نوطات من سِيمْفُونِيَة الْمَالَنْخوليا





 La vie à  Passo . Chapitre 8

  نوطات من سِيمْفُونِيَة الْمَالَنْخوليا   

Notes de la symphonie mélancolique

الفقرة الثامنة من رواية " الحياة في باسو"

 للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي 

   

        نوطات من سِيمْفُونِيَة الْمَالَنْخوليا        

Notes de la symphonie mélancolique


       أنا الآن هائِمٌ في المدينة     
بَعْدَ ليلةٍ ساهِرَةٍ حَزينَةٍ بيضاء 
 أُحاوِلُ أنْ أرى النُّورَ والنَّاس هذا الْمَساءْ
 ... وأنْفُضُ عَنِّي شيْئاً مِنَ الإرهاقِ وثِقْل الْعَنَاءْ

اليَوْمُ يَوم خميسْ    
    . ولَيْسَ لي غيْر السُّكون في وحْدَتي كخيْر جليس
الرَّذاذُ مُسْتَحْوِذٌ على المدينة
 ...يَتَبَخْترُ بِزهاءٍ كالْعَريسْ
...وأنا التائه الجوال في ظُلُماتِ الليلِ
غارِقٌ في ذُنوبي وعذابي بئيسْ
 ... الشوارِعُ باردة وخاليةٌ مِنَ الْأحْياءْ
 ... والماءُ، في كلِّ مكانٍ مُنْسابٌ يسيلْ
 أحْمِلُ قَلْباً مُلَطَّخاً بِإِيمانٍ كَليلْ
 ... بِسببِ لارا دَوْماً عَليلْ
 هِيَ مَنْ تُحَاوِلُ هِدايَتي يَوْمِيّاً وَجَرِّي إلى هذا السَّبيلْ

 لاَ أُريدُ إلاَّ أنْ أتيهَ وأتيه وأتيهْ   
 ... مِثْـلَ آذانِ الْمَغْرِبِ الآنْ
 !.. تَتَبَخَّرُ أصْداؤُها في الفضاءِ بِدونِ مَعان
 ... دونَ أْنْ أرى أوْ ألْمَح أيَّ إنْسَانْ
  ... ما عدا بعض أشباح الجُثث الشائخة المستلبة المقهورة بالزمان
 ... تَجُرُّ قدميْها جرّاً وفي حيرةٍ وتردُّدٍ لِتلبيةِ نِداءِ الآذان

 ... لا أُريدُ أنْ أُفَكِّرْ    
 ... قِوَى الصراعِ مُتشابِكة
 ... في أحْشائي غَلَيانْ
 ... في الأُفُقِ سَوادْ
 ... وفي عُيوني ضَبابْ
 ... وفي وُجودي ألْفُ اغْتِرَابْ
 ... ولاَ أتوَقَّعُ أن أجْني منْ لارا عَدا الْخَراب أوِ السَّرابْ

 ... أتيهُ كالْأحْمَقِ الْهائِم ... كالْمَجْنونْ   
 ،أشْتاقُ إلَى وُجودِ أَمْنٍ بِقُرْبي
،إلَى حُضورِ أبي
 ... لِيُساعِدَني في صِراعي ضدَّ سَكَرَاتِ هذا الْمَنونْ
 ... أحْتاجُ إلى قَلْبِ أُمِّي الْحَنونْ
 ... أحْتاجُ إِلى كَثيرٍ مِنَ الهُدوءِ والسُّكوُنْ
 ... وهذا مُستَحيلٌ أَحْياناَ مَعَ فَدْوَى الْمَسْكونَةُ بِالْجُنونْ

  . كَيَوْمٍ مَطيرٍمُضْطَرِبٍ أَنَا     
 ضائِعٌ  بَيْنَ أيَّامِ الْفُصولْ
 ... أبْحَثُ عَنْ ينابيعي
عَنْ جُذوري
 عَنْ أوهام الْأصُولْ
 ... وَرقَةٌ في مَهَبِّ الرِّيحِ أنَـا
... تَتَدَحْرَجُ فوقَ كُلِّ الْهِضابِ وسُفوحِ السُّهولْ
 ... مجْنونْ
 ... بوهيمِيٌّ مصْروع
 ... مَعْتوهٌ مَهْبولْ
 ... باِحِثاً عَنْ سَلْوَى
عَنْ وسيلَة لِلْإنْتِحارْ
 ... عن كُحولٍ
!.. عَنْ مَعْنَى الْكَوْنْ
 عَنْ جَدْوَى الْحَياة
 !.. عَنْ إلاَهٍ مَجْهولْ
        


      أنَا حائِرٌ حَبيبتي لارا ، فَما الْعَمَلْ ؟   
 ... يَا رَابِعَة الْعَدَوِيَّة ... إِنَّ ظُلْمَكِ لِي أَلِيمٌ وَقَدْ طَالْ
 ... وَصَباحُكِ كٌلَّما أَشْرَقْ ، يُوقِظُ في رُوحي هَفَواتْ
 ، يَقْذِفُني في بَوارِجِ الصَّمْتْ وَأَحْضانِ الشَّهَواتْ
 ، أيْقَضْتِ في أعماقي من عنفوان اللذات والملذات
 ... ما كانَ هامِداً في دواخلي منذ عديدٍ من القرونِ والسنوات
 أحيانا معك ، أحِنُّ بكل أشواقي لِلْإسْتِغْراقِ في طُقوسِ الرَّذيلَةِ لا الصَّلواتْ
 ، وللبوح سِرّاَ ، لجميع الجيران ولكل العابرين
 ... بذنوبنا جميعاً في كُلِّ الأماكنِ والجهاتِ والخلوات
 ... سيكونُ هذا مِني لَكِ انتقام جِدُّ أليم
 ... لأنكِ هجرتِني ... نسيتِني ... جرحْتِني وقتلتِني
 ... كانَ صوتُكِ السحري يصدحُ يومياً في آذاني كأنْغام العنْدليب
فلماذا هاتِفُكِ اليوم حبيبتي أَصَمٌّ لا يُجيب ... !؟

   
    
لماذا ...؟؟؟   لماذا ...؟؟؟    
 ، بَيْنَ قِيادَتِكِ لي وَجَرِّي إِلى رِحابِ هذا الْإيمانْ
 ... وَبَيْنَ إلْحَاحكِ لِاِصْطِحابِكِ إِلى فراديسِ الْجِنانْ
 ... وَبَيْنَ تَمَرُّدِي أنَا ، وَتَوْقي إلى سِحْرِ هَذا الْعِصْيَانْ
لِمَ الْقَطيعَة عِنْدَنا ...؟َ لِمَ هذا الْإِسْتِلاَبُ الْفاصِل  بَيْنَنا ...؟
وَلِمَ السَّماءُ مُتَجَهِّمَة هكذا تُحارِبُ حُبَّنَا ...؟
وِلِمَاذا أَخَذَتْكِ غَصْباً رَهِينَة وَأبْعَدَتْكِ عَنْ جنَّتِـنا هُنَـا ...؟
!!!وَلِماذا سَمَاؤُكِ نَفَتْكِ مِنْ وجُودي وَسَمائِي أَنَـا ...؟؟؟
  


 ... سَرَقَتْكِ مِنِّي السَّمَاءُ حبيبَتي    
 ... سَرَقَتْكِ مِنِّي السَّمَاءْ
 ... كَيْفَ تُرِيدينَ أنْ أَغْفِرْ لِلسَّمَاءِ كُلَّ هذا الْعَداءْ
 ... لَنْ أَغْفِرَ أبَداً مَا فَعَلَتْهُ لِيَ السَّماءْ
 ... سَوْفَ أنْتَقِمْ لِلارا وَلِي ولِكُلِّ المحْرومين والمظْلومين
 ... مَهْما طَالَ الْوَقْتُ أَوِ الزَّمان سَأنْتَقِمْ
 ... وَسَيَكُونُ انْتِقامِي رَهِيبٌ أَلِيمْ
 ... وَكَمُعَلِّمي نَيْرُونْ ، سَأُحَوِّلُ مَمْلَكَةَ السَّماءِ إِلَى جَحِيمْ
 ... أَعْني ما أَقُولْ ... وَسَتُثْبِتُ لَكِ الْأَيَّامُ ذَالِكَ حَبِيبَتي
   ... وَلَوْ أُمْضي كُلَّ حياتي في السُّجونْ
 ... وَلَوْ أُمَزِّقُ لَكِ جِسمي فُتاتاً منَ الشُّجونْ
 ... سَأُقدِّم لِسعادتِكِ حُريتي ووُجودي وجسدي قُرْبان
 ... لِأَسْتَـرِدَّكِ أو أشتريك مِنَ السماء حَبِيبَتي
 ... سَأُزَعْزِعُ عِنْدَ النَّاسِ كُلَّ أرْكانِ الْيَقينْ
 ... سَأُحَرِّفُ كُلَّ اتِّجاهاتِ الصِّراطِ الْمُسْتَقِـيمِ وَالْمُبينْ
 ... سَأُزَلْزِلُ الْأَرْضَ تَحْتَ أقْدامِ كُلِّ السّاخِطينَ والسَّاجِدِينْ
  ... وأُقْنِعَهُمْ بِأَنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تخْلَقْ سِوَى لِغَيْرِ المُؤْمنينَ المنافقينَ الْعابِدينْ
 ... وَأَنٌهُ لاَ يَدُومُ إِلاَّ الحرية والْحُبَّ الصّافي وَالشَّديدُ النَّقَاءْ
 ، وسَمَرُ هارونِ الرَّشِيدْ ، وَأصْدَاءُ لواط أبِي نُوَاسْ
 ... وَمُجونِ السَّهَراتِ في مَراقِصِ بَغدادِ وَمزارات كَرْبَلاَءْ
 ... وَاللَّيالي الْوَرْدِيَّة وَكُلُّ لَذَاتْ السَّاهِرِينْ
 ... وَأَنَّهُ لاَ يَدُومُ خالِداً إِلاَّ شَذَراتِ السعادة عِنْدَ الْعَابِثِينْ
 ... و لحظات عربدة زُمْرَةُ السُّكَارَى وَكُلُّ الشَّوَاذ وَالْمِثْلَيِّينْ
 ... وَكَامِلِي الْأَوْصَافِ مِنَ قَوْمِ اليهودِ والْكَافِرِينْ
 ... ونَرْفَعُ رايَةَ التَّحْريرِ مِنَ السُّباتِ وَالاِستلاب
  ... هاتِفينَ يَحْيا الْمُجونْ ... يَحْيا الْعِصْيانْ
  ... ومرحباً بكلِّ الْأَشِقّاء المرتدين واللاَّ مُنْتمين
 ... والْـوَيْلُ ثُمَّ الْـوَيْلُ للمُصَلّينْ


 ... لاَ أُرِيدُ أَنْ يَبَقَى طَرِيقَ السَّماءِ مُسْتَقيمْ
 ... لأَنَّ طَرِيقَ وُجودي أنا أَيْضاً لامُسْتَقيمْ
 ... بِسَبَبِ الْأَقْدَارِ طريقي مُعوَّقة ، إِعْوِجاجٌ  في اْعْوِجاجْ
 ... بِسَبَبِ الْأقْدارِ والسَّماءِ  فَقَدْتُكْ ، فَصارَ وُجُودي عَجَا جٌ  في عَجَاجْ
 وَلَوْ أَنَّ ما سَأَفْعَلُهُ بِكَلِماتي وَأَلْوَاني سَوْفَ يُغْضِبُكِ وَلَنْ يُرْضيكْ حبيبتي
 ... وَمَعَ ذالِكَ سَوْفَ أَفْعَلْ ، لِأَنَّكِ سَرَقَتْكِ مِنِّي السَّماءْ
 ، سأبني لهم في مملكة الشيطان أنواع النعيم والفردوس أعلاها
 ... لِيَنْعَمَ بجنات الحبِّ الصافي أتْقاها وأشْقاها
 ومنها تُفَجَّرُ أنْهار الجنة ، ومن فوقها كان عرش الرحمن
 ... لِيَلْتَذَّ بالإنقلاب والِانتقام كل مُعَذَّبٍ في هذه الدُّنْيا وكل مُهان
 ... وكخدم ، سأزرع وِلْدان مُخَلَّدونَ كباقات زهر منثور ممْدود
 ... سَأنْثُرُ في طُرُقاتِ الضَّلالِ أزْهاراً وَكُلَّ أَنْواعِ حور العين والْوُرودْ
 ، وجداوِلَ بل أنهار من لبنٍ وعسلٍ وخَمْرٍ لذةً لِلشَّارِبينْ
  ... يتهافت عليها كل موجود  لِلاِستِغراق في السكرِ والرّقصِ لِنِسْيانِ الشُّجونْ
 ... وسَتُفْتَحُ لكل زنديقٍ ومُرْتدٍّ وفاسقٍ وكافة الرُّهبان وكل كاِهنٍ أَوْ مَكْهُونْ
 ... وفي الطريقِ المستقيم أزْرع القحطَ والجفاف والصحراء والضمأ والطاعون
 ، لِتَعْلَمَ الأقدار أن هذا العَبْدَ  الخاضِع الْمُسْتكين
 ، ربما تُحوله لارا إلى فِــرْعَون ونيرون
 ... !!! وبركان  لكل عَرْبَدَةٍ  ومُجون
 ... وسِكِّيرٌ هائِمٌ مُتَشَرِّدٌ حالِمٌ بِسَرابِهِ في قلبِ السُّكونْ
 ...!!! يا لَجَبَرُوتِ حَوَاء عِندنا ، وندَّعي ظُلْماً أنها بلا حُقوق 
 ... قُدرتها على اسْتِعْبادِ الرِّجالِ عنيفة ومُدَمِّرة 
 ... كقوة المُعْجِزاتِ والخوارقِ أوْ يفوقْ

