بائعة الخبز - مجموعة قصص قصيرة
بائعة الخبز
مجموعة قصص قصيرة
بائعة الخبز
*********
ء كنتُ أعيش أياما سعيدة مع زوجتي وابنتي الصغيرة حنان‘ لوْ لم أعرف عايدة التي قلبتْ حياتي رأسا على عقب. كنا نسكن في قرية هادئة بضواحي مدينة الناظور، كان قدري أن أعيش مهاجرا في فرنسا كأستاذ، وكنتُ أزور عائلتي كل ثلاثة أو أربعة اشهر لِاشتياقي لزوجتي وابنتي. كنت سعيدا في حياتي. وعندما فارقتْ زوجتي الحياة، صعبَ عليّ ترْك ابنتي يتيمة ووحيدة. فغادرتُ موطن الهجرة، وعدتُ إلى بلدي بصفة نهائية، لِأكون بجانب اِبنتي لِأربّيها وأحميها. ولكن الصدمة المهولة، كانت تعرّفي على المرأة الريفية عايدة التي غيّرتْ حياتي جذريا. فعشنا حياة مليئة بالسعادة والصدمات...ء
ء وقعت بداية القصة في شهر دجنبر من عام 2014، كانت الساعة العاشرة صباحا، واليوم عاصف. أطْللتُ من النافذة بعد أن أزحْتُ السِّتار جانباً، فاتّجهتْ عيوني مباشرة إلى بيت جارتي الجميلة عايدة، هذا وقتها المعتاد لِلذهاب إلى سوق الحيّ لِتبيع الخبز الذي تعْجِنُه بيديها النّاعمتين. كانت هذه مِهنتُها الوحيدة التي اختارتها لتعيش وتنفق على نفسها وأمها المريضة، بعد زواجها الكارثي برجل كان يسجنها في داره ويمنعها من الخروج بسبب جمالها السّاحر الذي كان طامّتها الكبرى، والذي كان السّبب في منْعها من الخروج لِكيلا يراها الرجال الآخرون.ء
ء سكنْتُ في هذا الحي منذ ستة أشهر فقط. بعد فاجعة وفاة زوجتي بسبب "المرض الخبيث" الذي عانت منه لمدّة سنوات. فقرّرتُ العودة النهائية من فرنسا كعامل مغربي مهاجر، لِأعيش مع ابنتي الصغيرة "حنان"، البالغة من العمر خمسة عشر سنة، لِأربّيها وأعتني بها وأساعدها في دراستها. واستقرّيْتُ في منزلي ذي الطابقين، الذي بنيتُه بعرق جبيني وأتعاب عملي، كمُدرِّس في إحدى مدارس "ليل" الفرنسية.ء
ء ـ بابا، سأذهب إلى عايدة لِشراء الخبز.ء
ء ـ نعم يا ابنتي، هذا وقتها لِتذهب إلى السوق كالعادة لِتبيع خبزها. إذهبي سريعاً قبل أن تغادر بيتها. إلبسي معطفك فالجو بارد.ء
ء عُدتُ إلى النافذة أتأمّل المنظر أمامي. رأيتُ عايدة تخرج من بيتها مُلتحفة بِبرقعها الأفغاني الأسود، وهي تحمل خبزها في سلّة كبيرة فوق رأسها. وعندما لمحَتْ اِبنتي، اِبْتسمتْ ووضعتْ سُلّتها على الأرض، ناولتْها أربع خبزات كالعادة، ثم قبّلَتها واستأنفتْ طريقها إلى السوق.ء
نوافذ مكتبي المطلّة على حديقتي والمواجهة لِبيت عايدة
ء خلال فطورنا أنا وابنتي حنان، كنتُ آكل بِشهيّة، الخبز المعجون بالشّعير الطبيعي، مع زيت الزيتون والقهوة، وفي نفس الوقت أفكّر في عايدة. منذ أزْيد من شهرين تقريباً، تغيّر مظهرها ولِباسها. كانت ترتدي لباساً عادياً ككل النساء في عمرها، فستان، أو تنّورة طويلة أو سروال مع قميص ومعطف. بعد ذالك بدأتْ ترتدي جلاّبة وحجاب. لكن فجأة، بدأتْ تلتحف بهذا الزيّ الأفغاني الجديد والغريب، والتي يجعلها تبدو ككيس أسود. لم أكن أفهمُ شيئاً من هذا التطوّر في لباسها خلال الثلاثة أشهر التي سكنَتْ في هذا البيت الضّيّق المُقابل لِمنزلي.ء
