أصداء الصدمات





 LA VIE A PASSO . Chapitre 2 .  أصداء الصدمات      

" الفقرة الثانية من رواية  " الحياة في باسو 
         للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي          
 أصداء الصدمات     


 ليلة مُرعبة

~~~ ~~~
     مضت الحياة هادئة ...
كُنّا كشجرة توت ... أنَا فَرْعُ ذَهَبْ ... وَهِيَ فَرْعُ ياقُوتْ ...
كنا زوجاً راقٍ على كافة المستويات . نعيش حياة " الهايْ " كما يُقال .
حياة راقية المستوى ، كثيرة الانسجام ، ويسودها الاحترام ...
ما عَدا طَيْفُ لارا الحزين الذي يَتَوَالَي أمامَ ذِهْني بِاستِمْرار كالشَّريط ،

ويَلُفُّني في حُزْنٍ عَميقْ ، أنا الذي سَكَنَتْني الكآبة مُنْذُ عَرَفْتُها .
فكان مُرور هذا الطَّيْف الجريح الذي يَنْزِفُ ذِكْريات ، يُزلزِلُ مشاعِري ،
ويُطَوِّحُ بي بعيداً عن فدوى ، ويُنْغِصُ اللحظات السعيدة التي نُمضيها معاً ...
ما عدا هدا الطيف الحزين ، كانت حياتنا هناء وهدوء .
لم يحدث ابدا ان وقع خلاف بيننا .

      مضت ايام  بل اعوام ...

ولا شيء يلوح في الافق مِنْ شَأْنِهِ أنْ يُعَكِّرَ صَفْوَ حياتنا ،
لدرجة كنتُ أُحس معها بروتين السعادة . فأقول لرفيقتي مازحاً :
      -  يجب أنْ نغضب ، ونتخاصم قليلا . أوْ نَصْطَنِعَ مُشكلا ولو صغيراً ،

لنغير روتين السعادة ، الضجر يقتلنا ...
      فتضحك رفيقتي قائلة ، ولكن بمرارة دفينة :
      - انا لا اعرف صناعة هذا المنتوج . ولسنا بحاجة اليه .
يجب على الانسان ان يعيش دوما في السعادة لا في المشاكل العقيمة ...
لا يحيا بالمشاكل سوى بؤساء الوعي ومن لا يفقه للسعادة معنى ...

      سكتتْ هُنَيْهَة ثم أَرْدفتْ وهي  تتنهّد كمن يحمل ثقل هموم كبيرة :

      -  انا عشت في المشاكل والشقاء منذ نعومة أظفاري ، عندما كنتُ في دارنا ...
 ابي كان مُتَعَصِّباً ومُتَسَلِّطاً . أذاقَ امي الْأَمَرَّيْن ، وهو السبب في موتها ...
 لذالك امقتُ كل انواع المشاكل وما جاورها ،
واكرهُ مصادرها وكل من يُثيرُها ...

      رَفَعَتْ نظراتها المأساوية بِبُطْءٍ عالياً ،

وَمَسْحَةُ الحزن بادية على وجهها كمن يَتَّهِمُ السماء بشيء ، او يعاتبها على فعل ،
ولكنها كبتتْ صرخة احتجاجها وغضبها الصامت . فهمتُ ما يدور في خلدها :

      خلق الله المرأة من " ضِلْعٍ أَعْوَج " ، فلازمها ربما هذا الإعوجاج طوال حياتها ،

حتى صارإعاقة مُزمنة في وجودها ، 
وخلق لها زوجاً قُوّامٌ عليها ومُفوَّضُ جميع السلطات  كجلاد يعذبها ، ثم يُجهز عليها ليبحث عن اخرى ...
      مسرحية شبه سادية  يفوح منها العبث ... أصل الظلم في المنبع ...

      ساد نوع من الصمت الحزين وطال ... وظلتْ ساكنة ساكتة ...
     عندما اقْتَرَبْتُ مِنْها ، وَتَأَمَّلْتُ عينيها الحزينتين .