  
   ... أيُّها الْبَهاءُ السّابِح في المحيط وفوقَ الْبِحار    
 ... أيُّها البياضُ الناصِعُ الذي طالما أعْمَاني
...سَأُخالِفُكِ اليوم ، وسأقولُ لاَ بحسْمٍ وبكلِّ افتِخار
 ... لِأَني أعبُدُك ... وأطْمَحُ أنْ أسْتَرِدَّك لتعودي إلى أحضاني
 ... لن أُطيعكِ هذه المرة ، عُذْراً حبيبتي ، سأظَلُّ مُخلصاً لِعِصْياني
      ... ففي مَسَالِكِ الْهِدايَةِ أزرعُ أشْواكاً وَشُكوكاً وَكَثِيراً مِنْ حَوَاجِزَ وَقُيُودْ
 ... وَ سأطْرح أَكْوَاماً مِنْ عَلاَماتِ الْإِسْتِفْهَامِ عَنْ أَصْلِ  وَماهِيَةِ الْوُجُودْ
 ، وَسَأَكُونُ لِلشَّيْطانِ أقْوَى حَليفٍ وَصَديقْ
 ... لِنَقْتَصَّ مَعاً مِنَ الْأَقْدارِ وَالسَّماءِ وَنُشْعِلَ فيها أقْوَى حَريقْ
 ... يا قَوْم إجمعوا الْحَطَبْ ... يا قَوْم إجمعوا الْحَطَبْ
يا مُعَذَّبوا الْأَرْضْ ... إجمعوا الْحَطَبْ
 ... أَيُّها الْهائِمِونَ دَوماً في  دُنْيا السَّـرَابْ
 ... أَيُّها الْغارِقُونَ في ظُلُماتِ الْإِسْتِـلاَبْ
 ... يا مَنْ نَخَرَتْ وُجودَهم إحباطات الظُّلْم وقهْر العـذابْ
 ... دَكُّــوا السراب ... دَكُّــوا السراب
 ... أزيلوا عن هذه المأساة القِناعَ والنِّقاب
 ... أوْقِفوا نزيفَ هذا العِقابْ
 ... إجمعوا الْحَطَبْ ... إجمعوا الْحَطَبْ
... آنَ الْأوانُ لِتتحرروا من عُبودية تقاليد النِّفاق وتصيروا أحرارا
 ... لِتتهاطل بغزارة أحقادكم ... ولِيَنْفَجِر كالشَّلاّل عُدوانكم في هذا العيد
 وفي هذه الذِّكْرى العزيزة علينا جميعاً والكثيرة الْأحزان
 ... " ـــ إِنها " ذِكْـرَى الْمُهــانْ " أحِبّائي ... إِنها " ذِكْـرَى الْمُهــانْ 
 ... ذكرى غالية ... بها لا يُستهان
 ... يا قَوْم ،  يا بَشَرْ، يا سُكَّان مَمْلَكَةِ الْعِصْيانْ
 ... قُومُوا قَوْمَةً واحدة ، وهلِّلوا بالتمرد والعصيان
 ... قُومُوا فَيَوْمُ الْإِنْتِقامِ قدْ حَانْ ... يَوْمُ الْإِنْتِقامِ الْيَوْمَ حَانْ
    وقام الجميع كمُحيطٍ جَبَّار يتململ ويُهَلِّلْ ويُردِّدُ صارِخاً كالرَّعْدِ الْعَنيف الذي يزلزل الأرض ومَن عليها
       ... ـ  لِتَموت السماء ... لِتَسْقُط السماء ... لِتَموت كُلٍّ الْآلِهة
 ... ـ  لِيَغْرُب الإستلاب ... لِنَقْهَرَ العُبودِيَّة والْإستغلال
        ...ـ  لارا سَتَتَحَرَّرْ ... الأغلال سَتُكْسَرْ ... الاِستلابُ سَيُقْهَرْ ... والآلِهَةُ سَتُقْبَرْ
 ...ـ الحرية أَكْبَرْ ... الحرية أَكْبَرْ ... الحرية أَكْبَرْ
                                      

   
      ... أَوْقِدوا النَّارْ     
 ... هاتوا بالْوَقيدِ وبِكُلِّ أنْواعِ الْمَحْرُوقاتِ والْمُفَجِّرات وَالْكِبْرِيت أوْ أيّ وباء
 ... سَنُشْعِلُ حَريقاً تاريخيّاً هائِلاَ في السَّماء
 ... سَنُدَمِّرُ الْأَقْدارِ ... سَنُلْهِبُ السماء
 ... أَيْنَ السَّلاَلِمْ ... هَاتُوا بِكُلِّ السَّلاَلِمْ والشِّهاب
 ، وقولوا للشيطان أن يأتي بالنيازِك وخريطة سورة الجِن
 ... لِتَفُكَّ لنا حالاً أسْرار الكون
 ... فنحن على أبوابِ ربّ السماء
 ... سندُقُّ على الأبواب
 ... ثُــمَّ نُكَسِّرُها ونضحي بِكُلِّ مَنْ فيها وما فيها
 ... سنذبحُ الجميع بدون حرج ولا نسيم ذنْبٍ ولا حنان
 ... سنفجِّرُ كُلَّ شيءٍ كما كانتْ غَزَواتِنا العِظام في أمْريكا أيامَ زمان
 أمّا الآن ، فما نحنُ سِوى بضعة أوباشٍ يعْصُرُنا النَّدَمُ في مملكةِ العصيانْ
 ... سنغتصب كل حورالعين على مرآى من الْمَجَرّات ونجعل الفتحَ فضيع
  !.. وسنُشَوّه وجْه الرّبّ الذي لِكُلِّ نِداآتِ جِراحاتِنا لم يكن أبَداً بِسميع
 ... وسَنُغْرِقُ كلّ تِلْكُمُ السَّماء في سَعيرٍ مُريع
      ، وفجأة ، بدأ وجهه يشحب وكلامه يتلعْثمُ وهو مُهرْول    
 ، يهبِطُ السلالِمَ كالمشدوه
 ويُشيرُ بيده كالْأحمقِ في اتِّجاهِ أبوابِ السماء ويصرخُ بِأعْلى صَوْتِه
    ... ـ  رَأَيْتُ ملائِكة هُناك ... ملائِكة هُناك  
  
    
 !.. إنها ملائكةٌ بيضاء ... جميلة ... مثل لارا ... ربما هي لارا
 ... إنَّ الله قد يكونُ هُنا
    ...!!! واااااامُعْتَصِماهْ ..! النجدة ...!!!  النجدة
أينَ الكاهِنة ونوميديا ...؟ 
أينكِ حبيبتي لارا ؟ 
هل أنْتِ هنا في السماء ؟
ولماذا أنتِ وحيدة هنا في السماء ...؟
     : ورَمَقَ عَيْنان في السماء تُحَدِّقان فيه ، فارْتَجَفَ وصرخ بِأعْلى صوْتِه    
   ... ـ إِنَّ الله يرانــــــا ... إِنَّ الله يرانـــــــا ... إِنَّ الله يرانــــــــا 
    ...ـ أنا أنْسَحِب ... أريدُ الفِرار ... لا أستطيع الاِسْتِمْرار 
   ...ـ مُتذبْذِبٌ جبان وبحب لارا ولْهان ولَنْ أُحقق لكم أي انتصار 
  ... ـ  أنا لن أُحْرِقَ السماء ... لن أَخْتَرِقَ السماء 
  ...  ـ  أبداً أبداً أبداً  لن أُحْرِقَ السماء 
  ... ـ  ذالِكَ لِأَنَّ الله  يرانــــــا 

                 ،  وتَذكَّرْتُ الآن ، وبعد عُقود    
، حين كُنْتُ صغيراً ألْعب في دارنا الكبيرة في بني سيدال 
 وأنا مُنبطِحٌ في الْمَراح على بطني فوق حصير، 
 ... وأُمِّي تغْدو وتروح
 ، تطبخ الطعام وتطهو الْخُبْزَ لَنَا ، 
... وأنا أرنو إليها
 ... وأرْسُم في ذِهني كلّ حركاتها
 ، وتتبعها عيوني كالظِّلّ ولا تفارقها أبَداً
 ، " أرسُم " أحمد والعفريت " ، وأُلَـوِّنُ " بقرتي نورية
... " وأحْفَظُ عن ظَهْرِ قلْب  : " اللــه يرانــا

      ، إنَّ ما تَرَسَّخَ في الصِّبَى من أحداثٍ أو شذرات أو صدماتْ    
 ... هو ما سيحكُمُ وُجودَنا وسلوكنا مدى الحياة
    ... وهبط آدم من السماء وهرب لأنَّ اللــــه يراه   
 ... ما زال هذا المُهَرْوِلُ يُحِبُّ الله ... هذا هو المُشْكِل ... كَوْنُهُ ما زَالَ يُحِبُّ الله
     ... الصِّراعُ مُحْتدِم ... التَّقَمُّصُ مُزدهر
 ... الإسقاط ساري المفعول ... وجذور الطفولة صلبة
 ... واللاَّوَعْيُ خَزّانْ
 ... ومُحرِّكاتُ السُّلوك تأْتي دوماً من ضبابٍ بعيد




 ، في الواقِع ، جَمال وسحر هذه الحياة ، يَكْمُنُ في كَوْنِها حريرة او شبه حريرة    
 شديدة التَّناقُضات ، كُل شيء مُخْتَلِط فيها وعبثي ... كل شيء بِدون اسْتِثْناء
      ... القصبور والمعقدنوس ... المُقَدَّس والمُدَنَّس ... الطحين والحُمَّص
 ... الصِّدْقُ والكذب ... الدعارة والطهارة
 ... الزيت والملحة ... الشك واليقين ... القُبْح والجمال
 ... السذاجة والحيلة ... الإبزار والزعفران
 ... البراءة والشُّرور ... الكآبة والحُبور ... الزُّبدةُ والتُّمورْ
 ... التقهقر والإحجام ، والشجاعة والإقدام
 ... الخوف من الجحيم والطمع في الجنة
     : يجب أن أعود إلى واقِعي
    ... عزيمة المقاومة والصُّمود والدَّمار لا زالت مُشتعِلة

  ... هيُّوا ، أعذروني هذه الشطحات واصعدوا إلى السماء    
 ... سَنَصْعَدُ إِلَى السَّماءِ لِنَثْخِنْ جَسَدَها الْعَفِنْ بِكُلِّ أَشْكالِ الْجِراحْ
 ... سنُمزِّقها تمْزيقاً لِتُشَتِّتها الأعاصير وتعصف بها الرياح
 ... سَوْفَ تَبْتَهِجُونَ حِينَ تَرَوْنَ الدِّماءَ تَنْزِفْ مِنْ قَلْبِ تِلْكَ السَّماءْ
 ... سَنُشَوِّهُها  تَشْويها ... ونُحَوِّل هدوؤها وجمالها إلى وباء
 ... وسحر سحابها إلى ظلمات سوداء
 ... وجِنانها إلى صحاري جرْداء
      ... أَشْتاقُ إِلَى السَّادِيَة
 ، الجُرْحُ عميق ... والاسى عريق ... والامل مع السماء
 ... كان دوماً سراباً وضباباَ وجد رقيق
 ... لكل هذا لا بد الآن من هذا الحريق والإحْتِراق
 ... لِأَنَّني ... كادَ يقتُلني هذا الْفراقْ
فِعْلاً أقولُهُ بِصِدْق وبأعماق قلبي حبيبَتي :
   ... ـ  هذا الْفراقْ كادَ يقتُلني يا لارا
 !.. ـ  فِعْلاً ... كادَ يقتُلني

 ... سَرَقَتْكِ مِنِّي السَّمَاءُ حبيبَتي ... سَرَقَتْكِ مِنِّي السَّمَاءْ 
  !.. سرقتِ السّماء سعادتي
  . غيُورةٌ وساديةٌ بَلْهاء هذه السّماء عزيزتي
 !.. لِأنّها تخافُ أنْ تكونَ حبيبتي قِبْلَةَ عِبادتي
 ... سَنُفَجِّرُها كما ينفجر البركان ... سَنُكَسّرُ كل أَقانيمَ السماءْ
 ... وَسَنَمْحو كُلَّ رُموزِ السماء ... سَنُدَمِّرُها تَدْميــرَا ... فَهَلُمُّوا جَميعاً
 ... هَلُمُّوا ... هَلُمُّوا
 ... إِنَّ يَوْمَ الْمِيعَادِ الْيَوْمَ قَدْ حــــــااااان ... إِنَّ يَوْمَ الْمِيعَادِ الْيَوْم حَانْ
 ... لَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْقَلِيل لِانْهِيَارِ السَّماءْ
 ... أُقْسِمْ بِلارا ... سَوْفَ تَنْهارُ كُلُّ السَّماء
 ... كم من جِنان كانت صحاري وكم من صحاري كانَتْ جِنان
 ... هكذا دوماً أبداً لُعْبة الْإِلْحادِ مَعَ الْإِيمان
 ... وهكذا سيكونُ دَوْرُ كلٍّ من آدم وحواء والشيطان
 ... مَسْأَلَةُ وَقْتٍ وَوَعْيْ حبيبتي ... سَتَرَيْنْ
 ... بِأُمِّ أَعْيُنِكِ سَتَرَيْنَ إنْهِيارَ السَّماءْ ... في الرَّبيعِ الْمُقْبِلِ سَتَرَيْنْ
 ... في يوم موعودٍ مشهود سينقشع في ليله ويتبددُ كل ظلام


 ... في يوم سينتشر فيه التسامُح  والسلام
... في عَهْدٍ سيُباحُ فيه البُكاء والكلام
 ... في يوم تنكسر فيه كل الأصفاد والقيود
 ... ولا نُحْكَم بتعاليم فرعون أوشرائِع عادٍ ولاَ ثَمودْ
 ... عِنْدما تَنْمُو النَّباتات وَالْأَعْشابَ وَتَتَفَتَّحُ  كُلَّ الْوُرودْ
 ... وتنْهمِرُرعلى العالم مَلَكوتُ كل العُهود
 ، ويرقص الأنبياء مع الفُقراء
 ... بجمال يوسف ، وعصى موسى ، وخواتم سُليمان وناي داوُود
 وَتَنْبَثِقُ الإبْتِسامات من ثُغور سماوات غيْر مُؤْذيةٍ لِلارا وحواء
 ... ويعوم في نفسِ" الحريرة " حَسَبَ تعبيرلارا
 ، كل القياصرة والسُّعاة سواءٌ بِسَواءْ
 ... وَيَزْدَهِرُ الْوَعْيَ ... وَتَخْضَرُّ الْأَحْلاَمْ 
 ... ويُغرِّدُ البُلبل مع حياتٍ ترقص على وقعِ الأنْغام
 ... وتغلق كل السجون أبوابها على الدوام
 ... لِتتحول إلى جامِعات ومعابد لِلرُّهْبان وكل مَنْ هو مُهان
 ... لِيزْدهر في جنتها الحب والتسامح والحرية في أمان
 ... وَيُغَرِّدُ الْحُبُّ صَافِياً فَوْقَ أَغْصانِ الزَّيْزَفُونِ وَيُرَفْرِفُ الْحَمامْ
 ... وَتَنْسَابُ أَنْهارُ الْعِشْقِ حُرَّةً بِلاَ حُدود وَبِكُلِّ سَلاَمْ
 ... وَتَنْطَلِقُ الْقُلوبُ الْمُحِبَّةُ نَحْوَ حَبيبها مرفرفة دونَ قلقٍ وَلاَ أَوْهامْ
 ... لِنَنْطَلقَ منْ جَديدٍ كَأُورْكِيسْتْرا عَذْبَة الْأَنْغامْ
 ... وَنُبْعَثَ في حَياة بلاَ اسْتِلابٍ وَلاَ عَنَاءْ
 ... نَرْكُضُ أَحْراراً نحْوَ هذا الشَّفَقِ أَوْ ذاكَ الشُّروق بكل صفاء
 ... أَوْ نَطير عَبْرَ الْغُروبْ على ضِفاف البحر كل مساء
 ... ونسْتقبِلُ الأيامَ بالرقصات ونُمْضيها في السهرات كما نشاء وكيف نشاء
 ... بَعِيدينَ عنْ عُقدٍ واكْتِئَابٍ أَوْ مَحارِمَ أدْيانٍ ذابِلةٍ وإكْراهاتٍ وَكُروبْ
 ... مَعْتُوقينَ مِنْ كُلِّ نِفَاقٍ وَشِقَاقٍ وَنَميمَةٍ وَحَسَدٍ وَندُوبْ
 ... نُصَلِّي لِربِّنا أحْراراً بِالْبُوركَةِ وَالنِّقَابِ
 ، أَوْعَرايَا بِلاَ رداءْ وَبِلا ذُنوُبْ
  ... نَسْتَحِمُّ في شُعاعِ رَبِّنَا النُّورَاني السّاطِعِ كَالْبهَاءْ
 ، وفي هذا العالم الجديد الذي سنخلق ، بأجيالٍ راقية حرة تجهل الْجَفاءْ
 ، وَفي عَلاَقاتِ النَّاسِ لاَتَشُمِّينَ رَائِحَةَ الْحِقْدِ ،  وَلَنْ تَرَيْ آثَـارَالنِّفاقِ
 ... وَلَنْ  تَسْمَعِي أبداً أَصْداءَ الشِّقاق

