إبنة عمي يوميات فنان مهاجر بحثاً عنِ الزمن الضّائع



إبنة عمي

يوميات فنان مهاجر

بحثاً عنِ الزمن الضّائع



إبنة عمي

Ma cousine 

***

ء    بعد انقضاء العطلة الصيفية، وبعد أن اِنتهينا من كل مراسيم الزواج وما يتعلّق به من الطقوس والبروتوكولات، شددتُ رِحالي إلى الرباط. سيكون هذا السفر من أروع أسفاري، لا لِشيء، إلاّ لِأنه لِأوّل مرة سأذهب إلى الرباط مصْحوباً بحبيبتي التي كنتُ أعشق مُنذ صغري: قيثارتي، وأنا كلي أمل في تنمية موهبتي. لِأعبّر عن أحلامي بالنوطات، كما كنتُ أعبّرُ دائماً في أشعاري ورواياتي بالألوان والكلمات، عن كل الصدمات العاطفية وتجاربي في الحياة...ء
ء    كانت هذه بداية الشروع في تحقيق هذا الحلم البعيد الذي وضعتُه  منذ زمان في أرشيف قائمة مهماتي وأحلامي، وكنتُ خلال حياتي المتراكمة بالأماني والواجبات، أنتظر الفرصة في المستقبل لِوضع هذا الملف على طاولة البحث، وبالتالي إعادة بناء شخصيتي على ضوء هذا المُعْطى الجديد. لِأني أعشق كل ما هو راق ومهذّب وحميد. فالموسيقى كما يُقال، "تهذّب النفوس"! وأنا في حاجة لِتهذيب نفسي لِأكون سعيد. ء
ء    تفاجأتُ بِأختي ثمونتْ تناديني وأنا مُنعكف في غرفتي أرتِّب الكتب في رفوف مكتبتي:ء
ء    ـ  زِّمَحْمانْ.(هكذا كانت تناديني هي وحورية لِتُدلِّلاني)، آتي بسرعة لِترى المفاجأة! هنا مَنْ يريد أن يقابلك.ء
ء   خرجتُ مسرعاً فوجدتُ ابنة عمّي سلوى الصقلي جالسة مع أختي في غرفة أمي التي كانت تصلي. فرحْتُ حين رأيتها، وتفاجأتُ فعلا.ء
ء    كانت لابسة كسوة عصرية بيضاء، وشعرها البني الأشقر مطلوق فوق كتفيها وظهرها. قبّلنا بعضنا، وجلستُ قبالتها وجها لوجه نتحدث:ء
ء    ـ كيف حالك سلوى، واحوال كل العائلة. اِنقطعت الصِّلة بيننا كأننا غرباء!؟ء
ء    ـ الحمد لله عبد الرحمان. الكل بخير. شكرا. حاولتُ رؤيتك خلال العرس فلم أجدك. جئنا إلى العرس أنا أمي وأختي فاظْمة.ء
ء    مرّتْ دقائق صمت كانت أمي خلالها تطوي سجادة صلاتها الحمراء في خزانة ثيابها. فسألتْ أختي ثمونت:ء
ء    ـ سلوى، ماذا تدرسين وأين؟ء
ء    ـ الفلسفة في الجامعة بفاس.ء
ء    ـ ولماذا لم تسجلي في الجامعة بالرباط مع أخي عبد الرحمان؟ء
ء    ـ ليس لي الحق في التسجيل في الرباط ولو أنني كنتُ أتمنى ذالك من أعماق قلبي. أصحاب الناظور، أي الطلبة الذين نجحوا في الباكلوريا كلهم عندهم الحق في التسجيل في جامعة فاس فقط. عبد الرحمان في السنة الثانية جامعي، وكان يسكن من قبل في الرباط خلال سنوات دراسته الفنية، وحتى بطاقته تحمل عنوانه بالرباط. أو ليس كذالك عبد الرحمان؟ء
ء    ـ صحيح سلوى.ء
ء    ملأتْ أختي ثمونت كؤوس الشاي الفارغة، وقرّبتْ صحن الحلويات من الضيفة الجميلة. وقالت لها:ء
ء    ـ يجب أن تزورينا سلوى. أنتم لا تسكنون بعيدا. نحن أولاد الأعمام.ء
ء    فأجابتها سلوى وهي تنظر إليّ:ء
ء    ـ سوف أزوركم كل مرة. عبد الرحمان سيأتي لي بمقرره في الجامعة. أساتذة جامعة الرباط هم من كوّنوا أساتذة جامعتنا بفاس، ولهذا أريد أن أدرس محاضراتهم.ء
ء    ـ سآتي لك بالمقرر سلوى.ء
ء    ـ أشكرك عبد الرحمان. وستفعل ذالك لمدة أربع سنوات، لِأني سأفعل مثلك، سأتابع نفس شعبتك: الفلسفة وعلم النفس.ء
   مضتْ سنوات لم أرَ فيها ابنة عمّي هذه، ما عدا بعض اللقاءات الصّدفوية التي تحدث خلال المناسبات العائلية، كحفلات الأعراس والسّابع وغيرها، كما وقع عند خالي المجاهد عبد السلام مثلا، أو في عرس إحدى بنات عمي الصقلي الحاج عبد الله رحمهما الله... حيث تعرفتْ سلوى إبنة عمي على إخوتتي، ثم بدأتْ تأتي بعد ذالك إلى شقتنا بدار وعليت، فبدأنا نتعرف على عائلتها شيئاً فشيئا.ا 
ء    كان أبوها يشتغل في ألمانيا. وخالها الذي يسكن معهم في دارهم ذات الطوابق الثلاث، كومندار في إدارة الجمارك ب"بني انصار" على الحدود مع مليلية المحتلة. وكان أشهرإسمٍ بزغ في سماء عائلتها وعائلة الصقلي ككل، أختها الكبيرة التي يعرفها كل الألمان لشهرتها في مجال بحوثها العلمية في الميكروـ بيولوجيا. فتناقلت قنوات التلفزة الألمانية ربورتاجات عنها وعن عملها وتجاربها المختبرية، وكذالك الجرائد الالمانية المحلية والوطنية. كما كان لها إخوة آخرين كلهم صيادلة وأساتذة، أغلبهم تكوَّن في جامعات اروبية كبلجيكا وفرنسا وألمانيا، وقد تعرفتُ شخصياً على أخيها الكبير وأختها الصغيرة اللذان كانا يدرسان علم الصيدلة في بروكسل حين كنتُ أعيش مع زوجتي مليكة...ء 
ء    لم تكن إبنة عمي سلوى حلمي أبداً، لِأسباب علمية أو أحكام مسبقة ربما او نقص النضج العلمي، كنتُ أتوجّسُ خيفة أن أتزوج بفتاة من العائلة، نحمل نفس الجينات الوراثية، فنُرْزَق بِأولاد منْغوليين ومتخلفين عقلياً. لن نكون سعداء مع فلذات أكبادنا، ونحن نتأمّلهم مشوّهون ومسخرة لِلأطفال الآخرين! كما أننا لن نَئِدهم أحياءاً كما كان يفعل بعض الأجداد السابقون..!ء




