الفقرة 48 ـ العشاء الأخير ـ يوميات فنان مهاجر ـ بحثاً عنِ الزمن الضّائع


العشاء الأخير



العشاء الأخير

***

  ء      في صباح ذالك اليوم الثلاثاء من شهر يوليوز عام 1981، وبعد عودتي من الرباط إلى الناظور، وجدتُ أمي وأختي الصغرى ميمونت وحيدتان في شقتنا. كانتا جالستين في غرفة أمي. وكانت أمي مستلقية على سريرها تُسبّح لربّ العالمين وتتخبّط في مشاكلها، وأختي تخيط على آلة الخياطة لِتُساهم في إيجاد الحلول لها. كانتا واجمتين ومُكتئبتين. لم تعجبني حالتهما النفسية ولوْ أن أمي كانت تحاول أن تبيّنَ لي العكس. ولكن أختي انفجرتْ قائلة بصراحتها المعهودة:
     ـ أخونا عبد الله لا يزورنا إلاّ نادرا جدّاً، ولا يعطينا ولو درهما واحدا لِتغطية مصاريف المعيشة. وأخونا مُحمَادي منذ أن غادرتْ زوجته زبيدة دارنا، لم يرسل لنا شيئا. لم نُؤدِّ كراء الدار منذ خمسة أشهر ولا فاتورات الماء والكهرباء. نحن غارقون إلى أذننا في الدّيون!
      فقلتُ لها لِأطمْئنها:
     ـ لا تقلقي أختي العزيزة. ما من مشكل إلاّ وله حل.
    فقالت أمي التي كانت تُسبّح وتفكّر:
    ـ هذه المرّة سيكون الحل صعبا. لِأن ديوننا كبيرة.   
    اِستأذنتهما ودخلتُ إلى غرفتي لِأفكّر. بدأتُ أراجع خريطة طريق مستقبلي. أنا الآن في انتظار جواب وزارة التعليم العالي فيما يتعلق بمنحتي لمتابعة دراساتي العُليا بالخارج في علم النفس المرضي. آخر سِلْك تعليمي، ومن بعد ذالك سأشتغل من أجل أمي وأختي. ربّما حان دوري اليوم لِأكون مسؤولا عمّا تبقّى من عائلتي المُفتَّتة. كل هذا يُحْزِنني ويقذف بي في اكتئابٍ رهيب. نظرتُ في مكتبتي الكبيرة. كنتُ كل مرّة أضيف إليها كتبا ومراجع جديدة وقيِّمة. وكل هذه المراجع دراسات علمية مُعمّقة في كل فروع العلوم الإنسانية، بما فيها الفلسفة، الميتافيزيقا، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وكتب التاريخ والاقتصاد... إلخ. لم يكن فيها أثر للكتب الصفراء ما عدا سحر هاروت وماروت الذي اهداه لي أخي عبد الله مع "تفسير الجلالين" و"دلائل الخيرات" القديم، لِأن هذا هو اتّجاهه كمتخرج من مدارس الشريعة وكلية الحقوق.ء
. . ءوكان كل من زارني في غرفتي هذه حيث أستقبل ضيوفي، يندهشون لِعدد الكتب وقيمتها العلمية. وكان بعضهم يقول لي مُردِّدا المثل المأثور:
    ـ "قل لي ماذا تقرأ، أقول لك من أنت". بمعنى أن من يرى محتوى مكتبتي، سيعرف أوتوماتيكيا نوعية اتّجاهات تفكيري وفلسفتي في الحياة. وهذا صحيح. سيعزّ عليّ كثيرا مفارقة مكتبتي التي نمّيتها وكبّرْتُها مدّة سنين! ولكن لا خيار لي اليوم. سأبيعها لِأحلّ مشاكل ديوننا. هذا هو الحل العقلاني أمام هذه الظروف الصعبة التي تواجهنا اليوم. سأبيعها لِمحمد البوحميدي، إبن أختي الكبيرة وصاحب مكتبة "أنوال" في شارع الجيش الملكي بالناظور. كنتُ أعيره بعض كتبي التي أشتريها من الرباط ليقرأها. أنا مُتيقّنٌ أنه سيفرح كثيرا لِأن مكتبته لا تتوفر على هذا النوع من الكتب المُنتقاة بعناية والشديدة التّخصّص.ة
.


