الغرفة السريالية يوميات فنان مهاجر بحثاً عنِ الزمن الضّائع




الغرفة السريالية

يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع 


الغرفة السريالية

La chambre surréaliste


ء    كان هذا اليوم شديد الحرارة من شهر غشت عام 1979. كنتُ أقرأ في غرفة نومي حيث مكتبتي وقيثارتي وصباغتي، حين رنَّ جرس شقتنا بدار وعْليت قرب السوق. فدخلتْ عليّ أختي ميمونْت لِتخبرني أن صديقاً لي ينتظرني في الباب. فذهبتُ أستقبله. كان زميل الدراسة بنعيسى المرِح والخفيف الشخصية. درسنا معاً منذ سنوات في ثانوية الكندي بالناظور، وكان يعرفني كرسّام أجيدُ رسم البورتريهات والمناظر الطبيعية الخلاّبة. جلسنا في غرفتي كالعادة حيث أستقبلُ أصدقائي ومعارِفي. وتحدّثنا كثيرا عن ذكرياتنا خلال أيام الدراسة والمراهقة، ومُغامرات الشباب العاطفية. ثمّ حكى لي حكاية صديقته. قال لي أنه ذهب إليها يوما وكانت وحيدة في دار أبيها. وراودها عن نفسها لِأنه كان جائعا جنسياً. فأعطاها خاتماً من الفضّة سرقه لِأمّه لِكي ترضخ لِطلبه وتتركه يُداعبها ويقبلها و... فرفضت الفتاة ذالك. فحاول معها مِراراً ولكن بدون جدْوى. فغضب وقال لها:ء
ء    ـ دعيني أنكحكِ وإلاّ رُدّي لي خاتم أمّي.ء

ء    ومنذ ذالك الوقت، كلما الْتقيْنا ننْفجِر في الضحك عندما نتذكّر جملته الأمازيغية التاريخية المفيدة: "دعيني أنكحُك وإلاّ رُدّي لي خاتم أمّي". (بالأمازيغية: أوْدْ اذَقُّغْ نِغْ أرَّدْ ثْخَذَنْتْ أنْ يَمَّ)! وكنّا كلّما جمعتْنا الصّدف والظّروف في إحدى المقاهي أو عندي في غرفتي، نحكي لِبعضنا البعض، بعض مغامراتنا العاطفية الشّيّقة والمُثيرة، مِثل قصّتي مع فريدة التي كانت جارتي، وكان أبوها عامل في السّيرك. فكانت تذهب مرّتان في الأسبوع لِترى وتتفقّد جدّتها التي كانت تسكن في حيّ "لَعْراصي" الذي كان يبدو لنا مثل الخلاء والقفار، وبعيداً عن الناظور. فكنتُ أتْبعُها لِمدّة ساعات وسط الصّبّار الشّوكي ومختلف الأعشاب والنّباتات المتوحّشة والأحراش، وبعض البيوت الحجرية المتناثرة هنا وهناك. إلى أن وصلنا إلى حارتها، فباغتني كلبٌ أسود خرج من دار جدّتها، وهو ينبح كالمسْعور، فهربتُ منه، وتبعني وأنا أجري مهرولاً نحو الناظور... هكذا انتهتْ حكاية "ليلى والذّئب" بطريقة أخرى... وقد هنّأني صديقي بنعيسى لِأني استمرّيْتُ في دراساتي الفنية والجامعية في الرباط، عكْسَ ما فعل هو، حيث كان مُجْبراً بسببِ الفقر، أن يلتحق بسلك التعليم، ويتوظّف كمعلّم مباشرة بعد نجاحه في الباكلوريا. وأنه اشترى موبيليت زرقاء يتنقّل بها إلى المدرسة البعيدة التي كان يشتغل فيها بعد التّعْيين. وعرضَ عليّ استعمال درّاجته النارية متى شِئتُ. وقد انتهتْ الأمور بخير مع صديقته التي تفانى في حبها، وأعطاني دعوة لحضور زفافه الميمون الذي سيُقام بعد أسبوعين، وطلب منّي رسم أربعة مناظر طبيعية لِيُزيِّن بها قاعة الجلوس أو الصالون لِيكون المنزل لائقاً بحبيبته. كانت أحْجام اللوحات التي يريدها متوسّطة، ولا تستغرق وقتا طويلا لِرسْمِها. ولهذا اتّفقنا على الثمن: 250 درهماً لِكلّ منظر طبيعي. وقد نصحني بعدم رسم الكائنات الحية ولو كانت صور حيوانات أو طيور لِأن ذالك حرام! وأدّى لي الثمن مسبقاً: الف درهم.  وهذا أفْرحني كثيرا لِأني كنتُ في حاجة إلى نقود لِشراء تذكرة السّفر في القطار إلى الرباط، والذهاب إلى مدينة "مليلية" لِشراء بعض الهدايا التي أوْصاني بها كل من نجية صديقتي البورجوازية في سلا، وعمّتي الحاجة محجوبة التي تريد مرهم نيفْيا، وسيدي محمد الذي طلب مني شراء عِطْر غالي إسمه "باكو رابان"، ونظّارات "رايْبان" التي لم أشتريها لِغلائها وثمنها الباهظ...ء

