السفـــــر




LA VIE A PASSO -  Chapitre 7 - Le voyage

السفـــــر

 الفقرة السابعة من رواية " الحياة في باسو"

للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي



السفـــــر

Le voyage

***

         وانا بشرفتي كالعادة في باسو ... 
         ربما منذ سنين ..!           
         انتظر موكب لارا ...
         حاملا حقلا من الحب والياسمين ...
         واتأمل باسو الغارق في صمته .
         الا من أغاريد الحمام فوق أسْطُحِ الجيران النائمين .
         وغناء بعض السكارى التائهين .
         وصراخ الفتاة اللغز ، المقيدة بالحبال ،
         تُرْسِل آهاتها الجريحة الى قمم الهضاب ، وسفوح الجبال ...




          سأُسافر اليوم ...
        هيّأتُ الشِّراعَ  ... نصبتُ القلاع ... جمعتُ المَتاع ...
        أتوق من جديد إلى الهيمان في كل الأصقاع ...
        أن أرى كل مكانٍ وأن أطير إلى كل البِقاع ...
        في كياني البُركاني يسكُنُ دوْماً جُمُوح ...
        وخليطٌ من المآسي والطُّموح ...
        وإكْراهات وإحْباطات وجُروح ...
        سكوني ثورة ... وُجودي عوْرة ... وهُدوئي انْدِفاع ...
       الرياح تعانق الأشجار ، وبشجونها لِلورودِ تبوح ...
       وأنا لا سلْوى لي عدا الاِكتئاب .
       ذَبَلَتْ وردة الدراما ، وكل باقات الزهور .
      غربتِ الشمس ، وغابت بدْر البُدور .
      وتوارت عن عيوني المشتاقة لارا .
      لِتعصِف بي انقِلابات الدُّهور ...
      رفعتُ الشِّراعَ ...
      وربطْتُ السَّواري بالصَّواري ورميتُ الحِبال ...
      والآن قاربي الْجَريحِ موجه بتثـاقُلٍ نحو الشمال ،
      ولربما حبيبتي لن اعود 
      عِشْتُ أعْتى العواصف في باسو .
      الصراع في داخلي في أوجِّ الإحتدام  :
      ـ   كلا ثم كلا ، سوف اعود ...
      لانك هنا ...
      ومن اجل عشقك ، سَوْفَ أذودْ ...
      أعْرِفُ أنَّ كُلَّ جُهودي وَتضحياتي مَعَكِ حبيبتي لارا ،
      تظلُّ بدون جدْوى ... بِلا فائدَةٍ وَلاَ مَرْدودْ ...
     أَعْرِفُ أَنَّني في الحياةِ معكْ سَأَظَلُّ مَغْلولاً دَوْماَ بالأصفادِ وبِالقُيودْ ...





     ومع كُلِّ ذالِكْ ، سَأَظَلُّ أَعْبُدُكْ ...
     لِأَنَّكِ لي الْقِبْلةُ والْمُدامْ ...
     لِأَنَّكِ لي سِحْرُ الْغَرامْ ...
     لِأَنَّكِ لي واحدة من أروع جنات الإحتِلام ...
     لأنك يُنبوع المنابع ومصدر كل إلهام ...
     لِأَنَّكِ لي كَوْن عُذوبة مَليءٌ بِكُلِّ ما أَعْشَقُ مِنْ أوْهامْ ...
     وَ لِأَنَّكِ لي كُلَّ السّرورِ والبهجات وَالْأحْلاَمْ ...
     لأنكِ لي لُغْزعميق من علامات الاِستِفْهام ...
     وَلِأَنِّي مَعَكِ أجِدُ جُنوني ، أُتقِنُ فنوني ولكني لاَ أعْرِفُ الْإِقْدامَ  من الْإِحْجامْ ...
     وَلِأَنِّي معَكِ حَياتي أُحِسُّ بِنَفْسي وَاثقاً قَوِيّاً أَمْلكُ جَبَرُوتَ الْأَهْرَامْ ...
     وَلِأَنِّي معَكِ روحي أكُونُ أكْبر الأحْرارِ والسُّعَداء ...
     ولأنك الوحيدة مَنْ يُسْحِرُني معها الحديث ويلذُّ طول الكلام ...
     لِكُلِّ ذَالِكْ ولغيره ، سَتَبْقَيْنَ دَوْماً حَبيبَتي ا لتي أعْبُدْ عَلَى مَرِّ الدَّوَامْ ...




