الفقرة 45 ـ بداية تفتُّت الأسرة ـ يوميات فنان مهاجر ـ بحثاً عنِ الزمن الضّائع
بداية تفتُّت العائلة
ء بعد مداهمة رجال المخابرات السرية المغربية لِشقتنا في حي العكّاري بالرباط، قرّرتُ تغيير السّكنى. كانت عطلة الربيع على الأبواب، فبدأتُ أهيّئ نفسي اِستعدادا لِلسفر إلى الناظور لِرؤية عائلتي. اِشتريتُ بعض الهدايا لِأمي وأختي ميمونت، سبحة وسجادة الصلاة وقطعة ثوب، وأشياء أخرى لِلدار، كالأواني الخزفية وفناجين جميلة من الفحّار التي كانت تزخر بها بزارات الصناعة التقليدية في العاصمة. وقد اشتريت ما يقارب ثلاثة صناديق كرطونية من هذه الأواني الجميلة. ولكن أغلبها اقتنيتُها من عند الحِرفيين الخزفيين أنفسهم. حيث كنتُ أفضّل الذهاب عندهم في ضواحي
الرباط، والجلوس معهم وهم يقومون بمزج الطين مع الماء بشكلٍ جيد، فيصنعون الفناجين والمزهريات والأواني المختلفة، ويزوّقونها بصباغتهم التقليدية. كانوا فنانين بالنسبة لي. وكنت أحب أن أتأملهم لساعات يعملون، ونحن ندردش ونشرب كأس شاي أؤدّي أنا ثمنه. وقد اقترح علي صاحب المعمل أن أشتغل معهم فرفضتُ شاكرا. لم يكن يهمني سوى رؤيتهم كفنانين فقراء، يشتغلون في أوراشهم المتواضعة التي تكون في الغالب في الهواء الطلق، قرب فرانهم وموقدهم الخشبي الذي يستخدمونه لِتحويل الأواني إلى مادةٍ متماسكة وصلبة. وعندما تعجبني إحدى إبداعاتهم، أشتريها. وقد دعّمتُ هذه المجموعة من الأواني التقليدية الجميلة بأشياء أخرى كنتُ أشتريها من مليلية والمدن المغربية الأخرى التي كنت أزورها. وطلبتُ من صديقي وجاري حسين منصوري النجار، صناعة خزانة خشبية لجمعها، فوضعتها في ممرّ شقتنا الجميلة بدار وعْليت. وقد أخذتْ أختي ميمونت كل ذالك معها يوم زواجها لِتؤثث به دارها الجديدة..!ء
ء عندما وصلتُ إلى مدينة الناظور في السادسة والنصف صباحا، في ذالك اليوم الجمعة العاصف من شهر مارس عام 1980، وجدتُ دار لقمان على حالها كالعادة. أمي وأختي ميمونت، وزبيدة زوجة أخي مُحمّادي وابنتها الجميلة نسرين التي كنتُ أحبها كثيرا. كان في عمرها سنة تقريبا. أحيانا تنتابني موجة من التفاؤل في وجودي على حين غرّة، ولِأسباب نفسية مجهولة، فأرى كل شيء جميل. وهذا اليوم بالنسبة لي كان يبدو جميلا، أو على الأقل، بدأ جميلا. لِأن كل عائلتي بخير. ولكن الأخبار التي بدأتُ أسمعها من أمي وأختي، وما يتسرّب إلى سمعي من كلام الجيران، لم تكن تُبشِّر بِأيّ خير! بل العكس، قلبتْ حياتي وتفاؤلي رأساً على عقب، وجعلتني حزينا ومكتئبا. مِن ذالك الوقت العصيب، بدأتْ تترعرع وتتبرعم في دهاليز لاشعوري بعض العُقد النفسية الخفيفة. كانت التّربة خِصْبة لِنُموّ هذه الأمراض السيكولوجية داخلنا أنا وأختي الصغرى ميمونت، بسبب عذاب أمّنا، وجهادها من أجل جمْع شمْل عائلتنا، التي حاول البعض جاهدا تمْزيقه، وتخريب استقرارنا وتماسكنا. كانت أمي المسكينة في تلك الحقبة لا تكفّ عن الشكوى والبكاء مِمّا تفعله الزوجة الجديدة بِأخي عبد الله الذي ابْتلعتْه كاملا، وجعلتْ من عائلتنا عدوّاً موْهوما. ولم يعد يعرف أحدا من عائلته الفقيرة. اِشتكتْ لي أمّي وهي تبكي حظّها التّعس، وتتنهّد حرقة على ظروفها المأساوية وقالت:ء