      ... ولَكِنْ حالِياً ، كفى يوتوبيا وهَيَّا لِلْإِنْتِقَامْ    
  ... هَيّا لِلثَّوْرَةُ ضِدَّ السَّماءْ التي تتفرَّجُ علينا  نتقاتل من أجل فُتاتٍ مِنْ طعام
 !.. يا لَكَمْ تحارَبْنا وتقاتلْنا والتقينا وافترقنا أعْداء مُنكسِرينَ في عَهْدٍ جدّ مُخيف
 ... وغَرَقْنا في الْبِحار بسسبِ أمراء المُؤْمنين الذين يمْنعوننا من الْعَيْشِ النّظيف
 !! وعَرَقْنا عند جميعِ الأجْناسِ من أجلِ رغيفْ
 ، ومرضنا وجُعنا وبكينا وصلَّينا ودعوْنا وتضرَّعْنا وركعنا وسجدنا
 ... لِنبقى جِنساً إنسانياً غيرُ خَطّاء عفيفٌ وشريف
 ... ننتظِر وُعودَ الْآخرة
 ... لكننا اليوم تعِبْنا من الاِنتظار الذي طالَ وطالْ
 ... وليْس عندنا ما نخسره سِوى الْأسى والقُيود والسلاسل والأغلال
 ... نحنُ قومٌ مُسالِم لا يرجو إلاَّ البُعْد عنِ السماء والإستِقلال
 ... هَيَّا ... ذُوقُوا حَلاَوَةَ عِصْيانِ الّسَّماءْ
 ... جَرِّبُوا لَذَّةَ التَّمَرُّدِ عَلَى رموز طُغاة الّسَّماءْ
 ... أشربوا عصيرحبَّة السادية السوداء لِأنه لذَّةً لِكُلِّ الشَّارِبين ومُهَيِّجٌ لِلْعُدوان
 ... تناوَلوا " فْيَاكْرا " اِسْتِعْداداً لِلْإغْتِصابْ
واشعلوا سعيرَ حِقْدِكم واشحذوا أظفاركم وأنيابكم لِلإنتقام والنهْشِ في
 ... جُثة جيفة السماء
 ... سنمحو آثار هذا الطاعون لِنعيش بلا قهر ولاعُبودية ولا استلاب
 ... وأطْفالُنا الكثيرينَ الجائِعين والصِّعاب
 وكل عجائِزنا المريضات أيْضاً سينتقِمْن
  ... سَيُهْطِلْنَ السماء بقصصِهِنَّ الشِّريرة وحِكاياتهن المُفْزِعة
 ، عَمّا يَقَعُ لهن مِن اِعْتِداءاتٍ واِغْتِصابِ أرْزاقِهِنَّ
! في دِيوانَة " بْني انْصار" مع أجْهِزَةِ الدِّيوانَة والْبوليس
 ... سنَرْجِمُها بالآهاتِ والتَّأوُّهات وكل الأحجار والمتاريس
 ... لِتعيشَ دوماً في دوّامة من الرُّعْب والكَوابيس
 ... أشتاق أن أراها غارقة في حلمٍ بئيسٍ بخيس   
 ... لتذوق قليلاً من مرارة وعُلْقوم الفقراء والمُبْعَدين
سنَمْلَأُها بالدُّخَّانِ لتَخْتَنِق
  ، ونرفع رايات الغضب الأحمر
 ... ونكتب إسم الحرية على وجه القمر
  ... وباسْمِ لارا ، حتماً سننتصِرْ
      ... هَيّا انْتَفِظوا كما في أُورشليم
 ... الثورة
 ... الثورة على السماء
 ... الثورة على السماء

     
  ... وسنصُمُّ آذانها بِصَرخاتِ المحرومين المُدَوِّية ، وآهات وأنين الْمُسْتَنْزَفين     
 ... كما أجْهضت كل أحلامنا ، ودمَّرَتْ سعادتنا وطردَتْنا مِنَ النَّعيمْ
..! نحنُ كُنّا دَوْماً يتامى وَأبْناءُ يتامى ولُقَطاءَك يا إلهي العظيم
 ... فكيْفَ لا تُريدُ أنْ نلعب بالسكاكينِ الحادّة في وجه السّماءِ ليصيرَ مُقْرِفاً وذميم
 ... كل المستلبون والمظلومون لا يتمنَّون لها إلاَّ العذاب الْأشَدّ والْأليمْ
      ... لِأنّ ظُلْمَكَ لِلفقراء ظلَّ في لاشُعورِهِم دوْماً كجُرْحٍ عميقٍ مُقيم
 ... وَسَنجْعَلُ هذه السماء تَبْكي كما بَكَيْنا جَميعاً عَبْرَ الدُّهورِ وَلاَ نَزَالْ
 ... نعُدُّ السنوات العجاف ونمشي جائعين خلف قوافل الْحميرِ والبغال
 ... مُتهالِكينَ نَعُدُّ الحروب والأوْبئة والهزائم وغارقينَ في العِيال
 ... لِيُتَباهى بِكَمِّنا أمامَ الأُمم يوم الحسابِ والعِقاب
 ... ونقْتاتُ من فُتاتِ الميْسورينَ الأثْرِياءْ ومِنَ الأزبالِ
 ... في أدْمِغَتِنا ظُلُماتٌ واستلابٌ ووجودٌ ماورائي سراب
 وفي أعماقِ أرواحنا تخديرٌ يشُلُّ دفاعنا عن حقوقنا التي تلتهمها كل الكلاب
 ... وبأرْجُلنا وبأيدينا نَجُرُّ حِبالَ الإستِسلامِ
 ، وسلاسِلَ العبوديةِ الثقيلة والأغْلالْ
 ... نتهالك بالامراض والحروب وكل الكوارث والويلات
 ... والحرب دوما كانتْ بَيْنَنا وبينَ السماء سِجال
 ... لقد كانَتِ السَّماءُ عَدَوَّتَنا مُنْذُ الْأَزَلْ     
 ، لاَ تنسوا الخطيئة الأصلية
... وكفِّروا عن ذنوبِكم أمام أنفسكم بالاِعتراف بظلمكم لِحواء 
 ... وساهِموا في إنْجاحِ هذا الإنْقِلاب الإيديولوجي
... ليكون جزاؤُكم جنات عدْنٍ تجري من تحتها الأنهار
 ... خالِدينَ فيها إلى وُلوج الْقُبورْ
 ... وارحموا النساء عباد الله
 ... إنه عليم بكل ما في الصُّدور
 ، إنَّ ما عاشَتْهُ حواء من ظُلْمٍ تاريخي كان جِدُّ جِدُّ أليم
 ... !!! ولا حُولَ ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم

       ... وبدأ آدم وإبليس يبكيان بحسرة    
  ... وَبدَأَ كُلُّ الْمُعَذَّبِينَ والْمَحْرُومِينَ وَالْمَظْلُومِينَ وَالْمُبْعَدينَ يَبكُونْ وَ يَبكُونْ
 ... وَانْضمَّ إلَى قَافِلَةِ الْإِحْتِجاجِ  وَالْباكِينَ ، كُلُّ الْمَرْضى والْعُمْيانِ وَكَافَّة الْمُعَوَّقينْ
 ، وانْظَمَّتْ إِلى مَوْكِبِ الْعِصْيَانِ رَاقِصاتُ الْكَبارِيه
 ، وَكُلُّ الدَّاعِراتِ الْفَاجِراتِ وَبائِعاتُ الْهَوَى
 ... ومُروِّجو المخدرات وماسِحو الأحذية
 ، وَبَدَأَت تتَهاطَلُ على الْمَوْكِبِ قَوافلُ الْمُشَرَّدينَ وَجُيُوش اللُّقَطاءْ
 ... وبواخر الحَرّاكة والمغتَصَبين ، وبعض الشرطة المطرودين
 ، وَزُرافاتٌ مِنَ الْمُتَسَكِّعينْ والمساجين الهاربين التُّعَساء
 ... وانجذب إلى الْمَوْقِف الكثير الكثير من الغُرباء
 ... وَأَفْوَاجٌ مِنْ أَبْناءِ الشٍّهَداءْ
 ... وانحاز إليهم باقي المنافقين والسُّفهاء
 ... وَتَضَخَّمَ الْمَوْكِبُ لِيَصِيرَ مُحيطاَ
 ... ثم تَحَوَّلَ إلَى تْسُونامي آدَمي وبدأَ الزَّحْفُ التاريخي لمقاومة الاِستلاب
    
  ... !!! قوافل من جيوش الاِستلاب لمحاربة الاِستلاب    
 !! هذا غير معقول
 ...!!! جحافل من العبيد لمقاومة العبودية وتحقيق الحرية للعبيد
 !.. هذا وهمٌ كبير
 ، لِأنَّ ما يُثير الشعوب المقهورة ليس المجاعة والعبودية والاِسترقاق
 ... ولكن الوعي بكل هذا ... وهنا الإشكالية
 ، فمَنْ حرَّرَ العبيد وألغى أنظمة العبودية
  ، ليس عبدٌ إفريقيٌّ أو من الصومال أوِ السَّوْدان
 ، أسود جوعان
 ... ولكن مُحرر العبيد رجل امريكي أبيض واع ... شَبْعان
 ... ليس لا وبش ، ولا أسود جائع ، ولا ينتمي إلى قوْمِ الرُّعاع
 ... مُنْتهى العبث ... سرابٌ في سراب    
 ... لا رجاءْ
 ... طبعاً لَنْ يَكونَ هناك رَجاءْ من هذه الزوبعة في فنجان
 ... إن هذه اللُّعبة التَّنْفيسيَّة ما هي إلاَّ مضيعةٌ للْوقْت مجّانْ
      وبدأتُ أضحكُ وأضحكُ وأضحك وأنا أتأمَّلُهُم يائسٌ وأُردِّد
...!!! ــ  يا للعبث العظيم ...!!! يا للعبث العظيم 
 ... هذا هو العبث وإلاَّ فَلاَ ، كما كانَ يقولُ أبي
  ، ووقف يتأملهم غارقينَ في الصياح الشديد وهُمْ يُمَزِّقونَ حناجرِهِمْ   
 لِيُسْمِعُوا صرخاتهم بل صلواتهم للِسماء
: فقال بقلبٍ حزين وهو يائِس
 !!!... ـ هذا الهرج والمرج والضجيج ، لا يصلحُ إلاَّ للتهريج 
 ... هذا الربيع العربي مهزلة كُبْرَى ومُنْتَهى العبث
 ، ـ  ذاك الهرج والمرج وكل الضجيج الذي صاحبها خلال الربيع المُؤْلِم الطويل
... وكلّ شيء في البلدان العربيّة مَسْخٌ ، وكلّ مُواطِن ٌ فيها مَقْهورٌ وعليل 
... وكلُّ مُعذَّبٍ في أرْضِ الْعُروبَةِ تائِهٌ يبْحث لهُ عن سبيل
 ، هذا الرّبيع العربي الذي آمَنَ به جميع الشباب وكل المقْهورين والثّائرين
 ، وضحّوا في سبيله كقضيّة عادِلة
 ، بقوافل الضحايا والشُّهداء
 ... وبعديد من مواكب الجنازاتِ والحِدادِ والضّجيج
 ...!!! لم يصلحُ إلاَّ للتنفيس المؤقت والتهريج
، لم تُنْبِت حُقول هذا الربيع العربي سِوَى غابات من اللَّحايا سَوْداء
  !.. تربّعَتْ بسهولة على كراسي الزّعامة والْعُروش
  !.. "قاطِفة ثِمار" الرّبيع العربي
  ..! لِتدورإشكالية الظّلاميّة والقهرمن جديد في حلقة مُفْرَغة
 ذالك لِأن الأساسَ لم يكن موجودٌ أصْلاً
 ولا مبني ومُهَيَّأٌ لِلإنقلاب
 ... ألاَ هو اِسْتِئْصالُ أدْيان الاِستلاب


      ... وصدحتْ في سكون الحياة صُراخات ثورات   
 ... أصوات تمرُّدات
 ... شعارات تُعْلِنُ الْعِصْيان المدني بكل أشكاله
  ... وتحرَّكَ الجميع ... مسألة وُجود
  ، بِهذا التنظيم وهذا التفاهم والتظامن والتلاحم والتناغم والذوبان
 ... مع وعيٍ عميقٍ بالمبادئ ، وعزيمة من الفولاذ
 ... هكذا تُصْنَعُ الثورات ، قوية بهدوء
 ، وتدفَّقَ الحماس عند كل الناس   
 ، وَبدأوا يَجْمَعُون كل أنْواع الْحطب ويبْحثون وياتون بِهِ مِنْ كُل مكان
 ... لِيُشْعِلوا النار ويحْرِقوا السماء وعزيمتُهُم مُتَّقِدة
 ... فَكَسَّروا سفينة سيدنا نوح العِمْلاقة لِجَمْعِ الحطب
 ، وناولهم سيدنا موسى عصاه السِّحْرية وكُلُّهُ ثِقَة بالخوارِق والْمُعْجِزات
 !!! فألقوها في الحطب لِتلتهمها النار حيناً دون أن تتحوَّل إلى كُبْرى كالعادة
 ... وصاحِبُها مَشْدوه ، والكهنة السحرةُ يستهزئون ويضحكون
 وتَمْتَمَ أحدهم في أُذُن صاحبه وهو يسترقُ النّظر إلى موسى  
  !!! ـ سنرى ماذا سيفعلُ عندما يطْلُبون منه شَقَّ الْبحر إلى نِصْفَين لِإنْقاذِ الْحواريين 
  


