في انتظار الإعدام





الفقرة الأخيرة من رواية " الحياة في باسو

للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي



في انتظار الإعدام

 LE COULOIR DE LA MORT

EN EL CORREDOR DE LA MUERTE

-------------
      لارااااااا ...
   من أعماق السِّجْنِ  أُناديكِ حبيبتي ، وقد تَبَعْثَرَ عقلي وبدأ يُداهمني الجنون ...
أنا قابِعٌ هنا بسبَبِ مَقْتَلِ فدوى ، ذابل الروح ، تكتسحني الشجون ...
هِيَ مَنْ سَبَّبَتْ في انتحارِكِ المُريع ، وقذفتْ بي في غياهب السجون ...
مُنهارٌ أُصارع الأقدار وراء القُضبان ، مُنتظر بلهفة ، يوم المنون  ...
                             
    
     كانت الطبيعة ذاك اليوم الخميس جامحة ، والجو بارد ،  
 تبدو المدينة المُبَلَّلة في بعض النواحي خالية من كل الأحياء كالقِفار ،
 ما عدا قطعان الكلاب الظالة تعوي في انشراح ،
 تجوب الشوارع وتملأُ الجو بالنباح ... 
الأعاصير صاخبة في زمجرتها وهبّاتها ، 
يزيدها عُتَيًّا عويل الرياح ، 
والأمطار كالطوفان ، 
والمياه تغمر كل مكان ...
     وكانت سيارة البوليس التي تنقلني إلى المحكمة عن طريق السوق مع حُرَّاسَيْن عصبيّيْن ،
تجد صعوبة في شق طريقها لفوضى السير ،
واختلاط العربات الخشبية بدوابِّها مع البشر المُشاة والسيارات ،
فضلا عن عواصف الأمطار المختلطة بالأكياس البلاستيكية المختلفة الألوان ،
الطائرة في كل مكان ،
وأوراق الأشجار التي تصفع بها الرياح زجاج السيارة ،
ووجه الشرطي السائق المتجهم ،
 فيتذمَّر ويبصق لاعناً مِلَّتَهُ وعمله والوجود ... 
    كانت الساعة المعلقة على  إحدى جدران قاعة المرافعات بالمحكمة ،
تشير إلى الخامسة والربع بعد الزوال ، والقاعة غاصَّة بالفضوليين ،
فضلا عن جحافل العاطلين الذين يُطوِّقون المحكمة في اعتصام منذ أكثر من أسبوع ... 
    المدوالة محتدمة بين الادعاء العام وهيئة الدفاع التي تمثلني ...
ولكنني كنت شاردا بفكري ،
بعيدا عن أجواء المحكمة المُمِلّة والتي لم يكن يهمني شيء مما يحدث فيها ، 
وكَأَنَّ المسألة لا تعنيني إطلاقا ، 
تائه كعادتي أشارك الطبيعة بهجاتها العنيفة ،
أسمع أصداء نباح الكلاب تتبعثر في السماء ،
وأنا في مهب الريح أتأمل أقداري تُحاكمها البشرية بشرائع مُجْحِفَة لا معنى لها ... 
     كانتِ هذه المُحاكمة غيْرُ شرعية ولاعادِلَة بالمرة وغاية في الغرابة ... 
كوكتيل من اللامعقول أتأمله ببرودة أعصاب ،
وأنا أضحك عابثا على المهزلة الطريفة ،
التي هي إحدى حلقات أقداري المشؤومة ... 
الطرف المَظْلوم الْوَحيد فيها ، كانَ أنا ،
لكن أشكال هذا الظلم ألفها كل العباد في هذه البلاد منذ زمان ...
    لست أدري لماذا وُجدتُ مجرورا الى المحاكم أصلا هكذا مُهان ... 
ما فعلته لم يكن جُنحة أو جناية بقدر ما كان خيرا وفضيلة وإحسان ،
فلِمَ أعاقب إذن وما جدوى السجن بسبب محو حشرة ضارة ، 
أو اِستئصال شوكة تؤرق راحة الإنسان ؟
الأغبياء فقط هم الذين لا يُدافعون عن سعادتهم ...
هذا إذا فَهِموا حقّاً معنى السّعادة ...


  أعْرِفُ أنَّكِ الْآن مُحاطَة بالملائكة من كل الجِهات .
وأنَّكِ مُسْتَقِرّة في الجنة ربما بدون أسرار ولا سُرور ،
ما عدا الأسى والخيال لِأنّنا بعيدين عنْ بعضنا ،
تُحرِّكين ماضينا الذي عبثنا به وفيه كما شِئْنا ،
غارقة في ميتافيزيقا اللاهوت .
فَرَّقَنا جسر الموت مؤقتا لنلتقي ، 
ثم نحيا بعده في الجنة دوما معا خالدين ... 
سنَعْبُرُ آخر جسر كما كنتِ تقولين ،
 وبعد مفارقتك الحياة  وإعدامي ،
 لن يكون هناك موت آخر يفرقنا أو ما نَعْبُرُ من جسور ،
 كم أشتاق حبيبتي أن أكون بقربك الْآن ،
وأُغادر هذا العالم الحافل بالشرور .


    سنعيش وسط أسْراب الملائكة ونُحاولُ أنْ نَرْتقي إلى مُسْتواها ،
 دوما ملتحمين خالدين في جنة ربِّنا ،
كما وعدتني عندما أهديتني إلى طريق الخلاص .
 أحيانا أشتاق أن أحلم معك ولو بالسراب ...  
وأن أسكن بقربك ولو في كوخ من ضباب ... 
كل لامعقول معك يُسعدني يا أبهى الأحباب ...
 يبهجني أن أحيا في محيط أضغاث الأحلام ، 
لأن جفاف الوجود يحتاج إلى زخّات غيْث تروي قحطه المزمن العذاب ، 
كذالك وجودي العقيم المعنى والشديد الجفاف ،
 يحتاج إلى واحة ولو من الأوهام والسراب ...
لتنتعش بقايا أطلال الحياة فوق هذا التراب  ...


العواصف تساعدني على قهر الظروف القاتمة وتمدني بالطمأنينة والسكون ...
ولون المدينة الرمادي يناسب مزاجي القاتم الشجون ...
أريد السفر إليك حالا قبل انتهاء المحاكمة وكل هذا الجنون ...
ياليت هذه العواصف العنيفة تحملني إليك حالاً ،
ولو مُمَزَّقُ العواطف أحمق ، مجذوبٌ ومنهار ومجنون ...


   ذهبتِ بدوني ومعك اللَّوْعة ، وتركتني وحيدا أنزف بالدماء ...
 سافر معك الاِكتئاب وسوف يُلازمُكِ كظلِّكِ هناك في دار الْبَقاء .
 أمّا أنا ، فقد نخرَ اليَأْسُ وُجودي هُنا في دار الشِّقاء ...
     الملائكة تطوفُ حولك وتَمْسَحُ الدموع من عينيك الحزينتين ،
 أما أنا ، فالزَّبانِية وعَزْرائيل الْمُتَجَهِّم ، مَنْ ينتظِرني هناك ،
في عالمكِ الماوَرَائي الغامِض حينَ أموت . 
حاملا بشمالي كتاب أعمالي الثقيلة ذي الصفحات الحُبْلى بمغامرات المُجون ...
قد يُعاملني الزّبانية حسب هواهم كقِدِّيسٍ مَأمون ،
أوْ ينْعَتوني " جُنْدُ اللـه " بِابْنِ صَهْيون !
كرُسُلِ الثورة الجنسية كُنا ... 
نُطالب لها بِأقْصى الحريات وبِلا حُدود ...
 ثورة حتماً ستأتي بِدون رقيبٍ ولا حسيب ...
ثورة ستصِلُ لكل البشر والشبا ب عَمّا قريب ...
هل يُمكن  لِأهْرامِ النِّفاق أنْ تَصْمُدَ أمام الحقيقة العزيزة ؟
كذالك تقاليد اللاّهوت الغارِقة في الظّلام ،
مَهْما تَجَبَّرَتْ ، فلَنْ تَصْمَدَ طويلاً أمام جبروت الغريزة !!!

      أعرف أنني سأصل إلى الحساب مُثَقَّلاً بالخطايا وذنوب الخيانة ،
لأن فدوى لن تغفر لي زَلَّتي وما أعظمها وأروعها زلة :
جمال وأحْلى الخطايا وأميرة الخيانات والتَّمَرُّد والفوران ،
هذه كانت دوماً سُنَّتي عبر كل زمان ...
قُديني إلى صراط النعيم حبيبتي ،
فقد مَلَلْتُ حياة الجموح وعبادة العِصْيان ...
 لقد كان هذا دوْماً مبدئي وطريقي ورفيقي المُدان ... 
  


    أنا الآن حزينٌ مُتَقَرْفِصٌ في زنزانتي فوق سجادة الصلاة ، 
 مُحاطٌ بالسكون وغارقٌ في الشُّجون  ...
ومِن حولي تُداهِمُني الظُّلُمات والعتمات ...  
 لكن هذا الهُدوء حولي منْ أحْلى الهِبات ...

    شارد الفكر مُنكسر الفؤاد ،
 أحِنُّ إليكِ وإلى أمي وكل الأهالي ، 
أرنو إلى السماء المُكفهرّة الصاخبة ، 
عَلَّني ألمح وجهك المنير والْوَضّاء في تِلْكَ الأعالي ...

    منذ أن رحلتِ وأنا غارق في الْأسى والشقاء ...
 أحيانا أراك كما أشاء وحين أشاء ...
 ولو في قلب العواصف كما كنا نحيا هائمين وراقصين بلا عياء ،
ولامُبالين ولا مُكْترِثين بويْلاتِ السّماء ،  
ولكن دوْماً مَذْعورين ومُسْتَتيرينَ وفي الخفاء ...
 نتمرغ عرايا فوق التراب ، 
وعيوني ترضع من حركات جسدكِ الْفَتّان ...
وأنتِ حبيبتي ، تسكبين لي راقِصة ، كأْساً دُهان ...
 وآذاني يُشْجيها صوتُكِ العذب الرَّنّان ...
نمْتَصُّ أريج اللّذّات بدون قيود ولا أشْجان ! 
لَكَمْ عانق سحركِ وجداني وتُهْنا معاً وراء البراري وكثير من الوديان ...
بقوة خيالي وذاكرتي الحادة ، يمكن أن استحضرك أنّى شئتُ ،
وفي الصورة التي أشتهي كالْعاشِقِ الْوَلْهان ...
وأن آتي بكِ يا روحي من كل زمانٍ ومِنْ كل مكان ...
إنَّ ذِهني وقوة خيالي مَنْ يَتَحَكَّم في مجرى الأشياء ويُوَجه المرئيات ،
التي تتوالى أمامي كشريط عاصفةٍ في صفحات الذكريات ...
ولكنه لا ينتقي إلاَّ ما يشتهي ، وأنتِ الوحيدة المُشتهاة ...
يا وردة الدّراما كم قاسيتُ مع جمالكِ من مُعاناة ...!!!
 كَمْ مرة لَمَحْتُكِ تَمُرّينَ بمشيتك الملائكية وهدوئك المعتاد ،
تخترقين السحاب ، أُحَيِّيكِ فتبتسمين ...
لماذا تجننينني بابتسامتك الحلوة حبيبتي عندما تُشرقين وتَبْزغين ...؟ 




    كانتْ ورْدَتُكِ الدّراميّة الحمْراء هذه حبيبتي ، 
أكْبَر كارِثَة في حياتي ، بَلْ أعْظَم جَلل ومُصيبة !
فَهَلْ كان كلُّ هذا التّخْطيط الدّاهي ، مُجَرّد حركة ساذجة وبريئة ،
أمْ أنّ ما وقَعَ بيْننا عزيزتي ، كان مُخطَّط مُغامرة ومَكيدة ؟
أمْ كانَ هذا الدّهاء من تجارِب خُدَعِ حواء الْعَديدة ..! 
لِتَجْعَل من ﺍﻟﺤﺐ فَخّاً لِكِلانا ... وﻣﺼﻴﺪﺓ ؟

  أنظر إلى اليومية التي أهداها لي حارس السجن اللطيف مع قلم أسود ،
 والتي علقتها على الجدار القذر الفضيع ،
 لِأعُدَّ أيام سجني التي طويتها في هذا الأسفل المُريع ...

    سأظل قابعا هنا إلى أمَدٍ غيْر مُسَمَّى ،
بسببِ اغْتِيالي للشر المتجسد في فَدْوى كالوباء ،
كل الشرور يجب أن تُستأصل ولو من قلب السماء  .

    أمضي وقتي المُتَثاقِل أُفكِّرُ فيكِ وفي ياسمين صغيرتي ،
 أمرح في خيالي ، مُحاوِلٌ التّسَلُّق إليك وأحْلُمُ  بالْوُصول . 
وأُتَمِّمُ في هُدوءٍ رِوايَتي التي مَلأْتُها بيأْسي وبُؤْسي في كلّ الْفُصول ،
وكُلُّ أصداء ذكرياتنا تُداهِمُني بِذُهول ،
وأنا أذوب شوقا إليك ، وحياتي أصابها الذبول ...
 لقد أصبحتُ بليدا ومات لدي حبيبتي كل حب استطلاع أو أدنى فُضول  ...

      سمعت بالأمس سجينا يوشوش لصاحبه على طاولة الفطور أمامي ،
بأن مدير السجن ذو السلوك الغريب ،
هومن أمَرَ بإبقاء الجثث المتعفنة في فناء السجن ،
لأنه كما سمعت ، يتلذذ بتعذيب من لا يحب ، 
ولا سيما أن جميع السجناء تقريبا من المعارضين له  .


    -  ليس هناك سوى ثلاث جثث ، أين الباقي ؟ 
هل هؤلاء فقط من مات في حادثة يوم الأحد الرهيب ؟
   - كلا ، بقيت جثة الرجل الأبيض البدين المُسَمّى " سيمو " ،
الذي كان شريك المدير في التجارة بالمُخدِّرات داخل السجن وبيع الحشيش ، 
أمر المدير بوضعها في غرفة التبريد لِتبقى صالحة للإستهلاك .

    ـ أنا من عُشّاقِ الفوضى ، ولا سيما الخلاقة منها . 
ولكن الفوضى التي أعيشها في هذا السجن تفوق أي فوضى . 
إنها فوضى الفوضى ، 
عبث سريالي فضيع يتجاوز كل التصورات والتخيلات .
أختنق للعبث المستشري في هذه الأرجاء ...
 كأنني أمشي وأعيش في ظلام ملوث بكافَّةِ أشْكالِ الوباء ...
الوعي بعبث الوجود إحساس خطير ... 
إحساس جد أليم وصعب الاحتمال والدواء ...
لَوْ كانت لنا عُيونٌ كالمِجهر، لا قَدَّرَتِ السماء ،
 لما استطعنا الحياة ، لِأنّنا لَنْ نرى سوى الْمِيكْروبات والدِّيدان ..!
   - كُنْتُ دائما أنْفُـر من وجبات اللحم " الْخانَز" التي يُقدِّمونها لنا في غذاء الجمعة ... 




    أظن أنني منذ دخلت هذا السجن منذ عشرين سنة ،
وأنا أعُومُ وأغْرقُ في الجريمة والْعِقاب ،
وآكل لحم البشر والعدس الفاسد في اليوم المقدس . 
ولكنني اليوم بدأت أستسيغ أكله وأحب مذاقه ،
وتكَيَّفْتُ مع أجواء الإجرام الْحُبْلى بأرْوَعِ الْمُغامرات الْحَمْقاء ! 
كهوامش مُثْلى ، للعربدة والْإنْتِقامِ مِنْ أخلاق الْأدْيان المُقْرِفة الْخَرْقاء ...
في " السِّجْنِ" ، تُصْبِحُ صَبَيّاً حُرّاً بريئاً ، تَلْعَبُ بالْخَيْرِ وبالفساد !
كما يمكن لك أن تُصْبحَ شِرّيرا مُجْبَرا تُدافع عن بقائكَ بأيَّةِ وسيلةِ وعتاد .
وفي السِّجِنِ قد تتحوّل إلى شَيْخٍ حكيمٍ يَفْهَمُ مَدَى عُمْقَ الْأبْعاد ...
أحْياناً ، فقط بالحِفْظ والْإسْتِنْساخ ، وبالْعَنْعَنَة والْإسْناد ! 
وأحْياناً بِفَكِّ رُموز الْعِلْم ودراسة وتحليل عناصر الطبيعة الْهوْجاء ،
وفَهْمِ شَفْرَة قوانين الْفيزْياء والبيولوجيا والكيمْياء ،
لِلسّيْطرةِ على الكون وغزْو الفضاء .  
أصْبَحَ الْمُقَدَّس والْمُدَنَّس عِنْدي تماماً ، سواء بِسواء !
وتِلْكَ الحُرّيّة الْقُصْوى ليس لها أيّ مَثيلٍ في الدُّنْيا ولا أيّ دواء ، 
ما دام أنّ المقدس قد دُنِّس ، والمُدنّس قد قُدِّس ،
لِيصيرَ كلّ شيءٍ "حريرة " ، 
كوكْتيل اللاّمعْقول ... وَوَباء في وباء !
ولمْ يعُدْ بينهما من حُدود في أرْضِنا التي هي بامْتِيازأرضِ النفاق ...
فَمَنِ الْمَجْنون الذي يَتَجَرّأ على الْقَـوْلِ :
  ـ " إنّني يَوْمٌ ما ، إلى عُيُونِ بِلادي قَدْ أكونُ مُشْتاق !!! 
يا لَكَمْ أتألّم ، عندما أرى جوْهر حبّ الإنسان الطّبيعي والنّقيّ ،
يتحوّل بِسَبَبِ الْجَهْلِ والفقْر والطُّغْيان والْإسْتِبْداد ،
إلى عُدْوانٍ أزليّ لا يُحْتَمَل ولا يُطاق ..!
وعِبادة وثَنِيّة ، بَلْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، 
لِاسْتِمْرارِتَأْجيجِ كُلّ صِّراعِ وتَمَزُّقٍ وشِّقاق !
وجداوِل دَماء الْإخْوان المسلمين والنّصارى ،
في كل بقعة من الأرضِ تُراق !
لا سِلْم ولا حرب ، ولا مِنْ مُنْتَصِر ولا مَهْزوم في كل هذه الْمَتاهات والْآفاق .
غرابة هذه الفوضى وحِدّة دراميتها ، 
أنّها تبُثُّ العُنْف وتزرع الكراهية . وتدفع إلى مَزيدٍ من الْعُبوديّة والْإسْتِرْقاق !
   