Les mongoles



ء    ـ متى ستذهب إلى الرباط عبد الرحمان؟ء
ء  ـ غدا أو بعد غد.ء
ء  ـ أنا قررتُ العودة إلى فاس بعد غد. سنسافر جماعة إذا شئتَ. متفق عبد الرحمان؟ء
    ـ متفق سلوى. سنسافر معاً إذن.ء   



ء    كان سفرنا مَرِح وغاية في العُذوبة، لم نحسّ تماماً بالوقت يمرّ. إنطلقتْ بنا حافلة "الغزالة" مع الساعة السابعة صباحا والنوم ما زال يُداعب جفوننا. كنا مستغرقيْن في نقاش برامج الجامعة، والتّخصّصات التي اخترناها والكتب التي يحب قراءتها كل واحد مِنّا. والشمس تغير ألوان شروقها من أحمرٍ قانٍ لِأصفر لِأبيض، وقرصها المُشِعّ يتسلّق السماء بسرعة فائقة لا نحس بها، ونحن تائهين في نبش ذكرياتنا وعلاقات عائلتنا المتشابكة. ولم نكن ننتبه لِلمسافرين حولنا ولا بالحافلة وهي تلتهم المسافات وسط صحاري قاحلة مثل صاكا وتاوريرت وكرْسيف وتازة، حتى نجد أنفسنا واقفين في محطة "واد أمليل" لمن يريد أن يفطر أو يدخن أو يستريح قليلا.ء


"محطة واد أمليل"