أنا وحفيدي البوحميدي محمد صاحب مكتبة أنوال

    أيْقظني من تفكيري صوت رجل يدقّ بابنا بعنف ويصرخ. أسرعْتُ لِأرى مَنِ الطارق. كان صاحب العمارة يغلي بالأعصاب ويطلب إيجار الشقة. وخيّرَنا بين الأداء أو الإفراغ حالا. رجوْتُه أن يدخل لِنتفاهم بأدبٍ وهدوء لِكيْلا يسمعنا الجيران. أدخلتُه إلى الصالون وتابعتنا أمي وأختي اللّتان كانتا تتفرّجان في المشهد المأساوي. فسلّمتا على المالك وجلستا. فقالت أمي:
    ـ سيّدي، أنتَ مول الخير، الله يكثّر خيرك ويزيد لك. نعم نحن مدينين لك بعدة شهور الكراء. ولكن إبني عبد الله قال أن هناك قانون جديد يخفض ثلث ثمن الكراء لكل من لا يربح كثيرا. بمعنى أننا سنؤدي لك ثلثي الكراء فقط، لِأننا معدومون ولا أحد يشتغل فينا نحن الثلاثة. إبني هذا ما زال طالبا.
فاحتجّ عليها صاحب العمارة قائلا:


الوالدة تصلي

    ـ لن أنتظر حتى يُنهي ابنك الدراسة ويشتغل لِتُؤدّوا ما عليكم من ديون الكراء. الدار التي تسكنينها ليستْ على إسمك. هذه الشقة باسم إبنك عبد الله ممثل شركة "صوناصيد". وهو ليس مُعْدَم كما تعرفين سيدتي، ولا حقّ له في خفْض ثلث الكراء. تناقشتُ معه في مكتبه بشركة "صوناصيد" في هذه القضية بالذات، وأكّدَ لي أنكم ستغادرون شقتي.
ف. فقالت أمي تترجّاه أن يصبر علينا ونقترض الدراهم لِأداء ديون الكراء:. 
    ـ وأين سنذهب إذا غادرنا شقّتنا؟ سنتشرّد أنا وأولادي. أعطِنا فرصة أخرى وسنؤدي لك. ليس عندنا ملجأ آخر لِيأْوينا سيدي.
    فأجابها بغضب وعصبية صارخاً:
    ـ هذا ليس شأني أن تصبحوا مشرّدين. عندكِ أولاد كِبار كلهم يشتغلون! إذهبي بأولادكِ إلى الخيرية أو الجامع أو المقبرة أو إلى الجحيم. المهمّ أن تخرجوا من داري يا عِباد الله..!