    تَاللّــهِ يا سادة ! 
يا أوْلاد السَّبايا ،
هلْ أُناديكم يا " أخْبَث الْأجْناس " ،
أمْ أُسمّيكم  يا " خير أُمّةٍ أُخْرِجتْ للناس " :
أوَ لَمْ يسْمَعَ العالم كُلّه ،
بأجْمل أساطيرنا حَوْلَ " شهرزاد وشهريار" ،
التي جالتِ العالم على " بِساط علاء الدّين السِّحْري" في كلّ الْأقْطار والْأمْصار ؟!

  يرْويها أمير الرّحّالين ، إبن بطوطة حامل الأسرار ، 

و حِكايات "سِنْدِباد الْبَحْري" الْمُشوّقة ، وأساطير ميثولوجِيّات " الْبُراق" ؟
و" شُموسنا السّاطِعَة " على الْغَرْب ، وكُلّ جُزُرِ الْوَقْواق ! 
مِنَ الْحِجازِ والشّام ، ومِصْر، وسوريا والْعِراق ..؟
لكن تهْديداتنا لكل النّاس اليوم ، وذُعْرهم وحَيْرتهم مِنّا ،
أصْبَحَتْ " إسْلامُوفوبْيا " حمراء ، وعُنْفٌ مَرَضِيٌّ لا يُطاق ! 
لِذالك كلّه ، فهي لحوم أفضع قطيع وبِلا مُنازِعٍ أيها الرِّفاق . 
ألاَ أنَّ السّادية أحْياناً ، لِلسُّمومِ خَيْر وأنْجَعُ تِرْياق .

    أمقت منطق هؤلاء البشر الْغيْر المأْلوف ... 
مبادئهم مدٌّ وجزر، ووعودهم كسوف وخسوف ...
 العادة تتجذر بالتكرار والاِعتياد ، وتُشَيَّدُ بصلابة كجِدارٍ مرْصوف ...
كل ما يقع في هذا الوجود من غرائب الأمور واللامعقول واللاّمَأْلوف ،
فهو ألْف معقول ومعقول ومأْلوف ..!
لِمَ لا يكون الأمر كذالك ؟ 
وأصل العالم في جوْهرهِ وفي حدِّ ذاته ،
حصيلةُ عبث الصدف ، وتلاعب الظروف ...
أحب أكل لحم البشر وأبْتَغيهِ ، بَلْ أشْتهيه عُدْواناً ،
وأجده أحْلى وألَذّ من لحم الخروف ...



    أُحِسُّ كأنَّ السادية تُغذيني من الداخل ،
ضد قهر إنسانيتي الْمَلْعُـونة مِنْ رَبِّ الْأرْباب !
الجريمة داخلي وفي أحْشائي ، نزيفٌ دوْماً يَنْساب ،
وسيلة من وسائل الاحتجاج ضد الظلم الأزلي وكلّ أنْماط العِقاب ،
تُلَوِّح به بدونِ كَلَلٍ ولا مَلَل ولا حياء ،
أخلاقُ وأبْواقُ أدْيانِ التّحْريمِ والتّقْليد الْأعْمى والإرْهاب ..!

     الْوَيْلُ ثُـمّ الُوَيْلُ لي يا أبتي ، ساعِدْني ، 
وانْتشِلْني من هذا الحضيض الفائض بالأعْصاب ،
فأنا غارِقٌ إلى أُذُني في أعْماقِ الْبِئْرِ ويَمّ الْإستلاب ..!
يــا ربّ ،

إن كنتَ حقّاً إلاهي ، ساعِدني كَيْلا أُؤْمِنَ بِك .
أو كُنتَ رحيمي ، ساعِدني كَي أُشفى منك !
لو أنِّي أعرِفُ أنَّ الدّين مُخَدِّرٌ خطيرٌ جِدَّاً ما آمَنْتُ ،
لو أنِّي أعرفُ أنَّ البَحرَعميقٌ جِداً ومُلَطّخٌ ما أبحرت !
لو أنِّي أعرفُ خاتمتي ...
لَكُنْتُ ، مِثل إبْليس الْحكيم ... 
عَصَيْتُ ، ثُمَّ عَصَيْتُ ، ثُمَّ عَصَيْتُ ..!
وما طِعْت ..!




       وقامَ الْمَجْنون يَرْقص فرحاً وهو يُردّدُ نشيد الثّورة الخيــالي :
   ـ أنا مناضلٌ من تامازْغا ، تائه على وجهي باحِثٌ عن جُذوري ،
ـ أنا لاجِئٌ ملْعونٌ في وطني الْمُحْترق ، مُشَرَّدٌ سوري ،
ـ أنا عِراقي سُنّي ، وشيعي ، وكُرْدي ثوْري ،
ـ أنا منَ الشِّيشانِ أريدُ أنْ أغْسِلَ عاري ..!
ـ أنا مُواطِنٌ من السّودان يعيشُ في الْأخْطارِ .
  ـ أنا مَقْدِسي مُحاصَرٌ مِنْ كلّ الجهات بِالْأسْوارِ،
  نازِح منذ زمان أُعاني من هواجِسِ الْإستقرارِ ،
  مَصْلوبٌ تَحْتَ راية نَجْمَةُ داوود ، ورَحْمة صَهْيون الْإسْتِعْمارِ ! 
  ـ أنا أفْغانِسْتاني عَفْيوني ضائعٌ وراءَ جبال الْمَآثِمِ والْأوْزار ،
 أنْهَكَتْني في جبال " تورا بورا حُروب " الْإقْبال والْإدْبارِ ..!

ـ يا رَبّ السّادِيَة والْإجْرامِ ، 
لَقَدْ أعْيانا كُلُّنا هذا التَّخَبُّط والْإبّحارِ ..!
وأنْهَكَنا تَجَهُّم الوجود وغضب الْأقدارِ .
فَيا وطني متى ستوقِفُ كل هذه اللّعَنات والزّلازل والْإعْصارِ؟
ـ هَيّا يا بِلادي ثوري ثُمَّ  ثوري ...
ـ هَيّا يا بِلادي ثوري ثُمَّ  ثوري ...
أنا غريب بلا وطن ولا هَويّة وبلا جُذور ،
   وأعيشُ في الْأوْحالِ ورُعْب السّعير والذُّهانِ ..!
   أريدُ جنّة هادئة تجْري مِن تحْتِها الأنْهار .
   فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ؟!
  الأَرْضَ وَضَعَهَا الرّبّ لِكلِّ الخلائِقِ والْأَنَامِ  .
 أريد حياة فيها أنْهارمن خَمْرٍوعسلٍ ،
لَذّة لِلشّارِبين يعْجِزُ عن وصْفها أيّ لِسان ،
 يخرح مِنْها اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ !!





 وفَاكِهَة وَنخْل ذَاتُ الأَكْمَامِ ،
 وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ،
 فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ...

 كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا مُنْدَثِرٌ وفَانٍ ،
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ...


     قولوا لي أيُّها الْقَوْمُ الْمُحْتَرَمون الْأعْراب  :

أيّتها الْأقْوامٌ العصبِيّة الْمُدمِّرة التي لا محلّ لها منَ الْإعْراب !!

هل ربّكُمُ الْأمْثَل والْمٌثير جِدّاًّ لِلْأعْصاب ، 
لا يُتْقِنُ سوى أنواع التّهْديدِ وأهْوال الْقُبورِ وأصناف العذاب ؟
هَلْ صَنَمكُمُ الْأعْلى هو الذي يُوحي لكم بِكُلِّ هذه الْفُسَيْفِساءِ من الخراب ؟ 
وتَأْليبِ الْمِلَل والنِّحل براديكالِيّة وبِدون صواب ،
لِإذْكاءِ مزيدٍ مِنَ الصِّراعاتِ والتّمَزُّقات والْإضْطِراب !

   كُنْتُ دائما أُنَبِّه البشرأنَّ أصْلَ الظُّلْمِ يوجدُ في الْمَنْبَع ...
وأنَّ مَهْدَ الْمأساة ترعرع في أحْضانِ الْآلِهة ..!
لماذا كُتب على الفقراء أن يعيشوا دائما ومتذ البِداية فوق الصُّلْبان ،
غارِقين في القهر والْإسْتِلاب مدى الحياة ، مُلَطَّخونَ بِالْأوْثان ..!
تنمو فوق جثثهم الذابلة ، كل الأشواق والأشواك والنكبات ومشاهد الإعدام ،
ماتتْ إنْسانيتهم منذ الميلاد ، ويَبِسَتِ الأحلام ...
واشْتَدَّ الْغَسَقُ القاني في نواحي بِلاد التّتار والشّام .
العالم كله مَذْعور، يَغْرَقُ في الْخَوْفِ والْإسْتِسْلام ! 
لا ينتشر الأمن أوالأمان ،
إلا عندما ينتشر الرخاء والعدل الحقيقي في المجتمع ،
لا " الصَّدَقَة " أوِ " الزّكاة"  أوِ " الإحسان " بين بني الإنسان ...





    هل السماء عنصرية أم  سادية ؟ أم لا دَخْلَ لها أصلا في ما يحدث من الكوارث الفضيعة وغرائب الأمور ؟
هل تجاوزتِ الأحداث السماء أم أنها تجريد ووهم ليس إلا ؟
أكره الإظطهاد لأنه يجرح كرامة الإنسان المقدسة ويذلها ...
الإنسان من يتحكم في الأرض وليست الخوارق الخيالية الموهومة في السماء ...
أنا لم أصلي ولو ركعة واحدة في حياتي ، 
كبريائي لا يحب الاِنحناء ...
 ومع ذالك لا أحس بالذنوب ولا العتاب ...
 سأموت صامدا ضد كل أشكال الاستلاب ...
واسْتدار نحو مُخاطبه مُنْدهِشاً لِيُمْطِرَهُ بوابِلٍ من الْأسئلة المُحْرجة وقال :
     - وما مضرة أن تتغذى من لحوم البشر ،
وأنت تأكل بشهية لحوم الحيوانات الأخرى بدون نسيم ذنْب ؟
    ـ وكيف تعرف الحلال من الحرام ؟
    ـ وما هو مِعْيار الحلال ؟
    ـ أليست هي أيضا كائنات بأرواح مثلنا ؟
لها أحاسيسها وأمومتها ولغتها التي نجْهلها ..؟
وإذا كان البشر ينفرون من أكل لحوم بعضهم البعض ، 
فالسبب ببساطة راجع إلى خوفهم أن يأكلهم الآخرون ،
أو يأكلوا هم بعض الآخرين الأعزاء . وهذا مؤلم .
هل يمكن لك أن تأكل أمك أو إبنتك الصغيرة ؟
أوعشيقتك التي وهبتها حياتك كلها ، 
   ـ لا ...؟
     لهذا يحاربون هذه العادة لكي لا تتأصل وتتجذر وتُشكّلُ عليهم خطراً ،
تُهَدّد اِسْتِقْرارهم ، فيكونوا ضحيتها مستقبلا .
هكذا تنشأ الأخلاق وتولد العادات وتتوارث لِتصير بالتّراكم أهراما صلْدة ،
لِتكونَ نواة الأديان التي ستنشأ فيما بعد ،
لِتَوْحيد مجموعات البشرالذين يعيشون جماعة في كل بقع الأرض ،
على شكل عِقْدٍ إجتماعي يتّفقون عليه جميعا ،
لِتفادي الصِّراعات ومصائب الْحياة ...
    المسألة مسآلة أنانية ودفاع عن مصلحة وهروب من ألم .
وهذا شيء لا أعرف أطبيعي أم غير طبيعي ،
ولكن حسب فلسفتي في الحياة ،
أرَجِّح أن يكون طبيعي .
لأنّ كل سلوك وتحركات الإنسان في عُمومها ،
تروم إلى تحقيق أقصى راحة وهدوء وسعادة ،
وبالتالي أقْصى لذة واسْتِقْرار ...
   ولكن خلال السنوات العِجاف وتفاقم المجاعة ،
هنا يُصبِحُ أكل لحوم البشرعُمْلة سائدة ورائجة ،




واللّيْثُ لا يتردّد في الْتِهامِ أشْباله إذا افْتَرسهُ الْجوع ..!
إنّها غريزة " حِفْظ الْبقاء " ، 
والجوع أبْلَغُ اخْتِبار لحفْظِ هذا البقاء ..!

    ولكن ، عندما تستوطن المجاعة ، ويحلّ الفقر والجفاف ،
وتليها بعْضٌ من " السّنواتِ الْعِجاف " ،
تُصْبِحُ  شْهيوات " لحوم البشر" ،
ظاهرة رائجة تُقامُ لها الدعاية لتشجيع الناس أخْلاقِيّاً على اسْتِهْلاكها بِدونِ أيِّ أساف ! 
  
     كُلُّ الأمور نِسْبِيّة ...
ألّا يأكل أحد من البشر جثة أخيه ،
هذا حلم كل البشرمن أجْلِ الرُّقيّ ، 
ريْثما يتطوّرون لِيُصْبِحوا نباتِيّين ويحترمونَ الحيوانات الأخرى ،
لِتَتّقي آثار صدماتِ ذَبْحِها بِدمويّة في الْمُناسبات الْمُبْهِحة وكلّ الْأعْياد ،
  يُشاهِدها أطفالنا مَصْدومين ، مَشْدوهين ، بَلْ مع أمّهاتهم مُزَغْرِدين !!!
ونشْتكي مِنْ بَعْد عَمَّ يتساءلون ؟
   ـ " رَبّاه ! لماذا صارتْ كلّ فلذات أكْبادِنا منَ الذَّبّاحين الْإرْهابِيّين ؟

وتَراصوا في صُفوفِ الدّاعِشِيـــن ؟ 
فيا لَلنّبَإِ العظيم ، يا لَلنّبَإِ العظيم ..!
الْوَيْلُ لكم من هذا النَّبَإ الْعظيـــم !
   وهزَّ رأْسه حُزْناً وامْتِعاضاً لٍما آلَتْ إليْهِ وضْعية أُمّة الْإسلام ، ثم استطْردَ في حديثهِ الهادئ :
   ـ ولكن ظاهرة أكل لحوم البشر Cannibalisme ، 
صارت ووقعت وما زالت موجودة في أشكالها البِدائية إلى يومنا هذا ..!
لكن قساوة الظروف وتفاقم المجاعة ، يجرد البشر من إنسانيتهم ،
وهذه جريمة في حقهم ،
فلماذا إذن يُعاقَبون إذا أكل بعضهم البعض وتَلَذَّذُوا واستَمْتَعوا ..؟
أوَ لَيْسَت ظُروف معيشةِ الإنْسان ومصادِر رِزْقِهم ،
وعُقودهم الإجتماعية الْمُتّفَق عليها بينهم ،
هي التي تُحَدِّدُ التّقاليد والأخلاق ونمط حياة عيشهم ،
التي تتجمّع وتتراكم وتَنْصَهِرَ بالتّدْريج ،
لِتُكَوِّن نواةَ ولُحْمَة كلّ الأدْيان التي سَتَنْشَأُ فيما بعد ، 
ليعيشوا بينهم في سلام  ووِئام ،
في إطارِمَنْظومة من التّعاليم والْمُثُل " الْأخْلاقية الْعُلْيا " ،
والتي نُسَمّيها " الْإيمان" !؟
ذالك لِأنّ شروط الراحة والسعادة الْأبديّة ، 
ما هي سِوى فهْم وتحْقيق لِأقْصى انْسِجام ...


       الأخلاق الحقيقية ، هي تلك التي تُسْعِدُ الإنْسان لا التي تتصادم مع رغباته ،
 وتَخْنَقُهُ كل يوم ألف مرة ...
 وهو أيضا نوع من العِقْدِ الإجتماعي يتفاهم حوله الناس ويتفقون ،
من أجل دَرْءِ مخاطر الجريمة والعدوان والإقتتال بينهم ،
ليعيشوا في سلامٍ وانسجام ووِئام ...
هذه بعض أسباب تحريم أكل لحوم البشر، وتَسْويغ لحوم الحيوانات الأخرى ،
ما عدا الخنزير المِسكين !
يفضلون دفن أجسادهم  لتتعفن وتتحلل ، 
على أكلها أو إعطائها كوجبات للحيوانات ،
أوإعطاء أعضاء أجسادهم للمرضى المحتاجين ...
وإذا كان حرام ، فإن الجوع وآلام السرطان أيضا أعتى حرام ...
الفقر أكبر المجرمين ... 
والحيوانات قد تلتهم صِغارها في ظروف المجاعة ...

