الفقرة 53 ـ باب الجنّة ـ الحياة في بلجيكا

باب الجنّة

الحياة في بلجيكا





باب الجنّة



ء. .  خلعتْ مليكة مِعْطفها ومعطف ابنتها وعلّقتْهما، وقالت تخاطب ابنتها بالفرنسية:ء
ء. .  ـ نادية، هذا هو جاري عبد الرحمان الذي حدّثْتُكِ عنه سابقاَ.ء
ء. .  ـ تذكّرْتُ ماما. قلتِ لي أنه رسّام ماهر. أريدُ أن يعلّمني.ء
ء. .  ـ نعم يا ابنتي، سيعلّمُكِ وسيساعدكِ حتى في واجباتِكِ المدرسية، وسيسكن معنا.ء
ء. .  تفاجأتُ بهذا القرار الذي اتّخذتْهُ مليكة بمفردها دون استشارتي في هذا الموضوع، موضوع الإقامة معها في شُقّتها. ولكن لا حرج. أنا جئتُ هنا أصلا على أساس الزواج بها كما اتّفقْنا. وإلاّ لَانْتظرتُ جواب جامعات بريطانيا أو سان فْرنْسيسكو بِأمريكا لِأتابع دراساتي العليا. فبعد نجاحي في الليسانس، كنتُ قد اخترتُ هذين البلدين الأنكلوفونيين لِكوني أُتْقن الإنجليزية أحسن من الفرنسية. وبعد أن تشاورْتُ مع مليكة بهذا الخصوص، نصحتْني بالدراسة في بروكسل حيث تُقيم، وهي مَنْ أتتْ لي بعنوان الجامعة الحرة حيثُ تسجّلْتُ بِالأمْس. لِحُسْن حظ مليكة، أن الجامعة الحرة ببروكسل هي أوّل من قبلتْ تسجيلي وأجابوني. وهذا كان يصُبُّ في خانة حظّها.ء
ء. . أشعلتْ نادية التلفاز وجلستْ على الزربية تتفرّج في الرسوم المتحرّكة على القناة الفرنسية الأولى..TF1 
أمّا مليكة، فقد طلبتْ مِنّي مُرافقتها إلى المطبخ لِتهيَء القهوة.ء
ء.  ـ هل أعْجبتْكَ شُقّتي عبد الرحمان؟ المطبخ ضيَق ولكنه يكفينا أنا وابنتي وحتى...ء
ء. .ـ وحتى ماذا؟.ء.
ء   ـ يعني تكفينا نحن الثلاثة، أنا ونادية وحتى أنت.ء
ء.. ـ أشكرك .حبيبتي الغالية لِأنكِ تفكّرين فيّ. إنها شُقّة جميلة. الفضل يرجع إلى ذوقكِ الراقي. ومن يساعدك في العيش وتأدية إيجارها؟.ء
  . ـ أنا بدراهمي. يعني بِأجرتي.ء
. . ـ وهل تعملين؟ء
ء. ـ لا. ولكني أُعْتَبّر في القانون البلجيكي مريضة، لِأنها حادثة عمل، ويعطوني بما أعيش، ويساعدونني في كل ما أحتاج. القصة طويلة ومُتشابكة. سأحكي لك كل شيء لاحِقا، فلَدَينا ألف حكاية وحكاية نرْويها لِبعضنا البعض في المستقبل.ء
ء    اِنتهتْ مليكة من تهْيئ القهوة، فساعدتُها في نقل الفناجين ومربى المشماش والزبدة إلى مائدة الطعام. وتبعتْني حاملة إبريق القهوة. ثم طلبتْ منّي أن أرافقها لِأرى الشقة:
ء. .  ـ هذه غرفة نومي، وهذه الغرفة الصغيرة لِابنتي نادية. كما ترى، فيها سريرها ومكتبها ولُعبها. لقد علّمتُها كيف تكون منظّمة وتجمع غرفتها. لن تكون ابنتي نادية عقَبة في طريق زواجنا.ء
ء. .  نظرتْ في عيوني مبتسمة وقالت:ء
ء. .  ـ هل ستبْقى معنا عبد الرحمان؟ء
ء. . ـ نعم مليكة، سأبقى معكم.ء
ء. . ـ أنا فرحة أن تكون لي أخيرا بعد كل المشاكل والصِّعاب التي عِشْناها ومررْنا بها. وستفْرح نادية أكثر مِنّي لِأنها تعيش وحيدة معي. كنتُ دائماً أتحدّثُ معها عنْك لِأُهيّؤها نفسياً لِتقبل الوضعية الجديدة. لِحُسْنِ الحظ أنها فتاة، أمّا الفِتْيان، فهم أكثر غيرة ومُشاكسة، ولن يقبلوا أن تتزوّج أمُّهُم أبدا.ء