ء    كان أوّل ما فعلتُه بعد ذهاب صديقي بنعيسى، هو شراء قطعة  كبيرة من الكرتون (كونْتْربْلاك) لِأرسم عليه المناظر المطلوبة. بقي أسبوعان لِزفافه، لذالك يجب عليّ إنهاءها على الأقل يومين قبل موعد العرس، لِيكون له مُتّسع من الوقت ليحملها إلى المُؤطّر ليصنع لها أطرا لائقة ويُعلّقها. وقد قرّرتُ مع نفسي أن أرسم له منظرا بحريا جميلا كهدية لِزفافه. وعندما عدتُ إلى المنزل، وجدتُ خالي عبد السلام المجاهد مع زوجته خالتي حبيبة الصقلي وإبنتهم إلْهام. فسلمتُ عليهم وأنا فرحٌ أن أراهم. ولا سيّما أمّي التي تبتهج كثيرا عندما يأتي إليها شقيقها الوحيد مع زوجته الحنونة. وقد كانوا يتحدّثون عن الخُطّاب الذين سيأتون عندنا غداً لِطلب أختي للزواج، وقالت أمي أن أخانا عبد الله أيضاً سيأتي لِمناقشة المسألة، وكل أخواتي وأخي الكبير محمد.ء



ء    فخرجتُ وذهبتُ إلى السوق، فاشتريت دلاّحة كبيرة ولِتْر عصير البرتقال لِلضيوف الأعزّاء. كان خالي عندما يأتي عندنا يبقى مدّة طويلة بعد العشاء. كنا نسكن وحدنا بعد أن غادرنا أخي عبد الله، ليسكن مع خطيبته في شقة عمارة صديقه اليعقوبي، الذي كان نقيبا للمحامين آنذاك. كانت زوجة أخي محمّادي مع ابنتها نسرين عند أبيها في مدينة "أزْغنْغان". لم يبْقى من عدد أفراد عائلتي الكبيرة سوى ثلاثة أشخاص: أمي وأنا وأختي الصغرى ميمونت المخطوبة. كل فِراخ العُشّ طارت بعيدا عن بيتنا بريشهم الفتيّ. كل واحد عانقَ قدَره، وكل واحد كوّنَ عُشّه، وكل واحد سار في طريقه التي اختارها بِنفسه. هكذا استمرّتْ حياتنا بعد هجرتنا من بني سيدال. هذا هو قانون الطبيعة، وهذه هي الحياة!ء
ء    اِنضممْتُ إلى العائلة في الصالون، وصبّتْ لي أمي كأس شاي ومدّتْ لي قطعة من المُسمّن، واستمرّ الجميع في حديثهم المعتاد عن جلّ ما يتعلّق بالعائلة من شؤون وشجون.ء


خالتي سْفيَة زوجة خالي العربي المجاهد، مع أمي وزكريا المجاهد

ء     سمعنا أصوات الجيران يصعدون ويهبطون، اِزْدحمَ درج العمارة بالأقدام والأثاث. فأطّلت أختي ثمونت ثم رجعتْ بالخبر العاجل كقناة "الجزيرة"!:ء
ء    ـ عندنا جيران جُدُد. رجل وأخته الطالبة. جاؤوا من مدينة "بَركان". سيسكنون في الشقة الصغيرة في سطح العمارة.ء
ء    اِستمرَّ حديث العائلة ذي الشُّجون، وسألَتْ أمّي شقيقها عن أحوال حُقول اللّوز والزّيتون، وحال أبناء أخيها العرْبي وزوجته بِ"بوحُوّا"، وإخوتها من أبيها المتناثرين في كل بلْدة في "بني بويافر"، موْطن والديها رحمهم الله جميعا. كان خالي عبد السلام قد اِستقرّ بعائلته في الناظور بعد شراء دار قرب المحطّة الجديدة. وكان يتنقّل إلى موطنه الأصلي في "بوحُوّا" بِ"بني بوغافر"، ولا سيّما بعد مغادرته التّدريس بِسببِ تخاصمه مع مفتّش التعليم. كان خالي على عِلْم بما يقع هناك في بلْدته التي رأى فيها النور. فكان يحمل لِأمّي أخبار أولاد خالي أحمد والصديق وأمهما، وكذالك أخبار خالتي الجميلة يمينة، وأولادهما وزوجها الفلاّح والمعلّم بِ"سمّار" الجميل على ضِفاف البحر ذو الرّمال الذّهبية!ء