أولاد مامّة المجاهد

    سمعْتُ أختي الصُّغْرى تشهق بالبكاء. كانت هذه إهانة كبيرة وصفعة مؤلمة لم نتلقّى مثلها في كل حياتنا السابقة. كان جُرْحا عميقاً بالنسبة لنا جميعا. فقلتُ له:
    ـ من فضلك، آتي غدا لِتأخذ نقودك. إسمح لنا على هذا الإزعاج.
    فأجابتْ أمي متسائلة:
    ـ ومن أين ستأتي بالدراهم لِتؤدّي كل هذه الديون المتراكمة يا ابني؟
    ـ لا تقلقي، سأحل هذه المشكلة اليوم، وغدا سيأخذ السيّد مستحقّاته وينتهي الأمر.
     فجرّتني أختي خطوتين إلى الوراء وهي تهمس في أذني بصوت منخفظ لكيلا يسمعنا أحد:
   ـ .  ـ هذا القانون الجديد الذي تحدّثَ عنه أخونا عبد الله فعلا موجود. جارتنا في العمارة الأخرى المقابلة لعمارتنا عندهم نفس المشكل، وأبوها يضع أجرة الكراء كل شهر في صندوق المحكمة مع توصيل بالدّفع. وأظنّ أن أخي عبد الله اِستغلّ هذا القانون لِيتخلّص بصفة نهائية من مساعدتنا وأداء أجرة كراء شقتنا. وربما أنه يرفض أداء الكراء لِكي يضغط عليك لِتوقف دراساتك العليا في الخارج وتتوظّف لِتُعيلنا. تعرف ونعرف جميعا أنه يغار منكَ. كما أنّنا جميعا نعرف مدى كراهية زوجته لنا جميعا. هي مُهندسة كل هذه المُخطّطات الشيطانية. الحل أن نعتمد على أنفسنا نحن الثلاثة لِلإحتفاظ بدارنا التي ألِفْناها..ء
    ـ أنتِ مُحقّة في رأيك أختي، وهذا ما سأفعل الآن. فقلتُ لِأمي أنني سأرافق الرجل إلى الخارج وأعود.ء
ء. . خرجنا صامتين! ذهب الرجل إلى حال سبيله وهو يُؤكّدُ لي مُتوعّدا ومُهدّدا أنه سيرجع غدا في مثل هذه الساعة لِيقبض أمواله كلها، وإلا سيرْمي بِأثاثنا في الشارعفذهبتُ أنا توّاً إلى حفيدي البوحميدي صاحب مكتبة أنوال. بعد أن فسّرتُ له ما وقع مع مالك الدار، وأنني قرّرْتُ بيع كل مكتبتي من أجل حل ديون الكراء، اِقترح عليّ أن يُغلق مكتبته ويذهب حالا معي لِيرى ونتفق على الثمن. بعد أخذ وردّ، أعطاني 3 آلاف درهم لكل المكتبة. فقبلتُ الصّفقة على مضض. لِأن هذا الثمن لا يساوي ولوْ ثلث ثمنها الحقيقي، ولِأن كل النقود أعطيتها لِمالك العمارة ولم يبقَ لي ولو درهم واحد. لِدرحة بدأتُ أفكّر حتى بِبيْع قيثارتي وأهدِّم كل أحلامي!ء