         دقَّتْ ساعةُ الإبحارلِأترك المساحات خلفك بيضاء وشاسعة لهؤلاء وهؤلآء .
    لن أوصيكِ عن حُبِّنا أوِ الإِخلاص أوِ الوَفاء ...
    سأتوارَى خلف الغروب ، فقد أشرقت شمس الوداع ...
   أنَا ضَائِعٌ حبيبتي في غيْرتي ، 
   فَاغْفِري لي مُراهَقَتي وَهذا الضَّياعْ ...
   لاَ تُبْخِسيني أمامَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمُ الرُّعاعْ ...
   إِنِّي أَلِفْتُ قُرْبَك ، 
   لكن ياسمين تناديني ...
   سأسافر ..!




        حبيبتي ما زالت نائمة .
    وقد هاتفتني بالليل ، على الساعة العاشرة ولم ارد .

    كنت جالسا مع فدوى 
    مرهقا من عناء العمل ، ومن ثقل ما يحمله هذا السفر 
    وغاضب بسبب موضوع الصداقة بيننا*
    ولا اريد ان ارى احدا او اكلم إنْسِياً .
    اكتئابي بسبب البعد حطم معنوياتي ، 
    ولَوَّحَ بي في اعماقي السوداء .
    صرت كثير الانعزال ، قليل الطُّمأنينة ، بُحَيْرَة اضْطِراب !
    منطويا على روحي المنكسرة ، مُسْتكينا لكل هذا العذاب ...
    اقضي زمن عمري في تضرع وابتهال ...
   عل اقدارك ايتها الاقدارتجمعني بالاحباب .
    في عالم كثيف ومركز الضباب والاضطراب ...
    كعرس درامي .
    كجبهات القتال ...
    والناس ، كقروش البحر ، مُنْذُ الأزل ،
     تلتهم بعضها بِدمويَّة ولا تزال  .
    والفقر بوحشية يضرب الاطناب .
    والظلم كالطحالب ، يزدهر في اودية الدماء ...
    وَأَنْتِ أيَّتُها الْأَقْدَار النَّعامة مُخْتَفِيَةٌ في السَّماءْ .
            كنيرون ... كالشر وكالوباء .
            ما لكما وروحيكما من دواء …  
                                
               ابي الذي في السماوات .
             لماذا خلقت ادم وحواء .
            واطمعتهما بجنتك الجميلة ...
            ثم طردتهما مذلولين مقهورين .


       




           لتحكم عليهما باليأْس وبالخراب .

           إنَّ هذا تضرُّعٌ وصلات ، وليس بِقَدْحٍ ولا عتاب ...

           إنها صرْخة ألَم بائس أبعثها لِلسماء ..

           لِتضيعَ كالعادة دوْماً في السَّراب ...

           ولماذا خلقتني انا ولارا ، لتذيقنا كل هذا العذاب ؟      

           لا في هذه ، ولا في تلك ، سيدتي الْأَقْدارْ ،

           لاَزَمَ عَقْلُكِ الصَّوَابْ ...

           خلقتنا لبعضنا … فرقتنا ... شتتتنا ...                                                  

           لِيَسْتَمْتِعْ إبْليس الحزين برقصات حواء ...

           ويوصيها أن تسمي مولودهما عبد الحارث ...

          وآدم  يحوم دَوْماً حول الشجرة المحرمة ،

          محاولا التسلل لقطف تفاحة الكوارث !

          وانا المسافر في غبش ليلٍ طويل بلا قمر ...

          يقودني الحنين مُتعبِّداً باحثاً عن وجودك بلا أثر ...

          وأدفع سفينتي لترسو في أحضانك حيثُ السعادة والأسرْ ...

          أحضن صورتك وأصواتك وأقضي الليالي في السهر ... 

          هائماً فوق البحار أُردد بحزن أغنيات السفر ...

          طالق لدموعي وشجوني العنان .

          قابع في جنة باسو تحت أشجار السنديان ،                    

         ادون الذكريات وعواطفي الجياشة في اشد العنفوان ...    

                 

              

         عادة، يحتوي السفرعلى جانب ولو ضئيل من الحزن بسبب البعد والفراق ، 

        ودموع الوداع ... 