كانت الدموع قد مَلَأتْها ... طفحتْ وبدأتْ تنساب على  وجنتيها ، 
وتسقط على صدرها ، ومقلتاها مُحْمَرَّتان من أَثَرِ الْبُكاءْ.

      اقتربتُ منها بهدوء ، وضممتها الى صدري بحرارة ...
المرأة تحتاج دوما الى الحب والحنان والحماية ، ولا سيما الاحترام .
قبَّلْتُها في جبهتها ، وضممتها اليّ ثانية لأُدفئها بمشاعري المُشتّة :
لَوْ كانَتْ عِنْدي باقة ورد ، لَنَثَرْتُها عَلَيْها ...
أو بِرْكَةُ سعادة ، لاغرقتها بِلُطْفٍ  فيها ...
أو معجزة للشفاء كالمسيح ، لشفيتها وَبَدَّدْتُ آلاَمَها وداويتُ جراحاتها ...
لكن كما يُقال : " العين بصيرة واليد قصيرة " ... والآلام مستمرة ...


      رَفَعَتْ يَدَيْها ودموعها تنهمربغزارة مُريعة ،

محاوِلة التعبير عن مشاعرها الأسيرة ،
وعانقتني بحرارة وهي تقول وفي نبراتها وعينيها إحْساس بالذنب دفين :

      - أنتَ تُعاني من أجلي يا حبيبي ... لقد وصلتُ عندك مُثَقَّلَةٌ بالهموم ،

فاعذرني إِنْ أَنَا أغْرَقْتُكَ فيها معي ... كل هذا بسبب أبي ... هو الذي قتل أُمّي ...

      كانت هذه العبارات شديدة القسوة ، 

ولكنها كانت حتماً صادرة عن قلب مُنشطر وعميق الاِنكسار،
قسى عليه الزمن أكثر مما ينبغي وطعنته الصدمات في الصميم .

      اِسْتَطْرَدَتْ وهي تُجفِّفُ دموعها وتُحني رأسها رُبّما خجلا من ظروفها الدرامية :

      - لاَزَمَتْ أمي الْفِراشَ عشر سنوات ، وهي تعاني من  آلاَمِ  القلب .
 وانا لازمتُها عشر سنوات مصدومة الوجود ،
لا افترق عنها أو أبتعد ولو شبرا ...
كانتِ المُعانات قاسِمُنا المشترك خلال مرحلة مرضها وانْهِيارنا معاً ...

      ماتت أمي في حِضْني ، 

كانت نائمة على  رُكْبَتَايَ الهزيلتين عندما لفظتْ أنفاسها الأخيرة ،
كانت تلك الليلة المرعبة من أقْسَى ليال عمري .
وقد أثخنتْ كياني بصدمات مُهْوِلة جَعَلَتْني أكْرهُ نفْسي والحياة ...




      لن أسمح أبداً للسماء أنْ تصُبَّ عليّ جام ساديتها …
أنا لم أسْتَجْدي لا الوجود ولا العذاب ،
ولا مجال للشك أنَّ صانع مثل هذه الظروف من فصيلة  " نيرون " أوْعلى الأقل " مجنون " .
ما دام أنه لا يستمتع إلاّ بالدمار وبالخراب …

      كان  الرعد يزمجر بِعُنْفٍ آنذاك في براري تمسمان ، 

مُخترقاً سلسلة جبال الريف التي تردد أصداءه المرعبة في أحياء القُرى المتناثرة في كل مكان …
والبرق يُشِعُّ في أرجاء السماء كالشُّهُب أوِ النّيازِك ،
وينعكس على برك الماء وصفائح الجليد ،
لِيَبْعَثَ الرجفة والخوف في نفوس الأحياء …

      في تلك الليلة الشديدة الرُّعب من ليالي فصل الشتاء القارسة البرودة …

كان الجو رهيباً والسماء مُلَبَّدَة بالغيوم ومُكْفَهِرَّة ،
والأمطار لم تتوقف عن التساقط منذ ثلاثة أيام ،
والرياح تعوي في الأحراشِ والوديان وتُحْدِثُ صفيراً مُتنوِّعُ الذَّبْذباتِ والنَّغمات ...