ء ـ إبني عبد الله، منذ أن تعرّفَ على تلك الفتاة وخطبها، نسانا ونكرَنا بالمرّة. وهو يعيش معها وأفراد عائلتها دون أن يفكّر فينا. لقد بدّلَ ابني عبد الله عائلته بعائلتها. إنه يفضّلهم علينا لِأنهم ينادونه: "خالي سّي عبد الله". لا يساعدنا لا في تغطية مصاريف المعيشة، ولا في أداء فواتير الماء والكهرباء، ولا أداء الكراء الذي تراكم علينا منذ شهور. بدأتُ أخجل من حالتنا أمام الجيران! أنا مريضة، يقتلني "الرّوماتيزم"، ومع ذالك اشتغل وأحرق جسمي بين المجامير، أطبخ في حفلات وأعراس الناس ليفرحوا، وأنا أبكي ليل نهار.ء
ء فكرتُ في عبارتها: "لقد بدّلَ ابني عبد الله عائلته بعائلتها". وفكرتُ في نظرية شارلز داروين، الصراع من أجل الهيمنة ودكّ الآخر الذي تطبّقه مع عائلتنا، من أجل فرْض السيطرة والأنانية. صراع العائلات الذي لا يجب أن يكون أبدا. فالزواج من عائلة ما، هدفه الدخول في علاقات حِبّية مبنية على التفاهم والاحترام، فتكبر العائلة وتتمدّد، وتفتح كل واحدة منهما آفاقا جديدة للأخرى. وهذا إيجابي لكل العائلتين معاً. فلِمَ الصراع وما هي مُبرّراته ما عدا الحقد والكراهية وغريزة التّدمير، وكذالك الجنون والأمراض النفسية والتعقيدات السيكوباثولوجية..! أمّا فيما يخصّ الشّق الثاني من جملتها: "إنه يفضّلهم علينا لِأنهم ينادونه: "خالي سّي عبد الله". فهذا طبيعي، لِأن الإنسان كيفما كان نوعه وعمره ومستواه، الكل يبحث عن بيئة يحس فيا بالتفوّق، وإعطاء قيمة لنفسه، لِإشباع وتحقيق حاجة إثبات وتقدير الذات، التي هي دافع وحاجة بشرية أساسية.ذ
ء نظرتْ أمي في فواتير الدّيون المبعثرة على الطاولة، وتنهّدتْ من جديد وهي تمسح دموعها وتقول:ء
ء ـ إسمع يا ابني، سيقطعون الماء والكهرباء، وبعد ذالك سيرمينا صاحب الدار إلى الشارع! لقد سبق أن جاء مرّتين يطلب إيجاره مهدّدا بالإفراغ. سيطردوننا من هنا.ء
ء فقالت أختي وهي تشهق مُتأثّرة بِبكاء أمي:ء
ء ـ الله يأخذ الحق في عبد الغني. هو الذي أتى بها عندنا فرآها أخي عبد الله وتعلّقَ بها! فبقي معلَّقا إلى اليوم..!ء
ء فقالت أمّي وهي تجمع فواتير الماء والكهرباء وتُجفّف دموعها:ء
ء ـ هذا أولادي آخر إنذار لنا، وبعد ذالك سيقطعون الضوء إذا لم نُؤدّ لهم ثمن الكهرباء عاجلا. كيف وماذا سنفعل؟!ء
ء ـ فقالت أختي ميمونت وهي تتنهّد وتشهق بحدّة من أثر البكاء وأزمة الفواق:ء