رفقة أحمد إبن خالي العربي المجاهد رحمه الله

ء    تعالتْ صرخات المؤذِّنين فوق صوامع المدينة الغارقة في مساء دافئ، مُعْلِنة وقت صلاة المغرب. فقام خالي لِيصلي، ثم تبِعتْه أمّي لِتؤدّي فرْضها الدّيني، وكذالك عمّتي حبيبة. وهنا تركتهم وانسحبْتُ إلى غرفتي لِأُنهي لوحات صديقي بنعيسى، وأهيِّؤ نفسي للعودة إلى الرباط العاصمة لِمتابعة دراساتي في السنة الثالثة.ء


أمي العزيزة تسبّح باسم ربّها وتستغفره، إنه كان توّابا...ة

ء    في صباح اليوم التالي، اِستيقظتْ أمّي باكرا كالعادة لِتصلّي الفجر. وبعد ساعتين أمْضَتْها بين التسبيح والتّكْبير والتفكير، أيقظَتْ أختي المخطوبة لِتساعدها في تنظيم الدار، وتدبير الأمور لِاستقبال الخُطّاب. وبعد انْبِلاج الصباح وغزْو أنوار الشمس لِلسماء، بدأ أفراد عائلتنا يصِلون تِباعا، أفرادا وجماعات، قادمين من حدْب وصوْب. فكانت أختي يامْنَة هي الأولى التي جاءتْ مع زوجها في سيارته، قادمين من "إعْزانن" ب"بني بويافر". ثم وصل أخي الكبير محمد الذي جاء من مدينة "أزْغنْغان" مع زوجته، ومعهما أختي يمينة التي تسكن في نفس المدينة، ثم وصلتْ أختنا حورية مع زوجها قادمين من مدينة "العرْوي". وجاء خالي عبد السلام مع زوجته وواحدة من بناته، وأفراد وأحفاد آخرون. وأخيرا جاء الخطيب مصْحوبٌ بِأمّه وصهره بنعيسى الظّريف وزوجته. ومرّتْ أمور الخطوبة على أحسن ما يُرام، كما اتّفقَ الطرفان على موعد العرس الميمون.ء