ء    دُرْنا نتفسّح على مهل ريثما تتحرك الحافلة. كان الجو حارا. اِقتربنا من دكان لبيع المواد الغذائية العامة، فاشتريتُ زجاجتان من المونادا الباردة لنا، وبدأتُ أدخن سيجارتي ونتحدث أنا وابنةُ عمي.ء
ء    عندما وصلنا إلى فاس، نزلتْ سلوى ونزلتُ معها لِأساعدها في أخذ حقائبها. تناولتْ من حقيبة يدها كتابا من الحجم الصغير وقدّمتْه لي قائلة:ء
ء    ـ هذه قصة أعشق قراءتها بدون ملل. أُهديها لك ذكرى منّي.ء
قرأتُ العنوان: "ماجدولين - تحت ظلال الزيزفون". سبق لي أن قرأتُ تقريبا كل مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي في الثانوية، ولا سيّما ماجدولين. التي كنتُ احفظ عن ظهر القلب، بعض تعابيرها كقصة تراجيدية رومانسية والحب العذري. كما قرأتُ هذه الرسائل الشيقة من "استيفن" لحبيبته ماجدولين التي كانت الغذاء الروحي للشباب والمراهقين آنذاك، فضلا عن الأفلام الهندية الرومانسية التي تزيد من تمييع العواطف وتقديس الطاهر..!ء





ء    تحدثنا قليلا ريثما تقلع الحافلة، أوصتني مُلِحّة أن أحتفظ لها بمقرّر كل سنة على حدة. ستكون هذهةسنتها الأولى في الفلسفة. كنتُ أسبقها بعام دراسي، لهذا كان من السهولة بمكان القيام بهذه 
المهمّة، بحيث يكفي نسخ المقرر ثلاث مرّات في مكتبة الجامعة وأبعثه لها. أقول ثلاث نسخ من المقرر، لِأنّ هناك صديقان آخران طلبا مني نفس الطلب وأتيْتُ لهما بنسخهما. كان من بينهما صديق فرد من أفراد العائلة، ورجل أعمال ومقاول، كان السيد المختار كرّوم شاب حيوي جاد وله طموحات في الحياة، لذالك كان يسير أعماله كمقاول عقاري، وفي نفس الوقت يدرس بجدّ كتلميذ حر مُسجّل في الجامعة، وله الحق في اجتيازامتحان آخر السنة. كان حافزه إلى التعلم والحصول على شواهد عليا هو ما شجعني على مساعدته.ة
ء   عندما أقلعتِ الحافلة، كنتُ منهمك في التفكير في المرحلة المقبلة حين أصل إلى الرباط. لِأن الاِستقرار أساس النجاح. لِذالك ولِحُسن الحظ أنه سبق من باب الاِحتياط، أن ناقشتُ قضية كرائي مع صديقي الرطل محمد الحبيب قبل سفري إلى الناظور لقضاء عطلة الصيف. كان زميلي في الفلسفة يسكن مع أبويه وعائلته ناحية شرق العكاري، واقترح علي كراء غرفة في سطح دارهم، لِأننا كنا نراجع جماعة أنا وهو في مكتبة أو مقهى الجامعة. فقبلتُ اقتراحه. وبما أنني أعرف منزله، فقد قررتُ أن أذهب إليه مباشرة حال وصولي إلى الرباط.ء



