الفقرة 52 ـ وجع الذكريات
https://www.google.com/maps/@50.8281482,4.3845973,3a,90y,321.69h,105.82t/data=!3m7!1e1!3m5!1sYpT0B0TbZinL1GunCUZlLg!2e0!6s%2F%2Fgeo2.ggpht.com%2Fcbk%3Fpanoid%3DYpT0B0TbZinL1GunCUZlLg%26output%3Dthumbnail%26cb_client%3Dsearch.revgeo_and_fetch.gps%26thumb%3D2%26w%3D96%26h%3D64%26yaw%3D270.87665%26pitch%3D0%26thumbfov%3D100!7i13312!8i6656
. أدخلتْني إلى الدار بعد أن أغْلقت الباب، وقادتْني بيدها بِهدوء، ثم جلسنا على وثير بُنّي اللون، وبدأتْ تتأمّلني وتسألني:
إضغط لمشاهدة الحي الذي كنا نسكن فيه
وجع الذكريات
. أدخلتْني إلى الدار بعد أن أغْلقت الباب، وقادتْني بيدها بِهدوء، ثم جلسنا على وثير بُنّي اللون، وبدأتْ تتأمّلني وتسألني:
. . ـ كيف حالك عبد الرحمان؟ ومتى
جِئْتَ إلى بروكسل؟
. . ـ
مُنذُ ثلاثة أسابيع تقريباً. وأنتِ مليكة، كيف حالك؟
. . ـ
بخير.
. . ـ وحالتكِ
الصّحّية مليكة؟
. . أحْنَتْ
رأسها خجلاً، وأنا في أعماق نفسي أعرفُ لِماذا هذا الاِنْحِناء..! وغابتْ عنّي
نظراتها التي تثبّتتْ على الأرض لِمدّة ثوان طويلة. ثم رفعتْ رأسها وقالت:
. . ـ
الحمد لله. الحياة مثل ألعاب الحظ، لا تعرف ما تُخبّئه لك الأقدار.
كانت تلمح بكلامها بصفة غير مباشرة إلى زواجها الفاشل والكارثي. قُلْتُ مع نفسي
أنني ربّما أُحْرِجها بِأسئلتي، ولهذا عليّ بالسّكوت أو تغيير الموضوع. هكذا أحسن
رُبّما لِكِلينا. بَدَلَ أن نزيد من تحريك السكين في الجرح، ومُضاعفة الحزن
والآلام التي تعْصرنا ربّما معاً.
. . قامتْ
قائلة:
. . ـ هل
أنتَ جائع؟
. . ـ
لا مليكة. تناولْتُ الغذاء في دار خالي قبل أن أجيء عندك.
. . ـ
وماذا تريد أن تشرب إذن: قهوة، شاي، عصير؟
. . ـ أيّ
شيء، لا يهمّ.
. . ـ
وأين تُقيم حالياً عبد الرحمان؟
. . ـ مع
خالي.
. . ـ
وهل عندك خال ببروكسل؟
. . ـ
عندي أخْوال وليس خال واحد.
. . وضعتْ
كأسين من العصير على الطاولة وقالتْ.
. . ـ هل
تسجّلْتَ في الجامعة؟
. ـ
نعم. أنتظر فقط تقريرهم النّهائي. قالوا أنهم سيبعثون لي بلائحة الوثائق
والمعلومات التي تخصّني لِاستكمال الملفّ هذا الأسبوع.
. . ـ وأين
سيرسلون لك الرسائل؟
. . ـ
أعطيتُ لهم عنوان خالي.
. . ـ وأين
يسكن خالك؟
. . ـ في
بلدية "لاكن".
. . ـ يمكن
أن تعطيهم عنواني إذا شِئتَ. الجامعة الحرّة قريبة من هنا.
. . ـ
ولكنني أسكنُ حالياً هناك.
ـ
سنرى عبد الرحمان.
. . نظرْتْ
مليكة إلى ساعة كبيرة فوق المِدْخنة، فقامتْ واعتذرتْ قائلة:
. ـ
الثالثة والنصف. لم نُحِسّ بالوقت يمرّ بهذه السرعة، سأذهبُ لِأحْضِرَ ابنتي من المدرسة.
.. فقلتُ
لها مُندهِشاً:
. ـ
وهل لكِ إبنة مليكة؟
ـ مع الأسف نعم عبد الرحمان، عندي بنت! كنتُ أنتظر الفرصة لِأقوله لك كل شيء. الظروف حكمَتْ. سأعود بسرعة، المدرسة قريبة من هنا. إرْتح واستلْقِ على الوثير، وابْحرْ في ذكرياتنا...