كنت في السنة الثالثة في المعهد الوطني للموسيقى بحي العكاري بالرباط



ء. .  هكذا فقدْتُ في رمْشة عين مكتبتي الغالية وثمنها، وأصبحْتُ بلا سُلّة ولا عِنب..! ولكن مكافأتي العُظمى، هو أن أُبدّدً هذا القلق الذي يُخيّم على وجه أمي منذ أن تعرّف أخي على خطيبته التي ابْتلعَتْه هي وعائلتها، وأعْلنَتْها حربا شعواء ضدَ عائلتنا.ا
".  إن الأمّ علميا وأخلاقيا وطبيعيا، أجْدرُ الكائنات بالقداسة والاٍحترام"
ولكن، ماذا إقصد بقولي:ي 
ـ وعلميا ؟، وأخلاقيا،طبيعيا"     "الأم أجْدرُ الكائنات بالقداسة والاٍحترام
ع    علميا لأن الجينات الوراثية التي في جسمك، هي نفسها الجينات الوراثية التي تسري في جسم مَن ولدتكَ. كما أنك كنتَ في رحمها تتغذى بدمها وتتنفس بأنفاسها، وبعد ولادتك، بدأتَ تنام في حِجْرها لِتتغذى بحليبها، أو تلعب وتنام وأنت راكب على ظهرها...إلخ. فأنتَ امتداد لها، وحلقة وصل تصلها عبر جيناتك الوراثية بأولادك الذين هم أحفادها. إنّ الأم جِذْع الشجرة وجذورها، فهل يمكن لك أن تعيش بلا جذور!؟ لا أعتقد ذالك أخي القارئ...ئ
ءأ     وأخلاقيا، لأن جميع أديان وشرائع البشر في العالم كله، ومعها التقاليد الموروثة عن  الأجداد، كلها تأمر بحب الوالدين، ولاسيّما الأم. سواء كانت هذه الشرائع دينية، أو علمانية، أو رأسمالية أوشيوعية. وسواء كانت هذه الأديان سماوية أو وضعية ودنيوية، كالبوذية والزرادشتية وغيرها... ليس هناك أية منظومة أخلاقية في العالم تُشرعن كراهية الوالدين أو تشجّع على عصْيان الأم وعدم طاعتها! لا توجد. ولهذا أكرمها الله في شريعتنا بوضع الجنة تحت أقدامها لما لها من فضل مضاعف؛ فهي التي حملت، وولدتْ وأرضعت، فهي الأحق بالبر وحسن الصحبة، كما في قول رسولنا الكريم للرجل الذي جاء يسأل مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك. فعطاء الأم لا نهاية له، ولا تنتظر المقابل، تداوي وهي تتألم، ولا تجد من يخفف عنها آلامها..! فأكرمها الله تعالى وفضّلها على الأب في البر بوضع الجنة تحت قدميها.
      فمحبة الأم ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب، وذلك أن صعوبة الحمل، وصعوبـة الوضع، وصعوبة الرضاع تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث مشقّات يخلو منها الأب، ويشترك معها في رابعة وهي التربية والتوجيه.
  ء    يقول الشاعر حافظ إبراهيم: «الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها... أعددت شعباً طيب الأعراق».  فقد شبّه الشاعر الأمَ بالمدرسة التي إذا أُعدّت إعداداً جيداً من النواحي الأخلاقية والتربوية والتعليمية، كان نِتاجُها أسرة وشعبٌ طيب الأعراق؛ فهي بذلك تبني جيلاً ناجحا.اً
      فالأم نتاج أسرة. إن أحسنت تربيتها وتوجيهها، حتماً ستربي وتُعلم. وينعكس ذلك على المجتمع ككل من ناحية السِّلْم الاجتماعي، وسلام الزواج والأولاد والأحفاد. فيجب أن تُربي الأسرة البنت منذ الصغر على الأخلاق الحسنة والقيم الحميدة واحترام عائلة زوجها.ة 
و    وعلى البنت أو الزوجة أيضاً أن تهيئ نفسها بنفسها، لتكون مربية ناجحة وغير مُعقّدة تمضي حياتها الزوجية في الصراع البغيض مع عائلة زوجها، حتى تكون قدوة وأماً ناجحة، يرتقي بها المحتمع ككل. 
     على بناتنا وإخوتتنا وكل فتيات العالم مهما اختلفت الديانات والثقافات، أن تعرفن كيف تتصالحن مع حماتهن لوقف هذه الحروب الباردة المفتعلة والعبثية، وألاّ تحلمن بقطع جذور أزواجهن العائلية ليكن سعيدات. فالسعادة الزوجية لا تتحقق بالحقد والأنانية ومختلف الأمراض والعُقد النفسية وأشكال التّسلُّط! بل بالاحترام المتبادل بين كل أفراد العائلة. وعندما تسود المساواة بين الزوجين وعائلتيهما معا، ستتحقّق السعادة المنشودة لِكِلا الطرفين، بل للجميع. حتى للشجرة جذورها، بدونها سيذبل وجودها، وتسقط وتتعفّن ثمارها، ويعيش الزوجان في اكتئاب رهيب وصراع نفسي مُزمن. إن الإنسان لا يعيش بلا جذور. وحتى إذا حاول العيش بلا جذور، فإنه لن يعيش في السعادة التي ينشدها ويتوق إليها، ولن يتذوّقها أبدا...ء 
ء    وطبيعيا، لأن الطبيعة ركّبَتْ غريزة الأمومة في الأم لِغرض حفظ البقاء لِجنسها من الكائنات لكيلا تنقرض. أي وسيلة للحماية. ونجد نفس هذا البرنامج البيولوجي عند جميع الحيوانات الأخرى كيفما كان نوعها. سواء كانت لبؤة، أو سلحفاة، أو ذبابة، أو ملكة سبأ وكليوباطرة، أو الحمارة أو البقرة...إلخ.
.و    ما نعنيه بالغريزة، هي تلك الحركة الداخلية، أو الآلية، وخاصة في الحيوانات، والتي تؤدي إلى قيام الكائن الحي لاشعوريا، بأفعال تتكيف مع غرض.ض



