الفقرة 54 ـ قرار الزواج ـ الحياة في بلجيكا
قرار الزواج
الحياة في بلجيكا
قرار الزواج

- ء لم يكن مشروع زواجي بها هذه المرّة، تعبيرا عن إخلاصي ووفائي لها فحسْب، ولا عن حبّ فقط. بل كان مزيج من الحب والشفقة معاً. نعم، إنْضافتْ الشفقة إلى حلم اِسترجاع حبي الأول، فتعقّدَ المشهد. والآن عليّ مسؤولية إدارة هذه الأزمات النفسية المعقّدة، وإيجاد التوازنات الضرورية لِتخفيف الضغوط. الضغط يولِّد الاِنفجار، وأنا لا أريد أن أنفجر، أو أقع صريع سكتة قلبية، أو ضحية جلطة دماغية!
. . ليس هناك أقبح من أن تمشي في طريقٍ ما بدون هدف ولا خارطة الطريق. أو تتصارع مع ظروف الوجود، بدون أن يكون لك بوصلة، أي هدفٌ يُسيِّرك ويهديك، وتحاول تحقيقه، وبالتالي تحقيق ذاتك نفسها. وأن تكون عندك رؤية واضحة جدّاَ عمّا تروم تحقيقه من غايات في هذه الحياة. وكل طريق بدأنا السّير فيها بدون هدف، سيكون مضْيعة للوقت، وغرْبلة للريح، وحتى إذا وعينا المشكل فيما بعد، وأردنا تداركه والرجوع إلى الوراء، سيكون قد فات الأوان، فلا بدّ من الرجوع إلى نقطة البداية، نقطة الصفر. لذالك يجب قبل أيّ انطلاق، تحديد الهدف أولا، ثم الاِقتناع به ومحبّته. وهذا هو سرّ النجاح في كل أو أغلبية المشاريع، ومنها مشاريع الزواج. قد نقول مجازا وليس علميا، أن الحيوانات تعيش بلا هدفٍ خاص بها لانها عديمة الطموحات والتفكير، وأنها مجرّد أدوات ووسائل، تُسخّرها الطبيعة لِتطبيق قوانينها الحتمية، وتحقّق من خلالها أهدافها الجوهرية، وهي حفظ البقاء للكائنات الطبيعية، من حيوان وجماد، وعدم انقراضها. أما بالنسبة لِلإنسان ككائن عاقل، وأحيانا كحيوان مُفكّر، فلا يمكن ولا يجوز له أن يعيش بلا أهداف شخصية ومبادئ أخلاقية عُلْيا، يحاول تحقيقها في حياته. فما الحياة سوى لحظات عمْر نحقّق فيها ما نحلم به من رغبات وإرادات واستيهامات ومبادئ مثالية، وهكذا، وبهذا التّسامي ورقيّ الأفكار والتصعيد الإيجابي، سنتغلّب على عبث الحياة ولا معناها، ونرتقي دائما ألى الأعْلى. الحياة حديقة نزرع فيها كل ما يمكن أن تشتهيه نفوسنا. ويُشفي غليلنا إلى الجمال والكمال. وبمقدور الإنسان أن يجعل منها جنة عدن، أو جحيم إبليس. أنا الآن في مُفْترق الطرق، ولابُدّ لي من حسْم هذه القضية الآن. هل سنتزوج أم لا؟ مشكلتي هي أنتِ حبيبتي رشيدة، والعهد الذي قطعته لكِ على أن أبقى مُخلصاً لكِ. ولكن كيفما كانت ظروفكِ الصحية والنفسية، فهي أحسن مرْات ومرْات من مليكة الجريحة واليائسة من الحياة، وتعيش في الغُرْبة. ويجب أن أقرّر الآن قبل فوات الأوان، وأن أقرّر وحدي دون أن أستشيرها. وليست هذه أنانية، لِأنها منذ تزوّجتْ رغما عنّي، تهاوى عِقْدنا الاخلاقي الذي اتّفقنا عليه، وتكسّرتْ ثقتنا، وتزعْزعَ اتّحادنا، وقتلتْ بزواجها حبّنا. ولكنها أمامي الآن هنا، في بيتها، مُحطمة النفس، ومعطوبة الصّحّة. لَمْ أخبرها بعد عودتها من المدرسة أنني تفسّحْتُ في كل غُرف شقّتها، وأنني رأيتُ في خزانة ثيابها، العُكّازين الذيْن تستعين بهما في المشي. ولم تعرف أنني أعرف أنها تستعملهما دائما، وأنها اليوم تخلّتْ عنهما لِكيلا تبدو عرجاء، بسبب كسر عظامها في حادثة السقوط المُفْجِع، والذي حوّلَ حياتها إلى جحيم مُستمرّ.ء
ء. . بعد كل الذي ذكرتُ عن حياة مليكة وحبي لها، والظروف التي جعلتني أقْدم على هذا المشروع، وأُكسِّر عهدنا، هل تسمحين لي بالزواج بها الآن؟ أرجوكِ رشيدة، تفهّمي موقفي الإنساني، وقولي نعم...ء
أيْقظني من
تيهاني الفكري صوت مليكة تناديني وهي تحمل العكّازين:ء
ء. . ـ عبد الرحمان، هذين العكازين أمرني الطبيب
باستعمالهما لكيلا أتألّم. البارحة ذهبتُ إلى المدرسة بدونهما فتعذّبْتُ كثيرا.ء
ء. . ـ بطبيعة الحال حبيبتي، اِستعمليهما.ء
ء ـ هيا نادية، خذي محفظتكِ لِنرافقكِ لِكي
يعرف عبد الرحمان مدرستك. وهكذا سيساعدني على مرافقتك حين أكون مشغولة أو مريضة.ء
ء. . بعد أن دخلت نادية إلى المدرسة، ذهبنا أنا ومليكة
لِزيارة المركز الاجتماعي. أخذنا التّرامْواي 81. ونزلنا بعد محطّتين. كان المركز
قريب من دارنا، بِبِناية كبيرة تحتوي على كثير من الغُرف التي تُستعمل لِخزن
المواد الغذائية، والثياب، وخزانات وطاولات وكراسي وصحون، فضلا عن الكتب ومختلف
أنواع الديكورات... كان الناس يدفعون للمركز كل ما لا يحتاجونه، لِيوزّعه
المسؤولون بدورهم على المحتاجين من المواطنين. مسألة تنظيم لِتسهيل الحياة في المجتمعات الراقية. غابتْ
مليكة بعض دقائق، لتعود ومعها ورقة تسمح لها بأخذ ما تشاء من الثياب. قدّمتْ لي
معطفا رماديا وطلبت مني أن ألبسه. أعجبنا، فأخذناه وخرجنا. وقالت مليكة وهي تُشير
إلى بِناية رسمية عليها علم بلجيكا:ء
ء ـ ما رأيك عبد الرحمان، البلدية هناك. لماذا لا
نذهب لِيعطونا معلومات عن الزواج؟ء
ء. . ـ كما تشائين حبيبتي.ء
ء. . وعندما دخلنا في مكتب الزواج، أعطى لنا المسؤول ورقة
بأسماء الوثائق اللازمة لِمشروع زواجنا، مع موعد عقد القران.ء
يتبع


Ajouter un commentaire