الفقرة 55 ـ التسجيل في الجامعة ـ الحياة في بلجيكا
التسجيل في الجامعة
الحياة في بلجيكا
ء. . عام 1981، اليوم الأربعاء 12 من أيام سبتمبر الباردة، ألْقيْتُ نظرة من الشرفة الشمالية، ما زالت الثلوج الخفيفة، تسقط بهدوء، وتُغلِّف ببساطها الأبيض أرْجاء المدينة. الجوّ بارد، والسماء مُلبّدة بالسحب الدّاكنة. فكّرْتُ في خالي محمّادي وعائلته. يجب أن أزورهما اليوم، سيكونون مُشوّشون عليّ، ولاسيّما أني لِأول مرّة أقضي الليلة خارج الدار بعيدا عنهم. وسآتي أيضا بوثائقي وصباغتي لِأبدأ العمل. سأرحل عنهم بصفة نهائية، وسأعيش في دائرة "إيترْبيك" الغنية، والتي يوجد فيها البرلمان الأوروبي، والمركز الإسلامي، وأخيراً شُقة حبيبتي.ء
ء. . رافقْتُ نادية إلى مدرستها هذا الصباح، وأخذتُ الترامواي
81 الذاهب إلى "لاكن". أعرفُ أنه يقوم بدورة كبيرة ليصل إلى وجهتي. ولكني لم أضيِّع وقتي. وضعْتُ برنامجا ذِهْنيا للأسابيع المقبلة، خارطة الطريق كالعادة. ثم تاه خيالي أفكّر في مليكة وكيف شتّتَتْنا الأقدار ولوّحتْنا بعيدا عن بعضنا. كيفما كان الحال، فقد كان
قدَراً سيِّئاً لِلغاية، وآذانا وأوْجَعنا جميعا. على ما أتذكّر، تزوّجتْ مليكة في
الخامسة عشر من عمرها. كان ذالك في بداية السّتّينات. كانت طفلة تسكن بجوارنا في شارع المغرب العربي
قُرْبَ السوق ورجال المطافئ. وكانت تلميذة تدرس في مدرسة سيدي عْلي تِمْكارتْ، قرب
مدرستي إبن خلدون. كان حيُّنا الهادئ يزدادُ جمالا عندما تخرج مليكة بِأناقتها المعهودة، تقطع بعض الأرصفة بمشيتها الهادئة، لِتشتري شيئا
من دكاكين قيسارية الناظور، أو تخرج من دارها لِتذهب إلى المدرسة الإسبانية لِتتعلّم
الخياطة، أو إلى أيّ مكانٍ آخر، ك "كورنيش سيدي عْلي" مثلا في أيام الربيع والصيف. ولكنها لم تكن تخرج وحدها أبدا. كانت دائما رفقة
أمّها أو أختها، أو إحدى صديقاتها. عندما تمُرَُ أمام دارنا، كنتُ أجلسُ على العتبة كالرّاهِب، وأتأمّلها
تمشي بهدوئها الملائكي. كانت كالحمامة، وكانت مشْيتُها وحدها تخْلُبُني وهدوءها يُبْهِرُني، وجلبابها الرمادي المفتوح اللّون،
وشعرها الأسود المطلوق على كتفيها، وابتسامتها الساحرة... كانت مليكة باختصار، أجمل فتيات حيّنا، بل أجمل إيقونه
في العالم كله بالنّسبة لي.ء
ء. . عُدْتُ من "لاكن" في نفس الترامواي 81 الذي
ذهبْتُ فيه. كما عُدتُ بنفس التفكير: موضوع ارتباطنا المُقْبِل أنا ومليكة. بقي
أسبوع فقط على موعد زواجنا. عندما وصلْتُ إلى البيت، وجدتُ مليكة جالسة في الصالون مع أخيها محمد الذي جاء بِمنحة من الناظور لِيدْرسَ الفن المِعْماري في بروكسل. كان يسكن معها. سلّمْتُ عليه وجلستُ قرْبهما على الوثير. كانا يتحدّثان في موضوع زواجنا القريب. وكان محمد عندما نتحدّثْ معاً، يبتسم ويضحك. كان شريكنا في قصة حبِّنا أنا ومليكة. هو الذي كان يحمل رسائلي المكتوبة والشّفوية إليها. لقد عاش معنا تفاصيل قصة حبّنا مُنْذُ البداية، وهاهو سيكون شاهِداً في عُرْسِنا الأسبوع المُقْبِل. إنها صيرورة الأقدار، ومُرونة الأفكار...
سمعنا طرْقاً على الباب، ولمّا فتحتْ مليكة، سمعناها تقول:
ـ أدخل السيد "كِسْتنْس"، مرحبا بك
دخل رجل بلجيكي طاعِن في السِّنّ ويتّكِئ على عصا. وقدّمَتْهُ مليكة على أنه مالك العمارة.