وأنا أهرول في كل اتجاه أحاول إغلاق النوافذ التي فتحتْها العواصف بعنف ،
وأجمع كل ما أجده من أغطية لِأُدثِّر به جسد أمي الهزيل الذي جمّده الصقيع لأُدفئها ،
دون أنْ أتَنَبَّه أنني أقوم بكل هذا حافية الرجلين ومُشْعَثَةُ الشَّعَر،
وخاوية المعدة منذ أيام ...
وأحياناً كُنْتُ أتيهُ حائِرَة وأُهرْوِل وأنا أهْذي ضاحكة …
خلال كل تلك الحِقبة المليئة بالمِحن ،
كُنْتُ أُحِسُّ أنني بدأْتُ أتخطَّى عتبات الجُنون ، ولكن بدونِ مُبالات ...
كثْرةُ الْحُزْن تُنْغِصُ الحياة وتجْعلكَ كارِهاً للوُجود ...

     فقدتُ طعم الأكل والنوم والرّاحة … مأساة أُمي أَنْسَتْنِي نَفْسي …
كُنتُ مُشَتَّتَةُ المشاعر وخارج عقلي ...
كُنْتُ شِبْه حَمْقاء خِلال عِقْدٍ كامل من عُمْري العبثي …

      وعندما كانتْ تُعاني سكرات الموت ،

كنتُ أُحدِّقُ فيها مُرْتَبِكَة ولا أستطيع البكاء …
 خانني صوتي أنا التي كُنْتُ أكْثَر إخْوَتتي صُراخاً لِأنَّهُم دَلَّلوني ،
وجفّتْ كل الدموع في عُيوني …

      كنا وحيدتين في تلك الليلة الشديدة الظلام من ليالي الشتاء الطويلة والقاسية البرودة في بيتنا بِتَمْسَمَانْ :
    ـ  أنا الْمَوْؤُودَة المُنهارة التي أسهر الليالي دوماً بجانبها ،
    ـ امي الهزيلة التي أنهكها الألم و وتتعذب في صمت دون ان تَتَأَوَّه لكيلا اسمع آهَاتِها  وَأَتَأَلَّمُ لِآلاَمِها ،
    ـ ابي اللاَّمُبَالِي في غرفة نومه يشخر كالوحش ، وهو غارق في السُّبات بلا شُجون ،
    ـ  وَالْمَوْتُ الْمُتَرَصِّدْ بِأُمِّي في كل زاوية من البيت ،
يحاول ازهاق روحها ،
وَكَأَنَّ هَمُّهُ الْوَحِيدْ ، التسلية بإِفْناء الاحياء ،
 والاستمتاع لدرجة السُّكْرعندما يرى قوافل التعساء ،
وهم يرتدون ملابس الحداد ،
ذاهبون في مواكب النعوش مُطأطئي الرؤوس لدفن اقاربهم الاعزاء وهم ينوحون …
      الآن بدأ فِعْلاً  يُداهمني الجنون …

     تقطَّعَ قلبي عندما سمعتُها تنطق بكلمة " الجنون " ، 

ولكني بقيتُ ساكتاً أتأملها بِإِمْعان .

      إستمرّتْ فدوى في تفريغ شُحْناتها العاطفية المظطربة والتخفيف من هول أصداء الصدمات .