       ، تقدموا للزحف الكبير ، يَتزَعَّمُهُمْ آدَمْ وإِبْليس ، وَبِفُتُورٍ حَواءْ     
 ، أما لارا فقد أرْهَقَها التَّفْكيرُ وَرُبَّما النَّدَمْ
  ، فَانْزَوَتْ بِنَفْسِها تَحْتَ إِحْدَى أَشْجارِ السِّنْدِيانْ
 ، وَاسْتَلْقَتْ عَلى بِسَاطٍ مِنْ زَهْرِ الْأُقْحُوانِ
 ... والْفراشاتُ مِنْ حَوْلِها تَحُومْ
 ... مُقَرِّرَةٌ التَّوَقُّفَ عن جمْعِ الحطب لإشعالِ أضخم حريق للإنتقام من السماء
 . إقْتَرَبَ مِنْها إبْليس الْحَزينْ وَتَأَمَّلَها مَلِيّاً    
: وَلاَحَظ على مُحَيَّاها الْجَميلِ إرْتِباكا وَارْتِجافا وَخَوْفْا . فقالَ لها
    ـ ما بِكِ يا روحي شديدةُ الْخَوْفِ مُنْهارَةُ الْعَزِيمَة ...؟
 ، فَوَقَفَتْ لاَرا بِنَوْعٍ مِنَ الصَّرامَةِ وَالْحَسْمْ غَيْرُ مَعْهُودَيْنْ
: وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى أَكْوَامِ الْمُتَفَجِّرات وَأَهْرَام الْحَطَبِ وغليان الشعوب وقالتْ
  ... ـ مُطْلَقاَ ، لَنْ أَكُونَ شَرِيكَةً في هذه الْجَريمَة    
 ... وَانْحَنَى إحْتِرَاماً وَقَبَّلَها بِشَغَفٍ عَميق ثُمَّ انْصَرَفْ
 ... تَارِكاً لارا تَلْتَهِمُها الْحَيْرَة ، وَيَأْكُلها الْغَضَبْ
 ، ثمَََّْ َأقَْبَْلَ َآدم ، وقَدْ لاَحَظَ إنْهِيَارَ لارَا تَحْتَ شَجَرَةِ السِّنْدْيانِ الْوَارِفةِ الظِّلاَلْ   
  ... و" كازانوفا " يَحومُ حَوْلها كَ " الدُّونْ جْوانْ
 ... كفراشة ثقيلة غيْرُ مرغوبٍ فيها
      ، ًلَمْ يَقْتَرِبْ مِنْها هذهِ الْمَرَّة لاَهَادِئاً وَلاَ لَطيفا
 ، وَلاَ بِحَنانِهِ الْأَبَوِي الْمَعْهُودْ وَالْمعْتادْ
 ... كَمَا أَنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّة لَمْ يَنْحَنِ
      جَاءَ آدَمُ هذهِ المرَّة غاضباً حانِقاً
 وَنَوْعاً مَا صارِما وَحاسِما تماماً مِثْـلَ لارا
 أَقْبَلَ يَغْلي بِالْغَضَبْ . وَعِنْدَما وَصَلَ قُرْبَ لارا انفجَرْ


     

  ـ  ماذا يَعْني هَذا أيَّتُها الطَّامَّة الْكُبْرى حوااااء ؟    
 !تعلمينَ أنَّكِ المَسْؤولة والسَّبَب في كل ما حَصَل مِنْ فواجِع وتْراجيدْيا لِكلّ الْبشر ؟
، من سُقوطٍ وهُبوطٍ وطرْدٍ منَ الجنة وقلَّة تفكير
 يا مَنْ خُلِقْتِ مِنْ ضِلْعي الأعْوج
 !.. أيّها الناقِصَةُ عَقْلٍ ودين
لِماذا لا تُشَارِكِينَ في ما تسمينه الآن " الْجَرِيمَة " ؟
   ... ـ آدَمْ ، حبيبي ، ما تفْعَلونَهُ حَرامْ . عَلَّمَتْني أُمِّي أَنَّ السَّمَاءَ مُقَدَّسَة
   ـ وَمَنْ عَلَّمَ أُمُّكِ كُلٍّ هذا الغباء ؟ هَلْ دَرَستْهُ وَقَامَتْ بِبُحُوثٍ عَميقَة ؟
    ـ عَلَّمَتْها أُمُّها وَكِلاَهُما جَاهِلَتانْ
  ... ـ وَأُمُّ أُمُّكِ عَلَّمَتْها نَفْسَ الشَّيْءِ أُمُّ أُمِّها وَأُمُّ أُمِّ أُمِّها
 ... وَهكَذا دَوَالَيْكْ إِلى الْأَزَلْ يستمرُّ إيمان العجائزهذا يَسْتَبِدُّ بالحياة
     وتُرَبّونَ هذه التّقاليد البائدة التي هي مَنْبَتُ كل جهل ؟
لماذا عقلك لا يستوعب ولا يَسْتَسيغ إلاّ أَساطير الْأوَّلين والخُرافات عزيزتي ؟ 
وَإِمْلاءات أُمك وترّاهات جدتك الْأُمِّيَّتان يا زوْجتي حواء ؟
ومِنْ أَيْنَ لَها الْقُدْسِيَّةُ هذِه السَّماءْ ؟
 ... إِنْ هي إِلاَّ فَضَاءٌ مُتَمَدِّدْ فَارِغْ
 ، وَمَسْرَحٌ لِلزَّوابِعِ وَالْأعَاصيرْ وتَقَلُّبات الفضاء
 ... وَما دونَ ذلِكَ محْضٌ خَيالْ ووَهْم
لِتَعْويضِ الظلم وتبْرير الشَّقاءْ
  ... ـ آدَمْ حبيبي ، أَكَلْتَ التٍّفَّاحَةَ فَطُرِدْنا    
 ، وَما تُريدُ فِعْلُهُ الآنَ أَخْطَرْ 
 ، كُنْتَ يا بَطَلي الْمَحْبوب سَبَب قصّة " الخطيئة الأصْلِيّة الْأشْهَرْ
 !..ولكن الخطيئة التي أنْتَ مُقْبِلٌ عليها الآنَ أكْبَرْ
 ... لُوبي الجهل مُتـرصَّد ، الناس على حافةِ الاِنْفِجارْ
 ... بِفِعْلَتِكَ الآن ، سَتُؤَلِّبُ علينا كل الْغَوْغاءِ وكل يمينٍ ويَسار
 ... إرْحَمْنا من هذه اللعنة الأُخرى وكفانا انْهيار 
 ... عُدْ حبيبي وتَصالَحْ مع السماء
: فرمقها آدم بنظْرةٍ فيها تحَدٍّ وعزيمة ، وأجابها   
 ... ـ  ما تقولينهُ حبيبتي مُجَرَّد هُراءٌ في هُراءْ   
 ...  ـ  لَقَدْ عَزَمْتُ وَلَيْسَ لِقَرَاري من مُراجعَةٍ أوْ رُجُوعْ   
 ... سَأَكُونُ مِثْل صديقي إبْليس ، رافِضاً لِكُلِّ انْحِناءٍ ورُكُوعْ
 ... وَمِثْلُه ، سَأُديرُ ظَهْري لِكُلِّ تَبْجيلٍ وخُضوعْ
 ... وَمِثْلُه ، سَأَنْسى كُلَّ تَقْديسٍ وَخُشوعْ
 ، لِأَنَّ كِلَينَا يُعاني مِنْ ظُلْمِ وعَبَثِ السَّماءْ
 ... إِنَّـا تحالَفْنا بعِقْدٍ أَخْلاقي مُقدَّس متين
 ... أنَا وَحَليفي إبْليس ضَحِيَّةَ ظُلْمِ السَّماءْ
 ... طُرِدْنا من رحاب النعيم  ظُلماً
 !.. بِسَبَبِ عَجْرَفَةِ الْآلِهة الصّمّاء
 ... لارا ، لَنْ أتْرُكَكِ فَريسَةَ هذه الأساطيرِ حبيبتي لِتَفْعَلَ بِكِ ما تشاء
 ... الْإِحْبَاطُ يَقْتُلُني لِأنَّني لاَ أسْتَطيعُ قَهْرَ السَّماءْ
 ... الْحِزْبُ قوِيْ ... الْقاعِدَة جِدٍّ عَريضَة
 ... وهذه الْمِيتَافيزيقَا الدّينيّة تُمْتَصُّ مُنْذُ الرَّضاعَة وَتُسْتَنْشَقُ كالْهَواء
 ... وَهذه الْغَوْغاءُ تَمْلَأُ كلَّ فَضاءاتِ الدنيا وكل غَبْرَاءْ
، "David et oliath "  كَصراع  ديفيد وجالوت 
 ... " Don Quichotte " أو صراع دٌونْ كِيشُوطْ
 أوْعبث الإله سيزيف
 لِذا لاَ أسْتَطيعُ الدِّفاعَ عنْكِ وعنْ نَفْسي ضِدَّ ظُلْمِ وَعُدْوَانِ السَّماءْ
 ... وَمنْ هُنا أَيْضاً كُلَّ يأسي وإِحْباطاتي

 ، اغْتَصَبَتْكِ مِنِّي السَّماء حبيبَتي    
 ... اِغْتَصَبَتْكِ السّماء فَلِمَ الصَّلاة وَلِمَ الدُّعاءْ
وَلِمَ الرُّكوع أوِ الإيمانْ ؟
وَلِمَ وَلِمَنْ كُلُّ هذا ا لسُّجُودَ الْعَبَثِيُّ والْمَجَّانْ ... ؟
وَلِمَ نَقْبَلُ مُرْغَمينَ هذا الْوجود اللامنطقي الْمُهانْ ...!؟
 ... كفانا انْجِرافاً نَحْوَ الكآبة والْإنْفِصام  واللاَّوُجود عزيزتي


 ... لقد أغْرَقْتِني في كل المآسي حَبيبَتي
 ، فاتْركِي ذَاكَ السَّبِيلْ التَّعَبُّدي الْإسْتِلابي وَاتْبَعِينِي
 ... لِأقودكِ بكل لُطْفٍ واحْتِرامٍ وحنانْ
 ... ونَفِرّا مَعاً تائِهينَ كالعادة
  ... إِلَى مَمْلَكَةِ الحرية والحب والأمان
          
      
  وَأنا في مُنْعَطَفِ الطَّريقِ ، وسماءُ الليل تُبلِّلُني بِرَذاذٍ رقيق
 ، أمْشي وأنا غَضْبانْ ، حانِقٌ على السماءْ وغَيْضي في أشَدِّ الْعُنْفُوانْ
 ... باغَتَني شَحَّاذْ شديدُ الهُزال شبيهٌ بكومةِ أزْبال
 ... رَثُّ الثِّياب مُنْكَسِرُ الْوُجُودْ وَهَلَعَني . ربما واحد من العوالم السُّفْلى
  ... من سكان القبور... شبح من ظلال عالم أفلاطون
 ، كليشيه بشر ...أخْرَجَني مِنْ هُدوئي وسكِينَتي وَأفْزَعَني
 ، طَرَدَني مِنْ جَنَّةِ عُزْلَتي
 ،  وفَجْأةً صَرَخَ في وجْهي بِخشونَة يَسْعى ، يَتَسَوَّلْ
 ، ورَذاذ لُعابِهِ كالنافورة ، يَتَدَفَّقُ مِنْ فمه الاسود والْمُسَوَّسُ الأسنان
 ، ينحني وينحني لِحَدِّ السجود
 وَيَدَاهُ مَمْدُودَتَانِ مَبْسُوطَتانِ نَحْوِي في تَضَرُّعٍ مُؤْلِمٍ أليمٍ مُهانْ
   ـ " آسِيذِينُو ، آوْشَيِ إِجْنَتْنَيَنْ دُورُو أَذَسْغَغْ  مِنْ غَشَّغْ ، أَشِعَوَنْ  سِيذِي 
  . "رَبِّي ... اسْحَسْ ، عَوْنَيِ أَشِعَوَنْ  سِيذِي  رَبِّي 
        ، نَظَرْتُ إلَيْهِ بِحِقْدٍ وغَضَبْ ، وَبِشَفَقةٍ بِلاَحدودْ لِلاَ مَنْطِقِيَتِه
 ،مُفَكِّراً في دَارْوِينْ ، في نيتْشَهْ ، في هِتْلِرْ
 ، وفي الرَّجُلِ السٍّوبِرْمانْ وفي صِراعِ الطَّبَقاتْ
 ، وفي نوميديا ويوغورطا وتينْهِنان
 ، أمْجاد وأسلاف هذا الْوَبَش الذي يسعى اليوم ويتسوَّلُ بلغتي
 ، ولَكنَّني تمالَكْتُ نَفسي عن الْإشْمِزاز ، وقُلْتُ لَهُ بهدوءْ
   : وأنا أنْحَني في إتِّجاههِ قليلاً وبِكُلِّ احْتِرامْ
      ... " أتَّرْ إشَكْ يَحْوَجَنْ ذَمَزْوَارْ أَشِعَوَنْ ... الله إيعَوَنْ " -  
     ... وَأَدَرْتُ وَجْهي مُنْصَرِفاً نَحْوَ السُّكُونْ
   


    ، وأنا مُستمر في سلوكِ سبيلي ، أتأملُ حريرة الحياة
  ، مُنْقاد لخيالي الذي يُطارد لارا ومُستمتع بهدوئي وسُكوني
 ، وكل هذا العبث المحيط
  سَمِعْتُ عاصِفةً مِن الضجيجِ مُقْبِلَة بِسُرْعَةٍ مِنْ خَلْفي
 نظَرْتُ في اتِّجاهِ الصِّياح خائِفاً مُرْتَجِفاً كَأَنَّ يوم القيامة ورائي يُطاردني
     ، كانوا سبعُ طِفلات وسبعَة أطْفالٍ
 ، لَسْتُ أَدْري أَمَلائِكَةٌ كِرام كانوا أمْ شَياطِينَ أشْرارْ
 ، نَوْعٌ مِنَ الأَشْباحْ يَلُفُّهُمُ الضَّباب
 ، بَعْضُهُمْ يُصَلِّي ، وَبَعْضُهُمْ يُؤَذِّنْ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْقُصْ
 ، وبعضهم يُشوِّهُ وجهه ويُزَغْرِد
 وآخرون يُجَمِّلونه بالمساحيق يُمثِّلونَ الأُمراءَ والبهلوان
 ، والكل يرقص جارياً متمايلاً على أنغام موسيقى أُوركيسترا البنات الراقصات
 إلاَّ واحدة فيهِنَّ أميرة ، كانت تُغَنّي وتهْذي
      ... إِوْذَنْ أُوعَانْ ، إِوْذَنْ أُوعَانْ -
 ، وَالْكُلُّ يُرَدِّدُ وراءَها في حُمَّى من الهِسْتيريا
 ويُطارِد حِماراً هَزِيلاً يُحاوِلُونَ إِسْقاطَه وَإِشعالُ النَّارِ فيه
 ، يرْكُضُ مُسْرِعاً وَهُوَ يَنْزِفُ دَماً وَإرْهاقاً وعَذابا
 ، والأطفال الأَشْباحْ يركُضونَ وراءَهُ يَضْرِبونَه بِالْأَيْدي وَالْأرْجُلِ
 ، يُوخِزُونَهُ في جُروحه السَّائِلَةِ دَماَ بِالْأَخْشابِ وَيَقْذِفُونَهُ بِالْأَحْجارْ ويَضْحَكُونْ
 . يتلذَّذون بمذاق الدم القاني
 ، يُهرْوِلون في فوْضى هو يتألَّمُ وهُمْ مُبْتَهِجونْ
        ،وَبعْــدَ أنْ تَوارَتْ خَيالاَتُ الْأطْفالْ   
 ... وتَلاشَتْ آثار زَوْبَعَةُ الضَّجيجْ  وأصداء العجيج
 ، ويبنما أنا منهمِكٌ  أتَفَرَّجُ على كُلِّ هذا العبث واللاَّمَعْقُولْ
 ، وهذا النَزيفِ الذي يَجْـري فَوْقَ الْأَرْضِ ويلوِّثها بالأحمر وأُفَكِّرُ في السَّماءْ
 : رنَ هاتفي
   ـ آلُــو ، مَنْ ، آه  فدوى ، ماذا هناك ؟ 
   . ـ إرْجِعْ حالاً ، هُنا مَنْ يَطْلُبُكْ
    ...ـ سَوْفَ اعود
     ... وَرَجَعْتُ إلى الدارِ مِنْ حَيثُ أتَيْتْ    
 ... عُدْتُ إلى الْبَيْتِ على رِجْلايْ
 ، إشْتَقْتُ إلى السَّيْرِ على قَدَمايَ لِأرى الْعالَمَ كما هُوَ في الْواقِعِ
 ، وليسَ كما أتخيَّلَهُ دائِماً وكما أظَلٍّ أقْرَأُهُ في عالَمِ الأنْتِرْنيتْ سجيناً
 ، كعالمِ الظِّلاَلْ السُّفْلي عِنْدَ أفْلاطونْ
 ،  أوْ عالمُ الأشباح في منْزِلِ الْأمْواتِ عِنْدَ دُسْتُويْفَسْكي
 ... حَيْثُ أقْبَعُ مُنْزَوِياً في بيتي طويلاً دون خُروجْ
 ... وَكَأِنِّي مِنْ أَهْلِ الْكَهْفِ أَقْضي وُجٌودي بِلاَ وُجُودْ
 ... أَهيمُ عَبَثاً في سَرابِ الْوُجُودْ
 ... أَرْعَى بوُجُودي وجود لارا بِدُونِ  حُدُودْ
      ،  أحْياناً تُفَضِّلُ سِجْنَ الْبَيْتِ بِدُونِ خُروجْ
 ... على أنْ تَحْتَكَّ بِقَوْمِ هَاجوج وَمَاجُوجْ
 ، أو تقبع رهينَ المحبسين
 ... على أن تُعانق جارينِ مُؤْذِيَيْنْ ومَنْحوسيْن

