الفقرة 56 ـ سيكولوجية الحب
ءكانت الظروف التي تزامنتْ مع زواجنا صعبة للغاية من الناحية المادية.
أجْرة مليكة زهيدة، ومنحتي تعطّلتْ على الوصول. ولا من مُعين لنا ما عدا ما كنتُ
أربحه بعملي لِسدِّ بعض الثغرات الثانوية. لذالك اشترينا خواتم زواجنا من معدن
النيكل الرّخيص، ولباس (كوسْتيم) جديد لي، وقد عانيْنا الكثير أنا ومليكة من أجل
أن نجد الحجم الذي يناسبني لِأن هيأتي كانت نحيفة من شِدّة التفكير والعمل والدراسة. كم اشترينا فستان عرسها الأبيض بعد إلحاح مٍنّي، لِأنها كانت ضد فكرة أن تلبس فستان الزفاف لِكونها سبق أن لبستْ مثله في عرسها الأول بدون فائدة، بل عاد عليها بكارثة أليمة. وفي ليلة العرس، طبخْنا دجاجة، ولكننا لم نأكلها، لِأننا كنا مضطرّون لحظور
حفلة ليلية في مدرسة نادية الابتدائية. أمّا يوم غد عرسنا، فقد أمْضيناه في مساعدة
محمد أخو مليكة، لِيرْحل ويسكن مع خاله لحسن في شقة غير بعيدة. وقد كان ذالك
اليوم قارس البرودة، والثلوج لا تنْقطع عن التّهاطل لِدرجة صار كل شيء أبيض، كأنَّ بروكسل تحوْلَتْ إلى قُطْب شمالي مُتجمّد. وكانت أصابعي الزرقاء المُتجمّدة توجعني بالبرد، ونحن نُحاول دفْع موقد الفحم الفولاذي الثقيل جدا فوق الثلج على رصيف شارع :أليكس
مارسيت" بِإيتربيك.
كان أصْعب شيء في ذالك
الرحيل هو موقد الفحم هذا، لِأننا أمْضيْنا صبيحة ذالك اليوم في محاولة حمْلِه
نحن الثلاثة وإخراجه من درج العمارة لِكيْلا يُكسّر السُّلّم الخشبي، ومحاولة دفْعِه على الرصيف لِمدّة طويلة بدون نتيجة مهمّة. كانت مليكة تُطلّ علينا من الشرفة لِترى أين وصلنا.
ثم رَمَتْ لنا إزاراً قائلة:
ـ فرّشوا الإزار فوق الثلج
وضعوا فوقه الموقد وسيسهل عليكم دحْرجتُه وجرُّه على الجليد.
كانت فكرتها صائبة، وقد ساعدنا على مهمة جرّ الموقد الثقيل
كوْن الطريق لِحُسْن الحظ، كانت مُنْحدرا سهلا.الموقد الحديدي الثقيل
إستمرّت الحياة السعيدة مع زوجتي مليكة تسير بهدوء رومانسي هائل. وكِلانا يحب الهدوء، لكن الأسباب مختلفة عند كل واحدٍ مِنّا: أنا كنتُ أحب الهدوء لِأنه تُحتِّمه طبيعة ظروف عملي. كنتُ أسْتغرقُ معظم أوقاتي في أنشطة فكرية وذهنية ودراسات فلسفية، وخيالية إبداعية وسُرْيالية، وهذا النوع من المواضيع يتطلّبُ ترْكيزا شديدا وهدوءاً شاملا، لِيتمّ اسْتيعابها وفهمها وتحليلها. وأحيانا لِأكسّر الصمت الشامل، أشعل موسيقى كلاسيكية هادئة بدون كلمات، لِكيلا تُشتّتُ ذِهني وأغيب أو أبتعد عن الموضوع الذي أدرسه... أمّا مليكة، فقد كانت تحتاج إلى الهدوء لِكي تفكّر في مآسيها وحياتها المحطّمة، وبسبب آلامها المستمرّة في ركبتها اليمنى التي كانت دائما تشتكي منها. وكذلك بِفِعْلِ اكتئابها المزمن نتيجة دراما السّقوط، والبقاء بين الحياة والموت لِمدّةٍ طويلة. لِكلّ هذا كانت حبيبتي تحب الهدوء...