أستمعُ إليها باهتمام وأحلل تداعيات حديثها الأليم وأنا بين نارين :
      من جهة ، كنتُ أحس بسعادة قُصوى ،
لكوني ، بدأتُ أعرف بعض دقائق الأمور وخبايا خصوصيات امرأة مال قلبي إليها وعَشِقْتُها كسعادةٍ لِحياتي …
      ومن جهة أخرى كان يعصرني الألم والندم من الداخل بعمق ،
لأنني أحسستُ أن عزيزتي فدوى ، أرْقى الفتيات هُدوءاً واتِّزاناً ،
بدأ عقلها يضطرب وأفكارها تتشتَّتْ وتسقط في هاوية الذُّهان والْجُنون …

      اِستمرتْ فدوى كمَنْ يُناجي نفسه ، 

وهي تصف سلسلة الأزمات التي عصفتْ بطفولتها المُمزّقة ،
وما عاشته من كوابيس خلال تلك الليلة المُرْعِبَة  :

      - كانت تجربة قاسية ومريرة أنْ ترى الموت يسلب منك أعزّ إنسان في
  حياتك :  أُمُّك الحبيبة ،
 ويخطف بهدوء قاس روحها من بين يدك ، 
 وينتزع الحياة بوحشية مِمَّنْ أعْطَتْكَ الْحَيَاة …
      


     كان صعباً أنْ ترى أُمّك ، وهي تفارقك إلى الأبد . مُلْقَاةٌ على ركبتيك النحيفتين ،
تنظر اليك بحزن وهي تنطفئ شيئا  فشيئا … وأنا أصرخ بكل ما بقي لي من قوة ،
وَحُنْجُرَتي تَغُصُّ بِالْبُكاءْ وأصناف الدعاء ،
وَالْأَلَمُ ينخرُ وُجودي … 

والحزن يَعْصرُ فُؤَادِي …
وَكُلُّ الظُّرُوف تُعَاكِسُنِي وَتُخَيِّبُ مُرَادِي … 

وأنا أستجدي كل الآلهة :
      ـ  أُمّي لا تذهبي … لا تتركيني وحيدة أرْجُوكِ أُمِّي …
      ـ  لا تذهبي …لا تذهبي …


      لم يكن عندي ابي … كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تُسَمِّي وَحْشاً آدَمِيّاً أَبِي …!!!
مَاتَ أبِي قَبْلَ أنْ تَمُوتَ أُمِّي … وَأَدْتُهُ في بِدَايَةِ شَقَائِي وَمَرَضُ أُمِّي .
دفنته خارج قلبي من زمان … قَتَلَهُ جَبَرُوتَهُ وَقَسْوَةُ تَعَنُّتِه … 

هَلَكَهُ طُغْيَانُه وَتَحَجُّرُ تَقَالِيدِه  وَتَصَلُّبُ عَادَاتِه ،
فَهَلَكَ كُلُّ مَنْ يُحِيط بِه …


      كانت عندي أُمِّي فقط . أُمٌّ هي كل ملكوتي في السماوات والارض .
كان في أُمِّي كل مَسَرّاتي وما أشتهيه في الدنيا …
كانت أمّي ينبوع سعادتي ، ومستودع احلامي ، وواحة سكوني وراحتي …

وبذهابها تبخرتْ سعادتي وانهارت كل احلامي .
وغرقتُ في بحار من المشاكل لا زلتُ أعوم  فيها الى الآن …

      وأجْهَشَتْ بالبكاء … وأنا 
أُحلل عباراتها حرفا حرفا .
واحاول فهم كل ابعاد شخصية حبيبتي ، ومعاني كلماتها وإشاراتها وإيماءاتها .
ولكن  ماذا تقصد بعبارتها : " لاَ زِلْتُ أَعُومُ فِيهَا إِلَى الْآنْ " ؟
أظنني أعرف ما قصدها بعبارة " إلى الآن " .


      منذ أنِ تعرفتُ عليها في دارأختي ، وهي سعيدة . 