ء ـ لوْ كان أخي عبد الله معدوما وبدون أموال، لَعذرْناه وقبلنا الوضع. ولكنه رئيس فرع شركة كبيرة، وله كاتبة وسائق خاص وسيارة الشركة، واليوم اِشترى سيارة جديدة فارهة نوع "فْياط" آخر موديل، بيضاء اللون. رأيتهما يركبانها ويذهبان إلى عائلة خطيبته في "إزَرّوعَنْ". تمنّيْتُ أن أركب معهما! إنهما يعيشان حياة البورجوازيين ويكرهوننا. ء
ء ـ لا يا ابنتي. أخوكم عبد الله طيّب ولا يكرهنا أبدا، هو تغيّر منذ خطب تلك الفتاة. هي التي غيّرته وأبْعدتْهُ عنّا. لقد صار بقرتهم الحلوب التي يستغلّونها يوميا، ولكنهم لا يقولون له أبدا أن يفكّر فينا، ويزور أمه الأرملة المريضة وأخواته اليتيمات..!ء
الرباط، والجلوس معهم وهم يقومون بمزج الطين مع الماء بشكلٍ جيد، فيصنعون الفناجين والمزهريات والأواني المختلفة، ويزوّقونها بصباغتهم التقليدية. كانوا فنانين بالنسبة لي. وكنت أحب أن أتأملهم لساعات يعملون، ونحن ندردش ونشرب كأس شاي أؤدّي أنا ثمنه. وقد اقترح علي صاحب المعمل أن أشتغل معهم فرفضتُ شاكرا. لم يكن يهمني سوى رؤيتهم كفنانين فقراء، يشتغلون في أوراشهم المتواضعة التي تكون في الغالب في الهواء الطلق، قرب فرانهم وموقدهم الخشبي الذي يستخدمونه لِتحويل الأواني إلى مادةٍ متماسكة وصلبة. وعندما تعجبني إحدى إبداعاتهم، أشتريها. وقد دعّمتُ هذه المجموعة من الأواني التقليدية الجميلة بأشياء أخرى كنتُ أشتريها من مليلية والمدن المغربية الأخرى التي كنت أزورها. وطلبتُ من صديقي وجاري حسين منصوري النجار، صناعة خزانة خشبية لجمعها، فوضعتها في ممرّ شقتنا الجميلة بدار وعْليت. وقد أخذتْ أختي ميمونت كل ذالك معها يوم زواجها لِتؤثث به دارها الجديدة..!ء

شقتنا التي كنا نسكن فيها في الطابق الأول بعمارة "وعْليت" في السبعينات من القرن الماضي. النوافذ الزرقاء المفتوحة
ء ـ إبني عبد الله، منذ أن تعرّفَ على تلك الفتاة وخطبها، نسانا ونكرَنا بالمرّة. وهو يعيش معها وأفراد عائلتها دون أن يفكّر فينا. لقد بدّلَ ابني عبد الله عائلته بعائلتها. إنه يفضّلهم علينا لِأنهم ينادونه: "خالي سّي عبد الله". لا يساعدنا لا في تغطية مصاريف المعيشة، ولا في أداء فواتير الماء والكهرباء، ولا أداء الكراء الذي تراكم علينا منذ شهور. بدأتُ أخجل من حالتنا أمام الجيران! أنا مريضة، يقتلني "الرّوماتيزم"، ومع ذالك اشتغل وأحرق جسمي بين المجامير، أطبخ في حفلات وأعراس الناس ليفرحوا، وأنا أبكي ليل نهار.ء