     ـ يحاول الإنسان بهذا النظام الفوضوي واللامعقول أصلاً ،
إظْفاء قُدسية على نفسه لِتَسْلبها منه الآلهة التي خلقها بنفسه فيما بعد ،
وتلتهمه كُلِّية ، وتُسَيْطر عليه وتتحكم به ليصير لها عَبْداً تُرْغِبُهُ بجنّاتها ،
وتُرْعِبُهُ بِوَيْلاتِ جهنّمها وكل أصناف العذاب .
فتتشلّل كل إراداتِهِ ولا يُبالي إلاّ بِأهْوالِ يوم الْحِساب ...
هكذا يظل أبناء المُعْتقدات والأدْيان غارقين في جهلهم لِطبيعة الرجل السوبِرْمان ...
وهذا هو الإسقاط والسقوط الكبيرين :
    ـ  السقوط من الوجود نتيجة استعمار الآلهة وتضخُّم الإستلاب ...
وهنا يبقى الانتحار أجدى اختيار ،
ما دام أن الوجود واللاوجود متساويين في القيمة والتفاهة ...
هذا هو الاستلاب والعبث ...
لا شيء له معنى ولو رَبُّكَ الأعلى وأبوك المقدس ...
ولا سيما الأخير الذي قذفك بنشوة وبِشوْق ،
في عالم صاخب بالأعاصير وطيف لارا الذي يُجنِّن ...
أنت لسْتَ سِوى في مُجتمع الحيتان ،
بعضها يلتهم البعض الآخر بكل شهية واطْمِئْـنان،
بِدونِ أدْنى نسيمِ ذَنْب ولا أمان . 
القوي يأكل الضعيف بدون رأفة أو أدنى رحْمَةٍ ولا حنان !
وقانون الغاب ، هو القانون الوحيد السائد الْآن ،
وهذا منذ خلقَ رَبُّكَ الأرض ومَنْ عليها وفان ...  

  
      ـ كل اللحوم متشابهة في ما تحتوي من بروتينات ودُهْنيات ،
 المُهم الحُصولُ عليها لِحِفْظِ البقاء ...
  إنسان راق أم وحش . 
المهم أن تهرب بوجودك إلى ضِفاف الأمان وتحافظ على بقائك ،
  وأن تعيش إذا استطعتَ الصمود والبقاء ... 
وما دام أنك بلا كرامة وسقطتَ إلى مستوى الحيوان ، أوْ دون الحيوان ، 
فكن كالحيوان الشّرِس عنيفاً في هجومك وبطشك وافتراسك غيْرك لتعيش ، 
ما دامَ أنَّ البشريّة تتقهْقر بدل أن تتطوّر ،
وما دام أنها تُفضِّلُ الأوْهام الدّينية المثالية على إبْرازِ الحقيقة والدِّفاع عنها ،
وتشجّع الكذب والنفاق على الْحَقّ والصِّدْق ،
هذا يعني أن هذه البشرية اليوم ،
ولكثرة احْتِقان الشوارع العربية في ساحات التّحْرير،
وقيام ثورات الربيع العربي بكلّ مآسيها ،  
لم تبقى قيمة لأية قيمة ، ما دامَ أنَّ النفاق اِنْتصرعلى الحقيقة الْهَشّة أصْلاً .
وتلاشت كل القيم وتبخّرتِ الأخلاق ،
لأنها طبقية وتتصادم مع مصير البؤساء ...
 كلنا في العمق سواسية ولو كره مدير السجن . 
لقد دخلنا الوجود عرايا وبالتساؤل المُضْني عن ماهيته ،
وسنغادره عرايا وبِخُفَّيْ حنين وبضباب في فهم جوهره ...
 تماما مثل آدم وحواء .
حُرِّيَّةُ الغرائز جوهر الحياة ،
لكن العبث في صُلْبها مقيم بسبب أخلاقِ القمع كالهواء في السماء .
   - لماذا بُنيت السجون لتسلب حرياتنا ؟ 
ولماذا إختاروا لنا نيرون الجلاد ليعذبنا ؟
ولماذا وُجِدَ قانون العقوبات أصلا ؟ 
الإنسان يعيش في سجن الوجود يُصارع قساوة الدهروحيداً بدونِ مُعين ،
فلماذا نزيده جحيم عقوبة على أخرى ،
ونحكم عليه بسجن آخر مثلما نحن الآن هنا ..؟
   - لأن الحياة بلا معنى ولا قيمة ، كل شيء في يد الطَّواغيت . 
صراع المصالح معقد وكثير التشابك ، 
والسادية ترياق النفوس المريضة .
 العالم يسير في عكس اتجاهه وضد هواه :
مِن جِهةِ إقرارالحُرّيّات التّعْبيرية والْغرائِزية الطّبيعية والعدالة الْمُطْلَقَة ... 
ومن ناحية قيمة الْإنسان التي يجب أن تكون مُقَدّسة لدى كلّ الْبَشَرِيّة ... 
   يظنون أنهم يخلقون النظام دون أن يعرفوا أن أنْظِمتهم ،
بُنِيَتْ مِنَ الْأعْلى إلى الأسْفل ، عَكْس قواعد الْبِناء الصّحيح في العالم كلّه ،
ولكنّهم ، ما عدا مَصالِحهم ونِفاقهم لا يْهْتَمّون ولا يَكْتَرِثون !
لِأنّهم في فنّ تسيير شُؤونِ دُوَيْلاتهم الْفُسَيْفِساء الْمُخَرّبَة لا يُتْقِنون !
لِذالكَ كانوا مَحاوِر الشّرّ والْهَدْم ، ولا يَصْلَحونَ لِشيْءٍ ولا هُمْ لِلْبِناءِ راغِبون .
لذلك اِعْتَبَرَتْهم الْآلِهة :
22 رَهْطاً يُفْسِدونَ في الْأرْضِ ولا يُصْلِحون !!!
أقْوامٌ جاهِلة ، لا  يعْلمون ولا يفْقَهون !
وشُيِّدَتْ أكْوام بُنْيانهم على أسس فوضوية عارمة الهشاشة وهم لا يَعْلمون !
ولِأدْنى هَزّةٍ هي الْأولى آيِلَةٌ لِلسُّقوطِ وهم في كُهوفِهِمْ نائِمون ..!
ولكن لِكُلِّ هذا الْخَوْف والغضب الْآتي ، هم دَوْماً لا مُبالون وغافِلون ! 





وأنه لن يتماسك إلا أياماً معدودات ...
وإذا أردْنا أنْ نُهْلِكَ قرْيةً أمَرْنا مُتْرِفيها فَفَسقوا فيها وعاثوا فسادا ...

    لا شيء مستقيم وثابت في هذا الوجود ما عدا التحولات واللامعقول ... 
أما الحرية التي تتوهمها فلا توجد خارج قضبان السجون ... 
الحرية حرية الأذهان ... 
الحرية هي الانعتاق من الفكر الظلامي المتخلف والتغلب على مظاهر الاستلاب وعدم الإنحناء ،
فلا أحد يسطيع ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت .
هذه هي الْمَلْحَمَة الْعُظْمى والبطولة الكبرى :
أن تقهر استلابك وتحرر نفسك من عبودية الجاهلية ،
وأن تحدد هدفا نبيلا في حياتك فتحققه ،
لتطيرنحو أحلامك لتحياها كما تشاء ... 
العبودية الحقيقية هي العبودية للافكاروالتقاليد الْمُتَحَجِّرة ، والمعتقدات الرّاسِخة ..!
قد يكون هذا نوعٌ من علامات الساعة ،
أنْ يتحكَّمَ فيك ما تخَيَّلْتَهُ وأوْجَدْتَهُ في ظروفٍ بِدائيّة وسُبات عميق ...
هذا هو الرجل السوبرمان الذي يحتاج إليه الفقراء ،
ليساعدهم على الاستيقاظ من التخدير والوهم الذي طال وطال ! 
ويساعدهم على تحْقيقِ بعض أوْهامِ الرّجاء ..!
ويستردوا جنتهم التي اغتصبتها الآلهة والأثرياء ...

    على الفقراء المُستلبون في كل أصْقاع العالم وكل مُهَمَّشٌ أوغريب ،
أنْ يَهمّوا بفلاحة ربيعهم منذ اليوم لِيُزْهِرَعَمّا قريب ...
 يجب محاربة الجهل لأنه يساعد في تجذيرالتقاليد الْمُنْحَطّة القاتِلة الْخانِقة ،
وسبب جمودها وتحجّرها ودوامها كالْأهْرام ...
التّقاليدُ أُمُّ الجهل مَرْكَزُ الصِّراع بِلا مُنازِع ،
ومَحَطّةُ لِكُلِّ الْأوْهام ! 
وبالتّالي المسؤولة على خَنْقِ النّاس والإستلابُ السّائد على الدَّوام ..!
التّقاليدُ تُعيقُ التَّحْرير، وتَغْتَصِبُ روح الحياة وروح السّلام ،
وتُجْهِظ جوْهرها ، وتَدْفَعُ دوْماً إلى مَزيدٍ من الْعُبودِيّة والْإسْتِسْلام ..!





     في تحرير الفقراء من الجهل وعبوديّة التّقاليد الْجبّارة ،
تتجلى البطولة العُظْمى ولو أن الطريق جِدُّ جِدُّ عسير ،
ذالك لأن مَنْ تحلم  لهم بِالْإنْعِتاقِ والتَّحْرير،
وفَكّ قُيودهم لِتَحْسين الْمَصير ،
أٌولائِك هُمْ من سيقف ضِدَّكَ آوّلاً وأخيراً ،
ويكونوا لك بالمرصاد كعدوٍّ مكير ...





     اللاهوت من أخطرما يشلّ الإنسان ويسلبه إرادته القوية وقدسيته ،
 وأنجع وسيلة للتحكم وتوجيه قُطعان البشرالضّائعين ! 
وجَعْلهم لِلْآلِهة ساجِدين وخاضِعينَ !
أذِلاّء مَقْهورين ومُسْتَعْبَدين وذالك إلى يوْمِ الدّين !
     لذالك يجب على هذه الثورة الثقافية الحاسِمة والرّاديكالية الْآن ،
ألاّ تتوقف أبَداً ، حتى تُغَرْبِل بِحَسْمٍ وجِدّ ، كل التّقاليد الجامدة والمُتَحَجِّرة ،
لِتَنْتَصِرَالحريّة على هذا القهرالمريع الذي يتعشش في نفوس الفقراء ،
ويُؤْذيهم أشَدّ إيذاء !
ألاَ أنَّ النِّساء والْفُقَراء ، هُمْ أولى قَرابين ضحايا الدِّين ..!
فاهْدِهِم ربّنا إلى صِراطِ الذينَ أنْعَمْتَ عليْهِم ولا الضّالّين ...
آآآآمين يا رَبّ الْعالمين ...

   هذا هو المنطق الذي يجب أن نتبناه اليوم على أُسُسٍ متينة ،
لمواجهة هذا اللامنطق الشامل ، وهذه الفوضى العارمة ، 
وهذا القهروالإستغلال بلا حدود لِإيقافِ أوْدِية الدِّماء ،
والنَّهْش في حُقوقِ وجُيوبِ الضُّعفاء ... 
وجَرّ البشريّة إلى عُهودِ الْكُهوف ومَغارات الْوَباء ..!
     العقلانية صعبة في إطار اللاعقلانية ...
 كأنك تحاول جاهدا ملء إناء بدون قاع  بالماء .
لن تُوَفِّرَ قطرة ولو حاولتَ ألف عام ...
    كل ما يحدث من غرائب الأمورفهو معقول ،
ما دام أن أصل الوجود نفسه غير معقول ولا مقْبول ... 
فوضى الصدف التي شملت نشوء الكون في البداية ، 
سترافقه وتعُمُّه إلى النهاية ،
ونحن كقطيعِ الْعُمْيان ، 
نُبحر معه ضائعين في أكوام من علامات التّعَجُّبِ والاِستفهام ،
بدون جدْوى وبِلا أمان !!!
 تتقاذف الرياح مصائرنا حسبما تشتهي الأقدار الغادرة كالبُخارِأوِ الدُّخان ..!
     اننا نُجهد أنفسنا بالإغراق المُضني في البحث والتساؤل عن ماهية الحياة ، 
في حين أن السرالوحيد الكامن في جوهر الوجود :
 أننا أتينا من العدم بالصدفة ،
لنعود إليه بنفس الصدفة متخاذلين متحللين ،




       ويُستحسن ألاّ نطرح أسئلة عن أصل الوجود ومعناه وإلاّ سنشقى ،
  الدَّوابُّ سعيدة في حياتها لأنها لا تطرح أي سؤال ولا تحاول الفهم ،
 ولا سيما أن قوة التحليل تجرد الأشياء من طبيعتها .
 هذه الحياة لا تستحق أن تُسْتساغ أو تُعاش أصلا ، أو يُبحث في ماهيتها ...
 إنها كنيزك يُشعُّ فجأة للحظات ثم ينطفئ وهو مليئٌ بالغثيان ...

      لماذا نحن هنا ومَن أتى بنا وكيف ومتى ولماذا ...؟ 
وكيف ستكون نهاية الجنس البشري وباقي الكائنات ؟ 
ولماذا نتغذّى بنفس التّرّهات ونعوم دوما في نفس الإيديولوجيات ؟

     هل ستفنى الحياة على الأرض بانطفاء قرص الشمس ،
أم باصطدام نيزك هائل تائه بكوكبنا ليدمره ،
ويزيحه عن خط مداره الطبيعي ليهيم في الفضاء المتمدد اللانهائي ؟
ليستأنف رحلته العبثية في مدارات أخرى مجهولة المصير كما نحن ؟
 أم ستنتهي الحياة إثر حروب نووية شاملة ،
تأتي على الأخضر واليابس ، 
وتهلك كل من عليها فان ،
ويبقى وجه الصُّدْفَـة العبثي ذي الجلال والإكرام ...؟




     أم سيتنافس موسى وعيسى والمهدي المنتظر والدجال على المجيء والظهور،
 لإعلان نهاية العالم وبداية حساب يوم النشور ؟ 
وخلال انتظارنا للفناء نعيش ذابلين كالفانين ، 
تملؤنا الشقاوة وكل الصدمات ؟
ولماذا نتشبث بالأوهام ؟ 
ومَنْ قرّرَ وجودنا ؟
ولماذا لا يحق لنا التحكم فيه ؟
ولا التحرر من الاستلاب الذي يشلُّنا والقدرة على الانتحار ؟ 
أنا عُوقِبْتُ ثلاث مرات في عقوبة السجن هذا لأني حاولت الانتحار ... 
هذا ليس بعدل ولا معقول ...
 ليس هناك حق لاي دين ولأيّة أخلاق ولا لأي قانون ،
أن يمنع الإنسان من وضع حد لحياته بالطريقة المُثلى التي يَعْشَقُها . 
هذه في نظري أدنى الحقوق أو أقصاها إذا شئت ، 
التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان رافض للحياة . 
قِمّة اغتصاب حقوق الإنسان ،
أن تمنع شخصا من إختيار طريقة موته وفراق الدنيا التي قد يحب أو لا يحب . 
ذالك العِشق والكراهية شأنه هو وحده ،
ولا يخص أحدا آخرغيره .
 وكذالك القرار . 
هو الوحيد من يقرر الحياة أو الانتحار أوالموت الرحيم ،
لأنها حلول وبدائل لا مناص منها لتجريد الحياة من عبثيتها .


     يجب تعرية هذه الحياة وكشفها لِمَعْشَرالناس ليعرفوا زَيْفَ حقيقتها ،
وما تحتويهِ مِن مآسي وكِراب ...
 ليس فيها ما يُرضي أو يُمَتِّع ما عدا اليأس والاستلاب والسراب .
 وكأنَّ كل الحقائق مقلوبة ومعكوسة ، دافِعةٌ  كل شيء نحو الخراب ...

   -  ولكنك قلت قبل قليل : ان الناس سواسية .
   -  ليس في الحظوظ الإجتماعية والتركيبات السيكولوجية ،
وتشابك الظروف وفرص النجاح و قوة الإرادة وصلابة الْعَزيمة ...
الإنسان لا يهيمن على ذاته ولا حول له على وجوده ،
ولا قدرة له على التحكم فيه إلا في حدود ،
وليس هو سَيِّدُ نفسه الذي يخلق كيانه ...
إنه عبدٌ لِلطّبيعة وللمجتمع الذين يشكلانه كما يشاءان ،
فينمو في إطارِ " التَّنْشِئة الْإجْتماعية " بحليب ثقافته التي يمتصها طوال حياته منذ الرضاعة .
فتتجذر وتتحجر وتصير ثوابت وإيمان عجائز ومُسَلّماّت ،
بها يرى الحياة حتى الممات . 
وتصيرغير قابلة للتغييرأوالتحول الا بإحلال وَعْيٍ موضوعي وعميق محل الوعي الزائف المتجذر ، 
وذالك لن يتسنى إلا بدراسات معمقة ومنتقاة بدقة ،
لكي لا يسقط في بحر إيديولوجيات الظلمات وميتافيزيقا المثالية ، 
التي ستعيده إلى رحاب الاستلاب من جديد .
وتقوده في الأخير في مَصَبِّ هاوية الآلهة ...
كَمْ مِنْ كتابٍ أوْدى بِقارِئِهِ إلى قَعْرِ الهاوية فَوَدَّعَ حُرّيته والحياة ...
    ليست كل الكتب مفيدة للقراءة ، 

بعضها أخطر من القواعد العسكرية الإستعمارية ! 
ويجب حَرْقها لأنها تزيد من مُعانات الإنسان ،
وتدفعه أعمق إلى كهوف الظلمات وأحْضانِ الاِسْتِلاب ...
إنّ مُعظم الكتب وباء خطير يجب حرقها ،
سُمٌّ قاتل في الدَّسَم ، بَلْ خرابٌ لِمَنْطِقِ العقْل . 
تُغرق القارئ في الاستلاب والغموض ليكون عدوا لوجوده هو نفسه ،
فلا يعيش إلا في الأزمات والصراعات والْإنْفِصامات ،
وكل أشكال النِّفاق التي تتجاذب في أغْوارهِ النّفْسيّة ...