كانت مليكة تهتمّ بِأشغال البيت، وتربية ابنتها، ورؤية القنوات الفرنسية. فضلا عن الأوقات التي تُمْضيها مع بعض صديقاتها وجاراتها، مثل السيدة هْنية البيضاوية المجاورة لعمارة شقتنا، والتي كان زوجها وهو إبن عمها يسوق "الترامواي". وقد وقع لهما زلزال عائلي وصدمة مؤلمة حين تزوج عليها زوجها من جديد، فتشتّتتْ كل العائلة وكل البنات الأربع. ومات ابنهما المعوّق الوحيد. وقد كان "منغوليا" بسبب زواجهما من العائلة. هكذا كان نمط حياة مليكة، في حين كنتُ أنا أدرسُ كتب التربية وعلم النفس ومُقرّر الجامعة، وأحيانا أخرى أرسم المناظر الطبيعية، وأخطّط آيات القرآن، وأكتب الدعايات على واجهات الدّكاكين التجارية المغربية لِأربح النقود، في انتظار وصول مِنْحتي المتعطّلة. إلى أن فاجأنا ذات يوم، أبُ مليكة وهو يدقّ الباب علينا. كانت مليكة فرِحة برؤية أبيها الذي جاء ليُبارِكَ لنا زواجنا. وفاجأني برسالة مدّها لي قائلا:
كانت مليكة تهتمّ بِأشغال البيت، وتربية ابنتها، ورؤية القنوات الفرنسية. فضلا عن الأوقات التي تُمْضيها مع بعض صديقاتها وجاراتها، مثل السيدة هْنية البيضاوية المجاورة لعمارة شقتنا، والتي كان زوجها وهو إبن عمها يسوق "الترامواي". وقد وقع لهما زلزال عائلي وصدمة مؤلمة حين تزوج عليها زوجها من جديد، فتشتّتتْ كل العائلة وكل البنات الأربع. ومات ابنهما المعوّق الوحيد. وقد كان "منغوليا" بسبب زواجهما من العائلة. هكذا كان نمط حياة مليكة، في حين كنتُ أنا أدرسُ كتب التربية وعلم النفس ومُقرّر الجامعة، وأحيانا أخرى أرسم المناظر الطبيعية، وأخطّط آيات القرآن، وأكتب الدعايات على واجهات الدّكاكين التجارية المغربية لِأربح النقود، في انتظار وصول مِنْحتي المتعطّلة. إلى أن فاجأنا ذات يوم، أبُ مليكة وهو يدقّ الباب علينا. كانت مليكة فرِحة برؤية أبيها الذي جاء ليُبارِكَ لنا زواجنا. وفاجأني برسالة مدّها لي قائلا:
ـ عبد الرحمان أمك وأختك ميمونت تُسلّمان عليك. وهذه الرسالة أرْسلتْها لك أمّك، قالت أنها جاءت من
الرباط.
شكرْتُه وفتحْتُ الرسالة فوْراً وبدأتُ أقرأها، جاءتْ من وزارة التعليم العالي من الرباط، قسم المِنح
لِلدراسات العُلْيا. يخبرونني فيها بوجوب إيفائهم بوثيقة شهادة الازدياد كاملة، وحسابي البنكي عندما أكون في بلجيكا، لِلإفراج عن المنحة وإرسالها. المشكل أنني يجب أن أعود إلى الناظور، ثم أذهب إلى قيادة بني سيدال لِأرسل لهم هذه الوثيقة الضرورية، وهذا مستحيل في ظلّ الوضعية المادية الرّاهنة. لن أجد ما سأؤدّي به ثمن تذكرة السفر في الطائرة. فداخَ رأسي، ولم أعرف ماذا سأفعل. فجلسْتُ مُنْهاراً على الوثير وأنا أحاول أن أتحكّمَ في عواطفي وألاّ أُبْدي غضبي وخيبة أملي. لِحُسْنِ الحظّ لم يلاحظا انفِعالي بسبب اِنْهماكهما في الحديث عن أخبار العائلة. فسألتْ مليكة:
ـ أبي، وكيف حال جدّتي؟
ـ إنها بخير يا ابنتي. جدّتُكِ الحاجة طاعنة في السِّنّ، ومع ذالك صحّتُها أحسن من صِحّتي...