ء فكرتُ في عبارتها: "لقد بدّلَ ابني عبد الله عائلته بعائلتها". وفكرتُ في نظرية شارلز داروين، الصراع من أجل الهيمنة ودكّ الآخر الذي تطبّقه مع عائلتنا، من أجل فرْض السيطرة والأنانية. صراع العائلات الذي لا يجب أن يكون أبدا. فالزواج من عائلة ما، هدفه الدخول في علاقات حِبّية مبنية على التفاهم والاحترام، فتكبر العائلة وتتمدّد، وتفتح كل واحدة منهما آفاقا جديدة للأخرى. وهذا إيجابي لكل العائلتين معاً. فلِمَ الصراع وما هي مُبرّراته ما عدا الحقد والكراهية وغريزة التّدمير، وكذالك الجنون والأمراض النفسية والتعقيدات السيكوباثولوجية..! أمّا فيما يخصّ الشّق الثاني من جملتها: "إنه يفضّلهم علينا لِأنهم ينادونه: "خالي سّي عبد الله". فهذا طبيعي، لِأن الإنسان كيفما كان نوعه وعمره ومستواه، الكل يبحث عن بيئة يحس فيا بالتفوّق، وإعطاء قيمة لنفسه، لِإشباع وتحقيق حاجة إثبات وتقدير الذات، التي هي دافع وحاجة بشرية أساسية.ذ
ء نظرتْ أمي في فواتير الدّيون المبعثرة على الطاولة، وتنهّدتْ من جديد وهي تمسح دموعها وتقول:ء
ء ـ إسمع يا ابني، سيقطعون الماء والكهرباء، وبعد ذالك سيرمينا صاحب الدار إلى الشارع! لقد سبق أن جاء مرّتين يطلب إيجاره مهدّدا بالإفراغ. سيطردوننا من هنا.ء
ء فقالت أختي وهي تشهق مُتأثّرة بِبكاء أمي:ء
ء ـ الله يأخذ الحق في عبد الغني. هو الذي أتى بها عندنا فرآها أخي عبد الله وتعلّقَ بها! فبقي معلَّقا إلى اليوم..!ء
ء فقالت أمّي وهي تجمع فواتير الماء والكهرباء وتُجفّف دموعها:ء
ء ـ هذا أولادي آخر إنذار لنا، وبعد ذالك سيقطعون الضوء إذا لم نُؤدّ لهم ثمن الكهرباء عاجلا. كيف وماذا سنفعل؟!ء
ء ـ فقالت أختي ميمونت وهي تتنهّد وتشهق بحدّة من أثر البكاء وأزمة الفواق:ء
ء ـ لوْ كان أخي عبد الله معدوما وبدون أموال، لَعذرْناه وقبلنا الوضع. ولكنه رئيس فرع شركة كبيرة، وله كاتبة وسائق خاص وسيارة الشركة، واليوم اِشترى سيارة جديدة فارهة نوع "فْياط" آخر موديل، بيضاء اللون. رأيتهما يركبانها ويذهبان إلى عائلة خطيبته في "إزَرّوعَنْ". تمنّيْتُ أن أركب معهما! إنهما يعيشان حياة البورجوازيين ويكرهوننا. ء
سيارة فياط الجديدة التي اشتراها أخي عبد الله بعد خطوبته
ء فقالت لها أمي تهدّئها وتحاول ترطيب الأجواء العاطفية المشحونة:ءء ـ لا يا ابنتي. أخوكم عبد الله طيّب ولا يكرهنا أبدا، هو تغيّر منذ خطب تلك الفتاة. هي التي غيّرته وأبْعدتْهُ عنّا. لقد صار بقرتهم الحلوب التي يستغلّونها يوميا، ولكنهم لا يقولون له أبدا أن يفكّر فينا، ويزور أمه الأرملة المريضة وأخواته اليتيمات..!ء
ء لم أنبس بِبنت شفة، آثرتُ أن أكون مُحايدا في هذه المسألة الحسّاسة والمعقّدة. تركتُهنّ يبكين ويشكين حالهن لبعضهن البعض، وأختي ميمونت مستمرّة في فواقها. تناولتُ الفاتورات التي وضعتها أمي على الطاولة وبدأتُ أراجعها، وأجمع حسابات الدّيون التي يجب أن نؤديها لِصاحب العمارة: ثلاثة شهور لم نؤدِّ كرائها، لا أريد أن تغادر عائلتي هذه الشقة الواسعة والجميلة وسط المدينة، وقرب السوق. لقد الِفنا الحياة هنا ونتفاهم جيدا مع جيراننا. وبدأتُ أعدّ دراهمي التي في جيبي لِأحلّ بها مشاكل الديون التي تثقل