    الإستلاب يحطم سعادة الإنسان ويفصله عن نفسه ويقسمه إلى شطرين مُتناقِضَيْن ،
ويحوله إلى انفصامي يتصارع إلى ما لا نهاية مع نفسه وهويّاته الْمُتَعَدِّدة والْمُبَلْقَنَة بِنَزَعاتِ الْإنْفِصال ،
 ويظلّ يُحاربها باستمرار بلا هوادة لِيتعايش مع مُناخِ النّفاق ..!
 كيف يمكن للإنسان أن يعيش هكذا حالما بارتياح البال أحِبّائي الرِّقاق ..؟
دون كيشوط داخل دون كيشوط ...
سيكون الانفصام والهستيريا صعب الحياة وسهل السقوط ...



     - ولماذا شكّلنا المجتمع هكذا ، 
أنا وأنت خلقنا المجتمع مجرمين ، أليس كذالك ؟
أنتَ قتلتَ زوجتك لتنقذ أوْ لتنتقم لِعشيقتك ، 
وأنا قتلتُ زوجتي المَحْبوبة لأنها هربت مع عشيقها .

فحكموا علي بالسجن والتخطيط لجريمة القتل مع سبق الإصرار وإلحاق الأضرار .
  - المسألة كثيرة التعقيد وأعمق مما تظن صديقي موسى . 
    ثمّ تنهّدَ بحزنٍ وأسى فقال :
صار يُتْعِـبُني معك الكلام صديقي .
- هل التفكير يُضْنيك ؟
- أنتَ ، بأسئلتك من يُضْنيني  .
أنا مجرم في الزنزانة سجين ولست سقراط في ساحات أثينا .
إلْـتَحِقْ بالسوفسطائيين الثرثارين إذا كنتَ من عشاق الدردشة ...
أنا دخلت السجن لأهدأ .
- حقا . أنا آسف لعدم صمتي ...
لكن معذرة ، هناك أمر يحيرني وهو السؤال الأخير،
هل أنتَ تؤمن ؟ بمعنى هل أنْتَ مِنَ " الْمُؤْمِنين " ؟
أنا لَسْتُ لا مِنَ الْمُؤْمِنين ولا من الْمُلْحِدين .
أنا أتَأمّلُ النّاس يَتَقاتلون بسببِ تعَدُّد الْآلِهة وهم يقولُون :
لكم دينكم ولِيَ دين :
- العالم ، كُلُّهُ ألم ، والإيمانُ والألم لا يمكن أنْ يتعايشا معاً ...
هل تعلم أنّ سبب صراخ او بكاء الطفل الرضيع لحظة الولادة ،
هو : إعْلان ألَمُ بِداية الصِّراع في الحياة ؟
وبِداية لِلتَّكَيُّف والتّأقْلُمِ مِنْ أجْلِ " حِفْظ البقاء" ؟!
ثُمَّ إنَّ الآخر سَعيرٌ وجحيم ،
أؤمن بالعبث واللامنطق واللامعقول فقط ،
    يريدون بكل هذا القمع وكافة وسائل الردع وكل أشكال القوانين الشّرْعية ،
زجرالعاطفة ، وتقييد الحب ، وشرعنته سِلْبياً بطريقة غير مُنْصِفة للمرأة ،
بعقود النكاح والزوجيات التي تُقَيِّدُ المرأة بالرجل ،
وإخضاعه لقوانينهم التملُّكية وتقاليدهم البئيسة ، 
هدف المُشرعين لهذه القوانين وكُلُّهُم رجال ، 
أنْ يضعوا موْضوع ملذّتهم و" دُماهُم " الصغيرات ،
فوق ظُهورِ الْحَميرِ والبعير والْبِغال ، 
لِيجعلوا المرأة مِلكية لهم كباقي مُمتلكات الرجال ، 
ناسين أن المشاعر لا تُباع ولا تُشترى ولا تخضع لأي قانون ما عدا الحرية ،
   الحرية جوهرالحب ...
وكِلاهما ضروريّانِ للحياة ...
 ـ " أنـا أُحِبّ ، إذَنْ أنــا حُـــرّ " .




   





















    
    لحسن الحظ ، أن الدعارة والبغاء ، 
أقدم وأرْوَع لَذّة وحرفة لِبَيْعِ الْهَوى وإكْسيرالحياة ، 
كَعِقْدٍ فريد يَتَبَخْتَرُ في دُنْيانا وفي كل الْجِنان .
لا زالت مزدهرة لتخفيف كل هذه الظغوط على الغرائزالبشريّة وعلى كلّ إنْسان ...
ألاَ أنَّ في تَحْريرِالْعَقْل والْغَرائز، يَكْمُن  تَحَرَّرُ الْإنسان . 
    يَوْمٌ ما ، وربّما ليْسَ بِبعيـدٍ في الزَّمان ،
سَيُعْلَنُ الطّلاق جَهْراً وحَتْمَيّاً بين الْإلْحادِ والْإيمان ،
وسيُقبل فَجْرالربيع العربي وربيع الْإنْسانية جمْعاء بكلّ أمان ،
مُزدهر بكلّ أنْواع الْفَراديس والْجِنان ،
وأحشاؤه حُبلى بثورات جنسية رائعة ،
سيبتهج لها اللاّمُنْتَمون واللاّمُستلبون ..!





     أنا هادئ وجِدُّ مُسْتكين ،
ولم أعد "عصفورك الصغير" والجريح الذي كنتِ تعرفين .
عواطفي ضبابية ، ولست أدري هَلْ أنا سعيدٌ أم حزين ...
لا عشير لي بعدَكِ ولا مُؤْنِس ولا مُعين ...
    جثث الأموات المتراكمة في ساحة السجن الخلفية التي خَلَّفتها أحداث الأحد الدّامِية ،
بدأت تَزْرَقُّ وروائح كريهة تنبعث منها كالدخان من النار ...
قد لا يميز هذا القوم الشرف من العار ...
فيما نشبت معركة أُخرى داخل الجناح المكتظ بالنزلاء المُطِلّ على البحر،
 بين عصابات متناحرة في تفجُّرٍ جديد لاعمال العنف هناك .
أعيش هنا على إيقاع فوضى العنف وأصداء الجريمة وسادية المدير .
كل ما حولي أحس به عبثي ولا منطقي ، 
لا شيء طبيعي ولا سويّ في هذا الوجود البغيض والْمُثير .
حتى مشواري إليكِ كم  كان طويلا وشاقّاً وعسير :
كم أرهَقَ الإبحار إليكِ  ذِراعي ...
وكمْ حنَّ إلى صوتكِ السحري سماعي ...
وكمْ شتَّتْتُ لكثرة التِّرْحالِ متاعي ...
كل ذالك ، لِأراك وأرْوي أشْواقَ قلبي بِمُحَيّاك الْأنيق والجميل ...
لقد تركْتِني وراءك تابوتاً وشِبْهُ ميِّت وكَليل ..! 
حزينٌ ومهْموم وجِدُّ عليل ..!




  لا نُكْهَةَ للحياة بعدك عزيزتي ، 
ما عدا ذِكْريات الجمال والسعادة الجليلة ونحن ساهِرين مُتَحَضِّرين أُدَباء ،
التي كان يُضفيها حضورك الْمَعْبود النادرعلى رصيفِ سَمَرِسناء ،
وشطحات خيالي عندما أعانق ذكرياتنا النّاصِعة الضِّياء !
وجودك بقربي مَا يُضفي على وجودي معنى ...
وغيابك موت سريري بالنسبة لي ...







    " باسو" لم يعد الجنة التي كنتِ تعرفين ... 
 " باسو صار سعيراً وجحيم ...
 وأنا بعد رحيلكِ في السجن أُقاسي العذاب الأليم  ...






     تحَوّلَتْ " جنة باسو" التي كُنّا نَعْبُد ، 
إلى صحراء خالية من كل أثَرٍ لِمَسَرّاتٍ أو شِبْه أفراح .
ذَبلَتِ الحياة ، ولا أثَرَ بعدَ لارا لِأيِّ أملٍ أوْ فَرَحٍ أوْ اِنْشِراح .
العواطِف صارتْ عواصِف ، 
وكُلّ شيءٍ إنْقَلَبَ جِراحاً في جِراح ..!
لَمْ يعد " باسو" سِوى مقْبَرة هادِئة  لِلْأشْباح ، 
 يعوي في أصقاعها المُؤَذِّنينَ والذئاب والرياح  ،
 النفاق أضْحى ذكاء ... والظلم عدل ، 
وكل شيء صار اليوْم مُباح ...




    كان ما عِشْتُهُ في " جنة باسو" أضغاث أحلام ، وسرابا بمعنى الكلمة .
لكن في أعماق هذا الخراب أوِالسراب ،
لقطات بل محطات مؤثّرة من الأسى والعذاب .
 كنتُ أحس فيها أحيانا أنني أموت في كل يوم مرات ومرات ،
بدون أدْنى خطايا ولا ثواب :
    فدوى تهاوتْ وانهارت بسبب نزيف  جراحاتها و" أعصابها الوراثية " ،
ثمّ أجهزتُ عليها ومحوتها من الوجود لكيلا تزداد مُعانات وصدمات ...
    كل صباح أحد في كل الفُصول ،
كنتُ أتردّدُ حاملا باقة ورد ،
أضعها بكل إجلال ووقارعلى قبرها الذي أحنُّ إليه في الليالي الدامسة ،
حين يُجهضُ الروتين مزاجي وتكْتَسِحُني الشُّجون .
أجلس بقربها بكل هدوء واحترام ،
وأتيه بعيدا معها حيث ذكرياتنا بأفراحها وأتْراحِها ، 
لِنُعيدَ اجْتِرار ليالينا الورْدِيّة الجميلة .
 وحين يهدأ ضميري ، 
اقفل عائدا أدراجي ، وقد نهك الحُزن كياني ...




   هذا كل ما تبقّى لي من ملامح ذكرياتي معها : 
زيارات قبرها المُوَقّر صباحات كلّ أحد في الشتاء والصيف ،
وقلبي يتهاوى يوْمِيّاً بسبب موتها المُبَكِّر ...
لقد كانتْ فِعْلاً كُلُّ سعادتي قبل ظُهُوركِ حبيبتي لارا ...
    ويارا اِستمرت تعيش حياتها في التيهان ،
في روتين قاتل تشكي دائما مِمّا يُثيرُهُ مِنْ غَثيان ،
تحاول اقتناص بعض الفرص السعيدة لتستمتع ببهجات الحياة ،
في انتظار العريس وفارس الأحلام الذي قد يأتي ولا يأتي
لتحقيق حلم الزواج الذي كنتُ أتمناه لها من أعماق قلبي ،
لكي ترتاحَ أخيراً وتجد ضالَّتها الْمَنْشودة ، 
ولِتَغْرُبَ عن وجهي ...




       أختي سناء القديسة اِنهارت بالأمراض والحساسية  ،
نتيجة الإفراط في العمل لتساعد زوجها الذي انْحَدَرَ درجات ،
 للتغلب على مآزق الحياة ،
وأعباء المعيشة ، وعِبْء ثقل الديون والأزمات ،
وكافة المُعضلات الاِقتصادية والجروح ...

   أما لارا التي كانتْ تفِرُّ معي تائهين بحرية ، وأحْياناً بِكُلِّ جُموح ، 
كانتْ لي " إيقونَة جمال " ، تحبّني بِأعْماقِ قلبِها المجروح ،
ولكنّها أحْياناً تَبْدو كالهاربة أو النعامة الساذجة ، 
لِتَدْفَنَ وجودها في رحاب الإيمان ، جسدا وروح ...
لأستفيق أنا ذات فجرٍ حزينٍ وبهدوءٍ صبوح ،
وأجد نفسي على قارعة الطريق وحيداً يتيماً ،
أتَضَرَّعُ إلى السّماءِ بِصَوْتٍ مَبْحوح ..!
 وأتأمل الناس أمامي وحولي كالعادة ، 
وهي تَغْدو وتروح ...

             
                            
     قد تكون فدوى اليوم ذاهبة مع دوام إلى تمْسَمان ...
الطبيعة خلاّبة هناك ، والحقول تملؤها الورود ...
 الحب حرية ... السعادة نسبية ... والطبيعة سرالوجود  ...

    أنا في زنزانتي المُظلمة مُكَدَّسٌ مع سبعة جثث نخرها اليأس والبؤس والهوان ،
ولكنني وحيد أجْتَرُّ كل ذِكْرياتي وأعُدُّ تعاقب الآذان ...
أشتاق لرؤيتك وأنتظر متى يحين حبيبتي ذاكَ الأوان ...
فقط لِأراكِ وَلَوْ لِلَحْظة ، ومن بعدها اِذْهبي نحْوَ أيِّ بعيد ...
   أسمع أصداء نباح هذا الكلب المؤنس من جديد ...
 لكم أحب نباحه الحزين المختلط بالآذان ،
 وصراخ الفتاة اللغز المكبلة بالحديد ...
 لست أدري لماذا ينبح هكذا مرات متقطعة كأنه يجهش بالحنين .
ربما يفتقد إلى حبيبته مثلي ، فيَحْتَجُّ بهذا الأنين ...
 كم أنا إليكِ مشتاق ولِبُعدكِ حبيبتي لارا جد حزين ...
    يارا كانت معي طوال النهارذاك اليوم ولمْ تُفارِقْني بعد تلك الأحداث الكئيبة ،
 التي تعرفينَ كلّ تفاصيلها .
كانت فدوى كالعادة قد ذهبت مع دوام عند أختها جميلة ... 
اليوم الأحد ، ويارا جاءت من بعيد لتراني لقضاء بعض الوقت معا ، 




      لذالك كنا نشرب على هوانا وندخن ونتحدث عنك حبيبتي .
ولكن في جو من الحِدادِ مأساوي كئيب ... 
حكتْ لي كثيرا من الأشياء عنك قبل انتحارك ... 
أخبرتني يارا كيف أنّكِ كنتِ مقتنعة بلا جدوى الحياة وعبثية الوجود .
وكنتِ متشبثة مِثْلي بفكرة الانتحار .
وأنّ فشلكِ في المحاولة  الأولى في ذالكَ الْإخْتِيار ، 
جعلكِ تترددين خوفا أن يحزن لفقدانك أولادكِ البريئين الصغار .

     سَكَراتُ الْمَوْتِ لها رائحة عَفِنَة ، 
ولكِنني لا أتَقَزَّزُ منها لِأنَّها سَتُقَرِّبُني مِنْـكِ قريباً ، 
إنْتَظِري ولا تَيْأسي فقريباً سوْفَ نلتقي ... 
ذاك دوما كان حلمك حبيبتي ، 
أن نعيش معا في الجنة ، 
نستمتع بحبنا وأنوار وجه ربنا . 
أنا أحيا بدون حياة هنا ... 
كل أملي أن أموت قريباً لأِلْحَقَ بِك حيث أنتِ هناك . 

    حاولْتُ أمْسَ الاِنتحار لِأُعَجِّلَ السَّفر إلَيْكِ ،
فَعُوقِبْتُ بِوَضْعي في زنْزانةٍ أُخْرى أقَلّ حجما وراحة ... 
تكرَّرَ هذا ثلاث مرات منذ أنا هنا ، مدفوعا باليأس والحنين والاكتئاب ،
وفي كل مرة ، كُنْتُ أوَبَّخ أوْ أُحْرَمَ من الطَّعام ، 
أو يُرَحِّلوني إلى زنزانة أخرى ،
كما أنا الآن هنا ،
في هذه الزنزانة المكتظة بسبعة سجناء مختلفي الجرائم والأحكام ، 
نتقاسم هذا الفضاء الضيق المُقْرِف ، 
وسريري يقابل باب الزنزانة في واجهة الحارس ، ليراقب كل تَحَرُّكاتي ،
خوفا أن أقدم من جديد على الانتحار...



     مدير السجن جد قاس وبليد ...
رجل صلد ، لا يعرف الرحمة ... 
صلب كالفولاذ والحديد ...
سمعت أنه لقيط نزح إلى الناظورمن مكان بعيد .
لست أدري ..!
رُبَّمَا تَرْويجات أعداء ...

     أسْمعُ كلباً ينبح الآن من إحدى الديار المهجورة المحيطة بالأطلال ،
وراء أشجار الصفصاف والصُّبّارِ والحلْفاء ...
نُباحُهُ مُدَوِّي ومُتَقَطِّع ومبحوح ، تتقاذفُهُ الأصْداء ...
ومجموعة من أصوات الرجال ،
تنطلق من صوامع مساجد الحي المبعثرة في كل مكان ،
مُعلنة رُبّما آذان العشاء  ...
وسط زمجرة الرياح العنيفة وغضب أعاصير السّماء ،

وصراخ بعض السكارى ونباح الكلاب والمواء ...

    أنا بزنزانتي الآن وحيد ، أصِفُ وأدوّن انطباعاتي حول ما يدور حولي
وسماعي يلْتَقِطُ  تعاقب الآذان التي تعرج نحو السماء ...
الحياة في السجن قاسية وصامتة ، تذْبلُ كل يوم بوتيرةٍ أسرع ...
تزيدها قساوة تنهُّدات بعض المرضى من السجناء . 
سُعالهم حاد ... تقتلني الوحدة هنا وتعصرني من الداخل ...
الألم يتعشش هنا كالهواء ،
والناس الجَهَلَة بِقُرْبي بِجُثَثِهِم الْمُحَنَّطَة كالْمُومْياء ، 
بعضهم يموت وبعضهم يحيا بلا حياة وبلا حياء ...
     الساعة التاسعة ليلاَ ، والفصْلُ شِتاء ...