راقني أن أسمعَ الحديث بين عمّي السعودي أحمد وابنته مليكة زوجتي، وهما يتبادلان أخبار العائلة. كان مُطْمئنٌّ بزواجها بي، وأنا أيضا كنتُ أريد أن تفرح بهذا الزواج ويكون بابا مفتوحا لِسعادتها التي طلّقتْها منذ زواجها، ولوْ أنني لا أمْلِكُ ما أقدّمها لها الآن ما عدا الاِحترام والإخلاص والوفاء لها. وأهبُها كل حياتي ووجْداني. وأساعدها على ملْء وإشباع مشاعر الحب التي كانت بحاجة إليها ككل اِمرأة. أما أنا، فلم أكن مُقتنِع بوجود الحب أصلا. أي حب الأزواج لِبعضهم البعض، وليس الحب الأمومي الطبيعي طبعا، لِأن هذه غريزة طبيعية وضرورية للبقاء على الحياة وعدم اندثار الجنس الآدمي. كنتُ أعتبرُ الاحترام والثقة هما أساس الحب ونجاح كل العلاقات بين الناس وليس العكس، نوع من الصداقة العميقة التي تؤدي إلى التزاوج والإستنسال. وأن الحب ليس مادّة صافية، بل مزيج من العديد من الكوكتيلات، أهمّها الغريزة الجنسية، والصداقة، والتّعوّد، والجاذبية (الجسدية والعقلية وما إلى ذلك)، والخوف من أن يكون الإنسان وحيدا. لِأنه لوْ كان الحب الرومانسي الحقيقي موجودًا كما نؤمن به ونودّ وصفه في الأفلام والكتب وغيرها؛ عندها لاستطاع الفرد أن يختار شريكه بغض النظر عن جنسه أو وضعه الاجتماعي أو عمره أو لياقته البدنية ... إلخ. ومن الواضح أن هذا ليس صحيحًا في الواقع، وغير موجود. أمّا ما هو واضح فعلاً، فهو أن المحور الأساسي للحب، وركيزته ، هي الغريزة الجنسية. ولا أدلَّ على ذالك من أن الإنسان يبدأ بالشعور بالجاذبية الجنسية في فترة المراهقة، لِأنه حينذاك يكون بالغا من الناحية البيولوجية والفيزيولوجية والسيكولوجية، ويقدر على الإنتاج والتناسل والممارسة الجنسية، بسبب إفرازات هرمونات النموّ والليبيدو، أي الطاقة الجنسية، كمُحرّك طبيعي لِحفظ بقاء الكائنات الحية. وهذه الممارسة الجنسية تكفي وحدها للتكاثر، أي أداء وظيفتها البيولوجية الطبيعية، والبقاء على قيد الحياة بدون حب. فالحب هنا عديم الفائدة ولا وظيفة أساسية له لا في الإشباع الجنسي (الأوركازم)، ولا في وظيفة الإنجاب والتكاثر وحفظ النّسل. شطحتْ في ذِهْني فكرةُ الآن، سأحكيها لكم أيّها الإخوان، ولكن لا تقولوا إنها فكرة مجنون أو سكران: هل تعلمون أين تتجلّى عبقرية الطبيعة؟ إنها تُطبّق مع الإنسان المفهوم السياسي المتعلّق بِ"اللاّمركزية الموسّعة". فهي تخلق الكائن الحيّ وتُجهّزه بما يلزم من ميكانيزمات ومختلف آليات الدفاع عن النفس، وتقنيات وغرائز لِحفْظِ نوعه من الاِنقراض، ومنها الغريزة الجنسية كمحرّك لِلدّافِع الجنسي لِلتكاثر، وغريزة الخوف التي تساعده على تجنُّب الأخطار التي يمكن أن تُهدّد حياته. أما الحب الزوجي فهو ليس غريزي، وإنّما قبس من غريزة الحب الأمومي، وهذا الحب وكل ما جاوره من تغزُّل وأدب وحسن المعاملة والعبارات الرقيقة والخجل والقبلات وإهداء الورود وكتابة الرسائل، فهو الهامش الحر الذي يُترَك للإنسان لِإضافة أشياء جديدة وإبداعات من عندياته. هذه هي "الجهوية الموسّعة" الإيجابية التي تُطبّقها كل الأنظمة الغربية الليبرالية الحريصة على تطوّر مجتمعاتها وحفظ بقاءها، وإعطائها مقوّمات الإشراف على إدارة نفسها بنفسها، والاستقلال عن المركز. وهكذا تترك هامشا لِإظافات الإنسان المُتحضّر الراقي، ومساحة كبيرة لِلإبداع الشخصي. كمثال، قد تتطلّب عملية الجماع أو النشاط الجنسي في أوساط الطبقة الفقيرة بعض اللحظات وبدون مقدمات ولا بروتوكولات، في حين يمكن أن تمتدَّ أمْسية ورْدية عند إنسان راقي مع عشيقته الليلة كلها. مع مأكولات ومشروبات روحية تُذيب الأرواح في الحب واللّذّة والرقص والسعادة الأفروديزياكية، هذه أخلاق الأسياد في مُقابل أخلاق العبيد الأغبياء، الذين سيُعوّضون هناك في "الماوراء"، أي في "الجنة". جنتهم هم الفقراء. في الواقع، لِحُسن الحظ أنّه يوجد الجهل المطبق والاِستلاب والغباء..!