        ولكن هذا الجانب المزعج ، يطغى احيانا على كل بهجة السفر ،

        فيسبب بين المرء والسعادة ، الطلاق . ولا سيما في حالتي الان ،

        لانني لست مسافرعادي ، طلبا لمتعة السياحة ،

        او اِستكشاف عوالم مجهولة المسار ...

        او بحثا في اعماق البحار عن المحار ...

        ولكنه سفر اظطرار ...

        لست ارحل من جغرافية لاخرى طلبا لفرح او ابتهاج ...

       لان سعادتي اتركها ورائي ...

       في سفري ، ساترك كل بهجتي وكل افراحي خلفي ...

       وهذا صعب ، بل مستحيل ...

       مثل رحيل النورعن الشمعة ...

       وهذا وهم عليل ...

      سيكون سفري ، رحيل القلب عن القلب ...

      لكل هذا ، لا يمكن ان يتم هذا الرحيل






  وعاطفتنا ، انا ولارا متمازجة 
  مشاعر حبيبتي ، ومشاعري ، اختلطت لتكون اكسير الحياة ...
  باسو حاليا غارق في السبات ...
  وعقلي المرهق ، يفكر في الم :
  ـ كيف ساسافر ؟
  وكل حقائب سفري ، ذابت مشاعر، وتوزعت على احياء باسو ، 
  وكل ذرة من ترابه ، كالفُتات ...
  ساظل اعبدها ما دمت حيا  بل حتى الممات ...
  - كيف ساسافر وعقلي مغروس في جوه وتربة هذه الاحياء ؟!...
  وحبيبتي التي تبحر دوما في احلامي ، 
  بدأت مشاعرها تنبت وتنمو في حقل شعوري ، 
  حتى صارت الغابة  والارض والهواء ...
 - انا عليل ، وليس لعلتي من دواء ...
 - كيف ساسافر ، وكل حصاد ذكرياتي مبعثرة في اصقاع هذه الجنة...!!
  ومبثوثة على وجوه سكانها واطفالها واشجارها ...؟
  هل سَأَرْحَلُ عَنْ باسو واسافر فارغا كالغريب ...
  بدون روح ، ولا عقل .  
  وكل وجودي ثابت هنا . من لارا قريب ...
  هذا غريب ...
  اناجد حزين لرحيلي المؤقت .
  رحيلي ، سيترك خلفه زوابع من غبار ...
  ويحدث في قلبينا شرخا ... انهيار ...
  ومع ان سفري لن يدوم .
  الا ان في قلبي الجريح  ، انشطار وانكسار ...
  - كيف ساسافر ،
  وكثيرة هي اجزاء روحي التي نثرتها في ربوع شوارع هذه الاحياء الاليفة ...؟؟؟
  وعواطفي تتقلص في حالة انحصار ...
  اعرف حبيبتي لارا ، ان اسطورة حبنا دمار في دمار ...

    اتخيل حواء ، وهي في جنة باسو ، حزينة ومكتئبة ، 
   لسفر حبيبها آدم في رحلة قصيرة لاستكشاف احوال المجرات في الفضاء هناك ، 
   وربنا يعلمه كيف ينتقل بين الكواكب ، والا يصطدم بالنيازك التائهة في السماء ،
   ويوصيه بقراءة سورة الجن .
   لكن حواء الرزينة ، الهادئة ، الناضجة العقل ، الحكيمة  ،
   تحاور نفسها بهدوء ، وتقول :

    ـ  سيسافر ... 
    حاولت منعه وصدَّه ، 
    ولكنه سيسافر ... 



      
     حبيبي ، ستبعده عني المسافات ...
ستسرقه مني اللحظات ...
وسوف يشتاق اليه حنيني .
وتحن اليه اشواقي ..
ولكن ، لماذا انا حزينة الروح ..؟
او لست انا من طلبت منه السفر ..؟
لرؤية ياسمين ، وكل الاخرين !!
لكيلا يقال عن حبيبي ، مهمل ، لامبالي ، ومن الظالمين ...
   سيسافر حبيبي ...
فمن سيؤنس الوحدتين ..؟
ومن سيتامل الوردتين ..؟
ومن يسقي الحديقتين ..؟
كيف لن اراه يجلس في شرفته في الفجر يدون الذكريات ...؟
ومن سيستمع الى الفتاة اللغز وهي تطلق الاهات ؟..
ومن سيطل على اسوار حديقتي في المنتزه ، 
والناس زرافات زرافات .
 حبيبي ...
 لماذا لا يبقى دوما هنا ، بدون رحيل ...؟
عصفوري الصغير ...؟
 لماذا لا يمكن ان اعيش معه ولماذا لم يظهر في حياتي من قبل لاتزوجه 
 ويكون لي واكون له ...؟ 
 يا الاهي ، يا مَاجِدْ ،
لماذا لم تجمعنا في البدء ، وقد كنت تعرف اننا واحد ...!!!