Rabat-Akkari-Marché

ء    كان صديقي يسكن قرب السوق في شارع شعبي مكتظ بالمنازل والدكاكين، والأطفال يلعبون في كل الأزقة والحارات. أخذتُ مفكّرتي من جيبي لِأتأكّد من العنوان، ثم طرقتُالباب، وبعد قليل فتحت فتاة في الثامنة عشر ربيعا. كانت
أخت صديقي التي تدرس في الباكلوريا كما حكى لي سابقا.ء
  ـ عفواً آنستي، هل هذه دار الرطل محمد الحبيب؟ء
ء  اِبتسمتْ بهدوء وسألتْ:ء
ء ـ تماماً. هل تريد أن تراه؟ء
ء ـ نعم من فضلك.ء
ء ـ سأقول له مَنْ؟ء
ء ـ قل له عبد الرحمان من فضلك، "تْروتسْكي".ء
ء   اِبْتسمتْ منحنية قليلا ثم غابتْ، وبعد بضع دقائق خرج الصديق مبتسما مُرحّباً. تعانقنا ورجاني باتِّباعه إلى الداخل وهو يقول مازحاً:ء
ء    ـ مرحبا بالأستاذ تروتسكي.ء
    دخلنا إلى صالون تقليدي يغلب عليه اللون الأخضر الباهت. كان هناك رجل خمسيني يتفرج في الأخبار في تلفزة صغيرة. سلّمتُ عليه وجلستُ بجانبه حيث أوْمأَ لي بيده. وجلس بجانبي صديقي وهو يقدمني لِأبيه:ء
ء    ـ هذا هو الطالب الذي حدثتُكَ عنه أبي. إسمه عبد الرحمان من الناظور، يريد كراء الغرفة في السطح.ء
ء    فقال له أبوه:ء
ء    ـ وهل قلتَ له الثمن؟ء
ء    ـ نعم أبي، 200 درهم شهرياً.ء
ء    ـ الخير في ما اتّفقتما عليه.ء
ء    ثم نظر في وجهي متمعنا وهو يقول:ء
ء    قال لي ابني محمد أنكَ ريفي من الناظور. كيف الحال عندكم في الريف؟ رأيتُ مرة واحدة مدينة الناظور في 1966. كانت المدينة صغيرة آنذاك وبِناء الإسْبانْيول.ء
ء    كان سؤاله مُحْرِجاً بالنسبة لي وفضفاضا. ولكن لم يكن هناك إمكانية لِلتّملّص أو الفرار من الجواب، فقلتُ له:ء
ء    ـ لو كان الحال جميل عندنا كما نأمل جميعا، لَما اضطُرِرنا نحن سكان الريف للمجيئ إلى الرباط لٍاستِجْداء الدراسة والاستشفاء. الإقليم كله لا توجد فيه ولوْ جامعة واحدة، لا في الناظور ولا في الحسيمة، الناس عندنا تعيش بالهجرة والحشيش والقمر. الله غالب، ولكن الحمد لله!ء
ء    نظر إليّ صديقي وهو يبتسم اِبتسامة ذات معنى. كنا نعرف افكار بعضنا، وكنا نتناقش دائما وضعية الريف وثورة عبد الكريم واستقلال المغرب، ثم لا شيء بعد الاِستقلال... الخ.خ
ء    كنا مناضلون من اليسار المغربي العريق، نتقاسم نفس الهواجس والأحلام والطموحات والمآسي، ولوْ أنه عربي وأنا أمازيغي، إلاّ أنه كانت هناك أشياء أعمق، ومبادئ عُلْيا تجمعنا وندافع عنها بكل ما أوتينا من قوة وحيوية الشباب. شباب له غيرة على بلده، ويحلم أن يكون في مصاف الدول المتقدمة...ة
ء   صعدنا إلى السطح لِأرى غرفتي. كان درج الدار عريضا، بحيث لم أجد صعوبة في نقل حقيبتي وقيثارتي وغطائي الجديد الذي دسستْهُ أمّي بين حوائج سفري. كان السطح واسعا ومبلّطا ونظيفا، مع حنفية وسطه. أما غرفتي، فقد كانت متوسطة تتّسع لِأكثر من السرير والمكتب.ء

ء    مضت السنة الدراسية هادئة وروتينية. من جهة هناك الدراسات الفلسفية في الجامعة، كما ان هناك الدراسات الموسيقية التي بدأتُ أميلُ إليها وأحضر دروسها يومياً وبكل حماس. ولاسيما درس الصولفيج مع استاذتنا الجميلة ذات الصوت السحري الرخيم. وأستاذ القيثارة الذي ضاع من ذاكرتي إسمه. أحياناً، عندما أخرج من الجامعة، أقوم بفسْحة في العاصمة، أتيه في حدائقها العمومية، وأجلس تحت إحدى أشجارالصفصاف او الزيزفون أدخن سيجارتي، أقرأ بعض رسائل سْتيفن إلى ماجدولين. لكن سرعان ما أملّ من تمييع عاطفتي بالرومانسيات الجوفاء، فآخذ من محفظتي إنجيلي المقدس: "هـكذا تكلـم زرادشـت"، لِأنظمّ إلى قافلة الثائرين على الأديان، أوّل أعداء جهل الإنسان ومأساته الأبدية...ء
ء    فكرتُ في الآنسة الجميلة البيضاء، سعاد التي تعرفتُ عليها هذا الصباح في الجامعة. أظنها من المحظوظات، ما دام أنها أعطتني بطاقة الدخول المجانية إلى ثلاث قاعات سينمائية في الرباط خلال العام كله، ولا سيما سينما "الزهوة" التي كنتُ أمرّ قربها في طريقي إلى الجامعة، وكانت تعرض ملصقات جميلة أغلبها مصورة باليد، تمثل الافلام المعروضة، والتي كنت أحب مشاهدتها. ولكن الوقت الضيق والدراسات التي لا حدود لها، لم تترك لي الوقت لِلاِستمتاع بتلك السعادة، وفكرتُ كيف أنها تهتمّ بي ولو من بعيد، وقالت أنها ستأتي لي بالطعام (الكسكوس) كل يوم جمعة ونتغذا معا، كما كانت تؤدي في مكاني عندما نتناول المشروبات والحلويات في إحدى المقاهي الرفيعة في العاصمة.
     كان أبوها كوميسير كبير في جهاز أمن الدولة، مع دار وحديقة واسعة وسيارة عصرية. وقد أعطتني صورة أبيها لِأرسمها لها لِتهديها له في عيد ميلاده الخمسين بعد أسبوع.ء
    عندما رجعتُ إلى غرفتي بعد الزوال، تناولتُ صورة والد 
الآنسة سُعاد وبدأتُ أتأمّلها، ستكون سهلة، سأنهيها في نصف اليوم. ولكني سأرفض أن تؤدّي لي سعاد مقابل عملي. سوف أمتنع إذا تجرّأتْ أو أصرّتْ، لا يجوز الرّد على الإحسان إلاّ بالخير وبالمزيد من الإحسان. ولكني في حاجة إلى الدراهم يا إلاهي..! فكان الحل أنني بدأتُ في تهيئ صور لبعض عباقرة الماركسية والفلسفة الاشتراكية:ة
    لوحة كارل ماركس أب الاشتراكية، لوحة الزعيم الشهير فلاديمير إيلليتش لينين مؤسس اول دولة اشتراكية في العالم، ولوحة ماوتسي تونك العظيم، ورسمهم على شكل لوحات كلاسيكية رائعة، وأبيع كل واحدة بِ 300 درهم.
ء