ويما أن حب الأم لٍأولادها غريزة طبيعية كما ترون في هذه الصور،
 إذن فإن حب الإبن لِأمه طبيعي أيضا! 
فهل يريد بعض الناس إلغاء قوانين الطبيعة؟! هذا هو المستحيل بعينه


برنامج الأمومة الذي ركّبته الطبيعة في الكائنات الحية للحفاظ على مُكونات العالم من الانقراض


 ب    بعد كل هذه الدلائل العلمية الدامغة حول دور الأم البيولوجي والسيكولوجي في حياتنا بل في وجودنا، وكل التضحيات التي تقوم بها من أجل فلذات أكبادها، وأوجاع مخاضها، كيف يمكن أن تتزوّج إمرأة، أية امرأة، برجل تدّعي أنها تحبه، ولكنها في نفس الوقت تمقُت عائلته وتُعاديها، وتحاول تدميرها بعنف!؟ وتمنع زوجها حتى من القيام بواجبه تجاهها! إن زوجها من سيتعذّب أولا وقبل كل شيء، وسيتعذب بصمت، وهذه هي المأساة! وقد يقع العكس، فينْقلب السحر على الساحرة، لِأن تلك المرأة أمّه المقدّسة شِئْتِ أم أبيْتِ، ولا يمكن أن ينساها أو يكرهها كيفما كان الحال. وقد قال تعالى: "وبالوالدين إحسانا". صدق الله العظيم.ء 