عـودة سنــاء

*** ***

      ، وفي مُنْعَطَفِ حانوتْ عبد السلام في باسو مِنْ حيثُ أرى بيتي مِنْ بَعيدْ    
 شاهَدْتُ فدوى على الرَّصيف أمامَ الباب مع هيأة امْرَأةٍ وفَتَاة
 لِباسُ المَرْأَةِ  أبْيَضْ اللَّوْن ، تقليدي 
 ... جِلْبابٌ وحِجابْ
 ... تَذَكَّرْتْ : إنهُما سناءْ ومَحاسِنْ ... رَجَعَتِ القِدِّيسَةُ مِنْ جديدْ
     ماذا عَسَايَ أَقولُ لَهَا ؟
  كُنْتُ وَعَدْتُها أنْ تَرْجِعَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أوْ ثلاثْ لِنَرى ماذا سَنفعَلُ بِخُصُوصِ المأْوى
 ، وَلَكِنْ فَدْوى مَنْ قالَتْ لي يَوْمَها أَنّ النَّاسَ هُنا لاَ تَحْتَرِمُ كَلِمَتَها
 ... وَأَنَّ الْمَرْأَةَ سَوْفَ لنْ تَعُودْ
 ... هَاهِيَ ذي أُخْتي عادَتْ إِلَيَّ مِنَ الْمَجْهُولْ
 ... في ذَاتَ يَوْمٍ أَنـا فيهِ مُنْكَسِرٌ مَهْبولٌ وَمَخْمُولْ
         لَمَحَتْ سناء وُصُولي مِنْ خِلاَلِ نَظَراتِ فدوى التي كانَتْ تَتْبعني عُيونُها مِنْ بَعيدْ
فاسْتدارَتْ إلى الْوَراءِ لِتَراني
       ـ  السلام عليكم ، لاَ باسْ أسيدي ؟   
      ، كانَتْ سناء هِيَ الْأُولى مَنْ إبْتَدَأَتْ بِالسَّلامْ وَبادَرَتْ بِالتَّحِيَّة مُنْحَنِيَةٌ قليلاً
  . بِهَيْئَةٍ يَلُفُّها النُّورْ وَالْوَقارْ، وفي كلامِها كالْعادة ، هدُوءٌ وَصَفَاءٌ
  : مَدَّتْ لي يدها وتصافَحْنا وأنا أرُدُّ التَّحَيَّة بِكُلِّ خُشوعْ 
     ـ وَعلَيْكُمُ السَّلامْ ، لاباسْ أللاَّ ؟  
      ـ الحمد لله أسيدي  
 ، وَهرَبتْ نَظَراتي إلى الصَّغيرةِ تتأمَّلُها عَيْنايْ بِكُلِّ رِفْقْ
 ، وانْحَنَيْتُ قَاعِداً على رجْلايَ بدونِ شُعُورْ، وَأَنا أشُدُّها مِنْ يَدَيْها الصَّغيرَتَيْنِ
 : وَبِعُمْقٍ أَتَأَمَّلُها كَالْمَلَاكْ ، وَأقُولُ في نَفْسي   
      ... ـ  يا لهذا الْحُسْن الصَّغير كَمْ سَتَعْصُرُهُ الأقْدارْ 
  ... يَا لَهَذا الْوُجُود الْعَبَثي الذي يَصْعُبُ فيهِ الإبْحارْ
  ... ويا لِهذه الْبَراءَة كَمْ يَنْتَظِرُها مِنْ وَيْلاتٍ  ورُبَّما مَآسي كِبارْ
     ، وُرَفعْتُ رَأْسي إِلى هَذِهِ السماء الْقاتِمَةِ السَّوْداء
 ... التي لاَ تَعْرِفُ إلاَّ التَّعْذيبَ والْإِغْتِصابَ والدَّمارْ
 ... سَتَكُونُ لَها مَحاسِن حَتْماً واحِدَةً مِنَ الْقِرْبانْ
 ... بِسَبَبِ الْخَطيئَةِ الْأصْلِيَّة الَّتي أَصَّلَتْ في كِيانِ حَواءِ كُلَّ مَظَاهِرِ النُّقصَانْ
 ... وَلَرُبَّمَا حَتَّى دَوَامْ الْبَريئَة وَصَغِيرَتي يَاسْمينْ
 ... كُلُّ هذه الْمَآسي وَظُلْمِ النِّساءِ وَقَهْرِ حَوَاءْ
 بِسَبَبِ مُعْضِلَةٌ خَطيرَة وَإِشْكالِيَة عَويصَة دَامَتْ قُرُوناً وإسْتَعْبَدَتْ كُلَّ النِّسَاءْ
 " الْخَطِيئَةُ الْأَصْلِيَّة "
 ... أَصْلُ وَيُنْبُوعُ وَمَصْدَرُ كُلِّ الشَّقَاءْ لَدَى بنات حواء
       : رَجَعْتُ إلَى نَفْسي ، قَبَّلْتُ مَحاسِنْ وَوَقَفْتُ مُسْتَديراً نَحْوَ سناءْ مُعْتَذِراً ، أقول    
      ، ـ  كُنْتْ وَعَدْتَكْ بْمَأْوَى ، غَدِ نَتْقَسْمُو الْكاراجْ
 ، غَدِ نَقْطَعْ لِيكْ فيه بِيتْ صغيرْ أُو كُوزينَا صْغيرَة وَمِرْحاضْ
  هَذا الشِّي أللِّي بْغِيتي ، هذا كلْ جَهْدي مْعَاكْ ، هذا الشّي أللِّي نَقْدَرْ انْدِيرُو لِيكْ
 حَتَّى أنا بْغِيتْ تَسْكَنْ بَنْتَكْ فْهَذا الْحَي ، بْغيتْ نَرْعَى بنْتَكْ محاسنْ
      ، ـ  الله يَرْحَمْ وَالْديكْ أسيدي ، أنْتَ طَيِّبْ بَزَّاف أسيدي
 ، كُنْتْ كنعرفْ بَلِّ غَدِ تْعَوَنِّي ، كَنشَكْركْ بَزَافْ أسيدي
     خَفَضَتْ عَيْنَيْها وَأحْنَتْ قليلاً رأْسَها إحْتِراماَ    
 ، مَدَّتْ لي يدها لِمُصافِحة الْوَداعْ
 ، قَبَّلَتْ فَدْوى على خَدَّيْها مرَّتينِ كعادة السَّلامِ هُنا
 ، أخذتْ يَدَ ابنتها محاسِن وأَدَارَتْ وجْهها نَحْوَ طريقِ الْعَودَةِ
 وهي تُتَمْتِم بِصَوْتٍ خافِتْ
     ... ـ  كَنَشْكَرْكُمْ بَزَّافْ ، بَسْلاَمَ عْلِيكمْ ، غَدِ نْكُونْ جَارَة مَزْيانا بَزَّافْ لِكُمْ
     
      ، وذهبتْ مَعَ الرِّيحْ في اتِّجاهِها الْمَعْهودْ    
  ... وعلى مُحيّاها إرْتَسَمَ خليطٌ مِنْ السَّعادَةِ والْإِطْمِئْنانُ والإِمْتِنانِ
 ... وَبَدَأَ خَيَالُهُما يَتَلاَشَى في  بُعْدِ الطَّريقْ خَلْفَ أَضْواءِ الْقَمَرْ
 ... وَاللَّوْعَةُ في فُؤَادِي
 ... وَدَمْعَتانِ تُغازِلاَنِ مُقْلَتايْ 
 ... وَعَيْنايَ تَتْبَعُهُما مِنْ بَعيدْ

    
          هكذا عرفْنا شَخْصِيَّةَ الرِّوَايَةِ هذه ، الْقِدِّيسَةُ سناء    
 ، بِأُصولِها وَجُذُورِها ، بِزَوْجِها الْمُؤَدَّبْ ، وابْنُها مَرْوَان المُهَذَّبْ
  وكُلِّ أفْرادِ عائِلَةِ مصطفى وسناء
 . سَوَاءٌ هُنا في باسو،  أَوْ في بَوادِيهِم الأصلية نَواحي وَرْزَازاتْ
  ... وهكذا مَعَ طَوَالِ السِّنينْ ، تصادَقْنَا كثيراَ بَلْ تآخَيْنَا
  ... كنتُ كَمَنْ وسط أسرته الكبيرة ، عائلة رفيعة من الشُّرفاءِ والعُظماء
 ... ناسٌ بأُصولٍ عفيفة وعريقة
 ... عائلة ملكية من ناحية السكينة والسعادة والحياة
  ... وقد كانتِ القناعةُ رَأْسَ حِكْمَتِهِم ولربَّما أصْلُ يَأْسِهِم
       كُنْتُ أُحِسُّ بِنَفْسِي وَأَيَّاهُمْ كِيَاناً وَاحِداَ ، روحاَ وَاحِدَة
 ... أُحِسُّ بِما يُحِسُّونْ ، وَيُحِسُّونَ بِمَا أُحِسْ
 ، لَمْ أُعَوِّضْ بِهِمْ عائِلَتي أَبَداً ، بَلَى
  ... لِكُلِّ قريبٍ أوْ شَقيقٍ أَوْ صَديقْ مكانَتَهُ في قَلْبي الْعَريضْ
 ... كُلُّ ما هُناكْ ، أَنِّي شَمَلْتُهُمْ بِعاطِفَتي الْحُبْلَى بِجَدارَة . كَأَنَّنا نَفْس الْأُسْرَة   
 ... نَتَشارَكْ نَفْسَ الْمَشَاعِرِ، وَنَتَقَاسَمُ نَفْسَ الْأَزَماتْ وَنَفْسَ الْوَجَبَاتْ
 ... وَذُقْنَا مِلْحَ بَعْضِنَا البعض مَرَّاتٍ وَمَرَّاتْ
 ... خِلاَلَ شَطْرٍ من رِحْلَتِنَا في هذِهِ الْحَياة 
     ،  وَكُنْتُ أُحِسُّ بِمَدَى عُمْقِ حُبِّ سناء وَاحْتِرامها لي
 ... في كُلِّ ما تَفْعَلُهُ وَتَقولُهُ لي وَمَعي أَوْعَنِّي وَوَرائي 
 ، كُنْتُ لاَ أَسْمَعُ مِنَ كُلِّ الْجِيرانِ
 ، ولا تصلُ آذاني ماعدا الأَصْداءَ الْحَمِيدَة
 ... الَّتي تَنْثُرُها عنّي أُخْتي سَناء أَيْنَما حَلَّتْ وارْتَحَلَتْ ، وَفي أَيِّ بَيتٍ دَخَلَتْ
 ... كَما أَنَّ تَصَرُّفَ مصطفى معي وَنَظَرات مَحاسِنْ ومَرْوان
 ... كُلُّ ذالِكَ كانَ يَعْكِسُ مَدى إحْتِرامِهِم جميعاً لِشَخْصي وَلاَ سَيَّما سَناءْ
      ، كانَتْ سَنَاءْ بِالنِّسْبَةِ لي أُخْتاً حَقيقيَّة ، أراها كَثيراً منَ الْمَرَّاتِ يوْمِيّاً
 أكْثَرْ مِنْ كُلِّ شَقِيقاتي الْحَقِيقيَّاتْ اللَّواتي لَمْ يَكُنَّ يَسْكُنَّ بَعيداً عنِّي
 ، هُواَرِيَة تسكنُ في أعَرْوي في شبه فيلاَّ    
 ، تكون في الغالبْ مُكْتَضَّة وغاصَّة بالْأَولاَدِ والْأَحْفادْ
 ولكن في وضْعيَةٍ رائِعة
 زَوْجٌ مُوَظَّفٌ في مَحْكَمَةِ الْإِسْتِئْنافْ ، بِراتِبٍ مُريح مع الْأقْدَميَّة
 ، بنْتانِ متزَوِّجَتان ، واحدة باللِّيسانس
 والكُبرى لم تُتِمَّ دراساتها الجامعية لامْتِناعِ زوْجِها ربَما 
 وثلاثة أبناءٍ كبار كُّلهم موظَّفون وحاملي الماجستير في عُلُومِ الْإقتِصاد
      ، هُواَرِيَة هذه ، هي أُخْتي الصغيرة التي كُنْتُ أضَعُ يدَها في جيْبي    
 ، لِأُدْفِئَها من الصَّقيعِ ونحنُ في طَريقِنا إلى " ثِمِيزَا " لِتَحْصِيلِ الْعِلْم
 ... عِندَما كُنا صِغاراً ، نَعيشُ طُفولَتَنا في " يَاتْ سيذَارْ
      ، ونجاحُ أُخْتي " هُوَارِيَّة " ، الَّتي تَعوَّدْنا مُنْذُ بعيد على مناداتِها " حورِية
 ، الْأكْثَر موسيقية وأخَفُّ في النُّطْق وَلِأَنَّ الرَّاهِبَاتْ الْإِسْبَانِياتْ
   .   HORIA  حَيْثُ تَرَبَّتْ لِمُدَّةِ سَبْعِ سِنينْ ، كُنَّ يُنَادِيِنَهَا حُورِيَة
  ، نجاحُها ونجاحُ كل إخْوَتتي الأُخْريات وكل إخواني
 ، ما هُوَ إلاَّ إحْدى ثِمارِ مجْهودات أمِّنا الْحَكيمَة 
 ... وَقَبَسٌ مِنْ حِكْمَتِها الَّتي غَرَسَتْها فَأَكَلْنا ، وَنَغْرِسُ فَياكُلُونْ
     