الثالوث المقدس

ء   مضت اربعة أيام وأنا مستغرق في مشروع رسم اللوحات الأربع، مُبتدئاً ب ِ "بورتريه" والد سعاد الذي
كان ناجحاً. ثم شرعتُ في صباغة معلمي المحترم كارل ماركس، وبعده لوحة تلميذه النقابي لينين الرائعة،
ثم أخيرا بورتريه صانع معجزة العصر ماوتسي تونك الذي انقذ مليار من الصينيين من المجاعة بفضل
النظام الشيوعي الذي تزعّمه. كنتُ أرسم وأنا أحلم، وأتصوّر في ذهني الأشياء التي سأشتريها بالدراهم
 التي سأربحها ببيع هذه اللوحات الجميلة التي يتهافت على شرائها كل المنتمين إلى الأحزاب اليسارية،
وكل المنظمات الراديكالية المشروعة واللامشروعة، فضلا عن تجار اللوحات الفنية.
ء   صباح يوم الجمعة، ذهبتُ إلى الجامعة كالعادة. كانت لي حصة واحدة هذا الصباح مع أستاذ الإبستمولوجيا. ساعتان سأعود بعدها إلى البيت مباشرة، لِأن سعاد وعدتني أن نتغذى معا بالطعام الذي ستأتي به اليوم. وقد أخبرتني خلال غذاءنا أنّ الفتاة التي فتحتْ لها الباب، سألتها هل هي من أقارِبي؟ لم تفهم سعاد ولا أنا معنى وأبعاد السؤال، وبقينا مدة طويلة نتحدث. لِكلّ هذا لم أحمل لوحاتي لِعرضها في ساحة الجامعة وبيعها. آثرْتُ أن أقوم بذالك يوم الإثنين صباحا، ستكون ساحة الجامعة كالعادة تغلي بالمناقشات الساخنة بين قوى اليسار ومختلف المنظمات السياسة، وستذهب لوحاتي طائرة في هذا الجو من الحماس السياسي والنضال الثوري وإرادة التغيير والإشادة بالعظماء وزعماء العالم ووو... كنتُ أتأمّل لوحاتي الثلاث التي اسندتها إلى أحد جدران الساحة الداخلية المكتظة بالطلبة، وهم يزدحمون ويتأملون عظماء التاريخ داخل قُعْر جامعتهم بفضل فني. ويسألون بعضهم بعضا عن صاحب اللوحات. كنتُ مبتهجا ومفتخرا بعملي، وكنتُ أتنقّل أنا أيضا بين اللوحات وسط الطلبة، وأتأمل هل هناك خطأ ما تقني أو منظوري فيها، وأحلم بالشهرة والغِنى في مستقبلي، حين فاجأنا حارس الجامعة بجمع اللوحات الثلاث، واتجه مُتذمِّراً صوب الإدارة وهو يصرخ بصوت مرتفع:
ء    ـ صاحب اللوحات يجب أن يتبعني إلى مكتب السيد عميد الكلية حالاً..!ء   
ء    بقيتُ جامدا كالتمثال أُروِّضُ صدمتي، وأنا أتأمّل أحلامي تتهاوى أمام عيني وتنهار، وأن لوحاتي ستنتهي لا محالة في مخافر الشرطة، ويُضرَب عليها الحصار، وأنني ربما سأُسجن بسبب لوحاتي الفنية ككل الأحرار. فيا ويلي من هذا الوطن الْعار والمستعار..!ء









يتبع

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.