الفقرة 47 ـ السفر إلى بروكسل ـ يوميات فنان مهاجر ـ بحثاً عنِ الزمن الضّائع
السفر إلى بروكسل
- ء في طريقنا الشمالية نحو طنجة، والذي لم يسبق لي أن مررْتُ منه أو رأيتُه من قبل أبدا، كنتُ أفكّر وأنا أتأمّل مناظر بلادي الطبيعية الخلاّبة: مزارع وقُرى ريفية مُتناثرة هنا وهناك، ومراعي وحقول وأنهار، ورجال وأطفال ونساء. إنها ديار ومنازل إخوتي الأمازيغ، سكان هذه المنطقة الأصليين. وأحيانا أشاهد رُعاة يسوقون ماشيتهم لِترتع الأعشاب وتهيم في الطبيعة بحرية محدودة، وتطالعنا كل حين، صوامع ومقابر ومساجد، وأضْرحة لِأولياء الله الصالحين، كلها تعكس أوضاع الاستلاب والعبودية المتفشية في هذه المنطقة المهمّشة والمنسية. وأحياناً، تترائى لنا على قارعة الطريق لوحة صغيرة زرقاء شِبه ممْسوحة ومُهشّمة، مكتوبة بالأحمر، تُنبّه السائقين بالتواءات ومخاطر الطريق الضّيّقة. إنها مناظر التهميش في دولة متخلّفة..!ء
يوميات السفر
واحة سيوة المصرية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن البحر لأبيض المتوسط شمالا، إلى الصحراء الكبرى جنوبا. ويُطلق عيها إسم "تامازغا لعظمى".الم أكن أعرف أنّ تاريخ الأمازيغ يمتد إلى أكثر من 3 آلاف سنة. وأن لهم تقويم زمني خاص، فنحن لآن في عام 2966 من الزمن الأمازيغي.وهو تقويم فلاحي يرتبط بالأرض. ويرجع الأمازيغ إحياء رأس السنة الأمازيغية، في 13 كانون الثاني/ يناير، إلى سنة 950 قبل الميلاد، وهي السنة التي استطاع فيها الملك الأمازيغي شيشونق الانتصار على ملك الفراعنة رامسيس الثالث، وأسس في مصر الفرعونية أسرته 22....اء
و وفيما يتعلق بديانة الأمازيغ ومعتقداتهم، فقد كانوا
يعبدون الشمس والقمر، كما تأثروا بالديانات المصرية القديمة التي اشتركوا معها في
الإله "آمون". واعتنقوا
المسيحية، وساهموا في إغنائها، قبل أن يعتنقوا الإسلام بعد وصول الجيوش العربية إلى شمال أفريقيا. وقد كان الأمازيغ يساهمون في بناء
الحضارة الرومانية، وتقلّدوا رُتبا رفيعة المستوى في الكنسية المسيحية، كالقديس فيكتور الأول وجيلسيوس
الأول
ء ومن الأمازيغ من حكم الإمبراطورية
الرومانية في قمة أوجها، كسبتموس سيليروس وماكرينوس وآخرون...ا
الحقيقة المرة
ء .. خلال كل مدة سفرنا وتيهاني بخيالي بعيدا في الزمان والمكان، كنتُ جالسٌ في المقعد الأمامي قُرْبَ خالي محمّادي. هو الذي طلب مِنّي ذالك لِأساعده على قراءة يافطات وإشارات المُرور في الطرق السّيّارة. أمّا زوجته وأولاده السّبعة، فقد كانوا يجلسون في صالون السيارة الخلْفي. عندما وصلنا إلى طنجة، جلسنا ننتظر أكثر من ثلاث ساعات لِنتمّكّن من الدخول أخيرا في مرآب الباخرة العملاقة، التي ستقلنا عبْر مضيق جبل طارق، إلى مدينة الخيزيراس الإسبانية، على الضفّة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط...ء
ء تاه خيالي بعيدا عن الآن. وبدأتْ أجنحته تُرفرف حول مرافئ حياتي المختلفة، وبدأتُ أغوص في مراحل طفولتي ودهاليزها الممتعة أحيانا، والمؤلمة أغلب الأحيان: كيف مات أبي في حادثة سيارة في الجزائر، وكيف هاجرتْ بنا أمي من بني سيدال إلى الناظور، وكيف عشتُ سبع سنين في الرباط بعيدا عن عائلتي. وكيف أفكر في هجراتنا وأنا الآن في طريق الهجرة! حياتي كلها صارت هجرة في هجرة! كأننا نتيه بلا جذور. ولكن هجرة أمَنا بِنا ونحن صِغار، لم تكن هجرة عادية، ولا هجرة جغرافية من قبيلة بني سيدال إلى أقرب مدينة لنا وهي الناظور. بل كانت هجرة من عصر الظلام والاِنحطاط، إلى الأزمنة الحديثة. من القرون الوسطى إلى عصر الأنوار. هكذا كانت هجرتنا ولا تزال. ومن هنا عبقرية أمّنا رحمها الله...ء
ء: تناولتُ دفتر مُذكّراتي وقلمي واستأنفْتُ الكتابة.ء
م "... مررنا من مدينة اشبيلية وتوليذو ومدريد. ومنها إلى سرغوص وتولوز وليموجين الفرنسية، ومن تولوز عرجنا على مدينة ليل ثم دخلنا إلى ضواحي بروكسل. كنتُ أعرف جغرافية البلد الذي نعْبُره من خلال لغة اليافطات الزرقاء العملاقة التي تُنْصَب فوق الطرق السيارة الجد عريضة، لكي لا يتعذب السائق أو يلتفت إلى اليمين واليسار، ليرى مثل تلك اليافطات الصغيرة بمشقة على جانب الطرق، كما رأينا في طريقنا إلى طنجة. ثم دخلنا في منطقة العاصمة باريس، والتي أخطأ خالي الطريق في أحد منعرجاتها، فبقينا اكثر من ساعة ونصف، ونحن ندور حولها ونبحث عن اتّجاه بروكسل. كانت الساعة تشير إلى الثامنة والربع مساء، فقرّر خالي قضاء الليل في إحدى محطات الاستراحة المجهزة بفنادق للنوم، ومطاعم للأكل، ودكاكين ومقاهي ومراحيض نظيفة، ومحطات للوقود والصيانة.
ء. أوْقَفَ خالي السيارة في مكان هادئ فيه سيارات أخرى لِعائلات مغربيات مهاجرة مثلنا، تحيط به الأشجار والورود من كل جانب. وأخرجتْ زوجته زربية خفيفة وفرَشتْها لِخالي لِيستريح من عناء السفر. كما أتتْ بالخبز وبراد شاي وعلب السمك لِلعشاء. واستغلّيتُ الفرصة لِأدخّن سيجارتي رفقة ابنهم ميلود ونحن نقوم بنزهة ليس بعيدا عن العائلة. وفي الصباح الباكر اِستأنفنا طريقنا نحو بروكسل...ء





Ajouter un commentaire