. . . عندما خرجتْ لِتأتي بابنتها من المدرسة، ذهبتُ إلى الشرفة أتأمّل المدينة وأنا أفكّر في مأساتها ومأساتي أنا أيضا: "الأقدار فعلتْ فِعْلتَها وحكمتْ"، كما قالت مليكة مُنْذ قليل. فتحْتُ باب الشرفة وبدأتُ أتأمّل الحيّ الهادئ: مرّتْ سيّدة تحمل مظلّة وتقود كلبها الصغير الأبيض المُدلّل Caniche. كان ينبح وهو يتبعها مُشاكِسا. بعض المارّة يغْدون ويروحون هنا وهناك، الكنيسة تبدو مكسوّة بالضباب والثلوج الخفيفة التي تتراقص مع الهواء، وتهطل باستمرار، والطقس بارد وقارس في بروكسل. أغْلقْتُ الباب وبدأتُ أتأمّل بِعيْنٍ فاحِصة شقّة مليكة الصغيرة والمتواضعة ذات الواجهتين: على يمين الصالون المؤثّث على الشكل الأروبي، توجد غرفة نوم مليكة، ومعها غرفة صغيرة لِابنتها التي لا أعرفُ اسمها بعد. وعلى يسار الصالون مطبخ صغير، أمّا المرحاض الضيّق، فقد كان في شرفة الواجهة الأخرى خارج الدار. وكل الأرضية مفروشة ببعض الزّرابي و"الموكيت" العادي، اِتّقاءً لِلرّطوبة. لم يكن في شقّتها لا سدّاري ولا سجادة الصلاة ولا أيّ شيء أو رمز يُفكّرنا في البلد الأم. سيكولوجيا، هذا ردّ فِعل لِلثقافة الأصلية والأصولية المُهيمنة في بلدها المغرب. إنه نوع من الهروب النفسي والعقلي من بيئة نتٍنة، وثقافة جاهلية تكره المرأة وتئِدُها حية وتُسقطها، وتُسقِط معها كل أحلامها الصبيانية البريئة. لقد تزوّجتْ وهي صغيرة، ولكنها سقطتْ. ولن يكون هذا السقوط سوى واحد من الملايين من السقوطات في مجتمعٍ ساقط أصلا..!
. . . عندما خرجتْ لِتأتي بابنتها من المدرسة، ذهبتُ إلى الشرفة أتأمّل المدينة وأنا أفكّر في مأساتها ومأساتي أنا أيضا: "الأقدار فعلتْ فِعْلتَها وحكمتْ"، كما قالت مليكة مُنْذ قليل. فتحْتُ باب الشرفة وبدأتُ أتأمّل الحيّ الهادئ: مرّتْ سيّدة تحمل مظلّة وتقود كلبها الصغير الأبيض المُدلّل Caniche. كان ينبح وهو يتبعها مُشاكِسا. بعض المارّة يغْدون ويروحون هنا وهناك، الكنيسة تبدو مكسوّة بالضباب والثلوج الخفيفة التي تتراقص مع الهواء، وتهطل باستمرار، والطقس بارد وقارس في بروكسل. أغْلقْتُ الباب وبدأتُ أتأمّل بِعيْنٍ فاحِصة شقّة مليكة الصغيرة والمتواضعة ذات الواجهتين: على يمين الصالون المؤثّث على الشكل الأروبي، توجد غرفة نوم مليكة، ومعها غرفة صغيرة لِابنتها التي لا أعرفُ اسمها بعد. وعلى يسار الصالون مطبخ صغير، أمّا المرحاض الضيّق، فقد كان في شرفة الواجهة الأخرى خارج الدار. وكل الأرضية مفروشة ببعض الزّرابي و"الموكيت" العادي، اِتّقاءً لِلرّطوبة. لم يكن في شقّتها لا سدّاري ولا سجادة الصلاة ولا أيّ شيء أو رمز يُفكّرنا في البلد الأم. سيكولوجيا، هذا ردّ فِعل لِلثقافة الأصلية والأصولية المُهيمنة في بلدها المغرب. إنه نوع من الهروب النفسي والعقلي من بيئة نتٍنة، وثقافة جاهلية تكره المرأة وتئِدُها حية وتُسقطها، وتُسقِط معها كل أحلامها الصبيانية البريئة. لقد تزوّجتْ وهي صغيرة، ولكنها سقطتْ. ولن يكون هذا السقوط سوى واحد من الملايين من السقوطات في مجتمعٍ ساقط أصلا..!
.