ء بعد استقراري في هذا الحيّ، لم تكن عايدة تسكن هنا، ولكن بعد ثلاثة أشهر، رأيتها من نافذة منزلي وهي تخرج لقضاء أغراضها والتّسوّق. كان ما جذبني لِلِاهتمام بها أنها لم تكن تخرج إلاّ نادرا، وكانت تُحْني رأسها دائما وتتفادى النّظر في الناس، ولاسيّما الرجال والشباب، لِتتفادى إزعاجهم لها، وتحرّشهم بها. كان جمالها الفتّان نِقْمتها ولعْنتها، وسبب كلّ مشاكلها منذ زواجها مع الرجل الذي هربتْ وانفصلتْ عنه، لِسجنه لها بسبب جمالها، مِمّا جعلها لا تُقيم أيّة علاقة مع جيرانها، ما عدا ابنتي حنان التي كانت تحبّها، وتعتبرها أعزّ صديقة عندها، وتبوح لها بِأسرارها.ء
إ اِندلعتْ عاصفة هزّتْ نوافذ الصالة التي كنا نفطر فيها. كانت الرياح تُصفِّر وتعوي في الخارج. فقلتُ لِابنتي أنني سأذهب إلى السوق لِشراء ما نأكله اليوم. في الواقع كنتُ أريد أن أرى وجه عايدة عن قُرْب.ءء
ء كان الجوّ هادئ في السوق، لا يُعكّره سوى صراخ الباعة المختلط بأصوات هبوب الرياح وعويلها، والناس تَعْبُر الأرصفة، وتتنقّل بحمولتها هنا وهناك. اِشتريتُ السّمك الذي تفضّله ابنتي، والخظر والفواكه وأشياء أخرى. واقتربْتُ بِحذر من المكان الذي تجلس فيه عايدة لتبيع خبزها. كانت جالسة على رصيف دكّان لبيع الخضر والفواكه والموادّ الغذائية، وتبدو ككومة سوداء مُغطّات ببرقعها من رأسها إلى رجليها، لا أرى سوى يديها وخبزها. وفي الرصيف المقابل لها، كان رجلان يُحدّقان فيها ويتهامسان. إنها الذّئاب الجائعة جنسياً، تحوم حول الفريسة الجديدة! إمْتعضْتُ من هذا المشهد الحيواني، وبدأتُ أعرف سبب لجوء عايدة القصْري إلى هذا الزّيّ الأفغاني الأسود، لِإخفاء وجهها وجسدها الفتّان عن أنظار الفضوليين.ء
ء بعد استقراري في هذا الحيّ، لم تكن عايدة تسكن هنا، ولكن بعد ثلاثة أشهر، رأيتها من نافذة منزلي وهي تخرج لقضاء أغراضها والتّسوّق. كان ما جذبني لِلِاهتمام بها أنها لم تكن تخرج إلاّ نادرا، وكانت تُحْني رأسها دائما وتتفادى النّظر في الناس، ولاسيّما الرجال والشباب، لِتتفادى إزعاجهم لها، وتحرّشهم بها. كان جمالها الفتّان نِقْمتها ولعْنتها، وسبب كلّ مشاكلها منذ زواجها مع الرجل الذي هربتْ وانفصلتْ عنه، لِسجنه لها بسبب جمالها، مِمّا جعلها لا تُقيم أيّة علاقة مع جيرانها، ما عدا ابنتي حنان التي كانت تحبّها، وتعتبرها أعزّ صديقة عندها، وتبوح لها بِأسرارها.ء
إ اِندلعتْ عاصفة هزّتْ نوافذ الصالة التي كنا نفطر فيها. كانت الرياح تُصفِّر وتعوي في الخارج. فقلتُ لِابنتي أنني سأذهب إلى السوق لِشراء ما نأكله اليوم. في الواقع كنتُ أريد أن أرى وجه عايدة عن قُرْب.ءء
