض الأطفال، والصحة النفسيّة للطفل؛ه
ء    لقد كانت 1981 السنة الأخيرة والحاسمة في الجامعة بالرباط. وأوفيتُ هذه الأطروحة حقّها في البحث والدراسات المختصة في علم نفس الطفل لدرجة جعلتْ الأستاذ المشرف عليها يشكرني على المجهودات المبذولة من أجل إكمالها. وكانت المكافأة النجاح بميزة. مِمّا شجّعتني على تقديم طلبي للحصول على منحة من أجل متابعة الدراسات السيكولوجية في السّلك الثالث في الخارج، فكتبتُ طلبات لِلتّسجيل في الجامعات الأمريكية والبريطانية لِأني كنتُ أتقن اللغة الإنجليزية أكثر من اللغة الفرنسية التي كنت أكرهها، بسبب أحد المعلّمين في المرحلة الإبتدائية الذي كان يضربنا كثيرا وبقسوة، بسبب النحو والصرف الفرنسييْن.ء


 هؤلاء العباقرة من علّموني 


ء    معظم أوقاتي كنت إقضيها في الفيلاّ ب"بطّانة" في سلا. كنتُ أعتكف طوال اليوم في الحديقة أو الصالون أو غرفة نعيمة المنزوية في أحد أركان الحديقة للبحث والدراسة. نظّمتُ حياتي بطريقة لا أضيع وقتي الثمين. وأحيانا كنت أزور مكتبة الجامعة لاستعارة الكتب والمراجع المتعلقة بموضوع الأطروحة. أو أشتري كتبا جديدة من مكتبة "كليلة ودمنة" ومكتبات أخرى. فضلا عن زيارة دور الحضانة لملاحظة سلوك الأطفال الصغار وهم يلعبون. وأحيانا أخرى، عندما تلاحظ إرهاقي، تدعوني نجية إلى نزهة في مكان ما في المدينة.ء 
   وذات يوم، ذهبنا إلى قصبة شالة البعيدة، والتي كانت تعتبر واحدة من أشهر وأهم معالم السياحة في الرباط، كان الوقب عصرا، والجو دافئ ومشمس. وعندما وصلنا بالحافلة، نزل الكثير من الركاب معنا. كانت قصبة شالة الرومانية يزورها كثير من السياح من الداخل والخارج لِجمال مناظرها الطبيعية الخلابة وشساعة مساحتها وهدوءها. كانت أفواج من البشر والعائلات تدخل مجَاناً، وتنزّهنا ندور في أرجاء الحديقة أنا ونجية، ونحن نأكل "الزّرّيعة" ونستمتع بسماع زقزقة العصافير المختلفة، ونتأمل المناظر الجميلة. وفجأة، مرَّ لقلاق أبيض فوق رؤوسنا لِيستقرّ على قمة شجرة عالية. أعجبنا المشهد وتبعنا اللقلاق إلى أن وصلْنا إلى مكان الشجرة الباسقة. فرأيناه يحطّ في عشه وفراخه تتسارع لِاستقباله بِأفواههم الشرهة المفتوحة. كانوا جائعين.  ء




ءر    راقنا هذا المنظر الطبيعي الذي يُجسّد الأمومة في أبهى تجلّياتها وجمالها! فجلستْ نجية على الأرض المُعشّبة، وجلستُ أنا أيضا قربها نُدخّن سجائرنا ونتأمّل اللقلاق وهو يُطْعِم صغاره. وبعد دقائق يطير بعيدا عن العش لِيُطارد فرائس أخرى ثم يعود. وأخيرا جاء لقلاق آخر وحطّ في نفس العشّ. كانت الأم والأب يُطعمان أفواه فراخهما الصغيرة. فقالت نجية مبتسمة وهي تنظر إلى اللقالق في العش:ش
ـ لقد اِجتمعت كل العائلة الآن. الأب والأم والفراخ الصغار. أتمنّى أن نجتمع أنا وأياك. في عُشٍّ واحد بعد إنهاء دراستك.ك
ء    لم أجد ما أقوله سوى: "إن شاء الله"!ء
ء    فتذمّرتْ نجية وقالت:ء
    ـ أنا لا أثِقُ في الذين يقولون إن شاء الله. لِأنني أعرف أنهم يكذبون!ء
ء    ـ ليس بالضرورة. وثانياً هناك عامل آخر قد يحول بيننا وبين الأمنية التي نريد تحقيقها في الحياة! ليس كل ما يتمنّاه المرء يُدركه يا نجية. ء
ء    ـ أنا غير متّفقة معك عبد الرحمان. أيّ إنسان عاقل وراشد، إذا أراد تحقيق أيّة أمنية في حياته، سيصل إليها بالإرادة والعزيمة. ما عدا إذا كان هناك عامل آخر خفيّ، يمنع تحقيق ذالك الهدف. وجود فتاة أخرى مثلاً.ء
ء    شعرتُ في داخلي بحرج كبير. كأنّها تعرف أصل مشكلتي التي تمنعني من التّقرّب منها وجدانيا. في الواقع، ومع أنها كانت فاتنة ورائعة القامة وذكية، لم أحسّ تجاهها أبدا بِأي شعور حقيقي بالحب، مع أني سكنت عندهم سنتين من قبل، عندما كنت أدرس في ثانوية يعقوب المنصور قُرْبَ حيّ حسّان في الرباط. فقلتُ لها وأنا أشير إلى اللقالق محاولة مِنّي لِتغيير الموضوع:ء
ء    ـ أنظري إلى اللقلاق. إنه يعلّم فراخه كيف تحرّك أجنحتها لِتطير.ء