 كل من حولي من السجناء هادئ مُستكين وربما للعين غير قرير .
منهم من يصلي  لضيق المكان على السرير ،
وَمِنْهُم مَنْ يُسافِر إلى متاهاتِهِ السَّوْداء بِفَضْلِ التّفكير ...
  ومنهم من يدخن ، ومنهم من خَلَدَ لِسُلْطان النوم  وغارقٌ في الشخير ...
  كل هؤلاء الناس حولي ضحايا السراب والاستلاب المرير ...
  يهيمون في الوجود بدونِ عقولٍ ولا عُيون كأهل الكهف الضرير ...




     أسمع صرخة ألمٍ لسِكّير ربما يُحاول التسلل إلى السجن المُظْلِم حيْثُ الكُلّ مَوْؤُود ،
بحثا عن الأمان المفقود في هذا الوجود ... 
    كتل السحاب البيضاء بظلالها الرمادية ، كرقع هائلة تتحرك وتخترق السماء ،
تَعْبُرُ بسرعة جارَّة ذيولها التي تتلاعب بها الرياح العاتية المتجهة شرقا ...
       من خلال كُوَّةٍ في زنزانتي الضيقة ، التقطُ كل الهمسات حولي ، وبكلِّ دِقَّة ،
 وأفِرُّ بأجنحة خيالي وفي قلبي أحتضنُ حبيبتي لارا ،
بعيدا عن أجواء السجن والجثث المحنطة حولي ، مُنْدفعاً كالشهاب ،
 طائرا بحريتي أهيم على وجهي في الضباب ...
تـعانقينني فتنتشر السعادة كالأثير يا أبْهى الأحباب ،
    أتأمل السماء كمسرح لأعاصير هذا اليوم الأحد .
 كل أقداري المجروحة والممتلئة بالهذيانِ والأوهام ،
 أراها كخيالات تتراقص أمامي في لامبالات ،
كرقع السحاب التي مزقتها الرياح العاصفة في السماء  ...
أحيانا وأنا غارق في صمت الانتظار والاكتئاب ،
أرنو إلى السماء المكفهرة الممتلئة بالسحاب ،
 فأرى طيفانا يتعانقان كأرواح منصهرة تتعانق في الفضاء ،
والنسيم  يتراقص حولها مصحوب بالضباب ...  
 الأصداء تردد غناءنا وضحكاتنا ، 
والعواصف مبتهجة بحبنا ، 
وأمواج البحر البيضاء كعروس ساحر تشارك بهجتنا وهي تُراقص الصخور ، 
والرذاذ الخفيف يتلاعب كبخار الشلال ويتساقط على رؤوسنا مدى الدهور ،
 ويزهر الأقحوان ، وترتخي اللوتس فوق بساط الماء مفعمة بالكبرياء ، 
وقوس قزح الخلاب ينثر فوقنا ألوانه الساحرة ويبارك حبنا ، 
والنسيم يرفرف حولنا يمسح دموع الفرح من خدينا ... 
لذالك ترقص الورود مع الرياح ويغني العندليب فرحا لعرسنا ... 
وتنساب الجداول متمايلة كالعروس السكرانة ...



    لقد اِقترب يوم عرسنا التاريخي حبيبتي .
وقريبا سأُعْدَم إن شاء الله ... 
تذكري لارا كيف كانت  حياتنا : 
كانت هَبَّة نسيم من العشق وشطحات من غرام شفّاف ،
تنحني لها النفوس الفاضلة ... 
كانت بسمة على ثغر صبي نائم بريء تباركه كل الآلهة ... 
كانت مشاعرنا الصادقة حيالَ بعضنا ، كبهاء ربّاني تخشع له الملائكة ... 
كانت مشاعرنا أصفى من الصفاء ... 
وأنقى من النقاء ...

     كانت ذكرياتنا ندى في أحضان وردة دراما الفجر عزيزتي ،
أتأملها خلال الليالي البيضاء ،
 مستنشقا عبير مُعاناتها وأحنُّ إلى آلامها ...
 أنتِ من علمتني كيف أرشف الدم من نزيف وردتك الدرامية ...
 أنتِ من علمتني الإخلاص ووعدتني بالزواج في جنة الأعالي هناك .
 لست أدري حقا هل كل أقداري مُسَطَّرة سلفا في السماء ... 
أنا حائر مع هذا اللوح المحفوظ وهذا الوجود الذي لست أدري ماذا سأفعل بماهيته الملطخة بأنواع الكِراب ...
قلِبْتُهُ على جميع أوجهه وأوضاعه ولا أجد له جدوى أو معنى أو مغزى .
ولا حتّى محلاًّ من الإعراب ...
أجهل تماما كيفية استعماله ...
وجودي بلا أنت حبيبتي مجرد أصداء خرابٍ وسراب .
عُمْرٌ ذابل ... أنا الفاقد الصواب ،
بإرادتي ألهث يوميّاً وراء الخراب ...
هائم في اللامعقول والاغتراب ...
بسببك صرتُ جريحا أهيم في الضباب ...
لماذا فعلتِ بي كل هذا حبيبتي ؟ 
ما الدّاعي وماذا كان الهدف من كل هذا الإعصار الجبّار ؟؟؟
لماذا فَتَكَ سِحْرُكِ بسكينتي ؟
 لماذا قلبتِ كل شيء رأسا على عقب في كل حياتي ؟
لماذا أسَرْتِ نفسي وأقداري لتصيري أنتِ قدري الوحيد لماذا ؟ 



     حقيقة ، وكما كنتِ دائما تقولين لي حبيبتي ، 
الإيمان بُلْسم وشفاء ،
يخفف من حدة الشقاء ،
ويلطف القلق الميتافيزيقي ويخفف إحباطات الإضطهاد ، 
الخوف من الموت كنهاية للوجود ، 
والأديان ككافة المثاليات المعكوسة ، 
تعتبر الفناء لا نهاية ، 
بل بداية حقيقية لحياة سرمدية خالدة لا تعرف الموت والفناء . 
الوجود الأصلي ، يا لظلمات هذيان أفلاطون وويلات إيديولوجيات الخراب ،
ويا ليتني أنا أيضا أستطيع العيش في أوهام السراب ،
قالِباً لكل الحقائق ، كالنعامة الحمقاء ، 
تدفن رأسها في الرمال عندما تتهددها الأخطار ،
فتظن الغبية أن الخطر زال وأنّها في أمان ...
ذاك بالظّبْط مُهِمّة ودورميتافيزيقا الأديان ،
إعْماء الْبَصَروالْبصيرة ،
لِتَكْريسُ وتبريرالطُّغْيان ...




     عندما يسأم البشر من الظُّلم وكافّة أشكالِ الُعُدْوان  .
عندما يتعشش الجهل في اللاَّوعْي وفي أعْماقِ الأذهان ...
ويتقهقر البشر إلى مستوى أدنى من الحيوان ،
 وعندما يبلغ القهر والظلم مداه في قلب بني الإنسان ...
 وحين تتجذّرالأوجاع ، وتَتَفَتَّت الْأُسَر ، وتُجْرَحُ الأوْطان ... 
يهرب البشرالضّعيف ويتهرب من عبثية الوجود ،
بدفن عقله في سراب الإيمان ...
هكذا يعاني الناس بلا وعي من ويلات واضطهاد وبُهتان ...
 يجب اجتثاث واستئصال جميع هذه الميتافيزيقا الضالة المُضلِّلَة حالاً الْآن ،
 لترتاح البشرية من كل هذه الأكاذيب والأوهام ...
هذا هو أصل كل داء ومنبع معظم شقاوة الإنسان ،
 وفي القضاء عليها يكون الخلاص الأبدي من كل هذه الأورام والاحتقان ...
وينجح الربيع العربي العظيم في ذكاءٍ وهُدوء واطْمِئْنان ، 
ونتفادى الغزوات الصليبية ، وصراع الطوائف ، وكافة حروب الأديان  ...
  لنعيشَ كلّنا إخْوان ، لنعيشَ كلّنا إخْوان ...
نَصارى ، مسيح ، يهود ، سُنّة ، شيعة ، كاثوليك ، بْرُوتِسْتان ... 
في مِصْر ، في غزّة ، وفي الشِّيشان وباكِسْتان ...
في السّودان وعِنْدَنا وفي كلِّ مكان ...
ديستوفسكي في فلسفته حبيبتي ، أخطأ في أحَدِ الْأرْكان :
 لأنه يمكن بدون آلهة أن يعيش الإنسان ،
ودون أن ينهارأي شيء ، أوْ يُهلَك أيٍّ كان ...

     لستُ أفهمُ إله أفلوطين ولا أفلاطون ولا هذا المُحرِّك الذي لا يتحرك ...
كمْ من شعوبٍ أغرقَ في الإستلاب وكم من أقوامٍ أنْهَك ... 
كلهم يتذمّرون من الإختناق والإحباطات ،
لكنهم يقولون أنها الصراط الأقوم والأسلك ...
     لن أجد الدواء  لأنني لا أتقن لا النفاق ولا الرياء ...
كل شيء مثير هذا اليوم في المحكمة وفي الأجواء .
 والرياح حين تهب ، أسمع زفيرها وهي تعوي من بعيد ، 
كأنها حامِلَة  مقصلة الإعدام معها ،
وتقترب مني بسرعة الزوبعة ، والجلاد لي بالمرصاد ...
لست ادري متى سيعدمونني ... 
لأن المحامي طلب استئناف القضية رغما عني لتفادي السقوط ...
أمّا أنا ، فَسِيانَ عندي بَعْدَكِ روحي ،
أن أحيا أو أن أموت ..!



   الآذان بدأت تعلن بداية الصلاة ... 
كل شيء ساكن في قلبي والسجن هادئ ، كأنه فارغ من الأحياء .
 لكن العواصف على أشدها في الخارج عنيفة الفوران ،
وعويل الرياح ما زال يدوي في كل مكان .
وبأعماقي تتردد أصداء الذكريات ...
     ـ " إلاهــي ... إنها حُبْلَــى ... " ،
لكنني هنا لا أستطيع الكلام ...
على أيٍّ ، أتمنى لما في أحشائها الصحة والسلام ...
لا يمكن أن أكذب على نفسي وأتظاهر باللامبالات لجرح الكبرياء .
إنها هاجسي الأوْحَد والوحيد ، وسأظل أعبدها وأهواها على مر الدوام ...

   أنا منذهل كئيب يغمرني الحنين ...
هاتفك مسدود منذ بضعة أيام ، 
والشوق بلغ بي مداه لأسمع صوتك الحزين ...
 أظل أترصّدُ مرورك الأليم . أتخيل أزيزالريح صوت محرك سيارتك ،
 وعندما أُطِلُّ لا أرى كالعادة إلا السراب ... 
والتيار يصفعني ،
صرتُ كالأحمق الغارق في الذُّهان ...
يارا كانت فعلا ثُعْبان ، بَلْ يرقان ،
 تتغلغل إلى عمق الأشياء والأحشاء بكل هدوءٍ ودهاء ...
ولكني إرضاء لكِ ، حاولتُ البعد عن الثلاثي يارا وفدوى وسناء ...
هربتُ من جحيمهن المقيت ، أكره عالم حواء ،
 أكرهه لأن أوبئته ليس لها لا شِفاء ولا دواء ،
أريد أن أبقى وحيد ...
عالم حواء أحياناً كُلُّهُ ،  فوضى وصديد ...
أنا دوما حبيبتي وحيد ...
ووجهك الوَضّاءُ وملامح أدنى سرورٍعني بعيد ...
 في غيابك فعلا ، 
أحيا في محيط من الأسى وأعيش دوما في المنفى كالشبح الطريد ...



     كنتُ مُراهقا في حريتي ، السجن جعلني شيخا مستقيما وحكيم ... 
ولكني ولَوْ في قعْرِ ضُعفي وانْهِياري ، وفي خِضَمِّ كلّ هذا الْعِقاب ،
أحاول ألا يهديني ويُعيدني إلى طريق " الصواب " والاِستلاب ... 
سأظل مُقاوِماً صامداً ، وبقناعةٍ وحُسْن اخْتِيار ،
لِأُقاوم طُرُقَ الْهُدى ، وكل أصناف الْإنْحِرافِ والاِنهيار ...

      هذه الليلة العشرون التي أقضيها هنا في متاهات هذا السجن الغريب .
 بارد الأحساس فارغ الروح كئيب .
 الجو عاصف هنا في الدنيا حبيبتي ، 
والربيع في إحدى البلدان أضحى خريف وعجيب.
 اليأس يلتهمني كالجراد ...
المقابر موحشة ،  وأجواء السجن الداخلية كئيبة كآبة المآتم والحداد ... 
    في المساء ، 
يُخيِّم الهدوء وتجثم السكينة ولا نسمع سوى هديرالأمواج الراقصة ، 
وأصوات مرور النيازك التائهة ... 
ومن حين لاخر، 
تهب الرياح عاتية صاخبة وسط شخير الحارس البئيس ، 
تثير الرهبة والقشعريرة في نفوس السجناء ... 

   أسمع أنين الأشياء تتكسر تحت وطأتها ،
وصرخات بعض المرضى المساجين ،
الذين تعرّى وجودهم إلاّ من الخوف والقشْعريرة من الجحيم المُنْتَظَر،
 ومُواء أليمٍ لِقِطّ باغَتَهُ الرعد في الخلاء ، 
والأشجارفي فناء السجن  تتمايل لحد السقوط ، 
وبعض الأواني القصديرية الخفيفة ،
تتدحرج في المطبخ المجاور حيث فتحتِ الرياح النوافذ بعنف ،
فتكسر زجاجها .
 جامحة عاتية تُدَحْرِجُ كل شيء عند مرورها وتبعثره في أي مكان ...

    الرياح التي خُلقت للفوضى أو النظام ، لست أدري ، 
ظَلَّتْ تعوي طوال الليل الدامس كحيوان جموح وجريح ... 
نُزَلاء السجن الذين لم يُجْبلوا سوى على الخوف ،
يَقْشَعِرّونَ من زمجرة العواصف الطبيعية وسقوط الأمطار بغزارة كالطوفان ...




أحيانا خلال الإعصار، 

ينساب الصمت والسكون ،
ويبدأ الكثيرون الصلاة وسط رهبة غريبة .
كأن شبح الموت المرعب منتشر كالهواء ،
أو أنَّهُ أُرْسِلَ خِصّيصاً لِحَصْدِ أرواح السُّجناء ...
 وأحيانا حين يدوي الرعد بكل قوة تُقَطِّع الأنفاس ، 
وحين تُبهر أشعة البرق القوية عمق السجن ،
فيصير كل شيء كالثلج نور وبياض ، 
أبتهج فرحا ، 
في حين يخِرّون ساجدين فجأة ،
هلعا واسترضاءً لأحد أو إحدى آلهات الكوارث والرعب السماوي ... 
   لا أفهم ماذا في قرارتهم يفعلون أو يفكرون ..!
ولماذا دوما يرتجفون وينحنون ،
لكن يبدو أنهم ضعفاء ومن المجهول خائفون ...
فعلا ، المجهول دوما كان مخيف للإنسان حبيبتي ...
    في مثل هذه الظروف البالغة القسوة من الرهبة والخوف والإرتجاف  وقهرالزمان ،
 تخشع وتقشعر النفوس وتنفعل الأرواح  الهشة وتزدهر الأوثان .
كأنَّ فصل " الربيع العربي" ، أقبلَ بالأنيمية وبعض مظاهر العبودية والهوان ...
حتى الذي لم يُصَلّي ولَمْ يصُمْ  أبدا ،
يبدأ في فتح المصاحف لتلاوة الإنجيل أو التوراة أو الفُرقان ...
والصلاة أو الدعاء والمناجات مرتجفاً ، لِتُعينَهُ على الصمود في الإبحار ...
في حالات الضعف والصدمات والاِنهيار ...
في أوضاع الإنحناء ومختلف أشكال الاِنكسار،
يحتاج الإنسان دوما إلى سَنَدٍ يتكئ عليه لتفادي الخوف الشديد والإندثار .
شيء أو قوة ولو من وهْم تحميه من قساوة ظروف الوجود وآلام الاِنشطار ...
خلال المحن ، وفي خِضمِّ الأزمات ، 
يحتاج الإنسان إلى أب أو قوة تحميه . 
وهذا بالضّبط دور وجود الآلهة التي خلقها الإنسان !
إنها تمثل دور الآب والأم الحنونين ،
وملجأ الأمان ليشتكي اليها البشر أحوال ضعفهم الْأزلي ،
وقهرهم وتعرضهم لكافة أشكال الظلم والاِضطهاد والطُّغْيان : 

من جموح الطبيعة ، وآلام الأمراض ، وقساوة الإنسان ،
وبذلك يتوهمون أن السماء سَتَقْتَصُّ لهم وتجازيهم على صبرهم كأيوب ولُقْمان ،
وأنهم سيُخَلَّدون يوم القيامة في فراديس الأمان والجِنان ،
ذالك الاستلاب هو بالظبط  أصْلُ مأساة كُلّ إنسان ،
    وينتظرون من السماء التعويض الذي قد يأتي ولا يأتي . 
والآب الذي قد يسمع أوْلا يسمع التضرعات والدعاء ، 
وقد يجيب أو لا يجيب حسب هواه ونرْجِسِيَّتِه ...