كاهلنا وتؤرقنا، وخصوصا أمي المسكينة. فأعطيتُ لها 1500 درهم، ثلاثة شهور الكراء. و300 درهم ثمن فاتورات الماء والكهرباء المتراكمة. كنتُ قد سحبتُ منحتي الفصلية يومان قبل السفر، فضلا عن نقود أخرى وفّرتُها عندما أبيع لوحاتي الزيتية في الرباط. أحسن ما تصلح له هذه النقود التي ربحتها بعرق جبيني، هو أن أغسل بها دموع قلق أمّي، وأُغطّي بها مصاريف عائلتي، وأزيل بها هذه الديون المتراكمة علينا كالكابوس، فأداء هذه الفاتورات هو الحل الأمثل لِاجتثاث قلق أمي لتعيش المسكينة بسلام...ء
ء وقفتْ زبيدة واتّجهتْ صوْب أمي التي كانت تحمل حفيدتها نسرين في حضنها، فقبّلتْ رأسها وهي تتوسّل إليها:ء
ء ـ لا تبكي يا "لالّة" من فضلك. كل المشاكل ستُحلّ بالصبر. وسحبت من جيبها ورقة نقدية من فئة 200 درهم ومدّتْها لِأمي قائلة:ء
ء ـ خُذي هذه النقود لنؤدي بها فواتير الماء والكهرباء قبل أن يقطعوه. أخي مصطفى هو الذي أعطاها لِنسرين عندما جاء عندنا البارحة.ء
ء فقالت لها أمي وهي تقبّلها فرحة:ء
رضي الله عنكِ يا ابنتي زبيدة العزيزة. لِحسنِ الحظّ أنّكِ تُحبيننا ولا تشبهين الأخرى.ء
ء وقفتْ زبيدة واتّجهتْ صوْب أمي التي كانت تحمل حفيدتها نسرين في حضنها، فقبّلتْ رأسها وهي تتوسّل إليها:ء
أمي ونسرين إبنة أخي محمّادي
ء ـ خُذي هذه النقود لنؤدي بها فواتير الماء والكهرباء قبل أن يقطعوه. أخي مصطفى هو الذي أعطاها لِنسرين عندما جاء عندنا البارحة.ء
ء فقالت لها أمي وهي تقبّلها فرحة:ء
رضي الله عنكِ يا ابنتي زبيدة العزيزة. لِحسنِ الحظّ أنّكِ تُحبيننا ولا تشبهين الأخرى.ء
ء اِشتدّتْ أزمة الفواق عند أختي مِمّا كان يُنذر بشيء غير عادي نفسانياً، وبتعبير أدقّ، عُصابيا. وقامت زوجة أخي محمادي تواسيها وتناولها كأس الماء لعلّها تهدأ. وقامت أمي أيضا تعانقها وتخفّف عنها آلامها. كانت تتنفس بصعوبة وتحسّ بالاِختناق نتيجة انقباض وإغلاق مفاجئ للحبال الصوتية، التي تنتج صوت "هيك" المميز والمتواصل:ء
https://youtu.be/p_Rk-lLgCa8
ء سقطتْ دمعتان من عيوني، فمسحتهما بسرعة لِكيلا يرونني أبكي. أريد تغيير هذا الجو المشحون بالمآسي.ء
ء أخذتُ الدراهم وفواتير الماء والكهرباء وخرجت لِأداء ما علينا من ديون للشركة.ء
ء كان مكتب الشركة مكتضّا بالبشر المَدينين، وفي أيديهم الفواتير، وأصوات الاِحتجاجات وصرخات الحناجير. اِنتظرتُ وقتا طويلا ليصل دوري وأتخلّص من ثقل ديونينا وسط ضوضاء ومشاحنات الجمهور الزّبناء مع موظفي الشركة. اجتازت فكرة مخيلتي وبدأتُ أضحك مع نفسي مواسيا: العالم أديسون اِخترعَ الكهرباء وأنار العالم واقعياً، والله يجمع الشّكر والحمد لِأنه نور السماوات والأرض، وشركة الضوء تجمع وتكدّس الأموال على حساب الفقراء والمحرومين. المسألة معقّدة..!ء