القصبة، موقع المغامرة



ء    نظرتْ نجية في ساعة يدها ووقفت تستطلع المحيط الهادئ وقالت مذْعورة:ء
ء    ـ عبد الرحمان، الساعة السادسة والنصف، والقصبة تسدّ أبوابها في السادسة. أسرع واتبعني.ء
ء    هرْولنا نحو الباب العملاق البعيد، لا أثر لِلزّوار. لا بد أن يكون الباب مُغلق. ربّاه ماذا سنفعل؟!ء

ء    حاولتْ نجية فتح الباب الكبيروالدّوران حوله، ثم اتّجهتْ إلى باب غرفة صغيرة يجلس فيها الحارس خلال عمله بالنهار، وقرعَتْهُ بعصبية وهي تصرخ:ء
ء    ـ هل هناك أحد؟ إفتحوا لنا الباب من فضلكم. نحن مسجونون هنا. إفتحوا لنا الباب.ء
ء    نظرتْ إليّ نظرة حائرة وقالت:ء
ء    ـ ماذا سنفعل عبد الرحمان؟ الوضعية خطيرة!ء
ء ء    ـ لا تتركي الخوف يستبِدّ بكِ. إهدئي وسنجد الحل المناسب.ء
ء    ـ كيف سنجد الحل؟ هل نكسّر الباب؟ أم نقفز من السور الذي يتجاوز ارتفاعه أربعة أمتار؟!ء
ء    ـ إتبعيني لندور حول السور فربّما سنجد فجْوة أو شجرة نتسلقها لِنطلع فوق السور.ء
ء    كان سور القصبة التّرابي اللون شاهق الاِرتفاع، والأشجار الباسقة بعيدة عنه. فبدأنا نبحث عن الشجرة الأكثر قُرْباً منه لِنتسلقها ونقفز على السور. وفجأة قالت نجية:ء
ء    ـ عبد الرحمان، أنظر إلى تلك الشجرة، إنها لاصقة بالسور، هيّا بسرعة، الشمس تغيب ولا أريد أن أنام هنا.ء
ء    تفحّصْتُ شجرة الصّفصاف. كانت خضراء الأوراق وباسقة تتجاوز ارتفاع الجدار العظيم. فبدأتُ التّسلُّق مادّاً يدي لِنجية لِأساعدها على اللّحاق بي. فقلتُ لها مازحا لِأرفع من معنوياتها وأنا أمثّل دور البطل الذي لا يخاف:ء 
ء    ـ نجية، هل ذهبتِ إلى السينما هذا الأسبوع لِتشاهدي فيلم "أبي فوق الشجرة"؟ يُقال إنه فيلم هزلي جميل.ء
ء    ـ يدك تنزلق عبد الرحمان. أنتَ عرْقان، سأنتقل إلى هذا الفرع وإلاّ سنسقط معا! الفرع الذي تقف عليه رقيق ولن يتحمّل ثقلنا نحن الإثنان.ء
ء    ـ عندك الحقّ. إقفزي على ذالك الفرع وأنا سأقفز على السور. كوني قوية، لقد وصلنا تقريبا.ء
ء    وعندما نزلنا من الشجرة ووقفنا على السور، تصادمنا بمشكل أخطر، كيف سنهبط الآن والاٍرتفاع شاهق ومُخيف! ليس لدينا حبل ولا سُلّم. وعندما اقتربتْ نجية لِترى العُمْق، كاد أن يُغْمى عليها. فصرختُ إُحذّرها.ء
ء    ـ حاولي البقاء طبيعياً من فضلك. سنتجاوز هذه العقبة كما تجاوزنا غيرها. لم يبق الكثير. دعيني أفكّر الآن وسنخرج من هذه المِحْنة عزيزتي نجية. .ء
ء    ـ لولا هذه المِحْنة لَما سمعتُكَ أبدا تنطق بكلمة "عزيزتي"!ء
ء    بدأنا نتأمَل الأفق حولنا ربَما سنجد أحدا ليساعدنا لِلنزول من فوق السور والتّخلّص من هذه الورطة التي وقعنا فيها. فقالت نجية وهي تشير إلى شبح رجل قادم :ء
ء    ـ هل ترى ذالك الشخص القادم نحونا، سننتظره ونطلب منه أن يساعدنا على النزول. كل ما وقع لنا كان بسبب ذالك اللقلاق اللّعين..!ء