كنا نخرج كثيرا في سيارة المرسيديس ، 
لأنها تحب التنزه بالسيارة ، وترديد اغاني " ميلودة الريفية " ، وَإِزْرَانْ نَرَّيفْ ،
 وَلاَسَيَّمَا ، هذِهِ الْأبْيَات الْقَصِيرَة الْمُفَضَّلَةِ عِنْدَهَا :           
      - نَشِّينْ إِرِيفِيَّنْ ، ذِيمْجَاهْذَنْ زِي رَبْدَا …
      - نْجَاهَذْ سُفُسْ اَ نَّغْ ، جَهْذَتْ رَاتِّينِيبَا …
      - فَاظْمَة ثَوَيِغَدجْ ، شَنَّ مَرَ ثُورُو …
      - شَنَّ مَرَ ثَكَّاسْ ، إِعْمَارْ هَلاَّرَارُو …


      عَنْدَما تَرْكُبُ السّْيَّارَة ، وَقَدْ تَأَنَّقَتْ وَتَأَلَّقَتْ .

 تَارِكَةً الْمِرْآةَ وَحِيدَة ، وَهِيَ تَعْرِفُ الْوِجْهَةَ الَّتي نَحْنُ قَاصِدِين ،
بَلْ هِيَ مَنْ خَطَّطَتْ لَهَا بَحْثاً عَنْ بَعْضِ لَحَظَاتِ الْمَسَرَّاتْ ،
أَوْ قَضاء بَعْض سَاعَات نَخْطِفُهَا مِنَ زَمَنِ عُمْرِنَا السّرِيع الْمُرُورْ ،
لِإرْوَاءِ أشْوَاقِنَا والعيش حسب أذواقنا في عوالِم لا قُيودَ فيها …

      وَقَدْ أَقْلَعَتِ السَّيَّارَة ،

فَتُقْلِعُ حُنْجُرَتُهَا الذهبية ذَاتُ الصَّوْتِ الرِّيفِي الْعَذْبْ اَلرَّخِيمْ …
مُرَدِّدَةٌ : نَشِّينْ إِرِيفِيَّنْ … نَشِّينْ إِرِيفِيَّنْ …
وَأَنْغَامُهَا تَحْمِلُهَا الرِّياحُ  بَعِيداً ، مُتَلاَعِباً بِخَصَلاَتِ شَعَرِهَا الرَّاقِصَة بِنَشْوَة ..
وَهِيَ تَرْقُصُ عَلَى إِيقَاعِ أنْغَامِهَا مُتمايلة مع مهبِّ الريح الْمُنْساب بهدوء ، 
وذِراعُها تَتَراقَصُ عالِياَ في الفَضَاء ،
وتَنْظُرُ يَمِيناً وَيَسَارا ،
وَكَأَنَّهَا " جَانْ دَارْكْ " العظيمة Jeanne d'Arc ، وَكُلُّ سَعَادَةُ الدُّنْيَا تَسْتَقْبِلُهَا …

      ذهبنا الى جميع شواطئ المنطقة بدون استثناء ،

من الحسيمة الى بويافار، والقرية وقابو ياوّا (راس الماء) ، والسعيدية .
ومنها نعرج على " وجدة " لتشتري ما تشتهي ونتعشى .
وذهبنا مرات الى شواطئ " مليلية " ونجلس في المقاهي والمطاعم .
وهناك كانت تقول حالمة :
      ـ  " هنا نستنشق عبيرالحرية ،

ونُحسّ فعلا أَنَّنا " نَحْنُ " ،
ولسنا مِزقاً من شخصيات مُنْفصمة " أوْ شظايا سْكيزوفْرينْيا …



      وفي شواطئ " مهدية " ،

كنا نمضي أسابيع ،
نتعارك كالمخمورين مع أمواج المحيط الاطلسي العملاقة ،
ونبني قصوراً من الرِّمال ، ونلعب كرة التينيس ،
وصديقنا الاستاذ محمد ، الذي يعطينا مفاتيح شقته ، 
يتأملنا ونحن نلهو، غير عابئين بالبشر، ويقول بالفرنسية :

     - Vous etes dans un état de symbiose .
 Vous etes 2 morceaux de la meme pièce ,
 Vous etes d’une autre planette ...!!! 