ـ أبي، وكيف حال جدّتي؟
ـ إنها بخير يا ابنتي. جدّتُكِ الحاجة طاعنة في السِّنّ، ومع ذالك صحّتُها أحسن من صِحّتي...
راقني أن أسمعَ الحديث بين عمّي السعودي أحمد وابنته مليكة زوجتي، وهما يتبادلان أخبار العائلة. كان مُطْمئنٌّ بزواجها بي، وأنا أيضا كنتُ أريد أن تفرح بهذا الزواج ويكون بابا مفتوحا لِسعادتها التي طلّقتْها منذ زواجها، ولوْ أنني لا أمْلِكُ ما أقدّمها لها الآن ما عدا الاِحترام والإخلاص والوفاء لها. وأهبُها كل حياتي ووجْداني. وأساعدها على ملْء وإشباع مشاعر الحب التي كانت بحاجة إليها ككل اِمرأة. أما أنا، فلم أكن مُقتنِع بوجود الحب أصلا. أي حب الأزواج لِبعضهم البعض، وليس الحب الأمومي الطبيعي طبعا، لِأن هذه غريزة طبيعية وضرورية للبقاء على الحياة وعدم اندثار الجنس الآدمي. كنتُ أعتبرُ الاحترام والثقة هما أساس الحب ونجاح كل العلاقات بين الناس وليس العكس، نوع من الصداقة العميقة التي تؤدي إلى التزاوج والإستنسال. وأن الحب ليس مادّة صافية، بل مزيج من العديد من الكوكتيلات، أهمّها الغريزة الجنسية، والصداقة، والتّعوّد، والجاذبية (الجسدية والعقلية وما إلى ذلك)، والخوف من أن يكون الإنسان وحيدا. لِأنه لوْ كان الحب الرومانسي الحقيقي موجودًا كما نؤمن به ونودّ وصفه في الأفلام والكتب وغيرها؛ عندها لاستطاع الفرد أن يختار شريكه بغض النظر عن جنسه أو وضعه الاجتماعي أو عمره أو لياقته البدنية ... إلخ. ومن الواضح أن هذا ليس صحيحًا في الواقع، وغير موجود. أمّا ما هو واضح فعلاً، فهو أن المحور الأساسي للحب، وركيزته ، هي الغريزة الجنسية. ولا أدلَّ على ذالك من أن الإنسان يبدأ بالشعور بالجاذبية الجنسية في فترة المراهقة، لِأنه حينذاك يكون بالغا من الناحية البيولوجية والفيزيولوجية والسيكولوجية، ويقدر على الإنتاج والتناسل والممارسة الجنسية، بسبب إفرازات هرمونات النموّ والليبيدو، أي الطاقة الجنسية، كمُحرّك طبيعي لِحفظ بقاء الكائنات الحية. وهذه الممارسة الجنسية تكفي وحدها للتكاثر، أي أداء وظيفتها البيولوجية الطبيعية، والبقاء على قيد الحياة بدون حب. فالحب هنا عديم الفائدة ولا وظيفة أساسية له لا في الإشباع الجنسي (الأوركازم)، ولا في وظيفة الإنجاب والتكاثر وحفظ النّسل. شطحتْ في ذِهْني فكرةُ الآن، سأحكيها لكم أيّها الإخوان، ولكن لا تقولوا إنها فكرة مجنون أو سكران: هل تعلمون أين تتجلّى عبقرية الطبيعة؟ إنها تُطبّق مع الإنسان المفهوم السياسي المتعلّق بِ"اللاّمركزية الموسّعة". فهي تخلق الكائن الحيّ وتُجهّزه بما يلزم من ميكانيزمات ومختلف آليات الدفاع عن النفس، وتقنيات وغرائز لِحفْظِ نوعه من الاِنقراض، ومنها الغريزة الجنسية كمحرّك لِلدّافِع الجنسي لِلتكاثر، وغريزة الخوف التي تساعده على تجنُّب الأخطار التي يمكن أن تُهدّد حياته. أما الحب الزوجي فهو ليس غريزي، وإنّما قبس من غريزة الحب الأمومي، وهذا الحب وكل ما جاوره من تغزُّل وأدب