قصة عائلة. أنا وكل أخواتي ملتفّون حول أمّنا في أحد أيام الزمن الجميل 

ء    في 28 غشت من عام 1979مساء، أخذتُ الطاكسي الذي سيقلني إلى محطة القطار بمدينة "تاوْريرت" المغربية. وصلتُ ساعة قبل موعد وصول القطار الذي يأتي من مدينة وجدة. ذهبتُ إلى أقرب دُكّان للمواد الغذائية، اِشتريْتُ "رايبي" مع حلوى، وأعطيتُ نصف درهم لِشحّاذ يسعى. جلستُ في مقهى المحطّة بعد أن اِشتريتُ جريدة "المُحرِّر" الناطقة باسمِ حزبنا اليساري: "الاِتّحاد الاِشتراكي للقوات الشعبية". كان هذا هو الحزب الوحيد الذي عرفتته وعانقتُ إيديولوجيته في حياتي إلى حدّ الآن، مع تحفُّظات على بعض الأفكار في الفكر الماركسي، الذي هو أساس حزبنا الإيديولوجي. أقصد إلغاء المنافسة التي هي المحرّك الرئيسي للاِقتصاد في جميع انحاء العالم. ما عدا هذا، لم أحِد ولو قيد أنملة عن مبادئي الثورية التي تجذّرتْ بِعمق في عقلي منذ الباكلوريا. كنتُ مثل كل تلك الأجيال المثقّفة في ذالك الزمن الجميل، أحمل مبادئ ثورية إنسانية، مبادئ تصلح لكل زمان ومكان وإنسان، لِأنها مبادئ شمولية كونية وتتماشى مع كل عصر. كانت هذه الأفكار والمبادئ، حصيلة دراساتنا وحلم مراهقتنا وشبابنا. كنّا جيلا مُتعطّشاً لِلتّغير إلى ما هو أجمل، نحلم بِقلب الأوضاع المُتعفِّنة اجتماعياً واقتصادياً وسياسيا. كُنّا نحلم بشيء بعيد المَدى والمنال، ولكننا لم نستسلم أبدا. كنا نحلم و نُناضل على جميع الواجهات، ومع كل الجمعيات، وفي جميع الجبهات، من أجلِ غدٍ أفضل لنا وشعبنا. إنْ لم يكن لنا فسيكون لِأبنائنا. زرعوا فأكلنا، ونزرع فياكلون. باختصار، كنا نحلم وكفى. ولكن هذه الأحلام هي النواة الأولى لِكل تغيير فعّال، والبذرة التي ستؤتي يوماً ما ثِمارها. فإذا كانت لكل النباتات بُذورها، فإن الأحلام هي بذور التّبديل والتّحويل والتّطْوير..!ء
ء    دخلتُ إلى مقصورتي في القطار، فغمضْتُ عيوني وبدأتُ أفكّر: ستكون هذه السنة ما قبل الأخيرة لِأُنهي دراساتي الجامعية في علم النفس. وسأبحث من جديد على بيت لِلسكْنى في أحد أحياء الرباط. دخل رجل بحقيبته وجلس بجانبي بعد التّحية. اِندلعتْ صفّارة القطار وبدأ يتحرّك تاركاً المحطة وراءه. بعد حوالي ثمان ساعات توقّف في محطة الرباط. كانت الساعة السادسة صباحا. ما زالت المدينة نائمة على عروشها. اِشتريتُ إسْفجة كبيرة بالسّكّر وجلست في المقهى بِ "باب الحدّ"، أقرأ الجريدة، وانتظر أن تفتح الجامعة أبوابها، كنتُ أفكّر في الكراء والاِستقرار وأنا أقرأ. نظرتُ إلى ساعة يدي التي اشتريتها من مدينة "برسلونة" الإسبانية عندما قُمْتُ بجولة سياحية بعد نجاحي بامتياز في الباكلوريا، كانت الثامنة والرّبع. أدّيْتُ لِلنّادل ثمن القهوة، فأخذتُ حقيبتي وانصرفْتُ.ء
ء    في مُدرج الجامعة في جناح علم النفس، كان الطلبة المهتمّون بهذا التّخصّص قليلون مُقارنة مع الشُّعَب أو الكلّيات الأخرى. آمل أن لا تكون قد أثّرَتْ فيهم العبارة التي كنا نسمعها بالفرنسية من بعض طلبة علم النفس: السيكولوجيا تجذب المرضى النفسانيين
 La psychologie attire les psychopathes.