. لم أكن أعلم من
قبل أن لها بِنْت. مع العلم أننا حافظْنا على علاقتنا المتينة خلال كل هذه المُدّة
الطويلة من الحب والطلاق والفراق! وكنا نلتقي سنويا في عطلة الصيف، أنا آتي من الرباط، وهي تأتي من بروكسل لِنلتقي في الناظور. كما لم تنْقطع المُراسلة بيننا أبدا، ما عدا تلك الشهور الطويلة التي قضَتْها في "الكومى"، أي الغيبوبة المستمرة في المستشفى. كل ما كُنّا نعرفه في عائلتنا عنها، أنها تزوّجتْ وهي صغيرة، من أسرة قروية ريفية، هاجروا إلى بلجيكا، وأنها في السنة الأولى من زواجها، سقطتْ من الطابق الثالث، دون معرفة السّبب
الحقيقي وراء هذه الجريمة البشعة. وكان يروج في تلك المرحلة فكرة انْتحارها، هرباً
من الجحيم الزّوجي الذي سقطتْ فيه، فما كان بها سِوى محاولة قتْل نفسها بذالك
السّقوط الآليم. لِدرجة أن أمّي التي سرّبَتْ إليها أختي الصغرى ميمونت خبر تجدُّد
لِقاءاتنا بعد مأساة السقوط، وأنّني عُدْتُ من جديد أحبّها وأنوي الزواج بها،
أجابتْها أمي بِاسْتِخْفاف:
. ة. ـ كيف سيتزوّجها يا ابنتي وقد تكسّرتْ كلها،
لقد صارتْ "كَفْتة"!..
. . . نعم... تلك الكفْتة أحببتُها أُمّاه. وسأظلّ أحبّها ولوْ صارت "كفْتة"..!
. . هكذا كنتُ أفكّر في ذالك العهد الذي مضتْ عنه أكثر من 45 سنة. في تلك السنوات والعقود، كُنّا نعوم في جوّ
ثقافي غارق في الكبْت والرومانسية، تحكمه روح القرون الوسطى، مع أفلام الحب الهندية، ومؤلّفات المنفلوطي
العاطفية المائعة ك"ماجدولين" الذي قرأتُه مرّتين، وروميو وجولييت وقيس وليلى
إلخ. وكنتُ أتخيّلُ نفسي بعد سماع تراجيديا السقوط وأنها صارتْ
"كفْتة"، كنتُ أتخيّلُ نفسي أجمعُ قِطَع لحمها المُهَشّم والمتناثر على الرصيف، أجمعها بِعناية، وأضع
الكل في حفرة في حديقتي أو في أيّ مكان قريب مِنّي، فأزورها كل يوم وأسْقيها وأغرس أشجار الورد والزيزفون
بجانب قبرها، وقد أضع أمامها سجادة الصلاة لِأعبدها عند كلّ حنيني. وهكذا أعيش معها كل
حياتي ..!

. . . لاحظْتُ
مع نفسي أنّني مُنْذُ التقيتها هذا اليوم، بقيتُ طِوال وقتي معها كئيبا واجِماً
وحزينا. بل غشتْني كآبة عميقة جعلتْني لا أضحكُ ولا أبْتسِم، أوأستمتع على الأقلّ بِرؤية
مُحيّاها الساحر. كان من المنطفي والواجب، أن أكونَ اليوم مسرورا ومُبْتهِجا في
هذا اللقاء المُثير، والذي انتظرناه بِشوق منذ وقت طويل. لكن العكس هو ما وقع اليوم. إنه وجَع الذكريات الأليمة، ذكريات
الماضي التي تحكم الحاضر، والتي مهما حاولنا نسيانها، إلا أنّها تبقى محفورةً
داخلنا، وتؤثّر علينا وعلى قراراتنا. فالذّكريات التي لا تموت تُميت! وما كل هذه الفصول من يومياتي الحزينة، والفقرات المتناثرة، والنصوص المبعثرة، سِوى إملاء الذاكرة والذكريات الجريحة، وحياة مُتقطّعة، تحوّلتْ إلى قُصاصات وشذرات لاسِعة..!
.
. سمعْتُ مليكة تفتح الباب وتتحدّث مع ابنتها. ولمّا دخلتا، أمَرَتْ اِبنتها
بالسلام عليّ. فقُمْتُ وقبّلْتُها وسألتُها:
. .
ـ ما اسْمُكِ صغيرتي الجميلة؟
.
. ـ نادية. نادية السّعودي.
. . ـ أصْلحكِ الله يا ابنتي نادية.
يتبع





Afficher les commentaires