ء كان الجوّ هادئ في السوق، لا يُعكّره سوى صراخ الباعة المختلط بأصوات هبوب الرياح وعويلها، والناس تَعْبُر الأرصفة، وتتنقّل بحمولتها هنا وهناك. اِشتريتُ السّمك الذي تفضّله ابنتي، والخظر والفواكه وأشياء أخرى. واقتربْتُ بِحذر من المكان الذي تجلس فيه عايدة لتبيع خبزها. كانت جالسة على رصيف دكّان لبيع الخضر والفواكه والموادّ الغذائية، وتبدو ككومة سوداء مُغطّات ببرقعها من رأسها إلى رجليها، لا أرى سوى يديها وخبزها. وفي الرصيف المقابل لها، كان رجلان يُحدّقان فيها ويتهامسان. إنها الذّئاب الجائعة جنسياً، تحوم حول الفريسة الجديدة! إمْتعضْتُ من هذا المشهد الحيواني، وبدأتُ أعرف سبب لجوء عايدة القصْري إلى هذا الزّيّ الأفغاني الأسود، لِإخفاء وجهها وجسدها الفتّان عن أنظار الفضوليين.ء
عايدة المحجّبة
ء عُدْتُ إلى المنزل وعقلي منشغل بالتفكير في حياة عايدة وظروفها المأساوية. لا أعرف الكثير عنها ما عدا ما أراه من نافذة مكتبي المقابل لِبيتها الفقير من لقطات ومشاهد روتينية يومية، وبعض المعلومات والأخبار التي تحكيها لي ابنتي حنان عندما تلتقي بها. كانت تمثّل لي لغزا غير قابل للتشفير والفهم. ولكنني قرّرتُ مع نفسي أن أغوص في أعماق القضية وأكشف أغوارها الغامضة. هكذا أنا، لا أرتاح حتى أرى الصورة واضحة أمامي وكاملة الأوصاف، وإلاّ سأكون كالأعمى الذي لا يرى سوى نِصف الأشياء بِضبابية وبلا وضوح.ا
ء غسلتُ السمك، وقشّرتُ الطماطم والبصل والفلفل، كما تعوّدتُ أن أقوم بذالك عندما كنت أعيش في الغربة، وبدأتُ في تهييئ الوجبة وشوْي السّمك لِتتغذّى ابنتي عندما تدخل من الثانوية. لوْلا ظروف الغربة، لَما تعلّمتُ الطبخ لِأساعد نفسي وآكل سوى الوجبات السريعة و"سوندْويشات" المطاعم، أما ابنتي فلا زالت طفلة لا تعرف قواعد الطّهي مثل أمها. صعْب أن يعيش الرجل في بلدنا بدون زوجة، ولا سيّما عندما يكون مسؤولا على تربية الأبناء الصغار.ء
ء نظرتُ إلى الساعة فوق المكتب، الثانية عشر والرّبع. سمعتُ باب المنزل يُفتح وابنتي تدخل. فساعدتني على تهييء الطاولة لِنتغذّى.ء
ء ـ بابا، اليوم سيتغيّب أستاذ الفرنسية. قال لنا المدير أن لا نذهب إلى الثانوية.ء
ء غسلتُ السمك، وقشّرتُ الطماطم والبصل والفلفل، كما تعوّدتُ أن أقوم بذالك عندما كنت أعيش في الغربة، وبدأتُ في تهييئ الوجبة وشوْي السّمك لِتتغذّى ابنتي عندما تدخل من الثانوية. لوْلا ظروف الغربة، لَما تعلّمتُ الطبخ لِأساعد نفسي وآكل سوى الوجبات السريعة و"سوندْويشات" المطاعم، أما ابنتي فلا زالت طفلة لا تعرف قواعد الطّهي مثل أمها. صعْب أن يعيش الرجل في بلدنا بدون زوجة، ولا سيّما عندما يكون مسؤولا على تربية الأبناء الصغار.ء
ء نظرتُ إلى الساعة فوق المكتب، الثانية عشر والرّبع. سمعتُ باب المنزل يُفتح وابنتي تدخل. فساعدتني على تهييء الطاولة لِنتغذّى.ء
ء ـ بابا، اليوم سيتغيّب أستاذ الفرنسية. قال لنا المدير أن لا نذهب إلى الثانوية.ء