كثيرون من زُملائنا في الفلسفة، اِستمرّوا في نفس الشّعبة. وآخرون اِتّجهوا إلى علم الاِجتماع بكل فروعه ولاسيّما الأنثروبولوجيا. وهناك من اِختار الإبستيمولوجيا أو المنطق، ولكنهم قليلون... كُنّا لا نتجاوز 28 طالباً في علم النفس. وكان حاضرٌ هذا اليوم أستاذ مادّة علم النفس المرضي. كانت هذه مادّتي المُفضَّلة، ولا سيّما أن أستاذ هذه المادّة، الدكتور خليل العمراني تخرّجَ من جامعة فرنسية مشهورة. كنت أحب هذه المادّة والأستاذ الذي يُدرِّسها. كان في هذه الشعبة من علم النفس طالبان مسيْطران على القسم من ناحية الظُّهور التّفوُّقي: أنا وعزيزة الساحرة الجمال. كُنّا نحن المُفضّلان عند أستاذنا الدكتور خليل العمراني. أنا متفوّق في المادة التي ندرسها بدراساتي المتواصلة والعميقة، أمّا سُعاد فكانت متفوّقة في جمالها الفتّان مقارنة مع كل فتيات قسمنا، وربّما الكلية ككل. وكان الأستاذ شاب حيوي وأنيق، وكان يهتمّ بها كما كانت هي أيضا تُرفرف حوله بِوقار وشهية، مِمّا كان يجعل الكثير من الطالبات يتهامسْنَ بهذه العلاقات الخفية..!ء
ء    اِنتهت الحصّة الأولى لهذا اليوم. كانت عبارة عن تقديم الأستاذ نفسه ومادّته. أعطانا نبذة تاريخية عن ظهور علم النفس المرضي ونشأته (مع أبيقراط في اليونان) وتطوّره وازدهاره في العالم، كما فسّر لنا الفرق بين علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس العيادي والمرضي والطّبّ النفسي والتحليل النفسي... بعد ذالك ذهبتُ إلى مقهى "الفصول الأربعة" ذو الموقع الأهمّ وسط المدينة، لِأتناول مونادا مع حلوى، وأقرأ جريدتي، وألتقي أحياناً مع صديقي المطرب يونس ميكري الذي كان يتردّد كثيرا على هذا المقهى. سمعتُ صوتا يناديني من الخلف، كان اِبن عمي مصطفى الصقلي. كان يدرس هو أيضاً في الرباط في العلوم السياسية. كان في السنة الرابعة في الجامعة. وتحدّثنا عن أبناء عمومتنا الذين يدرسون في الرباط. ولمّا سألتُه أين يسكن ومع مَنْ، قال أنه يقطن في شقة بحيّ العكّاري، زنقة الهند - القبيبات، مع اِبن عمّنا مْحمّد السقالي وطالبان آخران. وعرض عليّ أن أسكن معهم لِأن الشقّة كبيرة وتحتوي على غرفة صغيرة حرّة لا يشغلها أحد. فرحْتُ بهذا الخبر السّار الذي يتعلّق بالاِستقرار. كنت أعرف ذاك الحي، وهو قريب من المعهد الوطني لِلموسيقى والرقص الذي أدرس فيه. كنت أحبّ دروس الموسيقى، وسأدخل في السنة الثالثة. ولهذا سُررتُ كثيرا، فأدّيتُ ثمن المَشْروبان وذهبنا إلى شقتنا الجديدة لهذا العام.ء
ء    عندما وصلنا إلى الدار، كانت الشقة واسعة فعلا. وكانت في الطابق الأول، وتحتنا كان يوجد دكان لحْسن السوسي للمواد الغذائية. قدّمني مصطفى أصدقاءه الذين يسكنون معنا: الطالب المنصوري ذي العيون الزرقاء، وهو من سكان بني أنصار. كان يدرس الجغرافية  في السنة الثالثة جامعي، وينوي التّخصّص في علم الخرائط(لاكارتوكرافي). أمّا الصديق الآخر، فكان محمد الأعور من عينه اليمنى التي كانت فيها غمامة بيضاء. كان أسمر طويل القامة غليظ، ويدرس في السنة الثاثة في كلية الحقوق في القانون العام. وكان يشرك الغرفة على اليمين مع المنصوري. وأخيرا إبن عمّي مْحمّد السقالي الذي كان يشغل نفس غرفة مصطفى ويدرسان معا العلوم السياسية في السنة الثالثة. كنتُ أصغرهم جميعا. وعندما فتح باب الغرفة التي سأقيم فيها أنا، أعجبتني ولو أنها كانت صغيرة بالمقارنة مع الغرف الأخرى. وكانت توجد مباشرة بعد باب مدخل الشقة. كما أن ثمنها مقبول.ء
ء    لم أضيّع وقتي. جمعتُ بعض الجرائد التي كانت في حقيبتي، وطلبتُ من الإخوان الإذْن لِأستعمل جرائدهم المُهْمَلة، وعرضتُ عليهم فكرتي: أن ألصق الجرائد على كل جدران غرفتي. وقد نجحتِ الفكرة أكثر مِمّا كنتُ أتوقّع، وتفاجأ الجميع بهذه اللّمسة الفنّية السّريالية، وهذا الدّيكور السياسي المُثير، ولا سيّما عندما قطّعْتُ أشهر الأقوال الثورية والعناوين الجرّيئة مع بعض الكاريكاتورات السّاخِرة من أوْضاع القمع والتّهميش، لِتكون بارزة أكثر وتخطف الأنظار. كما تصلح كوقيد لِتحفيزِ واسْترجاع الذّكريات وتداعي الأفكار...ء