 
أمي رحمها الله


       مرَّ أسبوع على هذه الحادثة المُفْجعة التي لا يمكن نسيانها أبدا، وفي اليوم التاسع من شهر يوليوز عام 1981، توصّلْتُ بجواب مكتوب ومُفصّل من وزارة التعليم العالي بالرباط، يُخبرونني فيها أن طلبي منحة السلك الثالث لِنيل الدكتوراه قوبل بالإيجاب، شريطة توقيع عقدة التدريس مع إدارة الجامعة بعد تخرّجي العالي، ففرحْتُ لِلنّبإ السعيد. وعليّ الذهاب إلى الرباط لِتوقيع العقدة مع جامعتنا لكي أشتغل فيها كأستاذ مُحاضر لمدّة عشر سنين بعد تخرّجي كدكتور. كان هذا شرط نيل المنحة. وتضاعفتْ فرحتي عندما توصّلتُ برسالة من الجامعة الحرة ببروكسيل يخبرونني أن طلبي للدراسة فيها مقبول، وأنّ عليّ الحضور إلى إدارة الجامعة لِلتّسجيل قبل نهاية شهر سبتمبر.  
    هرْولتْ أختي ميمونت عندي مبتسمة تسألني:
    ـ أرى الفرْحة تغمر وجهك وهذا نادر! ما بك وما سبب فرحتك، هل وجدتَ عملا؟
    ـ لا، لم أجد عملا. ولكني وجدتُ أحسن أختي العزيزة.
    فقالت أمي التي كانت تسمعنا:
    ـ ماذا يُفرحك يا ابني وما هذا الشيء الأحسن؟ هل هو خبر سارّ؟ شاركنا فرحتك لِأن الحزن قتلنا.
    ـ أنا فرح لِأن الرباط قبلتْ طلب منحتي. وبروكسل قبِلَتْ تسجيلي. كل شيء على ما يرام. الحمد لله أمي.
     مرّتْ عطلة الصيف بسرعة. عملتُ خلالها عند جارنا الديواني العربي الذي كان يسكن في الشقة التي فوقنا في الطابق الثاني. طلب مني أن أزيّن صالون شقته بورق خاص للديكور اِشتراه من مليلية. واتّفقتُ معه على الثمن الذي أعطاه لي وسلّمتُه للوالدة للمصروف اليومي. كما رسمتُ منظرا طبيعيا لِأحد مقاهي المدينة ب 200 درهم. هذا كل ما ربحتُه خلال هذه العطلة مع العلم أننا كنا جد محتاجين. لم أكن سعيدا ولا حافز عندي لِلرسم والصباغة، بدأتُ أحسّ بموت حافز العمل والإبداع الفني. وغشاني الإحباط والفشل في كل شيء، ولوْ إنّ سفري إلى أروبا على الأبواب وليس في جيبي سنْتاً واحدا! ناقشْتُ المسألة أو المشكلة مع أمي التي حاولتْ أن تردّ الاِطمئنان إلى قلبي قائلة:
    ـ خالك العمراني مُحمّادي في "سمّار"، جاء من بلجيكا منذ ثلاثة أسابيع. سأزوره لِأطلب منه أن تذهب معه في سيارته 207.
    ـ وأين يسكن في بلجيكا أمي؟ في أيّ مدينة في بلجيكا؟
    ـ أظنه يسكن في بروكسل حيث أنتَ ذاهب.
    ـ الحمد لله. إذن مشكلة السفر محلولة.
    ـ نعم يا ابني. خالكم محمادي وزوجته وكل أولاده محترمون. وستسكن عندهم حتى تجد مسكنا لك. هم لن يقنطوا منك أبدا. ولكن لا يمكن أن تقطع البحار وتذهب إلى الغربة بجيب فارغ. سأحاول أن أبحث عمّن يقرضنا الف درهم. لا يمكن أن أطلب أكثر من ذالك. سأقترض من عند جارتنا حليمة زوجة النجار، هي تثقُ بي وتعرف مشاكلنا المادية. سبق لها أن أقرضتني الف درهم عندما هاجر أخوك محمادي إلى ألمانيا...