ء ـ حسناً يا ابنتي. طالعي دروسك. وإذا مللْتِ من المراجعة والبقاء في البيت، يمكن لكِ أن تذهبي لِتُؤنِسي جارتنا عايدة. أو إبقيْ في المنزل والعبي بهاتفك. أمّا أنا، فسأستمر في كتابة بعض الفقرات للمجلّة التي أنشر فيها قصصي.ء
ء ـ وماذا تقول لك؟ هل تحكي لكِ شيئا عن ماضيها؟ء
ء مِن الأحسن ألاّ تعرف شيئا عن ماضيها لِأنه كله مآسي وأزمات. المسكينة لا حظّ لها في هذه الحياة، ما عدا الفقر والمُعانات. وزوجها الشديد القسوة، أتخيّله كالسّفّاح المجرم عندما تُحدّثني عنه.ء
ء ـ إستمِرّي في حديثِكِ يا ابنتي. أريد أن أعرف كل شيء عن ماضيها وحاضرها. هل قالت لك كيف هربتْ من بيت زوجها ولماذا؟ء
ء أحْنتْ حنان رأسها تُفكّر، ثم قالت:ء
ء ـ نعم بابا. أخبرتني أن زوجها كان مُتشدّدا وعصبيا، وأنه كان يضربها ويسيء معاملتها ويحبسها في البيت ويمنعها حتى من رؤية أمها. ثم أنه كان يطلب منها أشياء مُخِلّة بالقانون والأعراف.ء
ء ـ عندما ترينها هذه المرة، دعيها تحكي لكِ مآسيها لِتخفّف عن نفسها. قل لها أن تحكي لكِ ماذا كان يطلب منها من الأفعال المخلّة بالأخلاق لِأستطيع مساعدتها. أو أن أتحدّث أنا مباشرة معها في هذا الموضوع.ء
ء ـ يعجبني اهتمامك بها بابا. عايدة إنسانة جدّ طيّبة. وأنا أحبّها ولكنني لا أستطيع مساعدتها.ء
ء ـ أنا سأفعل يا ابنتي وسأساعدها. أعِدُك. الآن راجعي دروسك ثم اذهبي عندها.ء
البيت أو الكوخ الإسمنتي الذي تسكنه عايدة مع أمها
ء جلستُ في مكتبي وأنا مشتّت الفكر. يصعب عليّ التركيز في عملي الذّهني. وقفتُ وبدأتُ أدور كالتّائه. دخلتْ حنان وقالت أنها راجعتْ بِعمق دروسها، وستذهب عند عايدة لِتزورها. فذهبتُ معها إلى المطبخ، وأعطيتها بعض التّفاحات والموز لِتُقدّمه لِأمّ عايدة المريضة. فخرجتْ، في حين عُدْتُ إلى مكتبي، وفتحتُ الكومبيوتر وبدأتُ أتصفّح المواقع وأقرأ الأخبار والحوادث المختلفة. سمعتُ الكلب ينبح في الحديقة، فأطللْتُ من النافذة لِأرى هل هناك غريب يقترب من داري. لا أحد. ربّما ينبح لِأنه جائع. فذهبتُ أتفقّده وأحمل له الطعام وبقايا السمك. ثم عرجْتُ على المخبزة المجاورة، فاشتريت حلويات لنأكلها مع الشاي.ء
ء عندما رجعتْ اِبنتي، وجدتني قد هيّأتُ المائدة وصينية الشاي. وجلسنا نأكل. كانت حنان حزينة وآثار الدموع في عينيها. فسألتُها:ء
ء ـ ما بِكِ اِبنتي؟ كنتِ تبكين؟ قلي لي ماذا وقع؟ء
ء ـ صاحب البيت طلب من حنان إفراغ المسْكن حالا لِأنها لم تؤدّي أجرة البيت منذ شهرين، طلب منها ومن أمّها مغادرة البيت وإلاّ سيرمي أثاثهما في الشارع.ء
ء شهقتْ حنان ومسحتْ دموعها وقالت:ء
ء ـ بابا، دارنا واسعة جدّاً، لماذا لا تأتي عايدة لِتسكن معنا. أبواها ماتا وليس لها أحد ليساعدها.ء
ء ـ كُلي يا ابنتي العزيزة ولا تحزني. غدا الجمعة، توحّشْتُ أن نتغذى بطعام الكسكس كما كانت تفعل أمكِ رحمها الله كل أيام الجمعة. ستستدعين حنان وأمها غدا صباحاً، وسأطلب منهما أن تُهيِّئا لنا الطعام ونتغذّى جميعا. وسأرى كيف سنساعدها يا ابنتي العزيزة. ما رأيُك؟ء