    كُنّا نعيش مع جارتنا السماء دوما في أقصى الشكوك ،
ولم تروي ظمأنا لليقين أبدا مَدَى آلاف الأعْوام ...
كما أنها لم تُخفِّف الحزن والمعاناة عنْ مُعَذَّبي أرْض نيرون أوِ الرّحْمان ...
ومُمَثِّليها في الأرض كانوا يُهَدِّئونَ المحْرومينَ بمزيد منَ الزُّهْدِ والصَّبْر ،
بل وحتّى صُكوك الغُفْران !!!
 كانت رموز السماء دائما ماهية هُلامية تعيش معنا وبداخلنا دون أن نعرفها حقّاً ،
كانتْ دوْماً تُلازِمُنا لاصقة أكْثر مِنْ ظِلِّنا ،
 نَرْضعها على مَرِّ الأزْمان ، نحفظها ونَمْتَصُّها باستمرار ،
وبدون فهم أحيانا ، وأحيانا بقوة كثرة الاِجتهاد ،
نَتَوَغَّلُ في مزيدٍ منَ المتاهاتِ والتّعْقيداتِ والأسْرار .
مادة غير قابلة للتفسير ،
لكونها من أصل قَلَقٍ غامض ومُكَثَّفُ الضباب  ...
وليدة مشاعِر الإنسان القَلِقة ليْسَ إلاَّ ...
 لقد كانت السماء لنا دوما سراب وستبقى سراب ...
   هناك لُغزان في هذا الكون : 
المرأة ووحل الوجود ... 
حواء وتفاهة الحياة ... 
     حكى لي موسى كيف رأى جاك فْرُونْسْوا ،
 وهو سجين فرنسي الجنسية بسبب تهريب المخدرات ،
رآه جالسا على ركبتيه منحنيا يصلي أمام صليب صغير نُحاسي ،
مُعَلَّقٌ على الحائط القذر فوق سريره ،
وهو يَقْشَعِرُّ في زنزانته هلعاً من جموح الأعاصير وغموض المصير .


    كلما زمجرالرعد وكثُرتِ الأضواء ...
 ينحني ساجدا ويهذي بالخشوع ، كأنه فى رحاب الكنائس والأقداس ...
هيجان الطبيعة يوقظ الآلهة الكامنة في أعماق النفوس الهشة مهما اختلفت الأجناس ،
الجهل ضُعف ومأساة . 
كانت الإنسانية البدائية هكذا ، 
يتحكم في إيمانها الخوف من كوارث الطبيعة الثائرة ،
والقلق من الموت الذي لا مناص مِنْهُ لكل حي ... 
الأديان وليدة الجهل والخوف من الموت والألم وانعدام الأمن .
القلق الميتافيزيقي مؤلم ، ومن بين عوامل الاستلاب ، 
ولكنه بلاسبو Placebo ناجع لتهدئة الآلام ...
ووسيلة فعّالة  ومفيدة للمُستغِلين للفقراء الأيتام ، 
لِاغتصاب حقوق الضُّعفاء ، 
وقهرهم وتهدئة المعذَّبين في الأرض وهُمْ أسياد الآثام ...

     هدير العواصف الجامحة ، 
تُلْقي بظلالها المرعبة على أجواء السجن ،
فتُحدث الرهبة والسكينة والسكون . 
وأمواج البحر البيضاء ، 
تمخر العُباب المتلاطم لتتكسر بعنف على صخور الشاطئ . 
وكل هذا يروقني كأني في عالم  الجنون وهستيريا اللامعقول ، 
أتأمل ارتجاف القلوب المستلبة ،
والأرواح المنكسرة ،
وأطرح الف استفهام عن ماهية الوجود وغاية البشر ...
    الصمت مطبق وشامل ... 
كل واحد في صمته يتأمل مصيرعمره ،
 ويُحصي الأيام الطوال التي يقضيها في الغرف المظلمة ،
مع آخرين من شركاء الجريمة ، 
ويتساءل مع نفسه لماذا حُكِمَ عليه بتحمل هذا الوجود الذي فاجأه بِكُلِّ أوزاره ...؟
    رائع أن يمضي الإنسان بعض أيام طفولته في استراحة السجون ،
وَلَوْ تقادَمَتْ به الأعوامُ  والسُّنون ،
حيث الحرية لتصنع بوجودك ما تشاء ،



    إختر أن تكون مراهقا أم ولِيّاً أم مجنون ،
 دون كيشوط أو بطل رواية الغريب أو نيرون ،
 أو راسبوتين أو كازانوفا الحالم بزرقاوات العيون ...
وعش ذاك الشطر من العمر كما تشاء وكيف تشاء ...
بدون خجل أو خوف من معايير الأخلاق ولا حياء .
لا مِنْ عقوبات القانون أوْ تَهْديدات وَوَيْلات السَّماء ...
ذالِكَ لِأنَّ السُّجون مراكِزَ حُرِّيّات البشر ،
لِأنَّها الوحيدة التي تُحَرِّرُكَ من ضُغوطِ الأخلاق وهَيْمَنَةِ التّقاليد العَمْياء ...
لأنك في مكان سقط فيه كل شيء وانهار :
  سقطت الفضيلة والعقوبة ، كما سقط كل شرف وكرامة البشر .

    في السجن ، محراب " الأشرار" ،
تسقط الإنسانية ويتهاوى كل شيء كالأطلال ،
ولم تعد للأخلاق معنى ولا لقيمه جدوى ، 
ففي الزنازن كل شيء ينهار ...
 السجن أقصى وأقسى درجات السقوط ... 
وهذا ما لم يفقهه دستويفسكي .
لأنه نهاية مطاف كل كرامة أو شرف ، وأقسى حدود الوجود ...
    النزلاء يتنفسون روائح جثث السجناء المُتَعَفِّنَة ، 
ويتذمرون من صخب وشتائم المدير السادي ،
 ويتوارون لكيلا يروا هيأته المُقرفة وهو يدور في بهو السجن ، 
صارخا يبصق جراثيمه ، ويطلق الشتائم بلسانه الطويل اللاذع الملعون ...

    وكعادتي في الصباح الباكر ، بعد أن أصلي الفجر بصمت وهدوء ،
وأذوب خشوعا في  جوهرالإيمان بالصلاة والدُّعاء ،
وأُناجي ربي المجرد الذي لستُ أدري أين يوجد وفي أي سماء ،
  وأتلو بعض الصلوات لي وللارا وعزيزاتي فدوى وسناء ،
 أسترق النظر في زنزانتي من خلال القُضْبان ،
 فأرى حارس السجن المُسِنّ كالعادة غارق في النوم ،
وهو مُتَكَوِّرٌ في كرسيه الخشبي الأسود ،
في البهوالضيق الطويل يصفعه التيار ... 
إنه يشخروغارق في الأحلام والأوهام
      يا لسعادة هذا الإنسان ... 
ما أجْمَلَ أنْ يكونَ الإنسانُ جاهِلاً ...


  
  من حين لاخر، 
يستيقظ هَلَعاً حين تهب الرياح ثائرة ، 
أو حين يُزمجرالرعد مُدَوِّيّاً في أرجاء الدنيا ،
ويهز أبواب السجن الحديدية العملاقة ، 
ترافقها آهات بعض الخائفين .
    أو حين تُفيقه صرخة رُعْبٍ لسجين غارق في إحدى الكوابيس وما أكثرها هنا . 

فيقفز بذهول وارتباك ، وينظر يمينا وشمالا ليطمئن عما حوله ،
وهو يتفقد مسدسه وترسانة المفاتيح ، 
ثم يعود ليبتلعه الشخير في عالمه العبثي واللامعقول ...
    يبدو لي مجرد جسد أجوف عار وهزيل ، 
وجود زائد عن الحاجة ، بل غثيان ...
 فارغ من كل معنى ونحيف كالمومياء المحنطة بالأزمات ،  
وقته العبثي يلتهمه الدوران ،
 يتيه في أقبية ودهاليزالسجن على مرالأيام والأعوام ...
 عمره الضائع يتقهقر، ويشيخ وهو يفتح الأبواب الحديدية ويوصدها . 
يتفرج على جحافل المجرمين الذين يدخلون ويخرجون ، يُقبلون ويُدبرون ...
 إنه كحالة ، علامة استفهام عريضة بالنسبة للوجود ... 
لا يدري أنه يشبه الإله سيزيف ! 
كيف له أن يعرف وهو يجهل كيف يكتب إسمه أو يتصفح  كتاب عُلوم ...
 أوْطان الخيانة ، لا تُرْضِعُ أبناءها إلا الجهل والأُمِّيَّة والسُّمُوم ...
    الحارس والمحروس كلاهما ضحية بؤس الحياة وظلمات الاِستبداد والاِغتراب ،
 ينافقون في الصلوات لِكَسْبِ مزيدٍ مِنَ الثّواب ،
ونصيب البائس الحارس أشد ألما من السجناء المحروسين ، 
حُكم عليه أن يراقب ويصرخ في الهواء ويُهدرعمره في التوجس والهلع والدوران ...
 يتيه في دهاليزالسجن بمفاتيحه على مرّ الدوام ،
 قَلِقٌ على الوضع الهَشّ ، 
خائف من ثورة السجناء أو أدنى هيجان ...
وجوده الذي سحقته الظروف ، 
جعل منه حارسا لسجناء الجرائم الذين سُجنوا بدورهم ، 
لأنهم جاعوا وسرقوا مُغتصبين ما يأكلون أو ينكحون ،

    لا يوجد أي فرق بين حياة حارس السجن هذا وباقي السجناء ،
كلهم يمضون حياتهم في نفس السجن وفي نفس البُنْيان ...
ما عدا أن السجناء أهدأ منه وأكثر راحة وحرية وأمان  ...
 ربما هناك من يحس داخل السجن بالراحة والإطمئنان  ،
 أكثر مِمَّنْ هو حر وبعيد عن القُضبان  ...
 ذالك لأن الحرية بلا إمكانياتٍ تحفظ الكرامة ، وهم كبير مُدان ...
   ليس بالخبز ولا بالتعويضات المُؤَجّلة ولا بالآلهة  وحدها يحيا الإنسان  ...

    ويصرخ أحيانا كالعاصفة في وجه النزلاء مثل النذيرأوِ المدير، 
كأنَّ عدوى الصراخ أو تَضَخُّم الأنا أصابته . 
منتقلا في الصباح بترسانة من المفاتيح ،
يجرجرها وهو يتفقد كل نزيل على حدة ،
من خلال نوافذ ضيقة في الأبواب الحديدية العِمْلاقة ... 










  











 سجينٌ بلا جُرْم  ، 
وأسير بلا مصير ... 
    طالما تأملته من خلال قضبان الحديد ، 
وجود مُرَقّع بدون أي معنى ، 
إنسان يتجاوز الستين بعمرمهدور ومُطلّق ، 
تَشَتَّتْ عائلتُهُ كما حكى لي يوْماً مُعْترِفاً ،  
عديم الحرية ، 
بضمير غير قاحل ، 
كلاسيكي التفكير،
 يؤمن بوعود السراب الماورائي كأسلافه المستلبون .
ويُصَلي توفيراً للجنة . 
قانع ككل مستكين لجبرية الظروف القاسية ، 
بيدق تافه نخره الصدأ في جهاز دولة كل شيء في أحشائها يغلي ومُهلهل ...
    نحن هنا حاليا عزيزتي لارا نعيش في فصل الأعاصير ... 
يبدو لي هذا الأجوف سعيد في  سعير جهله ،
وغارق في النفاق كأغلبية الناس هنا ، 
لِأنه فاجأني يوما عندما سألته عن إتجاه القبلة وهل يصلي ، 
أجابني أنه يصلي أيام العطل فقط ، 
أما حينما يشتغل ، فإنه لا يصلي .
لأن " العمل عبادة " كما يؤمن .
   وفي أيّامِ العُطل والآحاد ، 
يقتل وقته بالذهاب والإياب إلى المسجد للصلاة ،
لِتهدِئةِ الضميرالمريض وطمعا في قِسْطٍ من النّعيم ،
ولعب الدومينو في " مقهي الشعب " وتبادل أخبار الناس ...
   موظف دولة مقهورٌ أسير ، 
يحرس من لا حرية لهم ... 
   هنا مختبر الجرائم ومركز سلب الحريات ،
واغتصابها بدون حق ولا أدنى تحقيق .
ولا سيما في ما يخص قضيتي ... 
كنتُ مظلوما حبيبتي ... 
لم أفعل ما يستحق سجني ولا العقاب . 
ولم اقترف ذنبا أو إثما ، 
بل فقط  إستأصلتُ شرا شرسُ العُدْوان ...
وما فعلته كان خيراً وبضمير كثير الإطمئنان . 
   لم أقصد أذية أحد . 
كان من واجبي المقدس ،
قتل زوجتي ، 
اِنقاذا وأنتقاما لحبيبتي ، التي يهواها قلبي ، 
وعَشِقَها وجودي واطمأنت إليها روحي ... 
قُمْتُ بذالك دفاعا عن جنتي ...
    باغتيالها ، أنا لم أؤذي فدوى زوجتي ...
قتلتها رحمة لأنها كانت من قبل حبيبتي ...
 قتلتها لترتاح مني وأرتاح منها لأننا لم يعد يشركنا عدا الأزمات ...
وأضحى وجودها تهديدا لسعادتنا بخلق آلاف العقبات ...
منذ عرفتُكِ وعرفَتْ هي ما بيننا ، 
ووجودنا تتهاطل عليه كل أشكال النكبات ...
 نظراتنا أضحت لهيب ، حِقْد ، ينْفجِرُ شرارات ...
وحديثنا النادرلا يبدأ وينتهي إلا بالصرخات والنعرات ...
لذالك وضعت حدا لحياتها القلقة لنرتاح كلنا ...
 أرَحْتُها من عدوانها الذي فكك كثيرا من الروابط وزلزل عائلات ،
 وآلم الكثيرين وقذف بهم إلى المشافي والمستعجلات .
كما أنّهُ سَبَّبَ في عديدٍ من الْإنتحارات ...
 كانت تستحق تلك الراحة الأبدية .

     فدوى نفسها قالت لي يوما :
    ـ أنها تفضل الموت ،
على أن تترك قلبي يهيم في كل الْبِقاعِ  بلا حدود ...
 وهاهو قلبي العليل الجريح الْمصدوع ، 
هائم إلى الأبد ، بدون عودة ولا رجوع ...
 ولكني بذهابكما الْمفْجوع ، 
فقدتُ كل شيء ، نعم كل شيء ،
ولم يبقى لي سوى الأسى والدّموع ...


      لا تقولي أنكِ الوحيدة المسؤولة عن فواجع هذا الدَّمار والمصير ،
 فأنا الجاني على نفسي ، وأنا المجرم الأوحد والكبير ...
لأنكِ كنتِ لي دافئة المشاعر ، شفافة كالبلّور ، صريحة ونقية كالحرير ،
لهذا اِنْقَدْتُ لكِ كأنني أعمى ، أو" مجنون ليلى " ، أو كمعتوه ضرير ...

      أسمع الآن نباح كلب يأتيني من بعيد ... 
يواكبه أحيانا صياح ديك ... 
وفي أذني اليمنى الملتصقة بجدارالنافذة العالية ، 
ينساب صفير الرياح متغير الذبذبات حسب قوة التيار، 
فأحس بالرهبة والسكون ...
 لكم أعبد فصل الشتاء ... 
لكم أبتهج حين تلتقط أذناي هديرالطبيعة المتناغم ،
وهي تعبر عن نفسها كما أفعل أنا الآن في غياهب زنزانتي المظلمة ، 
 وكل من حولي من السجناء نائمون ،
 يسمعون هدير أمواج البحر القريب .
ومنهم من يتلو القرآن بريْبةٍ أو بِيقينٍ مُريب ...

     الفجر ما زال بعيدا ، وأنا شارد الذهن متسائلا في حيرة :
 كيف وقع كل هذا ولماذا سقطتُ في هذا الوضع الغريب ...؟
ولماذا تلاحقت كل هذه الأحداث بسرعة البرق ، ولماذا غرقت في هذا الطوفان ...
لم أستطع النوم هذه الليلة العشرين من عمري في السجن لِتَدَفُّقِ الهذيان .

    أحيانا تداهمني أطياف خفيفة من عقدة الذنب لما فعلتُه ... 
لكن ضميري جد مرتاح بعد القيام بواجبي ،
الذي يسميه المدعي العام "جريمة قتل " !!!
     لم أستطع فَهْمَ المُدَّعي العام الذي قفز من مقعده بحماس يوليوس قيصر،
 العائد من جبهات النصر ،
وكله ثقة بنفسه وكأنه أمبراطور روما ، 
متوجها نحو الدفاع والحاضرين وهو يشير إليَّ متهما كأنني حشرة :

     ـ " هذا الحمل الوديع أمامكم  يا سادتي الحاضرين ، 
شيطان في صورة إنسان . 
هذا الشخص الهادئ مجرم خطير سيدي القاضي ، 
لقد قتل هذا السفاح زوجته التي أحبها بمقتضى رغبته وإرادته ، 
لقد قتل شريكة حياته وأم أولاده عن سابق إصرار،
وبكل اقتناع وببرودة أعصاب مدهشة ، 
ويدعي البراءة ، إنْ لم أقل إنه ينتظر مِنّا ربما التصفيق أو طالَبنا بجائزة لبطولته ... 
هذا منتهى العبث واللامعقول ... 
المقصلة والإعدام والشنق في حق هذا البارد الأعصاب والمجنون سيدي القاضي ، 
حُكْمٌ  جِدّ رحيم ...