جلس السيد "كِسْتنْس" على الوثير وقال لها مباشرة وبدون مُقدِّمات:
بعد أن شرب السيد "كِسْتنْس" كأسه، قام فودّعنا وذهب. ثم تبعه محمد ليذهب إلى الجامعة. وبعد ذالك، دخلتْ مليكة الى المطبخ لِتهْييئ الغذاء وهي تقول:ء
سمعنا طرْقاً على الباب، ولمّا فتحتْ مليكة، سمعناها تقول:
ـ أدخل السيد "كِسْتنْس"، مرحبا بك
دخل رجل بلجيكي طاعِن في السِّنّ ويتّكِئ على عصا. وقدّمَتْهُ مليكة على أنه مالك العمارة.
جلس السيد "كِسْتنْس" على الوثير وقال لها مباشرة وبدون مُقدِّمات:
ـ السيدة مليكة، تعرفين أن هذه الشقة اِكتريتُها لك على أساس أن
لا يسكن فيها أكثر من ثلاثة أشخاص، أنتِ وابنتُكِ وأخيك.
فقاطعتْه مليكة:
ـ أعرفُ مَسْيو "كِسْتنْس"، هذا زوجي
وهو الذي سيسكن معي، أمّا أخي فسيسكن مع خالي في شقة أخرى قريبة. هل تريد كأس شاي
مغربي أم فنجان قهوة؟
ـ كأس شاي من فضلك.بعد أن شرب السيد "كِسْتنْس" كأسه، قام فودّعنا وذهب. ثم تبعه محمد ليذهب إلى الجامعة. وبعد ذالك، دخلتْ مليكة الى المطبخ لِتهْييئ الغذاء وهي تقول:ء
ء. . ـ عبد الرحمان، موعد الزفاف يقترب، بقي أسبوع فقط. سيلزمنا
شراء لباس جديد لك، وخواتم الزواج، وفستان العرس لي يوم نذهب إلى البلدية.ء
ء. . ـ هل سيكون هناك مدعوّون؟ء
ء. . ـ كلاّ، سيكون هناك القاضي الذي سيزوّجنا، وشاهدين، وأخي محمد وخالي لحسن، وفنان يعزف
موسيقى صامتة.ء
ء ـ بحضور أخيك وخالك سيكون الزفاف عائلياً، وبهذه اللّمْسة الموسيقية، سيكون زواجنا رومانسياً وباهراً.
فابتسمتْ وأجابت:
ـ آمل أن نتجاوز هذه المرحلة بخير.
- ء. . مضت الحياة هادئة، لا تعكّرها سوى الهجمات المفاجئة
لبعض الذكريات الجارحة والأليمة، والتي كانت تُداهمني من حينٍ لِآخر على حين غرّة،
فتُسبّبُ لي قلقاً عميقا، وفوْضى في علاقتنا العاطفية. وما عدا ذالك، كانت كل
الأمور تسير بخير وعلى ما يُرام: مليكة تهتمّ بشؤون البيت والتّسْويق وتربية
ابنتها، ومُشاهدة القنوات التلفزية الفرنسية، وأنا أدرس في الأكاديمية الملكية
للفنون الجميلة، وأشتغل في الدعاية وكتابة الآيات القرآنية وبيعها للمغاربة المُقيمين هنا
في ديار الغُرْبة. ألي أن جاءني جواب الجامعة الحرة عن طريق البريد، يتضمّن وثائق يجب
إحْضارها مُترْجمَة من المغرب، مع كل مقرّر الجامعة في علم النفس لمدة أربع سنوات.
ولمّا قُمْتُ بجمعها كلها بعد ثلاثة أسابيع من الانتظار وتعطّل البريد، اِجتمعتْ هيأة أساتذة
الجامعة لِلبثّ في مِلفّي، فقالوا إن ما درسناه من علم النفس في المغرب نظري أكثر مِمّا هو علمي، وفيه
فجوات كثيرة، ومواد مهمة لم ندرسها. بمعنى أن إجازة الليسانس في علم النفس غير مُعادل لِليسانس بلجيكا، وأن مستوى تعليمنا في المغرب ضعيف. ولمّا اسْتفْسرْتُ عن البديل، خيّروني بين أن أعيد السنة الأخيرة في علم النفس في الجامعة، أي أكرّر السنة الرابعة، وهذا يُخوّلُني تهييئ الدكتوراه، أو أدرس عامين لِانال دِبْلوم جديد في علوم البيداغوجية وعلم النفس التربوي Poste graduat en psychopédagogie، ما يعادل الماسترز: Master en sciences de l'éducation. فقبِلْتُ الاقتراح الأخير الذي يتكوّن مُقرّره من 13 مادّة وأطروحة آخر السنة، وهذا الدبلوم العالي يعطيني الحق أيضا في تهييئ الدكتوراه. وقد كان موضوع الأطروحة: "أسباب التخلّف المدرسي عند أبناء الجالية المغربية المهاجرة". وكان الدكتور "فاندِفِلد" والدكتورة مدام "بْلومار" والدكتور "جوريس" هم المُشْرفون على مناقشة الأطروحة.
يتبع



Commentaires
Enregistrer un commentaire