أختي الصغيرة 


       سمعنا طرقاً على الباب، كانت أختي حورية وزوجها عبد السلام الذين أتيا من مدينة العروي ليروننا كالعادة. وشاركونا في نقاش همومنا ومشاكل السفر. فقال السيد عبد السلام لِأمي وهو يدافع عني:
    ـ للاّ، لماذا ستقترضين من عند الجيران لِسفر عبد الرحمان؟ أوَ ليس له أخ؟ سّي عبد الله غنيّ وهو الذي يجب أن يساعد أخاه الصغير الطالب ماديا ومعنويا. يجب أن يشجّعه ليتابع دراساته في الخارج في الفن وعلم النفس. سيكون مَفْخرة لنا جميعا. سأذهب عنده حالا وأتحدّث معه في هذا الموضوع. هو مؤمن ويصلي، ولا أظن أنه سيرفض هذا الإحسان إلى أخيه.
    حاولتُ ثنيه وألاّ يذهب عنده لِأنني أعرف أن عبد الله كان دوما يحسدني دون سبب ظاهر، الشيء الذي كان يجرحني دائما وأفكّر فيه. فألحّ عليّ أن أرافقه. فقبلتُ مُرافقته ولكني لن أدخل إلى دار شقيقي الكبير.
    عندما وصلنا إلى شقة أخي في عمارة صديقه الأستاذ اليعقوبي القريبة من دارنا، دخل صهري عبد السلام وبقيتُ أنا أنتظره على الرصيف. لم تمض نصف ساعة حتى رجع خاوِ الوفاض كما كنت أتوقّع. وقال لي أنه وجد الدار مكتضّة بعائلة زوجة عبد الله، وهم جالسون في البهو يشربون الشاي ويقشّرون "البيستاش" والكركاع والحلويات. وقال له عبد الله أنه لا يمكن له مساعدتي. فخرج صهري مشمئزا دون أن يجلس معهم أو يتناول ولو جرعة من الشاي..!    
  •  ع     عندما حكى صهري عبد السلام البوديحي القصة لِأمي وثمونت، مُؤكّدا أن عبد الله فعلا يغار مني ويحسدني، بَكَتا..! وقامت أمي مباشرة ومسحت دموعها وخرجتْ. وبعد نصف ساعة، عادتْ ومعها الف درهم لِسفري إلى بلجيكا مدّتْها لي قائلة:ة
  • و . ـ هذا كل ما يمكن لي فعله لك يا ابني. كل إخوتك صغيرهم وكبيرهم غسلوا أيديهم ونسونا بالمرّة. ليكن الله مُعينُك. ثابِر في اجتهادك يا ابني وستنجح. وتذكّر أنني غامرْتُ وهاجرتُ بكم من بني سيدال من أجل الدراسة والعمل، ومحاربة الجهل. سوف أدْعو لك دائما بالنجاح في صلواتي.ي
ن  ن    نزلَتْ صلواتها ودعاؤها على قلبي بردا وسلاما، وأمَدّتْني بشيء من القوة والسكينة والطاقة الإيجابية التي كنتُ أحتاجها لِرفْع معنوياتي المُنهارة. في حين أصابتني عبارة صهري ونزلتْ عليّ كالصاعقة، حين أكّدَ لِأمي "أن عبد الله فعلا يغار مني ويحسدني"، وفكّرْتُ مع نفسي في حوار داخلي كأنّي أُجيبُ شقيقي:ء
  • ء    عندما كنتُ أرى أقْراني وأصدقائي من الفنّانين التشكيليين في الناظور وفي الرباط، يحلمون أن يصيروا مشهورين في مستوى  الفنان المغربي شبعة، الجيلالي، الغرباوي، وميلود وشعيبية وفريد بلكاهية مثلا، كان أخوك عبد الرحمان يحلم بما هوأرْقى من ذالك. كان يطمح إلى التّسامي بمستواه الفني إلى مصاف عباقرة الفن العالميين مِمّن كانوا من المؤسّسين لِعصر النهظة الأروبية، ك"رفائيل، وميشيل أنج، وسالفادور دالي، وبيكاسو وفان كوك وغيرهم من عباقرة التشكيل الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الفن ومدارسه ومختلف تياراته.ه



.لوحة الموناليزا جيوكندة الشهيرة للفنان العالمي الإيطالي ليوناردو دافنشي 
وُصِفتْ هذهِ اللوحة بِأنها "أكثر الأعمال الفنية شهرة في تاريخِ الفن. وبِأنها من 
أكثرالأعمال الفنية التي تمت محاكاتها بشكلٍ ساخر في العالَم، وذالك بسبب ابتسامتها الغامضة


 لوحة الموناليزا جيوكندة. رسمتُها بطريقة سريالية ساخرة
صباغة زيتية على الخشب. 90 × 70 سنتم. بروكسل1988 
عندما عرضتها في أحد معارضي العديدة ببروكسل، أثارتْ ضجة ونقاشات