اللقلاق الجميل اللعين

ء    جلسنا على السور نستمع إلى آذان صلاة المغرب التي بدأتْ تصدح من صومعة المسجد القريب في انتظار المُنْقِذ القادم. كان بعيدا ويتمشّى بمهل نجو المسجد لِلصلاة. وبعد بضعة دقائق بدأتْ هيأته تتوضّح أكثر فأكثر. كان رجلا طاعناً في السّنّ، لابساً جلبابا بُنّياً داكنا. فناديْتُه أترجّاه أن يساعدنا. فرفع رأسه يُحدّق فينا ملياً بغرابة ثم قال:ء
ء    ـ ماذا تفعلان هنا؟! مَتْحشْموش! جيل قِمّش، ما يحشم ما يرمّش! الله يلعنها سلْعة.ء
ء    واستمرّ في طريقه يلعننا ونحن نحاول بلْع هذه الإهانة... وقفتُ أختبر فكرة ومضتْ في عقلي بصورة مباغتة، وبدأتُ أهزّ غصن الشجرة القريب منّا. كنتُ أفكر أن أكسّره ونستعمله للهبوط. ولكنه كان غليظا وصعْب الاِنكسار. فيأسْتُ وجلستٌ محاولا تهدئة نجية التي كانت جدّ خائفة ومُصْفرّة الوجه. وفجأة، قفزتْ إلى ذهني فكرة أخرى. فقلتُ لها:ء
ء    ـ نجية، انْزعي سروالك بسرعة.ء
ء    تفاجأتْ نجية نوعاً ما لِلفكرة ولكنها أذْعنتْ وبدأنا ننزع معا سراويلنا دْجينية الزرقاء. نظرْتُ إلى الأسفل بحذر وخوف. المسافة بعيدة، أربعة أمطار على الأقل. مع ربْط السروالين معاً ستنزل نجية بسهولة. فقلتُ لها:ء
ء    ـ أنظري. ستشدّين بيديكِ في طرف السروال وتهبطين بهدوء دون أن تنظري إلى الأسفل، وأنا أساعدك. هيّا.ء
ء


المراهقة وتسلّق الهمالايا


    قبضْتُ على غصن الشجرة بيدي اليسرى كي أحفظ توازني وألاّ أسقط، ومددْتُ لها يدي اليُمْنى لِتبدأ النّزول. وبدأتْ تبتعد شيئا فشيئا وأنا أُرخي السراويل إلى أن بقي لها أقلّ من متر لِتصل الأرض، فقلتُ لها فرحٌ:ء
ء    ـ لقد وصلتِ أنظري إلى الأرض الآن. يمكن لك أن تقفزي.ء
ء    قفزتْ وفرحتْ حين رأت رِجلاها تقفان على الأرض الصّلبة. فرفعت رأسها تسألني:ء
ء    ـ وأنتَ كيف ستعمل لِتنزل الآن عبد الرحمان؟ء
ء    ـ سأستعمل نفس الطريقة. ولكننا سنبقى بدون سراويل لِأني سأربطهما بفرع الشجرة كي أنزل وأتركهما هنا معلّقين فوق الشجرة. ما رأيكِ؟ء
ء    مشكل! ولكن لماذا لا يمكن اِستعادة سراويلنا؟ء
   ـ لا تخافي. غدا باكرا سنكون هنا ونستردّ سروالك.ء
ء  ـ وكيف سنذهب الآن؟ء 
ء  ـ أنتِ لابسة "رِبيكا" طويلة ولا مشكل لديك. أمّا أنا فسأمشي في شوارع المدينة عرْيان! ولهذا سأستعمل سروالا واحدا فقط للهبوط. سأرمي لك سروالي وأهبط.ء

ء    عندما وصلنا إلى باب الفيلة، نصحتني نجية أن تبقى هذه المغامرة سرّاً بيننا وأن ندفنها معنا ولا يعرفها أحد غيرنا. ثم تسرّبتْ إلى غرفتها خُفْية لِتُغيّر ملابسها.ء
ء    مضى أسبوع على طلبي منحة السّلك الثالث من وزارة التربية الوطنية. وجاء الرّدّ إيجابيا. فبدأتُ أجمع حوائجي وكتبي لِلعودة إلى أهلي في الناظور، وتوديع عائلتي هنا في بطّانة. لقد أنْهيتُ دراساتي الجامعية في الرباط، وحان وقت الرحيل...ء



يتبع


0 

Ajouter un commentaire


    Commentaires

    Posts les plus consultés de ce blog

    الرأسمالية المتوحّشة

    Carte visite :

    L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.