    اعرف ان حواء تعشق آدم وتحبه . 

وهدفه الوحيد ان يعاكس اوامر ربنا ويقترف اثما هم عنه  في غنى ... 
 وما اكثر الاثام والاخطاء التي يقترفها ادم وتنزعج لها احيانا لارا ...
   اعذريني حبيبتي لارا ... انا البوهيمي الهائم على وجهه .. التائه الخطاء ...
 اغفري لي هفواتي وذنوبي فقلبك ، كعهدي به ، يغفر الذنوب جميعا ، 
انه هو الغفور الرحيم ...                                                                                                         
   في هذه اللحظة ، وصلتني رسالة الكترونية عبر هاتفي النقال تقول :
       ـ  anta ça va؟
       كانت هي ، حبيبتي لارا .
       الساعة السادسة ودقيقين ... اذن حبيبتي مثلي ، مستيقظة .                         
انا الذي ظننتها  نائمة ، وغارقة في احلامهاالصبياية وهذا على غير عادتها .
 لانها لا تستيقظ ابدا في مثل هذا الوقت من الزمان ، ولا سيما في رمضان...
    اذن هي مثلي ، غير نائمة ، ومثلي ستكون مكتئبة بسبب السفر ...
   سفر الروح عن الروح .  
 غير نائمة ... انها تفكر ، وانا اكتب والموضوع واحد حبنا ، والسفر الاليم ،
وما يرافق ذالك من كل اصناف الاحزان والأنين ،
والتي جربنا انا وحبيبتي لارا كل انواعها عبر السنين ...





     لست ادري لماذا خلقت الطبيعة عاطفة الحب السامية في البشر ،
وطعمتها بالحزن ، 
وغلفتها بمسحة من الكابة .
كالسم في الدسم ؟ 
وكأنها والكآبة توأمان ...
   الحب حرية ، 
جمال وسمو في حد ذاته ،
عاطفة مقدسة ، شعورحر طاهر ، 
الحب انجاز كبير ...
 معنى انساني خلاّق ، وأحياناً ، 
يتحوَّلُ الحب إلى يُنبوع خِصب من الإلهام لِلْمُبْدِعين ،
 عيْنٌ لا تنْضَبْ من عناصر الإبداع ، 
تغرق المبدع والمتلقي معاً في أعمق أشكال المسرات ...  
ولكن الحب عنيد ... لا يحيا أو يعيش بدون جوهره الذي هو الحرية 
 والتي يجد تجسيده فيها فقط لا في غيرها من أشكال الإستلاب وإِيقونات اللاَّهوت ...
 لا يتجلى الحب إلا في الحرية ، ولا يُجسِّدُهُ غيرها ...  
الحب والحرية جوهران للشَّيْءِ نفسه ... 
 وهذا ما يُسَمّى بمدأ التلاحم وأقصى توافُق symbiose ...
    ولكن الحب انثى حرة ،  نوعا ما مشاكسة ، 
وتلك الأنثى هى دائما مَنْ تصنع الرجل 
كلنا سمعنا عبر مشوارنا المتقطع في الحياة مقولة :
   ـ " وراءَ كل عظيمٍ اِمرأة " ... 
من أثَّرتْ فينا سَلْباً أوْ إيجاباً ، 
ومَن نحب أوْ نَكْره من النساء اللّواتي تركْنَ في لاوَعْيِنا أثَراً ... 
ربما لأن المرأة أقوى من الرجل لا يستطيع مقاومة نفوذها ،
ولا تأثيرها الخفي السريان لأنها تملك مفاتيح السعادة وأسرار اللذة ، 
ومفاتيح أسْرار زوجها ، Le code secret . 
 وربّما سيدفعها الْوَسْواس وحب الْإسْتِطْلاع لِاكْتِشاف نقطة ج (G-Spot)
فيستكين إليها الرجل كرضيعٍ وديع ...
لكن هذا الخضوع ليس عبودية أو اِستعباد ، 
بل نوع من التكامل والإنسجام ...
إنه ارتقاءٌ نحوَ أعْلى عتبات النِّيرفانا والهارمونيا في التعايش والذوبان في الغرام ...
هو في واحتها كمن في جنة اللذة والسكون 
 إنها للرجل واحة بعض أناتٍ وآهات ولكنها كثيرة الأفراح والمسرات ...
 ولكن حذارِ من رهافة هذا الحب ،
لِأنه أخف وأرهف من النسيم واجنحة الفراشة ...
داعِبْ بِرِفق ولا تضغط أبداً ، فقد ينْكسِر يوماً أو ينفجِرْ ...
أو يفر من الأبواب الخلفية أو النوافذ كفراشة أو عصفور ...
يَحِنُّ إلى التيهانِ والحنانِ والنور ...
وإلى كل ما لا يُعكرُ صَفْوَ الصدور ...
يحن إلى حريته ... إلى لَذّتِه ، إلى جذور ...
إن الحب ما هو إلاَّ حرية مشاعرنا ليس إِلاَّ ... 
فدَعْها تهيمُ كما تشاء فلا غَـيْرَة ولا تَثور ...
   الحب والحرية هما أركان الحياة والسعادة والوجود ، 
والسِّرّ الْكامِن وراء سَرْمَدِيّة كل هدوء وخلود ...        
ولكنه يجر وراءه محيطات من المرارة ، أحْياناً بلا حُدود ... 
 فهل هي يا ترى ضريبة السعادة  TVA على القيمة المظافة 
 والتي هي لذة الحب هنا ؟.                                             
حتى الحب ، اصبح ككل السلع ،
يخضع لقوانين العرض والطلب التي تسود السوق ...!
صار بضاعة كاسدة ... او رُبّما يفوق ... 