وحسن المعاملة والعبارات الرقيقة والخجل والقبلات وإهداء الورود وكتابة الرسائل، فهو الهامش الحر الذي يُترَك للإنسان لِإضافة أشياء جديدة وإبداعات من عندياته. هذه هي "الجهوية الموسّعة" الإيجابية التي تُطبّقها كل الأنظمة الغربية الليبرالية الحريصة على تطوّر مجتمعاتها وحفظ بقاءها، وإعطائها مقوّمات الإشراف على إدارة نفسها بنفسها، والاستقلال عن المركز. وهكذا تترك هامشا لِإظافات الإنسان المُتحضّر الراقي، ومساحة كبيرة لِلإبداع الشخصي. كمثال، قد تتطلّب عملية الجماع أو النشاط الجنسي في أوساط الطبقة الفقيرة بعض اللحظات وبدون مقدمات ولا بروتوكولات، في حين يمكن أن تمتدَّ أمْسية ورْدية عند إنسان راقي مع عشيقته الليلة كلها. مع مأكولات ومشروبات روحية تُذيب الأرواح في الحب واللّذّة والرقص والسعادة الأفروديزياكية، هذه أخلاق الأسياد في مُقابل أخلاق العبيد الأغبياء، الذين سيُعوّضون هناك في "الماوراء"، أي في "الجنة". جنتهم هم الفقراء. في الواقع، لِحُسن الحظ أنّه يوجد الجهل المطبق والاِستلاب والغباء..!
الحقيقة المرّة
الإنسان
العاقل المثقف يعرف بوعيه وحدسه العلمي أنه من "فِعْلِ الطبيعة" وحدها، بدون تدخُّل الآلهة ولا خوارق اللامعقول ولا المعجزات. وهي سبب وجوده كوسيلة وليس غاية في حدّ ذاته، بل فقط آلية في يد هذه الطبيعة لِتحقيق أهدافها السامية ومنها
الحفاظ على بقاء ما أنتجتْه وأبدعتْه من الكائنات الحية، وحمايتها من الاِنقراض. ولهذا ركّبتْ فيه
برنامج التكاثر بوسيلة الغريزة الجنسية التي تُهيمن على الإنسان بعد الحاجة إلى
الغذاء، لِأن تلبية الحاجة إلى الغذاء، هو الأساس لكل نشاط جسمي بما فيه النشاط الجنسي نفسه. علاوة على ذلك، إذا
كان هناك شيء يدفعنا للتكاثر، فهو هذه الغريزة الجنسية بالذات، نواة الحياة، والتي
يجب تحريرها من براثن اللاهوت الخانقة. فهي للقيام بوظيفتها الإنجابية الطبيعية، لا تحتاج إلى
الحب وطقوسه المعقّدة من تعرّف وخطوبة ومهْر وصداق وعرس وزواج وووو. ومع ذالك، يتم لصق الحب في كل مرة بالجنس الذهبي وسهرات النشاط. يا للمعجزة..!
الجنس ليس حبًا، وليس بالضرورة
أن يكون نابعٌ عن الحب، الجنس إقليم مُستقلّ، يحتلّه الحب ويتطفّل عليه. وهنا مربط
الفرس.
كل شخص
يرى الواقع حسب مِنظاره وتجاربه وزاويته السيكولوجية الخاصة. فإذا عاش حياة حب تعيسة، في حب فاشل وما أكثر الفشل في
الحب، سيكفر بالحب وسيكرهه كتجربة مُرّة، ويقول أنه غير
موجود بالفعل بالنسبة
له. أو أنه مزيج من
عدة مشاعر محتلطة تؤدي إلى عيب ضخم يسمى الحب. وأنه لا
يستحق كل هذا العناء. حقيقة أن الحب هو
شعور يمس الجميع. وبالتالي
قد يتساءل المرء ما إذا كان شعور فطري. وهنا أقول نعم للحب الأمومي الغريزي الطبيعي، ولا
للحب الجنسي. الأخير عبارة فقط عن نزوات إلا فيما ندر. الحب الجنسي الزوجي ليس
فطري ولا غريزي، بل سوسيوـ ثقافي وفكري، وبضاعة خاضعة لِلتسويق في النظام الرأسمالي.
