ليلة وردية
ليلة وردية
الحياة في باسو
LA VIE A PASSO
Chapitre 1
ليلة وردية
عَرَفْتُ باسو في بداية شهر يوليوز من عام 2005 ، عندما قَدِمْتُ من بروكسيل إلى الناظورعلى مَتْنِ طائرة ، وَكُلِّي لَهْفَةٌ لأَرَى لاَرَا…
كانت قد مضت
سبعة شهورعلى تَعَرُّفي على صديقتي فدوى التي كانَتْ لِي بِمَثابَةِ طَوْق نجاة
،
لِلْهُروبِ مِنْ حُزْنِ الْمُعاناة ،
وجحيم التَّفْكيرِ في لارا خِلاَلَ سَنَوات ...
أَحْمِلُ حُبَّها وَهَمَّها في قلبي المَهْمومْ ...
وَأَنا أَعِيشُ في بروكسل، مُحَاطاً بِكَآبَةٍ وَغُيُومْ ...
وبعْدَ أن اسْتَقَرَّتْ فدوى مُرْتاحَة وَقَدْ
أزَاَحتْ شَوْكَةَ لارا مِنْ طَرِيقِها ،
بدأتْ تَطْمَحُ في عَيْشِ الأُبَّهَة ، وتَوْسيع راحَتِها ،
فاقْتَرَحَتْ عليَّ شِراءَ دارٍ في حي المطارأوْ أيِّ مكانٍ آخر، لأَنَّها سئمتْ من الحياة في دار حي لعراصي ، لِكَوْنِها تقع على طريق رئيسية كثيرة
الصخب. واشترتْ دارا في حي باسو، بعد أن أرسلتُ لها عن طريق البنك ، ثمن الدار ، ومصاريف الْمُوَثِّق ، وأتعاب المحامي الذي ساعدها من أجل إتمام الإجراءات اللازمة ...
وصلت الطائرة إلى مطار الناظور ـ العروي حوالي الساعة الخامسة والنصف مساء .
فرحتُ حين وطأتْ رِجْلايَ أرْضَ الأجداد . أحب هذه البلاد ، رغم تعقيد
الحياة فيها وصعوبتها .
اِتَّصَلْتُ بها عبر الهاتف النّقّال لأُشعرها
بوصولي ولأسألها ماذا أفعل ؟ فقالت أنني يجب أن أقف بالطاكسي في سوق باسو ،
وأنتظر أمام " مخبزة باريس" الشهيرة ، وسأجدها هناك تنتظرني
لِتُصاحِبَني إلى الدار الجديدة التي لم أكن أعرف موقعها بعد ...
عندما وصلتِ السيارة إلى سوق باسو، وجدتُ صديقتي بجلباب
رمادي تنتظرني أمام مخبزة باريس فرحة ، وبيدها كيس بلاستيكي أزرق .
رَكِبَتْ معنا في الخلف ، وَأَمَرَتِ السّائِقَ أن
يستمر في الطريق ويعرج إلى اليسار، ثم اليمين … ثم الى … ثم ...
مررنا بمجموعة من الأزقة الضيقة الملتوية . لم أكن أعرف
هذا الحي من قبل إطلاقاً . كان مجرد ضاحية من ضواحي مدينة الناظورالْعَتيقَة .
بَادٍ لِلْعِيان أن البناء هنا كان عشوائياً وفوضوياً .
لا تجد طريقاً واحدة مستقيمة أو مُعَبّدة دون أنْ يقطعها بناء مُتَطَفِّل في هذا
الاتجاه أو ذاك ، يُشوِّه المشهد ويُحوِّلُ بَعْض أجزاء الحي والْأَزِقَّة إلى
مَتاهات يَضِيعُ فيها الْإنْسان ...
وهناك كثير من المساحات والأراضي الغير المبنية
المُبعثرة هنا وهناك ، والتي تنتشر فيها الأحجار والأشجار وأكْوام من الأزْبال
وقُطْعان الأغْنام ، والأنواع المختلفة من النباتات المتوحشة والصبار
الشوكي ( الْهَنْدِيَّة – ثَهَنْدَشْتْ ) ، والكلاب والقطط
والحميرتجوب أرجاء الحي بحرية تامة ...
كُنْتُ مُفْعَماً بِالسَّعَادَة ... غارقاً في
تَأَمُّلِ هذه المناظر الخلاّبة ، وأتأمَّلُ ، أحياناً خِلْسَة ، ملامح الناس ولا
سيَّما النِّساء ، وهُنَّ يَتَخَطَّيْنَ الْعَتَبات لِمَعْرفة القادم أوِ الغريب
الجديد ، حين سَمِعْتُ صديقتي فدوى ، تأمر السائق بالوقوف أمام باب دار كبيرة .
- هذه هي الدار . لقد وصلنا ...
قَالَتْها بهدوء ، وصوتها يتلاشى في صمت الحي الغريب ...
هبطنا من السيارة ، وساعدَنا السائق في حمل حقائب السفر
، وَأَدَّيْتُ لَه ، وذهب .
خرجتْ صديقتي بعد أن كانت قد وَضَعَتْ آخر حقيبة داخل
الدار .