 ...  كانت أمُّنا قدَرنا ، وكانَ قَدرا جميلاَ    
      ، وهُناك  أُخْتي الْكُبْرى الحاجّة " يمينَة ، الأرْمَلَة السْاكِنَةِ بِأزْغَنْغَانْ
 ، مُهْتَمَّةٌ بِجَمْعِ الْكِراءِ مِنَ السُّكَّان الّذينَ يُقيمُونَ في عِمارَتِها
  . وَتُسَيِّرُ مَشاريعَها ، وَما يتَبَقَّى لَها مِنَ الْوَقْت
 تُوَزِّعُهُ على زِيارة أولادِها وأحْفادِها الْمُتناثرينَ في كُلِّ مكانْ
 ، كُلَّما الْتقَيْنا أوْ تَهاتَفْنا ، أُناديها الدُّكْتورة
 ، نَظَراً لِأَنَّها الْأُولَى في صَفِّها بِقِسْمِ  مُحاربَةُ الأُمِّيَّة
 والْمُتَفَوِّقَة في مادَّتي : القراءة والْحِسابْ
 ، إنَّها جِدُّ ذَكِيَّة ، لِأَنَّ هاتَيْنِ الْمادَّتَيْنِ
 ، هُما ما يلزَمُ تَماماً لِتَسْيِيرِ مَشْرُوعٍ مِثْلَ مَشْروعِها
 .. وتَلْعَبُ بِالبُورْتَابْل " الهاتِف النَّقّال " كما ينبغي
 ...!!!  مَا أَجْمَلَ أَنْ يَرْفعَ الطُّمُوحُ الْإنْسانَ هكذا
      ، لَقدْ خَطَّطَتْ لِكُلِّ شَيْءْ ، وَحِينَ ماتَ زَوْجُهَا رحمه الله
  ،وَعُمُرُها يُقارِبُ السَّبْعينْ ، أخَذَتْ مِقْوَدَ السَّفينَةِ بِكُلِّ يُسْرْ
 ... وَاسْتَمَرَّتْ سَفِينَتَها في الْإِبْحارِ بِكلِّ سلاَمْ
      ، أثْبَتَتْ أُخْتي الكُبْرى، " الْحاجَّة يَمينَة " ،بِهَذا التَّخْطيط الذَّكِي
 ، والنِّظام الْمُمنْهَج  في الْعَمَلِ والسلوك
 أنّها فِعْلاً كَانَتْ مِثْلُ أُمِّنا الْعزيزَة رَحِمَها الله
 ، قُبْطانُ سَفينَةٍ يُجيدُ القِيادَةَ والْإبْحارْ
 ... وَيَمْتَلِكُ كَثيرا من الإرادَةِ والشَّجاعة
  ، وَأَنَّها بِعَقْلاَنِيَتِها هذه ، وَصَرامَة تَحْقيقِها لِأَهْدافِها
...سَتَكُونُ مُعْضِلَةً لِحِقـدِ الْأَقْدارْ
 ...لِأَنَّها صامِدَة وُمُسْتَعْصِيَّةٌ على الْإِنْحِناءِ وَالْإِنْكِسارْ
      
، أنا الآن هائِمٌ في المدينة ، بَعْدَ ليلةٍ ساهِرَةٍ حَزينَةٍ بيضاء    
 ، أُحاوِلُ أنْ أرى النُّورَ في باسو  والنَّاس هذا الْمَساءْ
 ... وأنْفُضُ عَنِّي شيْئاً مِنَ الإرهاقِ وثِقْل هذا الْعَنَاءْ
 ،أنــا الْآنَ فَوْقَ بِسَاطِ الرِّيحْ ، شَاد رِحالِي إِلَى يَاتْ سِيذَارْ
 ، أصْداءُ آذانِ الْمغرب تَلاَشَتْ مُنْذُ قَليلْ
  ...وَتَأَمُّلاَتِي مُسْتَمِرَّة بِدُونِ طَلاَءٍ وَلاَ سِتَارْ



شَذَرَات من طُفولة ياتْ سيذارْ

*** *** ***

     ، كانتْ أُمّنا رُبّما بحَدْسِها الْعميقْ وَرُؤْيَتِها الْبَعيدة الْمَدى    
 ، تَعْرِفُ أَنَّ الْإنْسانَ صانِعُ مَصيرِه ، وَأَنَّ عُمْرَ الْإِنْسانِ النِّسْبي
  ، فِتْرَةٌ قصيرةٌ جِدّاً لاَ يَجِبُ هدْرُها هَباءً على قارعَةِ الطريقِ
 ، أوْ إضاعَةُ بعض أيّامِ الْعُمْرِ وَأجْزاء الزَّمن السَّريعِ الْمُرورْ
 ... على هوامِشِ الحياة بدونِ جدوَى
، كانت تُؤكِّد وتُكرِّر للخادمات أنَّ الحياةَ كِفاحٌ مُستمر
 وأنَّ الزمن كالْأرض ، مِنْ أخْصَبِ الْحُقول
 ، وأنَّه كالنبات تماماً ، يجب أنْ يُزْرَعَ في مكانه الذي يجب أنْ يُزرعَ فيه
 ... لِيُؤْتي أُكْلَه ويعطي الثِّمار المُتَوَخّاة منه
كَانَتْ تُعَلِّمُ الْخادِمات الثّلاث : عِيشَة مَامَّة ميمون الكبيرة الْعَرْجاءْ
 ، وأُخْتُها الصُّغْرى ميمونْتْ صَديقَتي
 ، والأمَة ( ثَيَّ ، الْعَبْدَة) العَجوز السَّوداء
كيفَ يُنَظِّمْنَ أَنْفُسَهُنَّ للْقيامِ بالأشْغال المنْزليَّة
. بنظام وَحِنْكة
، وَكَيْفَ يُرَتِّبْنَ أَوْقاتِهِنَّ لتَحْقِيِق أَهدَافِهِنَّ خِلاَلَ الْيَوْم 
 ، وَبالتَّالي تَحْقيقُ النَّجاحْ الْمَنْشودْ
      ، كانَ الْفَضاءُ الزَّماني بِالنِّسبَةِ لِأُمِّي ، لاَ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَضَاءِ الْمَكَاني
  ، وَكِلاَهُمَا إطارٌ يَحْتَاجُ يَوْمِيّاً إِلَى عِنَايَةٍ وَتَرْتِيبْ وَتَنْظيمْ
. واسْتِغْلالِهما بِفاعِلِيَّة وَفِعالِية

جنة الإحتلام

*** ***
     ، وَلَكِنْ الصَّغِيرَة مِيمُونْتْ ، بَعْدَ تَعْلِيمَاتِ أُمِّي
 ، كَانَ أَوَّلُ شُغْلٍ تُبادِرُ بِهِ يَوْمَهَا وَتَبْدَأُ بِهِ نهارها كفاتِحَة
 ، قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِقَ بِأُخْتِها الكبيرة عيشة التي تُوجِّهُها في الْعَمَل
 ... أَنْ نَبْدَأَ طُقُوسَنَا الْيَوْمِيَّة الَّتي تَعَوَّدْنا عَلَيْها وَأَلفْناها منْذُ أن إكتشَفناها مُنذُ شُهُورْ
 ... بَعْدَ أنْ عَلَّمَتْني بَعْضَ قَواعِـدِ اللُّعْبَة
 ... كنَّا نَوْعاً ما شُرَكاء في الْجَريمة الْجَميلَة والحُلْوَة
 ... كانَتِ اللُّعْبَةُ طَقْساً يَوميّاً لذيذاً ... نَوْعٌ مِنَ الصَّلَاة بمنتهى الخُشوع
 ... وَلَكِنَّها صَلاةٌ خالِيَةٌ منْ أَيِّ عُقْدَةِ ذَنْبٍ أَوْ إِسْتِلاَبْ أَوِ التَّيَمُّم أوْ نَوَاقِض الوُضوء
. كانَتْ صَلاَةً تُؤْتي أُكْلَها  الشَّبَـقي تَوّاً وحيناً وَتٌغْرِقُنا في لَذَّتِنا الصِّبْيانِيَّةِ الْبَرِيئَة
 ... أُمُّ اللَّذَّات ويُنْبوعُ الحياة
     ، كُلَّ يَوْمْ ، بَعْدَ الْإنتِهاءِ منَ الفُطُورالذي تُهيِّؤُهُ عيشة بِإِشْرَافِ أُمّي
 ، في حين تَكونُ الْأَمَةُ السَّوْداء مُنْهَمِكَةٌ في جَرِّ الزَّرابي وَنَشْرِها في شُعاعِ الشَّمس
 ، وَأَخِي مُحَمَّادي يُطالِعُ دُرُوسَه ، وَعَبْد الله يَلعب مع الْفرَسْ
، وأُختي يامْنَة تعْجِنُ الخُبز
 ، وأُختي مريم المسكينة ، مُنكمِشة بألم على قلبها المعْطوب
وَلَلاَّ ميمونت عيسى ، زَوْجَةُ أَبي الْغَائِبِ في الْجَزَائِرْ، مُنْذُ أكْثَرْ مِنْ شهْرَيْنِ وما زالَ في وَهْرانْ
. تـشدُّ رأسها المُنْشَقَّة بالصُّداع بيديها ، وَبَنَاتُها السَّبْع بِقُرْبِنا في عَالَمٍ خيالي آخَرْ
     ... كُلُّ وَاحِدٍ غَارِقٌ في بَحْرِ أوهامه
 ، وَكَأَنَّنا في عالم الماوراء ، مليءٌ بالسّحابِ والسراب واللاَّ معقول
 ، كجنة مِنَ اللذاتِ والصَّمْتِ وَالسُّكُونْ مُوَزَّعُ الْأَدْوار
 ... وَمَا حَوْلَنا كَائِناتٌ وَمَلائِكَة وديكور، وَالْكُلُّ يَسْبَحُ في الْهُدوءْ وفي الضباب
... وبعضُ الصدورتسْتَعِـدُّ لِلْحُبورِ، وَأُخْرى ربما يمْلؤُها النُّفور
     ، يَوْمِيّاً ، في كل صباح  وَبَعدَ كُلِّ فطُورْ
، وَكأَنَّنا ، أنـا وَمِيمُونْتْ صَديقَتي على مَوْعِدِنـا الْأَزَلي ، الْمسْتَقِرِّ وَالْمُسْتمِرْ
وَأَنـا ما زِلْتُ جالِسٌ حَوْلَ مَائِدةِ الْفُطُور ، وَقَدْ إنْتَهَيْتُ مِنْ تنَاوُلِ وَجْبَتي
 ، أَرْفَعُ إِلَيْها رَأْسِي بِهُدُوءٍ وَخَجَلْ كالعادة
 ، وَأَرْنُو إِلَى عَيْنَيْها الحافلتينِ بالأسرار وهِيَ واقِفة
فَتَغْمِزُ لي بِمَعْنَى وَمَغْزَى مَفْهُومُ الشَّفْرَة ، وَتَنْصَرِفْ
 ... فَأَقُومُ وَأَتْبَعُها بكل هدوء ، كإنسانٍ آلِي ... كبشرٍ مغسول الدِّماغ
 ... كظِلِّها المُطيع ، كأُنْغومة مُنْسجمة
كنَوْطتان موسيقيتانِ أَعْلى في تَناسُقِ الإيقاعْ
     ، نُزِيلُ أَحْذِيَتَنا ، وَنقِفُ على الزَّرابى الْوَرْدِيَّةِ الْحَمْراءْ
 ، وشعاع شمس الصباح مُسلّطُ علينا كمُراقِبٍ سادي
وَنَبْدَأُ الْأَدْوَارَ بِاللَّعِبْ في وَضَحِ النَّهارِ، تَحْتَ أَنْوارِالشَّمْسِ وَعَلَى مَرْآى وَمَسْمَعِ كُلِّ مَنْ حَوْلَنا
  كأنَّنا أبطال فوق خشبة مسرح نلعب أدوار" روميو وجولييت
، أو راسْبوتينْ وهو يُراقص بنشْوةِ الراهب نساء القياصِرة
وَقَدْ خَلَعَتْ سِرْوَالَها التَّحْتي الْخَفيف وتُلامِسُ به أنفي بِلُطْفٍ لأشُمَّ عبير لذة سراب  جريمتنا العذْبة الحمْقاء
 ، قبل أنْ تُخَبِّئْهُ تَحْتَ الْوِسادَة الزرقاء
 ، قبل أنْ تُخَبِّئْهُ تَحْتَ الْوِسادَة الزرقاء
 ، وَتَضَعُ جَسَدَها الرَّائِعَ الْخَفيف فَوْقَ جَسَدِي
 ، جالِسَةٌ ما بَيْنَ بَطْني وَرُكْبَتاي
 ، وَهِيَ تُدَغْدِغُني وَتَحُكَّ خَلْفَها وما بَيْنَ فَخِذَيْها بِمَسائِلِي الْحَسَّاسَة
 ، فَأُحِسٍّ بِها طَائِرَةً بِالنَّشْوَة كما الضباب
، وهيَ تَصْرَخُ وتَضْحَكُ مُمَثِّلَة كَأَنَّها تَلْعَبْ عادِياً لُعْبة الْفَأْرِ والجُحْر
 ... لِأَطِيرَ مَعَها أَنَا أَيْضاً وَذَكَرِي الصَّغِيرِ مُسْتَيْقِضٌ يَتَرَاقَص كَالسَّكْرَانْ
 ، ثُمَّ تَضَعُني لاَعِبَةً  بِمَوَدَّةٍ وَرِفْقٍ عَلَى ظَهْرِي
 ، وَتَضَعُ جَسَدَها الرَّائِعَ الْخَفيف فَوْقَ جَسَدِي
 ، جالِسَةٌ ما بَيْنَ بَطْني وَرُكْبَتاي
 ، وَهِيَ تُدَغْدِغُني وَتَحُكَّ خَلْفَها وما بَيْنَ فَخِذَيْها بِمَسائِلِي الْحَسَّاسَة
 ، فَأُحِسٍّ بِها طَائِرَةً بِالنَّشْوَة كما الضباب
وهيَ تَصْرَخُ وتَضْحَكُ مُمَثِّلَة كَأَنَّها تَلْعَبْ عادِياً لُعْبة الْفَأْرِ والجُحْر
 ... في حِينِ أَنَّنَا كُنَّا مُنْهَمْكينَ في لُعْبَةٍ أَخْطَرْ
  ... أُرفرفُ معها في السماء هَيْمانْ
  ،  كُنْتُ أطير دائماً مع صديقتي أثناءَ لَهْوِنا وأغرقُ في اللذة والتحدي
 ...! وأعومُ صَبَــيّاً في الجريمة ، دون أنْ تُفْهِمَني السماء لِماذا
وكنتُ أنتظر بلهفة شروقَ الشمس ومجيءَ الصباح لِتَنمو أجنحتي من جديدٍ لِأَطيرْ نحو السماء حيث الله
كُنْتُ الْتَذُّ أَنا أَيْضاً وَكَثيراً حِينَ تَلْعَبُ مَعي صديقتي فَوْقَ الْأرْضِ الْمَفْرُوشَةِ بِالزَّرَابي الْمَبْثُوثَة
 ، وَالْمَنْشُورَةِ في شُعَاعِ الشَّمْس مِنْ طرفِ الأمة
والتي ربما في قدرها وجهلها كانت سعيدة ، ما دام أنها لم تكن تفكرُ لا في الصلوات ولا في الشهوات  مثلنا في عمرنا
    ... وأَرْنو إِلَى عُيُونِ السَّماء الْمُحَدِّقَة غَيْرُ عَابِئٍ بِتَهْديداتِها ولا بِوَيْلاتِها
 ... ولا ما سينتظرني من وَيْلاتٍ وجحيم
 ، تُلْقِيني صديقتي فَوْقَ السجاد ، وَتَتَرَامى فَوْقِي كَشَلاَّلِ اللَّذَّة
 ... وَالْعَجُوزُالْعَبْدَة تَسْطَعُ أَمامنا أَحْياناً كَفَرَاشَةٍ  سَوْدَاءْ
... تغدو وتروحُ بهدوءٍ حوْلَ الْأُمراءْ 
 ، فَنَطِيرُ مَعَها بِبَرَاءَةِ الملاَئِكَة ، وَنَشْوَةٌ سِحْرِيَّةٌ تَرْفَعُنَا وَتَرفَعُنَا وَنَحْنُ صِغَارٌ
 ... أَشْبَاهَ سُكَارَى ... هَائِمِينَ في الضَّبَابْ
 ...لَذَّةٌ سِحْرِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا نَظِيرْ إِلاَّ في مُخَيِّلَةِ الشُّعراء والادباء
     ... وأَرْنو إِلَى عُيُونِ السَّماء الْمُحَدِّقَة غَيْرُ عَابِئٍ بِتَهْديداتِها ولا بِوَيْلاتِها
 ... ولا ما سينتظرني من وَيْلاتٍ وجحيم
 ، تُلْقِيني صديقتي فَوْقَ السجاد ، وَتَتَرَامى فَوْقِي كَشَلاَّلِ اللَّذَّة
 ... وَالْعَجُوزُ الْعَبْدَة تَسْطَعُ أَمامنا أَحْياناً كَفَرَاشَةٍ  سَوْدَاءْ
 ، تغدو وتروحُ بهدوءٍ حوْلَ الْأُمراءْ ... فَنَطِيرُ مَعَها بِبَرَاءَةِ الملاَئِكَة
 ... وَنَشْوَةٌ سِحْرِيَّةٌ تَرْفَعُنَا وَتَرفَعُنَا وَنَحْنُ صِغَارٌ ، أَشْبَاهَ سُكَارَى
 ... هَائِمِينَ في الضَّبَابْ
 ...لَذَّةٌ سِحْرِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا نَظِيرْ إِلاَّ في مُخَيِّلَةِ الشُّعراء والادباء
       ... كَبِسَاطِ الرِّيحْ السِّحْري الذي يقْذِفُنا فَوْق السَّحابْ
 ، ويتْركُنا نَتَمايل ثَمْلَى مَعَ مُوسيقى نايْ . سِحْرِ شِبْهُ عَرايا نَلْتَهِمُ بَعْضَنا
 ... واللَذَةُ تتَراقَصُ حَوْلَنا
    كَانَتْ مِيمُونْتْ ضَبَاباً مِنَ لَذَّةٍ تَفُوقُ رَوْعَةَ كُلَّ اللَّذّات خِلال تِلكَ المرحلة المتقَدِّمة من حياتي
 ، كانتْ لَذَةُ تِلْكَ اللُّعبة مع ميمونت صَديقَتي لاَ تُفْقدُني صوابي
 ، العكسُ صحيحْ . كانتْ تقَرِّبُني إلَى فَهْمِ معنى الحياة بِصورةٍ أفْضَل
، ولكنها كانتْ تُبْعِدُني كثيراً عن كُلِّ الخُطوط المستقيمة
 ، التي خطَّطتها سراب الأقدار والتي ربما كانت محفورة ومنقوشة في اللَّوْحِ المحفوظ