الجنازة الأليمة
أعتقد أن الشعور بالحب موجود منذ فجر الزمن. ولا يزال البعض يرون الحب كطاقة خفية في
أسفل القلب، والتي تربطنا بكل شيء. وأن الحب حقيقة وليست مجردة. لا توجد حياة
حقيقية بدون حب. الحب هو الواقع، إنه معقد ومتناقض، لأن العلاقات بين الكائنات
معقدة: العشاق، الأطفال، أولياء الأمور، المواطنون، الله، الوحوش، العالم، لكلٍّ تقاريره عن الموضوع، وكل يدلي بدلوه (أرارْ نْ بوقيّوع).
هناك العديد من المعجبين بهذا التعايش بهذا المعنى، الحب البسيط والفريد غير
موجود. لأن الحب خلاف ذلك يتجاوزنا والتحدث عن ذلك هو الطنانة، دعنا
نقول أن هناك حب واحد فقط ، والتي تستمد منها جميع الآخرين (كالتضامن، الألفة،
العاطفة ، الحنان، الإثارة الجنسية). تسمى بشكل غير صحيح "الحب". وبالتالي ،
إذا بدأ المرء من نفسه ، فإن التعلّق الذي يمتلكه المرء بالنسبة للباقي هو مجرد
ملحق للحب الذاتي، فحب الذات، أو النرجسية، مبدأ كل تعلُّق كيفما كان نوعه. بهذا المعنى، فإن حب الآخرين هو في الواقع
وهْم: نحن نحب أنفسنا فقط، لأنفسنا فقط. إنها الأنا التي تداعب عندما يميل المرء
نحو علاقة حميمة مع الآخر= أنا في علاقة، أنا أحب نفسي، وبالتالي أنا أحب العلاقة،
وبالتالي أنا أحب هذا الآخر الذي ترتبط به نفسي في هذه العلاقة.
أما المشرع، فهو فقط
يتابع الحركات الإنسانية والسياسية الحقيقية عبْر الصيرورة الاجتماعية، إنه لا يقرر أن يفرض على الرجال فكرة
أن الحب موجود بالفعل؛ فذلك لأن الرجال يتصرفون في الحب حيث يصدر السياسيون قوانين
عن الحب (الزواج ، الجمعيات ، إلخ). وبعد ذلك ، اخترعت كلمة الحب للتعبير عن هذا
الشعور العامّ، فتغنّى به الرومانسيون كما تاجرتْ به الأفلام.
من الصعب تحليل
الحب في حدّ ذاته، لِأنّه هلامي وضبابي، وليس موضوع محدّد. فقد تعني كلمة أنا أحبُّك"، كوْني أعيشُ في هدوء معك. وقد تعني أنني أحب سماع صوتك أو رؤية مُحيّاك، أو أنني أحس بالراحة معك... ولِأن النقاش في الحب قد
يدوم ساعات وساعات، ومع ذالك لا تكفي لفهمه، ليس لأنه لا يمكن تفسيره، أنه غير معروف ولا هوية له
خاصة به، لِعدم صفائه واختِلاطه بجميع أنواع الحب والاهتمام والتّعوُّد، وكذالك اختلاط المواضيع والأشياء التي نحبها: كقيثارتي التي أحب، وجاري الذي يحب سيارته، وصديقي الذي يحب الحيوانات... الحب مثل السعادة: فهي شعور عام رائع، يوجد لدينا في أنفسنا، ونُضْفيه على جميع من يحيط بنا. فالإنسان خيّر بالفطرة، ولا يميل إلى الشرّ إلا في حالة الضرورة والدفاع عن النفس. في الأساس، تشير
حقائق التجارب إلى أنه يمكن فهم الحب على أنه القدرة على التواصل والاتصال
المحترم. أي بناء قاعدة أو علاقة أساسها الاحترام المتبادل، وعلى الشريكين تمديد فترة هذه العلاقة وتطويرها من حسَن إلى أحسن عن طريق الوفاء والإخلاص والاهتمام. هذا هو سِرّ الحب. كأنه لوحة أنت من يرسمها ويُبدعها. وهذه القيمة المظافة، هي الاستقلال عن المركزية، وتعكس عبقرية الطبيعة في التربية. تربية أبنائها الآدميّون..!
يتبع





Ajouter un commentaire