أمسكتني من يدي بِلُطْف وهي تَجُرُّني مُبْتَعِدَة خَطَوات عن المنزل ، وتقول :
ـ أُنظر، للدار طابقين . وواجهتين جميلتين
وكراج (مرأب) بثلاثة أبواب ...
سكتتْ هُنَيْهَة لِتلْتقِط أنْفاسها اللاّهِثة
ثُمَّ أرْدَفَتْ
:
ـ الحي هادئ ، و أنتَ تحب الهدوء . كأنَّكَ في البادية
هُنا . وسكان الحي ناسٌ بُسَطاء ،
معظمهم نزحوا اليه من الجبال أو القرى البعيدة .
البعض منهم جيراننا في تمسمان ، والكثيرون من بني توزين
،
مشيرة الى بعض المنازل وراء اشجار الصفصاف ...
وهؤلاء ناس يُقيمون في الخارج . بُيوتهم تظل مٌغْلَقَة
طِوَالَ السَّنَة ، ولا تَدُبُّ فيها الحياة حتى يعودون ...
آمل أن تعجبك دارنا الجديدة ...
ـ رائع ، أثق في ذوقك .
ثم دخلنا وأغلقنا الباب خلفنا ...
عالم
مختلف جِذْرِيّاً عن الذي تركْتُه ورائي ،
وكأنّني مسافر في الزّمن ، لكن في اتِّجاه الماضي ..!
في هذا الحي الْمجْهول والبسيط جدا ، ستنمو حكاية حب جميلة ومَجْهولة
...
في حي باسو الغريب هذا ، ستبدأ قصة غرامية رائعة وغريبة ،
ولكنها تراجيدية وكئيبة ... أسطورة ...
قصة مؤثرة وحزينة ...
قصة صامتة ، ولكنها للاسف الشديد ، عنيفة ومُدَمِّرَة...
إنْقَضَّتْ عَلَيَّ بِشَوْقٍ تُعانقني ، وَعَيْناها
تَتَلأْلآنِ مِنْ شِدَّةِ السُّرُورْ ...
ضَمَمْتُها بدوري
إلى صدري . وبدأتْ تقبلني وأقبّلُها ونشم أنفاس بعضنا ،
وتُمَرِّر أناملها الرقيقة على شعر رأسي ، مُتَلَمِّسَة وجهي وتُحَدِّقُ بي
غير مُصَدِّقَة واقع اللقاء :
ـ الحبيب اينو، أنا أحلم ... كيف حالك ؟
ـ بخير. الحمد لله .
ـ كيف كان السفر؟ آمل أن لا يكون شاقٌّ عليك .
ـ بالعكس . ككل الأسفار، كان مُمْتِعاً وكنتُ مُتَلَهِّفاً أنْ أصل بسرعة
لأراك ...
ـ أنا أيضا توحشتك كثيرا كثيرا ...
وبدأتْ تضحك ، والسعادة تغمر كل شيء فيها ، وتكتسحها ، وَتَزِيدُها بَهَاءً ...
هدوءها وفرحتها ، أضْفَيا عليها رَوْنقاً وجمالا .
وابتهاجها المُفْعم ، جعلها تبدو أخفّ من الريشة بَهْجَةً وَسَعَادَةً ولذة
...
ـ هل ستأكل الآن ؟ هل أنت جائع حبيبي ؟
ـ لا ، لست جائعا . تناولت العشاء في الطائرة . وثانيا ، لا أريد أن يُشغل بالي
شيء عن تأمُّلك . أريد كأس شاي فقط من فضلك ، اذا كان موجودا . لأدخن سيجارتي
وأنظر إليك . لم أدخن منذ ست ساعات .
ـ الشاي موجود
وساخن . هيأت لك براد شاي بالنعناع .
أزاحَتْ من فوق
الطاولة وبِكُلِّ نُعومة ، مِزْهَرِيَّة الورد الطَّبيعي الذي كانَ قد
اِْنتشر عِطْرُهُ الرَّائع في أجْواء الصّالون ، ووضعتْ مكانها صينية فخمة ،
وملأتْ لي كأس شاي ما زال ساخناً مع حلويات من صُنْعِها .
بدأتُ أرشفه بلذة . كان حلواً ولذيذاً ...
أشعلتُ سيجارة ، وبدأت أتأمل صديقتي وهي تنظر إلي بإعجاب واحترام وشغف شديد ...
كانتْ
هذه اللحظات جوهرية في وُجودي وتُضاهي رُبَّما بعض الشَّذرات النّادِرة من
العُمْرَ كله ...
ارتفعتْ نغمة إحدى مقاطع الموسيقى المنبعثة من جهاز "الهوم سينما "
وتنبّهْتُ
أنها اختارتْ إحدى المعزوفات التي أُفَضِّلها للموسيقار " موريس رافييل
.

حملتني أنغام هذه الموسيقى الرائعة على أجنحتها ،
إلى أجواء من الذكريات العذبة بعيدا في الزمان والمكان ...
بعيد حتى عن فدوى التي بقربي الآن ،
والتي كنتُ أشتاق فعلا لرؤيتها ...