  ، كَانَتْ لَذَّة تَفُوقُ لَذَّةَ مُداعَبَة فَرَسي أَوِ اللَّعِبِ مَعَ أَخي عبد الله    
 ، كَانَتْ هذه  اللَّحَظَاتِ منَ اللَّذَّة ، أَرْوَعُ مَنْ لَذَّةِ رَسْمِ وَتَلْوِينِ كُلِّ بَقراتي نُورِيَّة
وَأَحمَدُ وَالْعِفْريتْ وحِفظ : الله يرانا
      ، بَلْ كانَتْ تَفُوقُ وَتَتَجَاوَزُ أحْياناَ في قيمَتِها الشَّبَقِيَّة
حَتَى لَحَظَاتِ اللَّذَّةِ الْعُظْمَى الَّتي كُنْتُ أَمْضِيها في حِجْرِ أُمِّي
 ، وَأَنَا أَرْضَعُ وأَمْتَصُّ الْحَلِيبِ كَماءٍ لِلْحَياة مِنْ نَهْدَيْها الخِصْبين
 ... وَأَرْنُو إلَى مُحَيَّاها الرَّائِعْ
 ، مُصَوِّراً  قَسمَاتِهِ بِذِهْني وخَيَالي لِأَنْقُشَها في اللّاوَعْيْ
 ... وَأحْفِرُها في اللاَّشُعورْ، لِأَتَأَمَّلَها مُسْتَقْبَلاً عِنْدَ كُلِّ حَنيني
    ، وَلَرُبَّما لِاخْتِلاَطِ شَذَراتُ لَذَّةِ جسد صَدِيقَتي
 ، المُتراقِصِ بكل تِلقائية وحرية ، فوقَ جسدي وفي مُخَيِّلَتي
 وأنا في حِجْر أمي الدافئ أمتصُّ حليبها
...  وَحُسْنُ جَمالِ وَجْهُ أُمِّي ، وَما تُمِدُّني بِهِ أَثْدَاؤُها أثْناءَ الرَّضاعَةِ من طاقات الْحليب الحُلْو
 . إِخْتَلَطَتْ عِلِيَّ يَنابيعُ اللَّذَّة وكافَّة الْأُمورْ
 ...لِذَالِكَ أيْضاً رُبَّما ، مَرَّتْ حَيَاتي كُلُّها مَسَرَّاتٍ  وَلَذَّاتٍ  وَحُبُورْ
 ... بِفضل روعة تلك الذكريات
... وخُصوبة لَذَّات تلكَ الْينابيع  والجُذورْ


  الحياة في قُصور الْأنْدَلُس 

*** *** ***
      . مُعْظَمُ وقْتِنا في باسو قَضَيْناهُ انا وفدوى في الْبَيْتِ الضَّيِّقِ عِنْدَ أُخْتي سناء     
      ،  كانت هذه الزِّيّارات الْمُتلاحقة والْمُتَعاقِبَة
 ، والتي كانت تتكرَّرعلى مدارِ سنوات   
 ، وتِلكَ الجلسات الطَّويلة ، والَتي كنَّا نَستَأْنِفُها على الرصيف حسب الفُصولْ
  ولا سيَّما في أماسي الصَّيف
 ، حَيْثُ  نَبْقى أحْياناً ساهِرينَ إلى مُنْتَصَفِ الليل أوْ ما بَعْدَه
 هَرَباً مِنْ الحرارة الخانقة داخِلَ البيوتْ كَما يَفْعَلُ كُلٍّ الْجيرَانْ
 ... وَنَحْنُ نَحْتَسِي الشَّايَ السَّاخِنْ وَنتَذَوَّقُ الْحَلَوِيَّاتْ
 ... وَنَتَبَادَلُ سَمَرُ الْحَديثْ في سُكُونِ الْمَسَاءْ
 ، وَقُطْعانُ الكلابِ الضَّالَّة تَجوبُ حَوْلَنا
 ، وبعض القِطَط تتقاتل غالباً فيما بينها بوحشية لِتَقاسُمِ غنيمة فُتات الأزْبال
 ... وكثير من المُتسوِّلينَ والمجانين
 ، وَبَعْضُ السُّكارَى يَغْدونَ وَيَرُوحُونَ حَوْلَنا في صَمْتِ ما بعدَ الغُروب
 ، يُطْلِقونَ أَحْياناَ بَعْضَ الصَّرَخاتِ الْمُبْتَهِجَة
 ، وهم يترنَّخون في مشيتهم بدون توازن
تَخَالُهُمْ لَيْسُوا قادِمِينَ مِنْ بَارِ الْهَواءِ الطَّلْقِ
حَيْثُ مَرْتَعُ الدَّوابِّ وَمَكانُ تَجَمُّعِ السُّكارى تَحْتَ ظِلالِ الصُّبَّارِالشَّوْكي 
، والْأعْشابِ الْمُتَوَحّْشَة
 ... لِيُسَكِّنوا بكل المُهدِّئات حسراتهم
... رَثَّي الثِّيابِ التي لَعَقَتْها كلُّ الْكِلابْ ، يائِسينَ كارِهِينَ لِلْوُجودْ 
     ، ولَكنَّكَ تَعْتَقدُ وَتَميلُ إِلَى الْيَقِينِ أَنَّكَ تُشاهِدُ ثُلَّةً مِنَ الْمَدْعَوِّين إِلَى مَأْدُبَةٍ ضَخْمَة
 ، في مُسْتَوَى مِنَ الأَناقَةِ يَفوقُ كُلَّ حدُودْ
    ... " وَحَفْلٍ راقِصْ يُقِيمُهُ الشَّهِيرُ" شَهْرَيارْ" عَلَى شَرَفِ عَشِيقَتِهِ الشَّهيرَةِ " شَهْرَزَادْ 
    
  ، ذِالِكَ الإحْتِكاكِ الْيَوْمي في ذالكم البيت الضيق والرصيف
 ، بَدَأْنا نَلِفُ بَعْضَنا الْبَعض
 ...  لِدَرجَةٍ أَنَّ الْكَثِيرينَ حَوْلَنا كانوا يعْشَقُونَ نَوْعِيَة حياتنا وَصَفَاءَ ودَوَام علاقاتِنا
كُنَّا نَرَى إحْتِرامَ الْجيرانِ لَنا ينبثق مِنْ خِلاَلِ نَظَرَاتِهِمِ التي تَعْكِسُ إشْتياقِهِمْ لِلْحَياةِ الَّتي نَحْيا
     ،  وَبَدَأَتْ عَواطفُنا تَلْتَفُّ عَلَى بَعضِها الْبَعْضْ
وَتتَمازَجْ لِتَنْصَهِرَ أَخِيراً مَعَ ظُهُورِلارا
 ... وبَدَأتْ مَشاعِر الحُب والإحْتِرامْ تَنْسابُ في إتِّجاهَيْنِ وَتَخْتَلطْ
 ، وأصْبَحَتْ أخْتي سَناء أعَزُّ مِمٌّا كانَتْ عَليهِ من قَبْل
وبَيْتُها وَرَصِيفُها يَكْتَسِيانِ أهَمِّيَّة خاصَّة وَقُصْوَى بِسَبَبِ زِياراتِ لارا الْمُتَكَرِّرَة ، وَجلوسِها على رصيفِ سناء
     ، وَلِهذا ، ومن أجْلِ صاحبة السُّمُوِّ لارا
 ... غَرَسْتُ لها الْحدِيقَتَين بِجَنْبَيِ رَصيفِ سناء حَيْثُ يَجْلِسْن
لِتَكُونَ حبيبتي مُحاطَةٌ بالْوُرودِ والزهور بدلاً من اكوام القمامات والأزبال التي كانت تُحيطُ بالرصيف
 ، وهي جالِسةٌ على عتبة باب سناء ومعهما فدوى وَهُنَّ يَتَحَدَّثْنَ بِهُدُوءٍ بَيْنَهُن 
 ... وَبِأَساليبِ حَضارِيَّةٍ  راقِية ... يتبادلن أرقى العبارات وأحلى الْبَسَماتْ
 ... لِأَعُودَ بَعْدَ ذالِكَ مُطْمَئِنّاً إِلَى شُرْفَتِي ، وَأَبْعَثَ لَهُنَّ أَحْلَى النَّغَماتْ
      ، وَمَعَ مُرُورِ الْأَيّامْ ، وَجَدْتُ نَفْسي ، لاَإِرادِيّاً وَلاَ شعُورِياً
 ، مُحاصَرٌ بِالتَّعَوُّدِ على الحياة مَعَ هَؤُلاءِ النّاس الْعُظَماءْ
 ... وَمُقَيَّدٌ بِكَافَّةِ الْأَغْلاَلِ وَالسَّلاَسِلِ بِحُبِّ لارا
     وَبِالتَّوَازي مَعَ هذا الْمُسَلْسَلِ مِنَ الْأَحْداثِ الْمُشْرِقَةِ وَالْحافِلَةِ بِالْإِبْتِهاجْ مِنْ جِهَةِ لارا التي أغْرَقَتْني في سعادة فائقة
 ، كَانَ وَحْشُ الْغَيْرَةِ الذي ظَلَّ نائِماً سَاكِناً هامداً في عُمْقِ فَدْوَى لِسَنَواتْ
 ... قَدْ بَدَأَ يَتَملْملْ وَيَتَحَرَّكْ ، لِيُسَبِّب فيما بعد ، أعْتى وأكْبَر زِلزال  
 ... وَهَذا طَبيعي ، لِأَنَّ الْغَريمَ خَطِيرْ ، وَمِنَ العِيَارِالثَّقيلْ
     
      ، وبِالتَّالي أطْلَقْتُ الْعَنانَ لِمَشاعِري لِكَيْ تَنْتَـشِرْ في أَوْلاَدْ لَحْسَنْ
 ... ولِعَواطِفي أنْ تَنْسابَ في فَضاءِ باسو بِلاَ حُدودْ
     ، كُنَّا عِنْدَما يُداهِمُنا الضَّجَر وَيَكْتَسِحُنا الْمَلَلُ أنا وفدوى
 ، هي الْأولَى مَنْ تَقْتَرِحُ الْهُبُوطَ لِلذَّهابِ عِنْدَ سناء
 آخِذةً بعضَ الْأشْياء لِنَأْكلها جماعَةً هناك
 كُنَّا نَمْضي مُعْظَمَ يَوْمِنا عِنْدَها
كُنّا أنا وفدوى يَوْمَها نسْكُنُ في الطابَقِ الثَّاني قَبْلَ أنْ   
  ، تُقَرِّرَ فدوى الإنْتقالَ إلى الطابقِ الْأوَّل كَعَادَتِها التَّوَّاقَةُ دَوْماً لِلرَّحيلْ
 أما سناء ، فقدْ كانَتْ تَشْغَلُ حَيِّزاً ضَئِيلاً مِنَ الْمِرْآب " الكاراج " على الرَّصيفْ
 ، ومع كُلِّ ضَيْقِه وحياة التَّـقَشُّـفِ فيه
 ، كانَ مَرْكزاً هائلا لِلْجاذِبِيَّة والْإسْتِقْطابْ لَنا  جميعاً
حَيْثُ في رِحَابِ ذَالِكَ الْمحْرَاب ، لَمَحْتُ لِأَوَّلِ مَرَّة
تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي خَلَبَتْ لُبِّي وقذفتني بجمالها الساحر في الجنون
      ، كانتْ لارا تبدو لي غير اِمرأة
 ... كانت أميرة ، طَيْفٌ ساحر له أجنحة ، ملاكٌ ناصع البياض كالثَّلج
 ... ضباب شلالٍ مُتدفِّق ... فراشة في موكِبِ فراشاتٍ بيضاء
والبطَّةُ تقودُ المركب الأبيض لينسابَ مع الجدْول الظليل
    ،  هُنَاكَ في تِلْكُمُ الْجَنَّةِ الَّتي طُرِدْتُ مِنْهَا كَآدَمُ صَاغْراً ومريضاً
رَأَيْتُ الأميرة لاَرا
ومنذ ذاك اليوم ، تَجَذَّرَ حُبنا لِبعضنا أكثر وتَعَمَّق
 ...لِتَتفاقم مَآسينا معاً
    