      منذ أن عَرَفَتْني ، تَحَرَّرَتْ رفيقتي من كثير من كوابيسها وعُقدها ، 
وانطلقت حرة كالفراشة  تطير في جميع الاتجاهات …
مُحَلِّقَة في كل الفضاءات .
كالوطاويط التي خرجت من كهوف الظُّلُمات ، 
وبدأتْ تستنشق بعض نسمات الحياة  …

      حتى أُختي ، لاحظتْ ذالك وقالت لي يوما :

      - إنها سعيدة جدا معك . لقد تغيرتْ كلية … تُمَتِّعها بالمال ، والحب ، والحرية ،
مَنْ مَحْضوضة مثلها …؟!

      أحْسَسْتُ أنَّ أُختي التي كانت  تُقَبِّلُ رَأْسي ،

وتوصيني راجية ان اساعد جارتها وصديقتها للحصول على التاشيرة ،
لتذهب الى اسبانيا ، للبحث عن زوجها الذي غادرها منذ خمس سنوات ،
واهملها كلية …
اختي الطيبة هذه ، بدأتْ تُغار من صديقتها … 
وَصَمَتْتُ عَمْداً . كَأَنِّي لَمْ أسْمَعْ  مِمّا تَقُول شيئا .
ولم اعِرْ اهمية لملاحظاتها حتى لا اعطيها الفرصة لتنتقد تبذيري عليها .
وافتح الابواب على مصراعيها لِطَرْحِ مِلفّات وفتح مناقشات انا في غنى عنها .
تتعلق بصديقتها التي  بَدَأَتْ تُقَلِّلُ مِنْ حُبَّها لَهَا لِعُلُوِّ شَأْنِهَا ،
وحياة الأُبَّهَة التي تعيش فيها …









    

















   

إذن لم تحس هذه المرأة بالسعادة حتى عرفتني . 
وهي تعترف بذالك صراحة وتقول :
      ـ  " الْقِيتْ دْجَاجَة بْكَامُونْهَا " .
فما الذي يجعلها تقول " انها غارقة في المشاكل الى الان " … ؟؟؟
الان انا معها . أُلاَزِمُها وَلاَ أُهْمِلُهَا  كما فعل زوجها السابق ،

 ولا اتركها وحيدة ، ولا ابخل عليها لا بحبي ولا بحناني ولا بمالي .
كما اني لا اعرف إِثَارَةُ المشاكل …
فما قصدها يا ترى بهذه العبارة ؟


      بِفَحْصِ سلوكها منذ تعرُّفي عليها .

اظنني عرفت مدلول تلك العبارة ومعناها .
انها تقصد الأرق المزمن ، وفقدان الشهية .
وهي معضلة كبرى لكلينا وعقبة لسعادتنا .
لاننا عندما كنا نذهب بسيارتنا للعشاء في " مطعم واد امليل " ،
 وكنتُ اشجعها على اختيار الطَّبَق الذي تُفَضِّلُه وتشتهيه لنأكله .
فتختار طبقا من السمك مُنَوَع من خمسة اصناف من الحوت المختلفة ، والسلاطة والحساء …
فلا تتناول منه الا القليل جدا . فاغضب عليها ، وآمرها بالاكل عُنْوَة .
فكانت تشكو لي من فقدانها للشهية . 
وهذا حصل بسبب الاعصاب عندما كانت تعيش مع حماتها ،
ونتيجة لاهمال زوجها لها منذ خمس سنوات ،
دون ان يعيرها ادنى اهتمام  أو يهمه إنْ كانتْ موجودة ام لا .
فكانت تجتاحها نوبات اعصاب حادة وخطيرة على صحهتا الهشة اصلا .
تفقد معها الوعي والسيطرة على انفعالاتها . 