  
                 


                               
      على كل ، اسعدني الميساج ، الرسالة ، 
ولم اشعر حتى احسست بابتسامة عريضة ترتسم على فمي ، 
وباعماقي الْهَشّة ، بدأتْ تتملْمَل وتستيقظ كل مشاعري فجاة ، 
كاوركيسْتْرا هائلة ، 
وتنفض عنها غبار الاكتئاب 
وتبدا بالرقص على نغمات ارتفاع معنوياتي 
والحزن يتبدد رويدا رويدا ، ويتحول الى بخار 
ويذوب في جو الحفل البهيج ،
 الذي تحرك بداخلي كعرس شعبي ... 
فاحسست انذاك بالراحة والاستقرار .
ووقفت ... 
ومن شرفتي في جنة باسو ،
القيت نظرة في الافق البعيد ، 
لارى الطائرة التي تقل آدم وفد اقلعت في الضباب ... 




    وحواء واقفة في اعلى الجبل ،
    تلوح بيدها اليمنى في اتجاه الطائرة التي ضمتها السحاب ...  
    تودعه ... 
    والنسيم يتلاعب بشعرها الاشقر ...

    ماذا ستفعل حواء وقد سافر حبيبها آدم ؟... 
    وماذا سيفعل آدم وقد ترك حبيبة قلبه  وراء رحيله ...؟؟؟
    سيكون مصيرهما العذاب .
    السفر تصدُّعُ  قلبين ولا سيما هذا 
    انه سفر شديد العقاب 
    قررت حواء ان تستمر ، متظاهرة او مضطرة في اعمالها اليومية ، 
   وتقوم باشغالها المعهودة لاتلاف الوقت ، ووأد الزمن الثقيل...     
    في هذه الساعة الثامنة و سبع قائق ، رسالة اخرى في الهاتف تقول :                       
          ــ  KAYFA ANTA  ؟                   
     ثم رن الهاتف مرة ، ومرة اخرى دائما مجهول 
    انها لارا ... 
    ولكني لا اعرف ماذا سافعل هل سارد ؟ 
    لا اخاف عليها كالعادة ، من جديد ؟.             
    وإِنْ اجابني غيرها ... ستكون حبيبتي في مازق ، 
    وهذا ما لا اريد ...
    بدا اليوم مضطربا لكلينا 
   انه يوم سفر ورحيل ، وبعدٌ عن بعضنا ،
   وَلاَ بُدَّ لِلأَشْوَاقِ أَنْ تَتَحَرَّكْ … 
   فهواتفنا النقالة ، لا تتوقف عن الرنين بعصبية ، 
   والرسائل تصل تباعا ...
      استغليت فرصة هدوء هاتفي خلال احدى الفترات ، 
   فعبَّأْتُ جَوّالي ليُساعدني على تحْريكِ الرسائِل والاِتِّصال ... 
   واستانفت تدوين هذه الاحداث والذكريات الان وبصفة مباشرة ... 
   وَكَأَنَّ ما يجري يملي علي ما اكتب وانتم حاضرون ...
  