     وصرخ من وسط القاعة صوت خجول رخيم :
   - ولكنه أنقذ حبيبته من عذاب فدوى الأليم  .
  وفجأة ، صرخ في وجه الصارخ أحد الحُرّاس غاضبا  :
   - أخرس يا حمار وابكم يا لئيم !...

     مرت هذه الليلة الدامسة بيضاء وطويلة ،
بفعل استغراقي في التفكير المضني في كل ما حدث .
ليست الليلة الوحيدة التي تمر هكذا مُنهكة مريرة ، 
بيضاء من العشاء إلى الفجر . 
بِمَعِدَةٍ خاوية ، ومزاج مُحَطّم بارد،
ووجود سرابي أُجرجره ورائي بتثاقل ... 
أنا لا أعاني من الأرق كما كانت فدوى ،
أُفضل البقاء ساهرا لأتأملك وأناجيك وأنتِ هناك وراء الحياة ،
كما أني أستغل هدوء الليل لأنهي روايتي في دِفْئِ هذه الظُّلُمات ،
وأنين مرضى السجن الذي تبْتلِعُهُ العتمات ،
ونباح الكلاب وآذان الفجر التي تمزق سكون الليل بالصرخات ،
أجتر ذكرياتنا العذبة الإيقاع والنغمات ...
 أستعرض كل ما هتفتِ لي سرا من أعذب العبارات وأرقى الكلمات ...
 هذا كل زادي الذي أعيشُ به هنا يا أرقى وأسمى كل الكائنات ...





     كانت وردتك الدرامية بداية محنتنا ومعاناتنا حقا ، 
وانهيارأُسْرَتَيْنا كانَ خَيْرُ دليل ...
ما كان لكِ حبيبتي أن تزرعي هذه الشوكة الحادة في عمق قلبي العليل ...
منذ أزيد من سنتين ودمائي دوما تسيل وتسيل وتسيل ..!
نزيفي جَدْول ، أُفُقي أحْوَل ، وما لي بعدك من مؤنسٍ أو خليل ...
أنْهكني الشّوْق إليك بسببِ بُعْدك ، فَلِمَ فاجأتِني بهذا الرّحيل ؟
    أنا جد منهار وأظنني في حاجة ماسة أنا أيضا إلى وجود أمن بقربي ،
 يقيني من خطر كل هؤلاءِ الأشرار …
 بدأت أحتاج إلى أبي أو أخي الأكبر أو أيّ إله جبار ...
 أية قوة تحميني من هول هذا السقوط  الفاجع  وويلات هذا الانهيار ...
     وكانت هذه الرواية التي أمقتها سبب لعنتنا ...
يا ليتني لم أفكر فيها ولم أكتبها يوما ،
كل عباراتها كانت رصاصات صَوَّبَتْها فدوى نحو حبنا الطاهر فدمرته بالكامل ،
تماما كما فعلتْ مع وردتك التي داست عليها بِمَقْتٍ رهيب ،
وكأنها كانت تدوس على عيناي ...
   هذه الرواية جرَّتْ علي الكثير من المحن والويلات ،
كانتْ بالنِّسْبة لي مُجَرّد صَرْخة جريح ،
أحكي لها آلامي وأحزاني ، 
كانت نِداءُ مُسْتَضْعَف يصيح ...
وما خَطَرَ لي بالبال قط ،
أنَّها ستكونُ سبب كل أزماتنا منذ أن عرفتْ فدوى سرها وسر حبنا الخفي ،
    إعترفتْ لي فدوى قبل مقتلها ،
أن يارا من أخبرَتْها بتفاصيل الرواية ،
ونصحتها بالبحث عنها في مكتبتي ،
وتنشرها للملإ كما تعرفين ، 
فنثرتْ قُصاصات بعض فصول الرواية في كل مكان .
   لم أفكر أبدا في نشرهذه الرواية اللعينة والمرتجلة ،
كنت أفرغ فقط أحاسيسي المضطربة الهوجى على هذه الصفحات ...
كنت أسكب مشاعري القلقة على أوراقها لتهدئة نفسي الحيرانة ،
وكنت أعتبرها يوميات حياتي ، 
ودفتر ذكرياتي وملجأ شكواي الذي لا يفارقني ليس إلا ...
    ولهذا ستلاحظين حبيبتي ،
عندما تقرئين الصفحات الأخيرة التي كتبتها في زنزانتي المظلمة ،
أنها تفتقد إلى الترابط المنطقي في الأفكاروخالية من الأشعار وكثيرة الاِرتجال .
ذالك لأنني أمضي معظم وقتي في الصلاة والقراءة ،
والاستلقاء على سريري العتيق أفكر فيك ...
تسكنين عقلي حبيبتي ووجهك الصبوح لا يفارق ذهني ...
وعندما تسطع فكرة في روحي كالوميض ،
وحولي يتناقص النُّور، أتسارع لكتابتها دون أن أعبأ هل هي في مقامها أم لا ... 
هذا سبب ارتجال أسلوب الرواية في الفصل الأخير ،
وهي ليست بعيدة عن الكتابة الآلية عند الدادائيين ...
هذه الصفحات إملاء تلقائي شبه آلي وتفريغ لشحنات عاطفية جريحة .
بدون أدنى دبلجة ولا تنسيق أو تعديل ... 
كتابة تلقائية غاية في العفوية ومادة خام بكل مساوئها ومحاسنها ...

    كنتُ على حق ، 

حين كنتُ أشكي لك أن علاقتنا الجميلة وحبنا المخلص الصّافي ،
قد يكون وهْم ، ومجرد سراب ...
وهاهو ينتهي بالعبث ويهيم في هاوية الخراب ...




     بدأتْ أولى أصوات الآذان تصدح من قبب الصوامع الفارعة الطول ،
لتتلاشى في الفضاء والناس مستغرقة في أضغاث الأحلام ...
قليلون من يجيب دعوة الآذان لتطور الأزمان ،
أو ربما لفتورِ الإيمان ...
وهستيريا الخوف من انعدام الأمن وانتشار اللاأمان ...
لم يعد يهمني أن أكون داخل السجن أو خارجه ، ولا انتظار حكم الإعدام ...
الذي يلوح في الأفق  كي يُطيح برأسي يوْماً في ميدان عام  ...
    كل شيء أضحى عندي سيان ...
بموتك ماتت روحي وتبلَّدَتْ كل جوارحي ولم يعد يهمني شيء على الإطلاق ...
صرتُ غريبا داخل نفسي وعند الناس أغرب  ...
لم يعد بيني وبين نفسي أي انسجام ولا وِفاق  ...
لم يعد يهمني شيء في هذا الوجود الذي اصبح بدون أي مذاق ...
سار يُحبطني كثيرا هذا الفراق ...
لأنه  يُلهب مشاعري بأحر اشتياق  ...

     تعرفين حبيبتي أني أحب العزلة والاِنفراد . 
وأني كنتُ أعيش دائما كالسجين ...
أنا أعشق القراءة والكتب ، لأنها تُرضي احتياجاتي الفكرية والعقلية ، ولا أطلب المزيد ،
اقضي أوقاتي في القراءة والكتابة ،
ولا يعرف الضجر والملل إليّ سبيلا ...
   أوَ لم يكن السجن مدرسة يوسف عليه السلام  ...
بل من السجن ترقّى ... 
هنا أتعلم الكثير... ومن بين ما تعلمته : 
    أنَّ الحياه سجن ومدرسة وأكوام من الصراعات والأساطير والأوهام والحروب والوباء .
 وأن الراحة والهدوء لا توجد إلا في خلود الموت وأحضان الفناء ...
     في أحد الأيام السابقة لكل هذه الأحداث الدرامية وقبل حكم الإعدام ،
كنتُ وحيدا في مرسمي بباسو ، 
أنهي إحدى " لوحات لارا " في جو داخلي ذي صمت رهيب وجد حزين ،
حين سمعت الجارات كعادتهن متجمعات تحت شرفتي ،
يتحدثن عن سفركِ المفاجئ . 
وسمعت إحداهن تقول للأخرى أن لارا ذهبت إلى أمريكا بصفة نهائية .

    كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي ، 
آلمني وأحزنني الخبرالمشؤوم ،
وأحسستُ أنَّ قلبي سيتوقف عن النبضان في اللحظة التي سمعتُ فيها الخبر .
وتهاويتُ على كرسي وقد غمرني اليأس واكتسحني الاِكتئاب ...


   فكرتُ أنَّ حبيبتي أرادتِ الهروب من حبٍّ مستحيل ومن حقيقة مشاعرها ...

كانت دموعي تنهمر بغزارة لفراقها ،
وقلتُ في نفسي دائما كنتُ أحترم لارا ومع أنها لم تودعني ،
إلاّ أنني لا أغضبُ عليها وسأحترم كل ما قررته حبيبتي ،
وسأستسلمُ للأقدار،
لأني أريد أن تعيش بسعادة سواء كانت قريبة أم بعيدة ، أينما كانت .
وهكذا انتهت لارا بذهابها إلى أمريكا في يوم عاصف ...

    كانت السماء ممطرة والجو حزين وكياني يعصره الاِكتئاب  ...
وذات مساء ، وأنا بشرفتي في باسو ،

جالس على كرسي متحرك ، وأفكر في كل ما مر بي وأنا مكتئب حزين ،
وأنظر وكأن السماء تبكي من أجلي لبُعد حبيبتي ،
فسمعتُ الباب يُقرع . فتحته ،
فوجدت أمامي فتاة طويلة في عقدها الثالث ، 
يبدو على وجهها الإضطراب والحزن ،
إنها ابنة إحدى الجارات القديمة . 
فتحتُ الباب وقلت  :
   - ما بك يارا ؟ هل أنتِ بخير ؟
فسألتني :
هل أنتَ لوحدك ؟
أجبتها :
- نعم  .
 فاقتحمتِ الباب ودخلتْ  .
     تعجبتُ لما أرى !
لأن هذه الفتاة كنتُ دائما أعتبرها طفلة صغيرة هادئة ومُحافظة ،
جد خجولة وجريئة كالقطة الشرسة عندما تتعرض لعدوان ،
وهذا رد فعل جد طبيعي . 
ولكني لم أتوقع أن تكون جرأتها إلى هذه الدرجة ..!!!


 تهاوتْ على أريكة خضراء ،

وتناولتْ سيجارة ثم أشعلتْها وأنا أنظر إليها مشدوها والحيرة تغمرني ،
سَحَبَتْ نَفَساً عميقا لم تنفثه إلا بعد حينٍ طويل ،
كَمَنْ إعتاد على التدخين منذ زمن بعيد .  
ثم نظرتْ إليّ ربما تتفحص مدى صدقي ونوعية تفكيري ونواياي ،
ونظراتها تتبعان أثر الدخان الذي نفثته من فمها الوردي الصغير ، 
وحين اطمأنتْ قالت بِنَبَراتٍ فيها حَنان :
    - أنتَ إنسان تبعث على الاِطمئنان ،
وأنا أحس بالراحة بقربك وبكل أمان .
تعرفني منذ سنين ومن زمان ،
ولكنك لا تعرف حقا مَن أنا ولا تعرف ماذا عشتُهُ من أحداث في الماضي .
وبما أنك مُخْلِصُ الصداقة ، فسأُهديكَ ثقتي ،
وأحكي لك بعض الشذرات من قصة حياتي  ...
      منذ ذاك الحين ،
وأنا أنظر إلى يارا من وجهة نظرأخرى مختلفة جذريا عن نظرتي السابقة إليها ...
تغيرت رؤيتي إليها وكل ما يتعلق بها من أفكار ،
وبدأتْ  يارا تبدو لي ككيان غامض حافل بكثيرٍ مِنَ الألغاز والأسرار ...
وأن كل ما كنتُ أعرفه عنها لا شيء بالقياس إلى ما هو خفي ومُبَطّن وغير ظاهر ،
من أبعاد شخصيتها الكثيرة العمق والتعقيد .
وشعرت أن يارا مشحونة بكابوس ثقيل يجثم عليها ،
وتريد التفريغ والاعتراف لتخفف من ثقل أسرارها الأليمة ، 
وتبحث عن المواسات لتهدئة غَلَيانَ القلقِ والاضطراب ...
     كانت قصة يارا فعلا غريبة ، فتاة من عائلة مثقفة ومحترمة ، 
عاشت في جو ليبرالي متحرر ،
أبوها معلم في إحدى المدارس الإبتدائية بضواحي المدينة ،
وأختان غير متزوجات .  أما يارا وهي أصغر أخواتها ،
فلم تتم دراستها نتيجة صدمة عاطفية إضطرتْ بعدها الى مغادرة المدرسة . 
كانت يارا طالبة جد ذكية وطموحة ،
وفي العمق منتفظة متمردة على الأوضاع المزرية ،
وسيادة التقاليد المتحجرة التي تخنق الحياة ،
    خلال دراساتها ، 
ربطتْ علاقة مع طالب من منطقتها يكبرها سنا وتجربة ،
فكان يستغلها بمقدار تعلقها به وحبها وتفانيها في إرضائه .
ولكنه تلاعب بها على هواه دون أن تُثمر تلك العلاقة أو ترقى إلى الزواج الذي كان حلمها .





    كانا ينغمسان معا في " عالم الرذيلة " ،
ربما انتقاما خفيا من "عالم الفضيلة " المرعب ...
   كانت يارا متعطشة للحياة ،
همُّها الوحيد إشباع تدفق نزواتها بأي ثمن وأحيانا بدون ضوابط ،
ولكن في مجتمع منغلق محافظ وجامد التقاليد يحارب أي نزوع نحو اللذة .
ولكن يارا بدهائها ونفاقها الذكي ،
عرفت كيف تستغل كل الظروف والصُّدَفِ لِصالحها ،
ولو بتدمير صداقتها مع الآخرين ...
  كانت الغاية عندها تبرر الوسيلة .
كانت يارا إذا حددتْ هدفا ،
فإنها تحاول تحقيقه والوصول إليه ولو باستعمال أقذر الوسائل ...
كانت فلسفة يارا في الحياة غاية في البساطة :
   كُنْ ماهرا في التحايل والنفاق ،
لأنه بالنسبة لها ، الوسيلة الوحيدة للحفاظ على سمعة العائلة ،
في مجتمع جد محافظ وثرثار ويستهجن كل شيء ، 
وتحقيق طموح الزواج الذي هو حلم كل فتاة في عمرها ،
وفي نفس الوقت ، 
إطلاق العنان لجميع نزواتها وإشباعها بكل حرية ولكن في الخفاء . 
    وكانت تردد لي قولتها المقتبسة الشهيرة في كثير من المناسبات :
    - " وإذا ابتُليتُم فاستتروا " ...
    لذا لم يكن يجمعها مع عاشقها الأول سوى حلم الزواج ،
ولحظات المجون والحب وإطفاء اللهيب الجنسي ،
والإرتواء من اللذات التي دامت سنين ...
وطالت أشهر العسل وأعقبتها سنوات عِجاف ،
دون بلوغ مراميها وتحقيق أهدافها وحلمها بالزواج ممن تحب .
وعندما يئست من كل الوعود الكاذبة واللّف والدوران ،
وبدأ قطار الزواج يبتعد في الأفق كما وقع لأختيها العوانس ،
قَبِلَتْ خطوبة أحد زُملاء الدراسة الذي كان يطلب يدها بإلحاح وهي تنفر منه .




   وبدأت عائلة  يارا تستعد لإقامة العرس الموعود ،
في أجواء تغمرها السعادة والأفراح ، 
ولكن قلب يارا المُنْكَسِر كان حزينا وبعيدا عن كل هرج ودقات الطبول ،
وبروتوكولات الزفاف الذي يُقام من أجلها ...
    دام عرس يارا ثلاثة أيام ، 
من الجمعة إلى الأحد ، ومرَّعلى أحسن ما يُرام ... 
غير أنه وقع في اليوم الثالث ما لم يكن في الحسبان .
حيث ظهر حبيبها الأول ،
وهددها بالفضح وإفشاء علاقتهما الجنسية لكل من هب ودب ،
وتحويل العرس إلى جنازة ...
    وأمر يارا أن تهرب معه إلى مكان بعيد ليتزوجها ويستردا حبهما .
وما كان من المسكينة المغلوبة على أمرها سوى تهييء حقيبتها ،
والفرار مع حبها الحقيقي في ظلام المساء وزَمْجَرَةُ الرِّياح ...
    استمرت عائلة يارا في الإعداد لطقوس الزواج ،
في جو بهيج تملؤه الفرحة وأصداء الموسيقى ،
في حين كانت يارا الحائرة  تجمع  آخر ما تحتاجه من أشياء ،
لِتَفِرَّ مع فارس الأحلام تحت جُنْحِ الظلام .
وكانت أمها والأحباب الحاضرين في العرس البهيج ،
يفسرون شرود ذهنها وحيرتها والاِكتئاب الذي يلتهمها ،
على أنه حياء وخجل العرائس البريئات أيام الزفاف ،
وأنه إحساس عادي في مثل هذه الأحوال ...
    بدأت مراسيم العرس بالزغاريد والأصداح  والغناء ، 
وعندما اكْتُشِف فرار العروس يارا مع فارس احلامها ، تغيرت الأجواء ،
 لتنتهي كالحداد يملؤها العويل والصياح البكاء ،
 والاحتجاجات من جهة عائلة العريس الجديد ذو الحظ المشؤوم .
      كان هذا الحادث بمثابة زلزال عصَفَ بجياتها وأرْداها جريحة مدى الحياة  .
      وعندما سألتُها عما وقع بعد الهروب ،

أجهشتْ بالبكاء ، ودفنتْ وجهها في وسادة بيضاء وهي تقول :
   - ما وقع سِرٌّ سيُدْفَنُ معي ولن أبوح به لأحد ، 
إنها مأساتي أنا وحدي ...