 وتبدأ في نَتْفِ شعرها ، وغَرْزِ اظافرها في صدرها ونهودها ،
وتمزق ثيابها وتُكَسِّر كل ما حولها ، ويقع في يديها الصغيرتين المرتعشتين…
لتسقط  منهارة من كثرة الهيجان العصبي ، وتصرخ  بكل قوتها …

      كل هذه  المشاهد الدرامية ،

كانت نوعا من الهستيريا بسبب فقدان الحنان من افراد محيطها القريب ،
ولا سيما  بعد فقدانها لينبوع حنانها :
امها الحبيبة ، وَتَعَاقُب الصَّدَمات الأبوية والزوجية والصحية التي دَمّرَتْها بالكامل .


      وحين كنا نسكن معاً في دار العراصي ، 

مباشرة بعد تعرُّفِنا على بعضنا .
كنتُ أنا في الليل أغرق كالطفل في النوم  والاحلام .
في حين  كانت هي تظل طوال الليل ، تنتقل بهدوء من هذه الغرفة لتلك ،
أو تصْعد إلى السَّطْح لِتتأمّل الحياة في " ليالي العراصيالخالدة ، 
مُجْترّة ذكرياتها ، وهي تجوب ارجاء المنزل تائهة…
احيانا تُشْعِلُ جهاز التلفاز بهدوء ،  لتتفرج في برنامج بدون صوت ،
او تقرأ مجلة ، او تُرَتِّبُ الهدايا التي اشتريتها لها …

      واحيانا تجلس بقربي تتأمّلُني وأنا نائم  وغارق في تأملات احلامي . وتقبلني بهدوء لكيلا توقظني … 

     وعندما تتعب من كل المحاولات اليائسة لِاصْطِياد لحظات نوم ، تُشْعِلُ سيجارة ،
وتفتح النافذة  لتتأمَّل ظُلْمَة المدينة في ليلة مُظْلمة …
غارقة في الأسرار والتَّعاسات …
ومن خلال هذا الظلام الدامس ،
 كانت تتأمل لياليها البيضاء التي تقضيها ساهرة ،
بسبب الأرق الذي حَرَمَها من كل طَعْمٍ  للنوم  وَمَذَاقٍ لِلْحَيَاة ،
حتى يبزغ النهار من جديد … لِتَسْتَقْبِلَهُ بِانْهِيَارٍ مُرِيعْ ، 
وَآثار أرَقٍ شَدِيدْ وفظيع …        




      هكذا كانت تمضي بها مُعانات الليالي البيضاء ، وأحزان الأيام السوداء …
يوم وراء يوم … 
تتشابه الليالي المُريعة في بياضها ، 
كما تتشابه الايام المُضْنِيّة في سوادها …

      كان الأرق سَيِّدُ المَوْقف وعدوَّها الفظ الغليظ القلب …
كان كالجلاد يُعَذِّبُها طوال الليل على مدى سنوات …


      حتى التجاعيد البارزة في وجهها ، وحول عينيها الجميلتين ، وفي جبهتها ،

 كانت من أثر قَسْوَةِ الحياة التي تركتْ بصماتها محفورة بعمق على وجهها …

      من عذاب الأب الطّاغي …

الى إهْمالِ الزوج اللاّمُبالي ، 
ودَسائس الحماة … فأين الحياة …؟
تُرْبَةٌ خِصْبَة لكل امراض العُصاب … وربما الذُّهان …!!!


      كانت فدوى تعاني من الداخل … تنزف عذابا …

وانا أغرق  كالطفل في سبات عميق .

      وعندما أُحِسُّ بها مستيقظة ،

أستيقظ بدوري ،
وأُحاول ان أطْرُدَ النوم من عيوني …
أغسل وجهي بالماء البارد …
والساعة الثالثة صباحاً …
والفجر ما زال بعيداً …
أجلس بقربها ... 
اضمها بحنان الى صدري ، وأُواسيها بصمت … 
لأنَّ كل كلام في مثل هذه المواقف الحساسة ، مغامرة ومخاطرة …
ولو كان كلاماً موزوناً ، لِمَا قدْ تُرْسِلُهُ أيَّةُ كلمة من اشارة خاطئة .