   
         انا الان جالس في شرفتي ، وقد عاد الي الهدوء بعد هدوء هاتفي ..
     وانتظر بشوق ، وانا جثة ملقاة على قارعة الطريق ، 
     انتظر اطياف قوس قزح التي ترافق موكبها لتلامسني ، 
     وتمدني بطاقة توقظني ، وبحيوية تملؤني ،
     وانا ارقص ، ليس فرحا ، بل عبثا اتامل هستيريا الوجود ...
     في هذه اللحظة ، وانا اغرق اكثر واكثر في اكتئابي ، 
     والاسى يلتهم فؤادي بسبب سفري .
     احسست بقلبي ينبض بايقاع مضطرب غير عادي ،
     كَأَنَّ مضخة قلبي اصابها الجنون .
     وستتوقف في اي لحظة عن ضخ الدم في شراييني ...                               
     داهمني احساس بالخوف من موت مفاجئ .
     ارتعدت مفاصلي وتشتتت افكاري في كل الجهات .                      
     لارا ، ياسمين ، دوام ، باسو ، بروكسل ، مونريال ...
     اصابني ذعر .
     خفت ان اصاب بسكتة قلبية وانا جالس على كرسي اسود في شرفتي ، 
     دون ان اسوي بعض ملفاتي واشاهد مرور الموكب الملكي ...
     خفت ان تكون هذه السكتة سفرا ابديا يمحو كل ذكرياتي
     ويسدل بعده الستار على مشهد ساحر وتاريخي :
     موكب حبيبتي الملكي ، 
     وهو يخترق شوارع باسو العريضة جدا والمستنيرة ، 
     كباريس ، ونيويورك ، ولندن ، وطوكيو ... 
     وسط ضباب الصباح ،
     والفرق الموسيقية  المنتشرة في ارجاء المعمور :
     مشاة وفرسان ، 
     ببذلاتهم المختلفة الالوان 
     تعزف النشيد الوطني ،

               
      
   
     والانغام السحرية تصدح في فضاء باسو .
     وانا من شرفتي اهلل بصوت عال 
     ابكي مع الباكين 
     واضحك مع الضاحكين 
     واهتف بدوام حياة سيدة المتقين ...
     وسط هتاف الحشود الغفيرة
    واصرخ مع حماس المرددين :
    ـ لتحيا الاميرة ...
    ـ لتحيا الاميرة ...
    ـ الدوام والديمومة لاميرة باسو ...
    ـ المجد لله ...
    ـ الخلود لاميرتنا ...
    ـ السلام والطمانينة على اولاد حارتنا ...
    ـ يحيا باسو 
    ـ هلليلويا …                     
    ـ هل :ي ,و ,.>يا 
    ـ ح ،ز..~: .: .د ...
    ـ ر .ب.-ه:× ،ن ...

   وتتلاشى كل هذه الاصوات والهتافات المختلطة ،
   وسط حرارة الشمس الخانقة ،
   وصخب النهاروهلوسات ذِهْني الخِصْب 
   والفوضى الخيالية في عقلي بِسببِ لارا ...
   وتاخذ كل الاحداث مجراها الطبيعي بعد مُرورالموكب الملكي 
   وَكَأَنَّ سَرَاباً لَمْ يَكُنْ ...
   هكذا الحياة ..!
وغاضب بسبب موضوع الصداقة بيننا*: غضبتُ على لارا عندما استننتجتْ أن زواجنا وحتى حبنا سيكون مستحيل، فاقترحتْ عليّ أن نستمر في علاقتنا كأصدقاء فقط وأن ننسى الماضي... فرفضتُ اقتراحها  وغضبتُ عليها تلك االليلة.


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.