    كنتُ أعرف أن تراجيديا أعقبتْ ذاك الهروب ...

لم يكن محاولة إنقاذ حب أو حِفظ ماء الوجه ،
بقدر ما كان إنكسار قلبين أكثر مما هو انتقام .
لأن الشاب أيضا كان يحبها ويغارعليها كما كانت تحكي لي عنه في السابق ...
    كانت يارا  تزورني كلما سنحتْ لها الفرصة لذلك ،
لِعَمَلِها الذي يبتلع معظم أوقاتها كمربية في روض للأطفال .
فضلا عن أشغال البيت وأعباء أخرى . 
     تزورني ، ونقضي ساعات حميمية مع بعضنا البعض ،
نُدردش حول صنوف الدهر، ونفاق الناس ومآسينا مع مَن نحب .
لكن أغلب حديثنا كان حول لارا ...


     كانت يارا داهية من العيارالثقيل ، وعبقرية في إثارة المشاكل ،
يعجبني ذكاؤها الخارق للعادة ،
ولكنه كان ذكاء سلبيا ومن الطِّراز الهدّام ، 
نظرا لأنانيتها المفرطة .
ولا أظن أنّ  أحدا  يعرف حقيقة هذه الفتاة سيكولوجيا مثلي .
ولاسيما بعد اطلاعي على الجوانب الخفية في أعماقها ،
والتي تكون النواة الحقيقية في شخصيتها :
    مأساة هادئة ، تَلْوي عمرها الذابل بصعوبة ، 
وتعيش على اجترار ذكريات غرامها الفاشل ...
تجمعنا الصداقة المخلصة خلال لحظات ،
أحيانا بريئة وأحيانا ماجنة حسب الظروف ،
تشكي لي تعاستها وتحكي لي معاناتها ،
أمسح دموعها ، وأفتح قلبي لاعترافاتها ،
وأُواسيها كما تفعل هي معي حين ترى الحزن يكتسحني بسبب لارا ،
ولهذا قررنا أن نكون أصدقاء ، أتكفل بمصاريفها وإسعادها ،
 فاشتريت لها الهاتف النقال وأعطيتها نقودا كثيرة لتشتري ما تشتهي وألبي رغباتها في كل شيء ...
   كانت يارا لا تعمل يوم الجمعة والأحد ، 
فضلا عن العطل المدرسية العديدة الأخرى ،  
فكانت تأتي إلى بيتي على رجليها من بعيد ، حاملة باقة ورود حمراء ،
 تضعها بنفسها في المزهرية بعد أن تملأ نصفها بالماء ،
 نجلس معا لساعات ، نحاول نسيان هموم الحياة ...
    وعندما أخبرتها بموضوع سفر لارا إلى أمريكا ، 
ولمحتْ علامات الحزن بادية على مُحَيّاي ، 
طمأنتني قائلة  :
   -  لقد سافرتْ لارا فعلا ، قَلَعَتْ طائرتها يوم الأربعاء مساء .
رافقتها إلى المطار، وحينها تَكَلَّمْنا كثيرا عن كل ما مضى من أحداث ،
وتحدثنا كثيرا عنك . كنتَ محور حديثنا تقريبا .
لارا مثلك ، تريد أن تعرف عنك كل شيء .
إنها تحبك ومتعلقة بك كثيرا ، وهذا سبب سفرها بل فرارها أبعد ما يكون ...
لارا تريد أن تنساك ...
إنها بهذه الطريقة تحاول الهروب من نفسها أيضا ...
ولكنها واهمة ، لأنها سوف لن ترتاح لا هنا ولا هناك ...
المشكل في دماغ لارا أو بالأحرى في قلبها المجروح .
لذالك حين قلتُ لها أن هذا السفر إلى أمريكا ما هو إلا نوع من حلول النعامة ،
أجابت أنها ستجرب نسيانك خلال إقامتها في " بوسطن " عند أختها هناك ،
والتي لم تراها منذ سنوات ،
وإذا فشلتْ محاولة النسيان ولم تتحسن الأحوال ستعود وترضخ للواقع .
    - أشكرك كثيرا . كنت خائفا ألا أراها أبدا كما لا يروقني السفر إلى هناك ... 
أنا أيضا في قرارة نفسي أعرف أنها حتما سوف تعود ...
     كانت يارا تحمل في قلبها الحقد الأسود والضغينة لكل من لارا وفدوى وسناء ،
كان مقتها لهن جد رهيب .
وكان ذالك رد فعلها الطبيعي ضد التهميش والإقصاء ،
الذي كانت تعاني منه منذ سنوات تعرفهن على بعضهن البعض ،
 ولا سيما بعد فشل زواجها المريع ونهايته الأليمة .
   كانت صديقاتها ينفرن نوعا ما منها ،
ولا سيما حين يتحدثن عن أسرارهن الخاصة ،
التي لا يرغبن أن تعرفها يارا ليفاعة سنها ولمراهقة سلوكها وعدم نضجها .
كانت شابة غضة بدأت تعبر للتو حاجز العشرين عاما ،
ولم يكن لها محل من الإعراب بين أولئك السيدات ...
    كان الثلاثي لارا وفدوى وسناء أمهات لأولاد وربّات أسر ،
بخلاف يارا التي دخلت في العشرينيات من عمرها ،
ولا زالت تجرجر وراءها أوزار مراهقتها ...
 وكانت لا تشتغل آنذاك ، لهذا كان الملل وروتين الحياة يُذبل عمرها ،
وتَفِرُّ منه ومن أصداء صدماتها إلى رصيف سناء ، 
لتنفث بعض سمومها وتعبث بعلاقات الناس ولا سيما النساء ...

    وتتوالى الأيام متشابهة تسبب الغثيان ،
ولا تستطيع اختلاس لحظة حُرّيّة ،
لتكاثرالمعارف وبؤس التقاليد وعيون الجيران ...
لذالك كُنَّ جميعا يتلاقين كالعادة ،
للجلوس في هُدوءِ المساء على رصيف سناء ،
هربا من مرارة الضجر والروتين ،
ليتبادلن أعذب حديث بأرقى العبارات في  طلق الهواء ، 
في جنة باسو الرائع آنذاك ... 
لدرجة تخال أن الحضارة والسُّمُوّ وُلِدا على رصيف سناء ...
    كانت يارا على علم بكل ما يحدث من وقائع في الحي ،
من جزئيات الأحداث وتفاصيلها ... ولأداعبها ،
 أو ربما لاشعورياً لأُضايقها ، كنت أقول لها أحيانا مازحا :
    ـ أنتِ صغيرتي كثيرة الفضول ومحبة للإستطلاع ،
ما من صغيرة أو كبيرة  إلا وعرفتها ...
أنتِ تشبهين الرادار الثابت ، 
يلتقط ويسجل كل ما يرى ولا تخفى عليكِ خافية ...
       فتهز كتفيها استخفافا وتجيبني كأنها غير مكترثة لملاحظتي ولا عابئة ،
 وهي تنفث الدخان من فمها الصغير،
وتتفحص كل شيء في المطبخ حيث كنا جالسين :
    -  وماذا تريد من شخص مثلي أن يفعل ، إنها البطالة والروتين القاتل .
 نحن النساء هكذا ، نحب الثرثرة ولكننا لا نؤذي أحدا بلساننا .
 عندما نلتقي ليس حبا لبعضنا البعض ، 
وإنما هروبا من الروتين والحرمان والموت البطيء ،
الذي يَنْخُروجودنا داخل البيوت . 
الضجر والسأم آفة العصر وموت مُبكِّر ، 
إنَّهُ انتحارٌ بطيئ ... 
و تجمُّعاتنا على الرصيف أو في المنتزهات ، 
ما هي سوى وسائل لقتل الوقت الثقيل المُضني ...  
فعلا الحياة لعنةٌ لا تُطاق ...
   كان حديث يارا عكس فكرتي السطحية عنها سابقا ، 
فتاة كثيرة المعاناة وكاملة النضوج ، 
وبرصيد من الثقافة والتجارب في الحياة لا بأس به . 
وفي حديثها هدوء موزون وأفكارعميقة وحذر شديد ... 
لكن في نبراتها ألم عميق وفي عينيها يجثم حزن دفين  .

   أشعلتْ سيجارة رابعة ثم تأملتني مليا قائلة  :
   ـ أنتَ شارد الذهن ، هل تفكر في لارا من جديد ؟
   ـ في الواقع لا أستطيع الإستغناء عن التفكير فيها مثلك أنتِ مع حبيبك ... 
إنه تفكيرلاإرادي يُداهمنا بعنف ، 
ذكرياتها هي التي تكتسحني وتهجم على مُخَيِّلَتي ،
وتحاصر تفكيري وتشله في أية لحظة ، 
ولكن هذا الحصار لا يُضايقني ، بالعكس ،
 ذكرياتها غذائي الروحي ... 
إنها سر وجودي وكل أملي في الحياة ،
 فكيف لا أفكر فيها أو أمحوها من عقلي ..؟ 



      مضت تسعة شهور على سفر لارا إلى أمريكا ،
 أمضيتها في الجحيم لفراقها وغرقتُ في حزن لا قرار له .


ولاسيما خلال الثلاثة أشهر الأولى ، حيث انقطعتْ حتى المكالمات الهاتفية بيننا ،
 الشيء الذي لم يكن مألوفا في علاقاتنا ... 
تألمت كثيرا وسقطتُ في اكتئاب مريع ، ولكن في أعماقي بقايا بريق أمل ...
 وفي أحد أيام الأحد في جحيم باسو ، حيث كالعادة أكونُ وحيد ،
أرسم إحدى الروائع للارا ،
وأتأمل الحي الذابل والقاحل من شرفتي ...
    كان الجو جد عاصف ذالك المساء من آخر أيام الشتاء ...
 والاِكتئاب أرهق وجودي . 
كانت الرياح عنيفة وتُزَمْجِر بِدَوِيٍّ صاخِب ،
تُحَوِّلُ كتل السحاب إلى رُقَعٍ ممزقة وتبعثرها كَوَحْشٍ هائج في كل اتجاه في السّماء ... 
وعاصفة رملية تحجب النظر على بُعد أمتار، والظلام يكتسح الأجواء ... 
هَبَّتْ ريح عاتية وصفعني التيار وانتشر الغُبار . 
أوْقَفْتُ رسْمَ اللوحة لِأنني لم أستطع الاستمرار . 
لِتَشَتُّتِ أفكاري وهيجان الطبيعة حولي ... 
وضعت فُرشاة الألوان على الطاولة ،
ثم وقفتُ واتجهتُ توا إلى الشرفة ،
لأتأمل غضب الطبيعة في يوم الأحد العاصف ...
   كان اليوم ماطرٌ وكئيب ،
 وأنا واقف كالصنم في شرفتي ، أتأمل عن قريب ،
 ما آلتْ إليه الأوضاع في باسو وكل هذا المصير والخراب الرهيب …
بَعد حياتي لارا ، 
لم يعد لوجودي معنى هنا ولا ما أُقاسيه أكثر من فصول نيران اللهيب ...
بدأ الليل يُسدل ستاره على باسو ليلِفّه في جو من الغم حزين وغريب ...
    في تلك الأثناء ، 
وقد بدأت آذان المغرب تعلو من المآذن وتتبخر في السماء . 
رَنَّ هاتفي . وعندما سمعتُ صوت لارا ، 
تزلزلتْ مشاعري ، 
ووقعتُ مُغمى عليَّ ، وقد سقط الهاتف من يدي ،
ووقع على الأرض على بُعد أمتار ...
   لم أدري كم استغرقتْ غيبوبتي وفُقْدان وَعْيي ، 
ولم أعد أُشعر بما يقع حولي ... 
ولكني رويدا رويدا ، بدأتُ أحس بشخير بعض المساجين وسُعالهم الحاد . 
وتنهدات المرضى وصراخ الحارس البئيس ...
       ومن خلال نافذة زنزانتي الضيقة ،
كنت أسمع هدير العواصف وهي تلهث بعيدا تزرع الرعب في الأحياء ...
وأصداء بعيدة وخافتة للآذان تُقَطِّعُها الريّاح بلا مَوَدَّة ...
وانسابت إلى مسامعي الرهيفة شبه أصوات وتَضَرُّعات ، 
وخليط هادئ من الاحتجاجات كأصْواتِ الملائكة ،
كأنها أحلام سراب في قِمَّةِ الهُدوء والسّكينة :
   - أتركوه لحال سبيله إنه بريء ...
   - هذا الوديع لا يستحق السجن ولا المشنقة . هذا ظلم فادح ...
   - المسكين سيعدموه . الرجل البوهيمي سوف يموت  ...
   - كيفما كان الحال ، الأمور عنده سيان ... كان ينتظر الإعدام بلهفة ...
   - إبتعدوا عنه ، هذا الإنسان لا يمكن أن يقتل نملة ... أتركوه  ...
     كنتُ أعرف أن يوم حسْم مصيري مع المحاكِمِ والْقُضاة قد حان ،
 وأن الجلاد مُتَرَصِّدٌ بي ومستعد لإنهاء وجودي على هذه الأرض اللعينة الآن ،
وأنَّهُ حانَ الوقت لِوَداعِ صديقي الْحارِس السّجّان .
 وأن موعد التقائنا الْمَوْعود ، 
بدأ يقترب بِدُنُوِّ يوم الإعدام الْمَشْهود ،
 والذي طالما انتظرته وأنا لرؤيتكِ حبيبتي جد ولهان  ...
وشعرتُ بيد فوق كتفي تهزني وتوقظني وصوت يقول بكل حنان :
   - إنهظ روحي ... هيا معي حبيبي ...
    ظننتُ أنه الجلاد جاء ليقودني إلى حبل المشنقة لتنفيذ حكم الإعدام ،
 وحين اسيقظتُ وفتحتُ عيناي ، بهرني النور الساطع أمامي ، 
كانتْ حبيبتي لارا بحجابها الناصع الصفاء وبأجنحة ملائكية بيضاء ،
 وسِرْبُ الحمام يُحيطُ بها كالبهاء ، 
تُلامسني بحنانها الصافي وتناديني باسمي ،
وهي توقظني وتقول بصوتها العذب الخلاب  :
   - قُمْ حبيبي لنقوم بنزهة في الجنة ،
 فِقْ "عصفوري الصغير" ، 
فنحن الآن أحرار في وُجودِنا ومشاعِرِنا وحُبِّنا ...
وسنسكن إلى الأزل في فراديس ربنا ...
وصَعَقَهُ الْمَشْهَد الخيالي وصرخ بهدوء :
   - ولكن أين أنا وما كل هذه الحدائق والورود والجنان ؟ 
ومن أنتِ سيدتي ولماذا أرى الملائكة في كل مكان ؟
 أوَلا تعدمونني اليوم أم  لم  يَحِنْ  بَعْدُ الأوان ؟
   - كلا حبيبي الغالي ، أنتَ في الجنة مع حبيبتك لارا ...
 ملاك مثلك يستحق الاحترام لا الإعدام…
       وصعقتُ فرحا حين تأكدت أنني مع حبيبتي في الجنة ،
 وأن انتحار لارا ومقتل فدوى وكل هذه المحاكم والأحكام ، 
وهواجس المشانق والإعدام ،
 الذي عشته في السجن لم يكن سوى كوابيسَ وأضغاث أحلام ،
 ومسلسل من الأزمات طويلة وهائلة الرعب ... 
وشهقتُ مغرورق العينين وأنا أتنفسُ الصعداء ، 
رافعا يداي المرتعشتين نحو السماء ، 
مُقَبِّلاً عزيزتي لارا البطلة وأنا أُرَدِّدُ بكل خشوع  :
   - الحمد لكَ رب العالمين . بفضل لارا سأتفانى في حبك إلهي ،
لأنك حققتَ حلمي وباركت أخيرا زواجي بمن أحب ... 
أشكرك وأحمدك ربّي ... 
ألله محبة ، ألله محبة ، ألله محبة ...
لذالك يبارك المحبين المخلصين ...







    كان هذا الْمُنْعَطَف ، 
بِدايةُ مُنطلق إيماني الصوفي ، ومَحَطّة حاسمة  في كل حياتي ، 
تَلْبِيَةً لِرَغْبة لارا خَوْفاً عليَّ أنْ أحْتَرِقَ في السَّعير (أحدُ أسْماء جهنّم ).
    وانحنتْ حبيبتي تُقبلني وتُعانقني بشغف ولهفة ، 
وبدأنا نُرَتِّلُ بعض الصلوات والتّراتيل الهادئة مِنْ زابورِنا لِرَبِّنا الحَنون ، 
ثم حلَّقْنا بأجنحتنا نحو فراديس لارا في السماء ،
 حيث آدم وحواء ... 
     هكذا انتصرت لارا الطاهرة في مسارها وصبرها المتفاني ،
بهدايتي حَقّاً إلى طريق الإيمان ...
وبإنقاذ حبنا المستحيل ، والذي كان دوْماً مَلْعونٌ ومُدان ... 
وتزوجنا أخيرا في الجنة مثل آدم وحواء ،
 أحراراً عُرات ، 
كما تواعدنا في الحياة  ... 
  


أعرفُ أنَّكِ ستفْرحينَ حينَ ستقْرَئينَ النِّهاية . كُنْتُ أُريدُها حزينة وتراجيدية     .
ولكِنَّكِ أرَدْتِها نهاية سعيدة ، فامْتَثَلْتُ كالعادة لِإِرادتك . أوامِرك رغباتي عزيزتي  
    
     .Publié il y a  par 

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.