ء عندما أنهيتُ مهمّتي مع الشركة القابضة، ذهبتُ توّاً إلى السوق لشراء الخضر والفواكه واللحم للغذاء. وحين عدتُ إلى دارنا، وجدتُ ضيفة عزيزة عليّ، كانت اِبنة عمي التي تدرس علم النفس بجامعة فاس. وأمي تصلي، وأختي ميمونت مستلقية وقد خفَّ فواقها. فسلمتُ على الضيفة مرحّباً. ثم بدأنا نتناول أطراف الحديث عن الدراسة وحياة كلٍّ منّا في الرباط وفاس.ء
تقدّمتُ خطوات نحو أختي، وجلستُ بقربها قائلا:ء
https://youtu.be/p_Rk-lLgCa8
ء سقطتْ دمعتان من عيوني، فمسحتهما بسرعة لِكيلا يرونني أبكي. أريد تغيير هذا الجو المشحون بالمآسي.ء
ء أخذتُ الدراهم وفواتير الماء والكهرباء وخرجت لِأداء ما علينا من ديون للشركة.ء
ء كان مكتب الشركة مكتضّا بالبشر المَدينين، وفي أيديهم الفواتير، وأصوات الاِحتجاجات وصرخات الحناجير. اِنتظرتُ وقتا طويلا ليصل دوري وأتخلّص من ثقل ديونينا وسط ضوضاء ومشاحنات الجمهور الزّبناء مع موظفي الشركة. اجتازت فكرة مخيلتي وبدأتُ أضحك مع نفسي مواسيا: العالم أديسون اِخترعَ الكهرباء وأنار العالم واقعياً، والله يجمع الشّكر والحمد لِأنه نور السماوات والأرض، وشركة الضوء تجمع وتكدّس الأموال على حساب الفقراء والمحرومين. المسألة معقّدة..!ء
ء عندما أنهيتُ مهمّتي مع الشركة القابضة، ذهبتُ توّاً إلى السوق لشراء الخضر والفواكه واللحم للغذاء. وحين عدتُ إلى دارنا، وجدتُ ضيفة عزيزة عليّ، كانت اِبنة عمي التي تدرس علم النفس بجامعة فاس. وأمي تصلي، وأختي ميمونت مستلقية وقد خفَّ فواقها. فسلمتُ على الضيفة مرحّباً. ثم بدأنا نتناول أطراف الحديث عن الدراسة وحياة كلٍّ منّا في الرباط وفاس.ء
تقدّمتُ خطوات نحو أختي، وجلستُ بقربها قائلا:ء
ء ـ سوف أصطحبكِ معي إلى الرباط لِتُغيّري الجوّ. وهناك سنذهب معا إلى السينما.ء
ء ـ وأين سنقيم؟ء
ء ـ عندنا الاِختيار، إمّا في دار الكاتب العام السيد حكيم بن عزّوز الذي تعرفينه، وكان قد أعطاني شقة صغيرة على شكل ستوديو العام الماضي في سطح العمارة، وإما في فيلاّ صديقي الجعايدي أحمد. هو زميلي في الجامعة. وقد سبق لي أن ذهبتُ عندهم مرّتين وأعرف كل عائلته. أمّه هي التي قالت لي أن أصطحبكما معي أنتِ وأمّنا. هم ناس محترمون ولهم علاقة مع القصر الملكي. خالهم حارس الملك الحسن الثاني الشخصي.ء
ء ـ وهل لهم بنات في عمري؟ء
ء ـ طبعا. عندهم بنتان واحدة في سِنِّكِ تقريبا، إسمها "ماريا".ء
ء ـ ونهظت فرحة وعانقتني ثم قالت:ء
ء ـ أنا سأذهب معك. ولكن أمّي مُحال. مع مرضها وعمرها سيكون السفر شاقّاً عليها. ثم أنها لا يمكن أن تترك زبيدة ونسرين لوحدهما.ء

ء كانت أختي تساعد والدة صديقي لِلقيام بكثير من أشغال البيت. في حين اِنصبّ اهتمامنا أنا وزميلي أحمد الجعايدي على الدراسة وقراءة المراجع المختلفة في علم النفس، اِستعدادا لامتحانات نهاية السنة الدراسية. وعندما انتهت الامتحانات، أخذنا القطار لنعود إلى الناظور لقضاء العطلة الصيفية، وحضور زواج أخي عبد الله...ء