أو توقظ بعضاً من الذكريات المُرَّة والأليمة ،
التي بفعل تداعي الافكار وترابطها ،
قد يقودها الى ذكريات اكثر مرارة . 
ويقذف بها في متاهات ماساوية .
وهكذا دواليك … 
 فَتُفْتَح كل الجراحات التي لم تندمل بعد . 
ويحدث النزيف …
   اية كلمة ،
قد تتحول الى كرة الثلج التي تدحرج وراءها جبالا من الذكريات الاليمة …
لهذا  آثَرْتُ السّكُوتْ …



     كنتُ أُلازم الصمت وأنا بقربها .
والمسكينة صابرة على ما بها ،
مُتحمِّلة بمرارة أحوالها .
أُلاَمِسُ حنانها ، وأحاول الرفع من معنوياتها …
 وَأُمِدُّها بشيء من الثقة بنفسها .
لتحس بالأمان والحنان ،
وهما العنصران الضروريان لاستعادة توازنها النفسي الْمَفْقُود .

      كانت فدوى في حاجة الى  بِنَاءٍ  جديد ، 

لأنّ كل شيء قد تهاوى في بُنْيانها السيكولوجي القديم الذي كان اشبه بالأطلال ،
أو جَبْهَةُ  قِتال …
كل شيء مُحَطَّمٌ فيه ومُنْهار …

      عواصف أبيها دمّرتْ كل شيء داخلها … 

أتتْ على الاخضر واليابس في مجالها النفسي المُحَطَّم …
وزعزعتْ كل مقومات شخصيتها ،
وأَرْبَكَتْ نُمُوُّها السّليم …

      أُحاول ان أُهدِّئَها واحملها لأضعها في فراشها بلطف . 

وآمرها بارخاء يديها ورجليها ورأسها وكل عضلاتها …
فتنقاد لما اقول كَمَلاَكٍ مُطِيعْ …
 تساعدني هذه القابلية للإيحاء النفسي في مهمتي الانسانية .
فأربط على ظهرها بحنان ، وَأدْلِكُ اطرافها ،
ثم أشعل ضوءا خافتا لا يُقلق راحتها ،
واتمشى بهدوء لكيلا أُزعجها وهي مسترخية …
اضع بجانبها كاس ماء وعصير ومنديل …

وبعد ان أتيقّن انها في وضع مريح ،
 اطلب منها التركيز على جميع العضلات وإرخاءها تدريجيا ، 
بما في ذالك عضلات العنق والعينين ،
وعضلات الاصابع والفكين …
واقول لها بهدوء ،
وأنا أُكرِّرُ كل عبارة مرتين وبإيقاعين مختلفين :

- حبيبتي … أَمْضَيْتِ  يوما متوترا …
- كنتِ  مُرهقة  وتعبانة …
- ولكنك الان في بيتك المُريح عزيزتي تستدفئين …
- الجو عذب والبيتُ دافئ …
- وانتِ على  فراش  نومك  المريح  تستلقين …
- تُطلقين  جسدك  حبيبتي بكل  حرية … تسترخين …
- تُحسين  بجسدك  وقد  صار  خفيفا …
- انت  لا  تحسين  بجسدك الان رائعتي …
- جسدك  ذاب  في  الهواء …
- أنت  فِكْرٌ  فقط … فِكْر…
- انت الآن تفكرين …
- انت  تفكرين  في  النوم  وحده …
- انت  تغمضين  عينيك  الان …
- انت  تحاولين  النوم هادئتي …
- بَدَأْتِ  تنامين …
- انت  الان  تنامين …
- انت  الان  نائمة …
- انت  غارقة  في  النوم  الان  حبيبتي …
- انت  يا  عزيزتي  نائمة  نوما  عميقا وبدأتِ تحلمين …
- انت حبيبتي  الان  تحلمين …
- أنت  فعلا  تحلمين …
- وحلمي  الوحيد أنا …
- أنْ  تنامي حبيبتي …
- وتنام …
- فأنام …

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.