 ، هُناك ، في واحة الخُلود
وفي ذالكَ الفِرْدوس المَفْقود ، ومع تلكَ العائلة المُتوسِّطة
 ... وَالْفَقيرَة ، وحيثُ زرعتُ كل مشاعري
  ... كُنَّا نَقْضي مُعْظَمُ وقتنا ، وَنسْتمْتِع بِأحْلى لحظاتْ عُمْرِنا
    كُنّا نجلس ساعاتٍ طويلة عِنْدها في بَيتِها الضَّيِّقْ جِدّاً والذي لاَ يَتَّسِعْ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْخَاص
وَأَنَا أتَسَابَقْ إلى الدَّاخِلْ ، لأَحْتَلَّ الْمَكَانَ الَّذي لَمَحْتُ لارا جالِسَة  فيه يَوْمَ رَأَيْتُها هُناكَ لِأَوَّلِ مَرَّة
      ،  كُنَّا نَقْصِدُ الْمَزَارَ الشَّريف الْمُقَدَّسَ كُلَّ يَوْمْ ، وَصَباحَ مَسَاءْ
وكُنَّا أنا وفدوى نَلْقَى فيهِ كُلَّ راحَتنا ، وَكَأنَّنا كُنَّا نحْيا في سَرايا قَصْر مُلوك غَرْناطة والْأَنْدلُسْ واشْبيلية
 ... أو بلاطات هارون الرَّشيدْ في بَغْداد ، أَوْ نُمْضي نزْهَةً في كَرْبَلاء
 ، وحوْلنا حَدائقُ غَنَّاءْ ، والحيوانات الْأليفة من جميعِ الأصْناف والألوان
 ، وَأَشْكالُ الطُّيُورِ والطَّاوُوس مُنْتَشِرٌ في كُلِّ مَكانْ
والشَّلاَّلاتُ لاَ تُحْصَى ، وأشكال البهجات تنتشر كالأثير   
      ... ذالِكَ لِأنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ مَا تَرَى وَلَكِنْ كَيْفَ تَرَى   
   ، غَيْرَ أنّ هذه الْعَلاقَة الْحَميمِيَّة
كانَ كُلٌّ مَنَّا يَفْهَمُها بِطَريقَتِهِ الْخاصَّة أنا وفدوى
 ، كُلٌّ حَسَبَ دَوافِعِهِ الْخَاصَّة ونَواياهُ الْمُسْتَتِرَة 
 ... وبعضِ المَكْبوتاتِ التي تَحْتاج إلى الظُّهورِ والتَّعْبيرِ والتَّعْويضْ
 ، وكذالك بِسَبَبِ صِراع بعضُ الْغرائِز اللَّاواعِيَّة
التي تُحاولُ الطَّفْــوَ فَوْقَ مَسْرَح الْوَعْيِ وخَشَبَةِ الشُّعورْ قَصْدَ التَّنْفيسِ 
 وَالْإشْباعْ
 وهذا الْجانِبُ نجِدُهُ لاَ سَيّما عِنْد فدوى
        ، كُنْتُ أنا مَثَلاً ، مُحْتاجٌ إلى حياة الْبَساطَة والتي كانت تَميلُ إلى التّقشُّفِ
 ، بِسَبَبِ الْحاجة والْفقْرْعِنْدَ أُخْتي سناء وفي رِحابِ أُسْرَتِها
 ، وأعْشقُ الغرَقَ في أصناف تفكيرالعصرالحجري
 ، كما كُنْتُ أشْتاق أنْ أرى بعض المظاهِرِ الْبَدَوِية والشَّعْبوية والتفكيرالوجْداني
 ، مُخْتَلِطاً بالتّفكيرالسِّحْري الأنيمي ، وطُقوسُ الشَّعْوَذَة وَالتَّرانيم السِّحْرِيَّة
  ... وَخُزَعْبِلاَت الخُرافاتْ
 ... وَالَّذي حاوَلُوا شِفائِي بِه يَوْمَ صُعِقْتُ وَأُغْمِيَ عَلَىَّ
     ، ذَالِكَ الْيَوْمُ وَما وَقَعَ فيه
 ... كَانَ وَسَيَبقى يوماً مَشْهودا وذكرى سعيدة وأليمة لا تُنسى    
  ... وقُبْلتها الجميلة La Rose du drame ) " طَارَ عَقْـلي بِ " الْوَردَةِ الْحَمْراء 
 ... وردة الدراما ، كأزهار الشَّر عند بودلير
 ، فَلاَطَفُوني وَشَفَقُوا علَيَّ وَبَخَّروني بالجَّاوِي الْمَكَّاوي
 ، وَقَرَأُوا سُوَراً مِنَ الْقُرْآنِ الْكَريمْ ، وسورة الْجِنِّ
 ... وَتَعاوِيذ وتماتِمْ وَتَراتِيلْ رُبَّما مِنَ الْإِنْجِيلْ أوالزابور، 
، ودُعاء وبركةُ الأولِياء
 ، كأَنَّ بازار السِّحر وسوق اللاَّمعقول الماورائي
 ، قد اِنفتح على مصراعيه ، على يَدِ عقولٍ ناقصة
 ... طلباً لِلرقى والتعاويذ من المُنجِّمينَ والقِوى السحرية المختلفة
 ، وَأَتَوْا بِصَفيحَةِ الْفَرَسِ التي كانتْ مُعَلَّقَةً على بابِ بَيْت أخْتي سَناء
 ... والتي تَطْرُد أَيْضاً عَيْنَ الْحَسَدِ مِنَ الجَسدْ
 ،وَرَشُّوني بِماءِ الْأَزْهارْ
 ، وَوَضَعُوا بِيَدي مَفاتيحْ
 ، ونثروا فوق جسدي الأملاح لِإِرْهابِ الشياطين التي بِداخِلي
لِيَطيِرَ ما يَظُنُّونَهُ أَرْواحاً شِرِّيرَةً سَكَنَتْنِي
 ، وَالَّتي لَمْ تَكُنْ في الْحَقِيقَةِ سِوَى صَدْمَةُ حُبِّ لارا
..! حِينَ فاجَأَتْني ذَاتَ يوْمٍ بِتَقْدِيمِها لي وَرْدَتَها الْحَمْرَاءْ وَقُبْلَتَها القاتِلَة

     
 ، مُنْذُ ذالكَ الْيَوْم التَاريخي المَشْهودْ ، وَالْأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ الْأَيَّام   
 ... وَالْأَسْعَدُ والْأَشْأَم مِنْ كُلِّ الْأَعْوامْ
 ، وَالْأَكْثَرُازْدِحاماً وَازْدِهاراً لِكُلِّ الْأحْلاَمِ وَالْأَوْهامْ
 ... ومُنْطَلَقٌ لتْراجيديا قاسية وطويلة العناء
 ... وَأَنا ولارا وَلَجْنا مُحِيطَ الْعَذابِ الْأَلِيمْ
 وَلاَ زِلْنا في نَفْسِ الْمَسارْ إِلى الْآن غارقين
 ... نتخبَّطُ مُصارِعين امواج الأقدارالفَتّاكة
      ، وَكُنْتُ عِنْدَ أختي سناء
 ، أسْتَمْتعُ بِتَأمَّلُ ذُهانُ التَّفكير الْخُرافي اللاَّمَعْقُولْ
 ، والذي يَبْدأُ عندها مِنْ عَتَبَة بَيتِها الضَّيِّقْ
 ، حَيْثُ عَلَّقَ زَوْجُها صَفِيحَةَ فَرَسٍ حديدية كَبيرة إتِّقاءً لِعُيُونِ الْحُسَّاد الشِّرِّيرَة
 ...!!! دُونَ أَنْ أسْتَطِيعَ أَنْ أَفْهَمَ أَبَداً عَلَى ماذا يُمْكِنُ أَنْ يَحْسُدَهُ النَّاسْ
     كُنْتُ أَتُوقُ لَهْفَةً أَنْ أَسْمَعَ ضَجيجُ الطُّفُولَة وأَصْواتِ الْبَراءَة وكُلُّ ما مِنْ شَأْنِهِ أنْ يَقْذِفَني في أجْواءِ طُفولتي بِبني سيدالْ
 ... بعيداً عَنْ أجْواءِ بْرُوكْسِلْ الْكَئيبَة وعَقْلانِيَها الْجافَّة
وأنْ أقضي بَعْضَ الْوَقْتِ في جَوٍّعائِلي بسيط 
 ، وخال مِنَ الْعُقَدِ الْكَثيرة والسيارات وأزيزالمحركات
 . وناطحات السحاب وحياة الرفاهية
 ، أُلاعِبُ مَحاسِنْ وَأُناقِشُ أخاها مَرْوانْ في دُروسِه
 ، وأخْتي سناء تَهَـيِّـؤُ لنا الْحَرْشَةَ أوِالثَّريـدْ أوْ البيصارَة



حَسَبَ إمْكانِيَّاتِها الْمَحْدودَة جِدّاً. 
وَلَكِنّي لم أكُنْ أُقَصِّرُ مِنَ النّاحِيَةِ الْمادِّيَّة أبداً
 ، دائِماً أحْمِلُ إلى دارِ أُخْتي أشْياءْ ، دائِماً في يدي شَيْءٌ لَهُمْ
 ، وَإِذا حَدَثَ أنْ دَخَلْتُ أوْ دَخَلْنا مَعاَ أنا وفَدْوى ، فارِغي الْيَدَيْنْ
 ، كُنْتُ أناوِلُ محاسِن حَلْوَى كانَتْ بجَيْبي أوْ نُقودْ
 ، وكذالِكَ لِمَرْوان الذي أُرْسِلُهُ إلى مخبزةِ باريس بِقُرْبِنا في باسو
 ... لِيَشْتَري ما يشْتَهُونَ منَ الحلوِيّات والعواصير والمونادا والحلويات
 ... أوِ الْمُسَمَّنْ والإسْفَنْجْ  والْحَرْشَة وَتْشُورُّو مع القهوة التي تُهيِّؤها سناء 
     ، كَما أنَّي كُنْتُ أرُومُ وَأتَوَخَّى مِنْ وَراءِ هذه الْعلاقة مع ناسٍ بُسَطاء
 ، يَأْكُلُونَ ما قَسَّمَ اللهُ وما حَضَرْ
 بِشَهِيَّةٍ طَيِّبَة وأحْياناً بِشَرَاهَةٍ عَجِيبَة يَحْفِزُ الْإنْسانَ وَيَدْفَعُهُ إلى النَّهَمْ
 ، كانَ هَدَفي أنْ يُذْكي هذا الْجَوّ العائلي
حافِزَ الشَّهِيَّةِ الْمَفْقودَة عِنْدَ فَدْوى التي مُنْذُ أنْ ، عَرَفْتُها وَهِيَ تُعاني مِنْها
 ، فَضْلاً عَنْ مُعْضِلَةِ الْأَرَقِ الذي كُنْتُ قَدْ بَدَأْتُ في مُحاولةِ عِلاجِه
بِمُسَاعَدَةِ بعض المحَلِّلِينَ والْأخِصَّائِيِّينْ النَّفْسانِيينْ
     أنْ يَكونَ زَوْجُها حاضِراً أمْ غائِباً ، الأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِكُلَّنا سِيانْ
 ، زَوْجُها مُصطَفى النَّادل يَـثِقُ في زوجَتِهِ ويثِقُ بي ويحْتَرِمُني
 ، وَلا سَيَّما لِتَوَاضُعي الْجَمِّ كما يقول
 ، وزوجتي فدوى تُبادِلُني نَفْسَ الثِّقَة
 ، وكانَتْ تَفْتَخِرْ معَ صديقاتها ومَنْ تَعْرِف منْ الْجارات
 ... أنَّني مُحَصَّنٌ من ناحية النِّساء لِأَني لا أُحِبُّ سِواها
 ، وكانتِ الساذجة مُتيقِّنةٌ بذالك طبعاً
 ، دون أنْ تعرف أنَّ الزوج المُخلص العاشِق الوَلْهان
 ، والذي في الواقعِ كان
 ، ما هو حالِياً سِوَى مومياء مُحنطة في كآبةٍ مُزْمِنة
 ... وأنَّ روحهُ سرقتهُ الملائكة البيضاء
     . وكانت فدوى تحترم الجار مُصطفى
 ... والأوْلاد لا يُزْعِجُونَنا كثيراً لأنَّهُمْ يعْرِفوَن أني أحبُّ الْهُدوءْ
 فَيَهْدَأُونَ في حُضوري وَيهَذِّبُون سُلُوكَهُمْ
 ... وَيَتَرَفَّعون في طريقَةِ أَكلِهِمْ
     ... كل شيءٍ كانَ رائعاً في قَصْرِ الْقِدِّيسَةِ سناء في باسو
، في أَجْواءِ أَلْفِ لَيْلَةٍ ولَيْلة
 ، وَفي حَضْرةِ أَشْخاصٍ في الْمُسْتَوى مِثْلَ شَهْرَيارْ وَشَهْرَزادْ
 ، والسندباد البحري ومعروف الإسكافي وابي نواس
 ... الذي يُتْحِفُنا من حين لاخر بكأس خمر وقصيدة مُجون 
 ، والموسيقى تصدح من شرفات هارون الرشيد
، والراقصات في كل الحدائِقِ الغنّاء يرقصن بأجسادٍ كالمَرْمَر
 ... يخطف عيون الناظرين
      كَيْفَ لاَ تَكُونُ في مِثْلِ هَذهِ الْأجْواءِ سَعيداً 
 ، وَمَلاَكُكَ الْحارِسُ يُحيطُ بِكَ
... وَأَنْتَ تَرْنُو إِلَى القَمَرِ الذي يعْكسُ مُحَيّا لارا وَيَبْتَسِمْ غامِزاً
       ... كُلُّ مَظَاهِرِ الْحَياة كانَتْ تَفُوقُ الرّوعَة في قُصورِغَرْناطَة بالأندلس
 ... كُلُّ شَيْءٍ يَبْدو جَنَّة
 ... جَنَّةٌ لَيْسَ لها مَثيلْ
 ، لاَ تُفَكِّرْ في جنَّةِ عَدَن
 ، لِأَنَّ الْجَنَّةَ في قصور وبلاطات باسو الرائعة ، وفي حضرة الأميرة لارا
 ...!!! كانتْ أَرْوَعْ بكثير
      ... إلَى أَنْ وَقَعَتِ الْوَاقِعَة ... وَكَادَ يَنْهارُ كُلُّ شَيْء
 ... وَأَنا مِثْلَكُمُ الْآنْ
 ، أَنْتَظِرُ نِهايَةَ الْمَأْسـاة ، وَكُلِّي قَلَقْ بِسَبَبِ ما قَدْ يَحْدُث مُسْتَقْبَلاً من مُفاجآتٍ سارَّة
 ، أو فواجِع
 ... ولكن ، إِشْتَدِّي أَزْمَةً تَنْفَرِجي
 ، كَيْفَما تطوّرتِ مَجْريات الأحْداث
. وَمَهْما تَفاقَمَتْ الأوضاع وَتَعَقَّدَتْ نتائجها عكس ما أشتهي
. وَاشْتَدَّتْ أَعاصِيرُها وَاكْفهَرَّتْ أَجْواؤُها مُؤَقَّتاً وانقلبتِ الفصول 
 ... فسَتظَلُّ لارا حُلْمِي الْوَحيدْ
 ... لِأَنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّها تُحِبُّني كَثيراً وَبِلاَ حُدودْ
وَأَنَّها يَوْماً مَا ...
حَتْماً سوْفَ تعودْ ...


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.