غرفتي السريالية في حيّ العكّاري

 في هذا البيت الضّيّق الصغير، وهذا الكهف المنير، سأسكن وأعتكف سنة جديدة مليئة بالأبحاث الفلسفية والسيكولوجية، مع رسم المناظر الطبيعية، ومداعبة أوتار قيثارتي. أرجو أن يستمرّ عُمْري على هذا النمط الخيالي، والإيقاع الهادئ الفردوسي: الموسيقى والفلسفة، والفن والحياة البوهيمية، وأناملي الذهبية التي تساعدني على ربح النقود، وتخطّي عتبات السوق الجهنّمية، ذات الأسعار الغالية. الجنة توجد في كل مكان وزمان، والحياة جميلة لِمن يعرف كيف يحياها ويكتشف جمالها الخفيّ..!ء
ء    تعوّدتُ على الحياة في هذا الوضع الإيجابي الجديد، مع أصدقاء جُدُد وأفراد من عائلتي المغتربين مثلي، أبناء أعمامي الأعزّاء. وسارت الرياح تمشي كما تشتهي سفينتي الدّائمة البحث والإبْحار. جلستُ في رُكن غرفة الجلوس التي كان يستعملها مْحمّد ومصطفى الصقلي كغرفة نومهما المشتركة، لكونها أكبر غرفة في وسط الشقة. تناولتُ نصف كأس من الشاي البارد الذي بقي منذ فطور الصباح. وأشعلتُ سيجارتي. جلس الجميع حول المائدة التي كان فوقها صينية الشاي وطَبَقٌ فيه بقايا عدس الغذاء. لم تكن الشقة نقية ومنظّمة كما ينبغي، ولا سيما المطبخ الصغير الذي كان مليئاً بالماء والأوساخ. هذه أحوال المسكن الذي لا توجد فيها النّساء. جلس محمد الأسمر الغليظ بجانبي وأشعل سيجارته. كنا الوحيديْن الّذان يدخّنان. وانظمّ إلينا الجميع ما عدا المنصوري الذي كان غائبا. فقال ابن عمّي مصطفى:ء
ء    ـ عبد الرحمان، لماذا لا نفعل نفس الشيء في هذا الصالون ونزيّنه بالجرائد كما فعلْتَ في غرفتك. سنساعدك جميعاً، إنه ديكور أصيل وجذّاب. الجرائد موجودة بوفرة وحتى الجرائد الفرنسية. وأنا من يشتري اللّصاق.ء
ء    فاحتجّ محمد الأسمر قائلا:ء
ء    ـ الآن تسمّيه الصالون وبيت الضّيوف! وعندما نجلس هنا أنا والمنصوري، تمنعنا وتقول أنها غرفة نومكم الخاصّة! أنا لن أساعدكم حتى تعِدوني بتزيين غرفتنا كذالك. عبد الرحمان لن يُعارض، والفنّ للجميع. هذه هي الديموقراطيىة في نظري.ء
ء    فقال مْحمّد السقالي مبتسما لِلمزحة:ء
ء    بطبيعة الحال هذه غرفة نومنا نطالع فيها دروسنا بهدوء. ولكن أنتما تحتلاّنها كقاعة للجلوس والدّردشة والتّدخين. أنا ومصطفى لا نُدخِّن. وثانياً رتِّبا أسِرّتكما وغرفتكما قبل التفكير في تزيينها بورق الجدران! "لَعْكَرْ على الخنونة"! كما يقول المثل الدّارِج. أو كما يقول المثل الأمازيغي: "رْحَنِّ خْ ثِشِّنْ"! ! أنتما ينقصكما النظام، والنظام أساس الحياة.ء
ء    فصرخ محمد الأسمر:ء
ء    ـ مَنْ ينقصه النظام، نحن أم أنتم؟ عندما يأتي دور مصطفى لِتهييئ وجبات اليوم وتنظيف الدار، تكون قذرة ووسخة لِدرجة تكون الشوارع خارج الدار أنْقى من شقتنا! أنظر حالة المطبخ، لا فرق بينه والمزبلة! يبْدو كمُسْتنقع! هذا هو النظام؟ والعدس الذي طبَخَه مصطفى، ليس فيه سوى الماء والهريسة الحمراء!ء
ء    خلال حديثنا، كان مصطفى الصقلي في المطبخ الصغير  يُسخِّن ما بقي من عدس الغذاء للعشاء. فأتى بطبق العدس بدون ملاعِق لِلإقتصاد في الأكل. وعندما وضعه فوق المائدة، طفح الماء على المائدة لِكثرة المَرق الأحمر. وفرّق الخبز وبدأنا نأكل. كانت الوجبة فريدة من نوعها وغاية في البساطة. لا قِطع من الجزر والطماطم ولا أيّة خضرة أخرى كما كانت تطبخ أمّي العدس نادرا جدّاً، لِأننا لم نكن نحب أكل القُطْنيات التي كان ثمنها آنذاك لا يتعدّى ثمانية دراهم لِلكيلو! كانت القطنيات رخيصة وشعبية وفي متناول الشرائح والطبقات الفقيرة، والعائلات المتعدّدة الأفراد ذوات الدّخل الهزيل. بدأ الجميع يتناول عشاءه حين دخل المنصوري. فسلّمَ عليّ ثمّ أخذ مكانه بيننا. وفجأة، وقف محمد السقالي عن الأكل وقال لِمصطفى وهو يُحدِّقُ فيه:ء
ء    ـ كُلْ قدّامك وبِنظام أمصطفى، أصابعك الخمسة تعوم في المرق بكل حرية، ولا تردّ الفُتات السّاقِط إلى الصّحن من فضلك!ء
ء    فاحتجّ عليه مصطفى بسُخْرية وقال له لِيرُدَّ الصّاعَ صاعيْن:ء
ء    ـ هذا مكاني في الصّحن أفعل فيه ما أُريد أسّي مْحَمّذ. يمكن لي أن أبولَ فيه إذا شِئْتُ. مُتّفقون؟!ء
ء    فابتسم مْحمّد السقالي وسكت. ثم قال لِلمنصوري:ء
ء    ـ عبد الرحمان إبن عمّي، سيسكن معنا. هو لا يُضيّع الوقت. لقد زيّنَ الغرفة الضيّقة التي سيُقيم فيها. هل رأيتَ الدّيكور الذي أنْجزَه؟.ء