       ء     ونفس الشيء بالنسبة لطموحاتي الأدبية، كنت ألتهم كل ما يقع في يدي من قصص وروايات عالمية، بدءاً بكل مؤلفات نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وجبران، والمنفلوطي، وجورجي زيدان إلخ. إلى الروائيين العالميين الكبار ورواياتهم ك "ذهب مع الريح" لمرغريت ميتشل، والبؤساء لقيكتور هيغو، والشيخ والبحر لِإرنست همنغواي، ولوليتا لفلاديمير نابوكوف الإيطالي التي كتبها في السجن! وغيرهم، ومئات القصص والروايات العالمية التي حازت على جائزة نوبل في الآداب، فضلا عن قراءه حياة هؤلاء العباقرة لكي تحفز دوافعي لِأرتقي كما كنتُ أحلم وأنا صغير في بني سيدال. ولقد كان حلمي أكبر من أن يستطيع حسد حاسد تدْميره، أو غيرة غيور أن يُجهضه ويطفئه. كان شعاري أن أطمحَ بعيدا بعيدا، وأحلم كبيرا، وأن أصير عبقريا وفنانا تشكيليا عالميا، وإلاّ فلا. وسنلتقي في المستقبل إن شاء الله لِنرى.ء






عيّنة من القصص والروايات العالمية التي استمتعتً بقراءتها


  ء    سمعتُ أمي تأمر أختي ميمونت بتهييء العشاء لِأن خالي عبد السلام أيضا سيتعشى معنا هو وزوجته عمتي حبيبة. أخذتُ ورقة من فئة 200 درهم وخرجتُ. ذهبتُ إلى السوق فاشتريتُ أكبر ديك وجدته. كنا فقراء جدا في تلك المرحلة ولا من رحيمٍ لنا ما عدا ربّنا وأمنا، وبما أن أختي وزوجها ضيفان عندنا، وكذالك خالي وزوجته، فقد قمتُ بما يلزم لِاستقبالهم، ولا سيما أنه العشاء الأخير لي مع عائلتي العزيزة. كما اشتريتُ سطْل صباغة مائية ب 80 درهما لِطلاء غرفة أمي التي لم نصبغها منذ أن سكنناها. ولا سيما أن أمي تحب النظافة. فصبغتُ غرفتها في ذالك اليوم الذي سأسافر فيه. في حين كانت إخوتتي ميمونت وحورية تهيّئان العشاء بالديك الذي اشتريتُه، والذي قيل عنه فيما بعد، أنه ديك عجوز يصعب طهيه. فكانت نُكتة لِمزاح العائلة أضحكتْنا جميعا في ذالك المساء الحزين. كنتُ أريد أن أفاجئهم بذالك الديك الغليظ الفخذين لِنأكل جيّدا، ولكني بدل أن أُكحّلها، أعْمَيْتُها كما يُقال! لقد لعبوا بي أولاد الحرام في السوق، وباعوا لي ذالك الديك العجوز..!
   سمعنا طرقا على الباب، كان خالي محمادي العمراني. جاء ليخبرني أن أجهّز نفسي لِسفر الغد. وقال أننا سنخرج صباحا باكرا مع السابعة لِنكون في طنجة قبل الثانية بعد منتصف النهار. وتعشى معنا تحت إلحاخ والدتي وذهب.



سيارة خالي محمادي العمراني التي سافرنا فيها

      
ف  في صباح يوم الغد، هيّأتُ كل ما يلزمني من متاع مهمّ وخفيف للسفر، مثل بعض وثائقي الشخصية، وجواز سفري، وشواهدي الجامعية، وقيثارتي، وبعض المقطوعات الموسيقية المكتوبة بالصولفيج، ودفتر ذكرياتي وقلم. وودّعْتُ أمي وأختي ميمونت اللتان كانتا تبكيان. وتحرَكتِ السيارة نحو طنجة العالية في سكون ذاك الصباح الهادئ...ء




يتبع


0

Ajouter un commentaire




Commentaires

Enregistrer un commentaire

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.