مليكة وابنتها سنة 1981



ء. .  عُدْنا إلى الصالة لِنتناول القهوة. فقلتُ لها:ء
ء. . ـ بِودّي أن نخرج جميعا هذا المساء ونتناول العشاء في المدينة، ولكن دراهمي قليلة. لم أشتغل مُنْذُ أسبوع.ء
ء. . ـ وفي ماذا تشتغل؟ء
ء .  ـ أكتُبُ الآيات وأبيعها للمغاربة، وأرسم الدّعايات على واجهات الدّكاكين. أفعل هذا وأملأ به وقتي الفارغ في انتظار وصول مِنحتي الدراسية.ء
ء. .  ـ هذا شيء جميل فنّاني العزيز. ربّما سأجِد لك خدمة. زوج جارتنا ظْريفة فتح سمّاكة، ويبحث عن مَن يكتب له "سمّكة مالقا" على زجاج النافذة الكييرة. إنه قريب من هنا. سأخْبِر زوجته وسنرى.ء
ء. .  أشكرك حبيبتي مليكة.ء
ء. ـ إذا رغبْتَ أن نتعشّى في المطعم يمكن لنا ذالك.ء
ء.   ـ لا مليكة، فقط أريد أن نخرج يوما معا. ستكون هناك مناسبات أخرى.ء
ء. . ـ عبد الرحمان، إذا كنتَ في حاجة إلى النقود خُذْ بِطاقتي البنكية واسْحَبْ ما تريد. وإذا كنتَ تعرف تاريخ ميلادي، فذالك هو رقمي السّرّي لِلسّحْب. هذا لُغْز مِنّي إليك.ء
ء. .  ـ هههههه ! فهمتُ، 1966. ولكني لستُ بِحاجة إلى بطاقتك حبيبتي. سأشتغل وأربح الكثير. شكرا لك على كل هذه الثّقة التي تمْنحينني، أُقدِّرُ فيك هذا النُّبُل، وهذه المَلَكة يا مليكة.ء
ء.  . فضحكتْ بابتسامتها الساحرة وقالت:ء
ء.   ـ حبيبي ليس فنان فقط، بل شاعر أيضا.ء
ء. . تأمّلتْ هيأتي وملابسي وأرْدفَتْ:ء
ء . .ـ عبد الرحمان، غدا ستذهب معي إلى مدام Jakline, رئسة مركز التعاون الاجتماعي لِتختار لك معطفا غليظا يقيك البرد. طقْس بروكسل البارد، ليس مثل الناظور أو الرباط.ء
ء. . ـ كيف؟ هل يُعْطون الملابس مجّانا؟ء
ء. . ـ نعم. كل ما في هذد الدار من أثاث وخزانات وغرف نومنا وديكور، أرسله المركز لي مجّاناً، أنا أعْزلُ وأختار، وعُمّالهم يأتون بكل شيء، ويقوموا بجميع المهمّات من تنظيم وتركيب إلخ. أنا لي أجرة شهرية من صندوق الضمان الاجتماعي المتعلَق بالمرضى. ولكنها أجرة زهيدة توفر لنا الضروريات التي نحتاجها في حياتنا اليومية ومصاريف الكراء والماء والكهرباء.ء



  1. ء. .  لم أتأسّف لِوضْعها لِأنها كانت تعيش حياة كريمة. ولكني قرّرتُ العمل لِمساعدتها لِتعيش في مستوى أرْقى. كما نويْتُ الزواج بها لِعُمْقِ حبي لها ولوْ أنها خانتني وصدمتْني بزواجها. فضممْتُها إليّ بحركة فجائية تقريبا لاشعورية، وعصّرتها مع جسدي. كانت قامتنا متلائمتان تماما، وبدأتُ ألامِس ظهرها وأقبّل عنقها الرّخامي الأبيض. وأشمّ رائحة شعرها المُعطّر بماء الورد، فبدتْ لي مثل الآلهة فينوس، إيقونة جمال. تخيّلْتُ أني أضمّ وردة ناعمة، وفراشة رهيفة، حطّ تيهانها في مرسى جزيرتي، فقفزْتُ أرقص فرحاً لِرجوع حبيبتي، وأعانقُ كل سعادة العالم في غرفتي، وأنني في هذه المرّة فعلا، على عتبة باب جنّتي..!ء




يتبع


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.