جانب من غرفتي السريالية


ء    وحين انتهى المنصوري من الغذاء، قام وغسل يديه وأطلّ على غرفتي السوريالية وقال مُعْجَبا:.ء
ء   أنامل من ذهب! وديكور مستقبلي سُريالي. مرحبا بالفنان عبد الرحمان. بانضمامك إلينا سينقص علينا ثمن الكِراء الشهري.ء
ء    لم أستطع أكْل الكثير من طبْخة مصطفى الشهية! تناولتُ لُقْمتان بدون ملعقة. فاعتذرْتُ وقمتُ، أخذت محفظة نقودي وهبطْتُ إلى دكان لحْسن السّوسي. بمجرّد ما رآني قال:ء
ء    ـ نْعَمْ أسّي. آشْ حبّ الخاطر؟ء
ء    ـ رايْبي من فضلِك.ء
ء    أعطاني الرّايبي ثم قال:ء
ء    ـ أشْنو عاوَدْ؟ء
ء    ـ زجاجة كوكا كبيرة من فضلك.ء
ء    ـ أشْنو عاوَدْ؟ء
ء    ـ صافي. شكرا.ء
ء    عندما عدتُ إلى الشقة، وضعتُ المونادا على المائدة وصببْتُ كأساً لكل واحد وآخر لي، فأكلتُ خبز الكومير مع الرايبي. كان ألَذّ من عدسِ مصطفى بِكثير. وسألني عن لحْسن السوسي وكيف تعامل معي. ثم أضاف:ء
ء    ـ لحْسن السوسي نتعامل معه منذ ثلاث سنوات، عندما يعرف أننا توصّلنا بمنحتنا في بداية السنة، يرحّب بنا ويقول لنا: أشْنو عاود؟ لكي يشجّعنا على الشراء. وعندما تنتهي نقود المنحة، نذهب إليه لِشراء خبزة مثلا، لا يقول  "أشْنو عاود؟"، بل يقول "صافي؟". هكذا السّوسيون، كل دكاكينهم فيها ورقة مكتوب عليها"ممنوع الطلق والرزق على الله"! وبدأنا نضحك ونسترسل في النّكت.ء
ء    كان هذا أوّل لِقاء لي مع هؤلاء الإخوة والأصدقاء الرّائعون! اِستمرّوا في مناقشاتهم نُكتهم المضحكة، وانتقادات بعضهم لِبعض في جوٍّ مرِح يسوده الاِحترام. كان موجود في هذه الشّقّة المتواضعة خمس طلبة كلهم أمازيغ، جاءوا من قلب الريف العميق طلباً للعلم في جامعات العاصمة وكلّياتها، لِانْعدام الجامعات في إقليم الريف! كان مجتمِعٌ هنا أربع تخصُّصات، منها القانون العام، والجغرافيا، والعلوم السياسية، وتخصُّصي في علم النفس الذي من بين ما علّمني، الصّمْت والإصْغاء باحترام إلى حديث الآخرين لِأعرف مَن هم... سألني مصطفى وهو يتناول كأس المونادا:ء
ء    ـ أظنّ اسّي عبد الرحمان لم يُعجبه عدسي!ء
ء    فأجبتُه وأنا أبتسم:ء
ء    ـ لا بالعكس. العدس مفيد جدّا للجسم من الناحية الطّبية. وله فوائد كثيرة لصحة الإنسان. كما أنه وجبة غذائية كاملة ومتوازنة. يحتوي على فيتامين ب، والحديد، وحمض الفوليك المساعدين على تعزيز وظائف أنظمة الجسم. العيب ليس في العدس، وإنّما في طريقة الطبخ. ولكن النساء في هذا المجال قوّامات على الرجال. هي مسألة تدريب فقط، ولكن لا يجب أن ننسى أنّ أشهر وأمْهر الطّبّاخين في العالم رجال! وهذا مشكل آخر.ء
ء    فقال محمد الأسمر:ء
ء    ـ إذا كان العدس يحتوي على كل هذه الفوائد التي  ذكرْتَها، فلماذا لم تتناول منه سوى لُقْمتين وراء الخاطِر؟ء
ء    فعقّبَ مْحمّد السقالي ربّما لِيُنقذ الموقف:ء
ء    ـ في الواقع مصطفى يستحقّ صِفْر في الطبخ والنّظام. أنا الذي أسكن معه وأعرفه جيّدا...ء
ء    فردَّ عليه مصطفى مازحاً:ء
ء    ـ كُلِ العدس الذي طبخه سيّدُك واصمُت. وإلاّ فاطبخ أنتَ مكاني.ء