ء ـ عندنا الاِختيار، إمّا في دار الكاتب العام السيد حكيم بن عزّوز الذي تعرفينه، وكان قد أعطاني شقة صغيرة على شكل ستوديو العام الماضي في سطح العمارة، وإما في فيلاّ صديقي الجعايدي أحمد. هو زميلي في الجامعة. وقد سبق لي أن ذهبتُ عندهم مرّتين وأعرف كل عائلته. أمّه هي التي قالت لي أن أصطحبكما معي أنتِ وأمّنا. هم ناس محترمون ولهم علاقة مع القصر الملكي. خالهم حارس الملك الحسن الثاني الشخصي.ء
ء ـ وهل لهم بنات في عمري؟ء
ء ـ طبعا. عندهم بنتان واحدة في سِنِّكِ تقريبا، إسمها "ماريا".ء
ء ـ ونهظت فرحة وعانقتني ثم قالت:ء
ء ـ أنا سأذهب معك. ولكن أمّي مُحال. مع مرضها وعمرها سيكون السفر شاقّاً عليها. ثم أنها لا يمكن أن تترك زبيدة ونسرين لوحدهما.ء

عائلة السيد الجعايدي التي كنا نقيم عندها في حي اليوسفية بالرباط

أكثر من 35 سنة مرّتْ منذ نجاحنا وفراقنا. لست أدري كيف هي أحوالك صديقي أحمد ولا ماذا تعمل. أتمنى لكل عائلتك الكريمة طول العمر ودوام الصحة. مودتي وتحياتي لكم جميعا
ء أمضينا ثلاثة أشهر في الرباط، وعشنا منسجمين كما ينبغي مع عائلة صديقي التي استظافتنا. خلال تلك المدة، كنت أصطحب أختي الصغيرة في أوقات فراغي لِلتّجوّل في العاصمة، فنتنزّه بجيوب فارغة، لا أستطيع معها حتى شراء هدايا بسيطة لها، مِمّا كان يحزّ في قلبي كثيرا ويؤلمني، ولاسيّما أنها أصغر اليتيمات في عائلتنا، حيث مات أبونا رحمه الله، وعمرها بضعة أشهر فقط. كل ما كنتُ قد وفّرتُه من نقود، صرفْتُها على أداء ديون الكراء المتراكم وفواتير الماء والكهرباء، وغير ذالك. بعد مغادرة غرفتي السريالية في حيّ العكّاري، وإقامتي مع عائلة صديقي في "مابيلاّ"، لم يكن عندي إمكانيات الرسم وصباغة المناظر الطبيعية والبورتريهات لِربح النقود، ما عدا المنحة الفصلية التي كنا نتوصّل بها كل ثلاثة أشهر، والتي كانت لا تُسمن ولا تغني من جوع، وأحرى أن أشتري بها ثياب وهدايا لِها. ولكننا كنا نجلس في مقاهي راقية وندخل السينما حسب اختيار أختي للأفلام التي تعشقها، ولاسيما المصرية منها.ء
أكثر من 35 سنة مرّتْ منذ نجاحنا وفراقنا. لست أدري كيف هي أحوالك صديقي أحمد ولا ماذا تعمل. أتمنى لكل عائلتك الكريمة طول العمر ودوام الصحة. مودتي وتحياتي لكم جميعا
ء كانت أختي تساعد والدة صديقي لِلقيام بكثير من أشغال البيت. في حين اِنصبّ اهتمامنا أنا وزميلي أحمد الجعايدي على الدراسة وقراءة المراجع المختلفة في علم النفس، اِستعدادا لامتحانات نهاية السنة الدراسية. وعندما انتهت الامتحانات، أخذنا القطار لنعود إلى الناظور لقضاء العطلة الصيفية، وحضور زواج أخي عبد الله...ء
يتبع




Ajouter un commentaire