ولكن الطيف السحري الذي كان يُطارده خيالي أقْوى من كل مراكز الجاذبية حولي
...
كُنتُ ألهثُ بلا شعور وراء طيف لارا ...
تنبّهتُ بعدها أني لستُ وحيدا ، فاسترجعتُ خيالي التائه كالعادة
فسألتها :
ـ أمورك وصحتك
بخير؟ وعائلتك ، الكل على ما يرام ؟ وأحوال أبيك ؟
ـ ماذا تريد أن أقول لك ؟ كُنّا ، وأنتَ في بروكسل نتحدث كثيرا وكل يوم ،
وأحيانا ثلاث مرات في اليوم الواحد . وكنا نحكي لبعضنا كل جزئيات حياتنا
لساعات .
أولم تقل لي أنكَ أنفقتَ أموالا كثيرة على الهاتف خلال أربعة شهور .
ليس عندي جديد أضيفه ... بخير، كل شيء بخير،
وأنا فرحة كثيرا لأنك أتيتَ ووصلت بخير . كنت مشتاقة جدا إليك حبيبي .
وبدأَتْ تَضُمُّني وتُعانِقُني .
ـ اشتريتُ لك كثيرا من الهدايا والملابس الداخلية ، والمعطرات الثمينة . أنتِ
رائعة حقا.
ـ انتَ دائما لطيف معي . وأعطتني قُبلة ، أحسست أن أعماقها الصادقة هي من يقبلني، وقالت:
ـ أشكرك ، وهي تبتسم كالخجولة وتخفظُ عيناها الساحرتان ...
كنتُ أعرف برنامجها قبل المجيء بدقة :
الذهاب إلى الحمام . صباغة شعرها في إحدى صالونات
الحلاقة الرّفيعة ،
وما يرافقه من ماكياج وفن العيش ، وتهيئة الطاولة للأمسية ،
وَمُغَازَلَةُ الْمِرْآةِ لِساعاتْ ...
كانت أنيقة
وجذابة ... تسريحة شعرها جميلة وَتَمَوُّجَاته كَضَبَاب الشَّلاَّلْ
،
واللون البُنّي الفاتح تتخلله خصلات شقراء متموجة .
زادها رونقا وجمالا ، تلك الحواجب الرقيقة جدا ،
والأشفارالطويلة ونظراتها الخجولة والكثيرة الإغراء ...
كانت
لابسة قميصاً وردياً شفّافاً يُظهر محاسن جسدها الأبيض الْفَتَّانْ ،
يُوقِظُ الشَّهَوَات في الْقِدِّيسِينَ
وَالرُّهْبَانْ ...
كنتُ أغدق عليها الأموال من هناك ، ولهذا تَأَنَّقَتْ وَتَألَّقَتْ كالزهرة
المتفتحة في الفجرهنا ...
أَحْيَاناً ... كَانَتْ تَبْدوأجْمَلُ مِنَ الْفَجْر... بِكَثِيرْ ...!
وتحدثنا وضحكنا وتعانقنا ولعبنا ،
ورقصنا كثيرا على موسيقى ريفية وعربية ،
تحت أضواء حمراء وزرقاء خافتة ،
والشموع ترقص لوحدها غَيْرُ عَابِئَة .
في تلك الحقبة من الزمن المُسْتحيل النِّسْيان ،
كنا مثل طفلين بريئين ،
كنا
طائرين طليقين ،
كنا
فراشتين مخمورتين تتمايلان مع النور والنسيم .
وقد ذُبْنا في المكان والزمان وفي جَوٍّ عظيم ...
كنا نعيش في واقع الخيال ونحن في قِمّة اللذة ...
تَجَاوَزْنَا أَقْصَى عتبات النِّيرْفانا ...
كنا خارج الزمان وَكُلّ الْأكْوَان ...
بَعيدينَ عَنْ كُلِّ إِيدْيُولُوجْيَات إِسْتِلابِيَّة ،
أوْ لاَهُوتْ مُنْغَلِق ، أوْعُيُون الْجِيرانْ ...
كُنَّا
كَالسُّكَارَى ...
نَتَراشَقُ بالْكُؤوس ، واللَّذَّاتُ تَنْسابُ بِلا حُدود ...
ونَشِطْنا وعرْبَدْنا وقهْقهْنا ولا قُيُود ...
أمضينا ليلة عُرْسٍ خيالية ، نادرة الوجود ...
نَعْبَثُ بوجودنا بِكُلِّ حرية ، كما نشاء وكيف نشاء ...
نَمْلؤُ بأصْداء موسيقى الشَّرْق أجواء المساء ...
وأخيراً ، وسُلْطانُ النّوم يطْرِقُ بابَنا ...
اِسْتَسْلَمْنا كالصَّبايا بِغَيْرِطَواعِية ...
نُمْنا مُتأخرين ... قريبين من الفجر ...
الهدوء يُحيطُ بنا ،
والسعادة ترفرف من حولنا ...
والأحلام اللذيذة تسبقنا ...









Commentaires
Enregistrer un commentaire