 إبن عمّي مْحمّد السقالي في الغرفة السريالية

ء    وبدأ الجميع يضحك. وبعد العشاء، فكّرتُ في النوم على "السّدّاري" الموجود في غرفة أولاد عمّي، ريثما أشتري السرير والغطاء غدا. وهذا ما قُمْتُ به بعد فطور الصباح الذي كان عبارة عن نصف كوميرة وزبدة التي اشتريتها من دكّان جارنا لحْسن السّوسي، وكأس قهوة طهيتها بنفسي. ثم رتّبْتُ غرفتي الصغيرة، وعلّقتُ ملابسي خلف الباب. وبعد ذالك ذهبتُ إلى المعهد الموسيقي للدراسة. وبعد انتهاء حصّة الموسيقى، فرّقَتْ أستاذتنا السيّدة صِدْقي دعوات لحضور "برنامج مواهب" الذي يشرف عليه الأستاذ عبد النبي الجراري، والذي يمرّ في القناة الأولى في التلفزة المغربية يوم السبت القادم. وقد تعرفتُ على الأستاذ الجراري الذي دعاني للمشاركة في الحصّة المقبلة من برنامج مواهب، بصفتي كفنّان صاعد ذو مواهب يجب تشجيعها. فرحتُ كثيرا وشكرتُ أستاذة الموسيقى التي يعود الفضل إليها في تلك المشاركة، لِأنها هي التي قالت للأستاذ عبد النبي الجراري أنني أجيد الرسم، فعرض عليّ اقتراحه الذي شكرتُه عليه. فعُدْتُ إلى غرفتي وأنا كلّي شجاعة وحماس لِرسم لوحات جميلة لِعرضها في التلفزيون. وقد كانت هذه المرّة الثالثة التي أظهر فيها في التلفزة المغربية بعد الروبورطاج الذي أذاعته القناة الأولى عام 1972 حين نظّم لي السيد الكاتب العام بن عزّوز أحمد مع العامل الظريف بوشتة تْفاوتي، معرضا في العمالة الجديدة، مُنِحْتُ إثْرها مِنحة لِدراسة الفن التشكيلي من طرف المجلس الإقليمي بالناظور آنذاك...ء
ء    كان موعد برنامج "مواهب" السبت المقبل. كم من لوحة يمكن لي رسْمها خلال ستّة أيّام؟ ثم أنّ هناك الدراسات الموسيقية التي تستحوذ على قِسْطٍ كبير من وقتي، وكذالك الدراسات في علم النفس. وأجل الموعد قصير وعلى الأبواب. لذالك قرّرْتُ رسم وصباغة لوحة واحدة مُتْقنَة ومُعبِّرة لِعرْضها أمام شاشة الكاميرا، وستراها أمي في تلفزتها وتفرح كثيرا بِنُبوغ اِبنها. وكانت اللّوحة عبارة عن طفل جميل يبكي. يبكي ربّما لحياته في الغُرْبة بعيدا عن أهله وذويه، وحنينه إليهم جميعا...ء


لوحة الطفل الباكي. صباغة زيتية على الكرطون. 70 × 80 سنتم. الرباط. غشت 1979

ء    اِقترب موعد البرنامج التّلفزيوني، وانتهيتُ من رسم لوحة الطفل الباكي. كانت ناجحة ورائعة. لا يمكن عرْضها بدون إطار. لا حلّ عندي ما عدا تصوير وإنْجاز مناظر طبيعية أخرى، وبيعها لصاحب دكّان الإطارات والديكور الموجود قرب جوطية "باب الحدّ". سبق لي أن تعاملْتُ مع هذا التاجر منذ سنوات. يشتري كل المناظر التي أعملها في أوقات فراغي وعندما أكون محتاجاً إلى النّقود، ويؤدّي لي أثمنة رخيصة، ولكنها مهمّة لي كمدْخول إضافي.ء

ء    كان يوم السبت مُشمس، والساعة الثانية بعد منتصف النهار. غيّرتُ ملابسي وأخذتُ لوحتي بعد أن غلّفتُها في إزار أبيض أستعمله كغِطاء، وخرجتُ. كانت شقتنا في حيّ العكّاري تقع على شارع مهم، ولذالك لم أنتظر كثيرا حتى جاء الطاكسي الصغير الذي نقلني إلى مقرّ القناة التّلفزيونية الأولى بِ "زنقة البريهي رقم 1 بالعاصمة الرباط. وكان في الاِستقبال شخص يدُلُّ الزائرين على قاعة العرض. جلسْتُ في الصّف الأوّل مع بعض الشخصيات ومنهم الموسيقار والملحّن المغربي الأستاذ محمد بن عبد السلام وأفراد من عائلته، وأستاذة الموسيقى مدام صِدْقي وأستاذ القيثارة وآخرون. فأشارتْ علي السيّدة صِدْقي بإعطاء اللوحة لِلأستاذ عبد النبي الجراري الذي كان فوق الخشبة يتفقّد ويختبر آلات الميكروفونات مع تِقْنيين آخرين اِستعداداً لِانطلاق البرنامج. فأخذَ اللوحة الكبيرة ووضعها فوق المَسْند فوق الخشبة وهو يتأمّلها ويُهنِّئني على هذا الإنْجاز الفنّي الراقي، ويُقدّمني لِلجمهور بِاعتباري طالب نشيط ذو مواهب مُتعدِّدة، وأنّ لوحة "الطفل الباكي" تُشبه أعمال الفنّانين الكلاسيكيين. ثمّ عُدْتُ إلى مكاني بين الضيوف المَرْموقين. لم يلبث أن أعْطى السيد رئيس البرنامج إشارة انطِلاق الحِصّة. وفجأة اِنطلقَتْ ألحان أغاني غيثة المشهورة من روائع الزمن الجميل آنذاك: "واه أذاك الغافل / عزيز علينا". و"الله عليها زيارة"، و"يا شمعة"... وكانت المطربة الصاعدة تُغيّر ملابسها مع كل أغنية جديدة، فتقلّدها وهي ترقص على أنغام الألحان الجميلة والأنوار الباهرة والتّصفيقات الحارّة للمتفرّجين والمشاهدين. كان برنامجا ناجحا. وهذه اللوحة العزيزة عليّ، موجودة في صالون دار أخي عبد الله في الناظور إلى يومنا هذا.ء 



يتبع
0

Ajouter un commentaire

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.