ء ـ فكرة رائعة بابا! ستفرح عايدة عندما سأقول لها ذالك غدا. أنا أيضا مسرورة الآن.ء
ء فقامتْ حنان وعانقتْني من شدّة الفرح وقالت:ء
ء ـ أنتَ عظيم بابا.ء
ء في صباح يوم الجمعة، تناولنا فطورنا، ثم ذهبتْ حنان لتدعو ضيفتنا الجارة وأمها. لم أُرِد أن أذهب لِلسوق قبل أن أرى عايدة لِتقول لي ماذا يجب أن أشتري. لم تمض مدّة طويلة حتى كانت حنان تدخل ومعها عايدة. كانت لابسة جلبابا خفيفا أحمر بدون حجاب. سلّمَتْ عليّ بيدها مبتسمة والخجل يُسيطر عليها. كانت أجمل مِمّا كنتُ أتخيّل. كان شعرها الأسود الكثيف طويل وناعم. وفي عيونها الكبيرة كحْل خفيف وجميل.ء
ء ـ تفضّلي عايدة. إجلِسي. أين أمّك؟ء
ء ـ شكرا سيّدي. أمّي في البيت مريضة.ء
ء ـ لا شكّ أنّكِ تعرفين طبخ الطعام. توحّشنا أنا وابنتي حنان طبقا من الكسكوس. هذه مدّة لم نذُقْ طعْمه.ء
ء فقالت عايدة وهي تبتسم:ء
ء ـ ومَن لا يعرف طبْخ الكسكوس؟ سوف أقوم بذالك على العين والرأس سيّدي.ء
ء ـ أنا مسرور بذالك. ولكن عايدة، لا تقولي سيّدي. أنا إسمي إبراهيم.ء
ء ثم اتّجهتْ بنظرها إلى حنان وقالت لها بصوت خافِت:ء
ء ـ حنان، كيف يحب أبوك الطعام؟ ثم إنّي يجب أن أعجن الخبز وأبيعه. ماذا سنعمل؟ء
ء فسألتني ابنتي:ء
ء ـ بابا، بماذا تريد أن تطبخ عايدة الطعام؟ باللحم أم الدجاج؟ء
ء ـ كما تشائين ابنتي.ء
ء ـ أنا أفضّل الكسكوس باللحم والخضر. ولكن بابا، عايدة تريد أن تعجن خبزها وتبيعه وبعد ذالك ستعود لِتهيئ الطعام.ء
ء هذا صحيح. ففكّرتُ في الحلّ وسألتُها:ء
ء ـ عايدة، كم تبيعين من خبزة وكم تربحين؟ء
ء ـ لا يتعدّى ما أربحه 50 درهما، وأحيانا أقل إذا حسبنا ثمن الطحين والبوطاكاز والخميرة.ء
ء ـ اليوم لا تعجني الخبز. سأعوّض لك ربحك وأضاعفه. هكذا ستُهيّئين الطعام براحة. سأذهب إلى السوق لِشراء ما تحتاجينه.ء
ء في طريقي إلى السوق، كنتُ أطير فرحاً بلقاء عايدة والحديث معها مباشرة بدون حجاب ولا نِفاق. تُمضي الصباح كله في عجن الخبز، وفي النصف الآخر من اليوم، تجلس على أرصفة الأزِقّة لِتحاول بيعه، وسط المُتحرِّشين وضجيج أطفال الشوارع والشمس والبرد. كل هذه الأتعاب والمشقّات لِتربح 50 درهما في اليوم! ماذا ستفعل بها؟ هل ستعيش بها أم تشتري بها الأدوية لِأمها المريضة، أم تشتري لباسها أم ستؤدي بها أجرة الكراء؟! هذا هو السبب الذي جعل صاحب البيت يطلب منها المُغادرة والإفراغ. لم تُؤدِّ إيجار كراء بيتها منذ شهرين. المسكينة تعيش تحت خط الفقر المدقع كأغلبية المواطنين!ء
ء عندما دخلْتُ البيت، سمعْتُ ضحكات عايدة وحنان في غرفة نومها. وعندا أحسّتا بي داخلا، أسْرعتا نحوي لِتريا ماذا اشتريتُ. كنتُ في غاية السعادة أنْ أرى ابنتي مسرورة وسعيدة كما هي اليوم. إنهما صديقتان بريئتان ومُتفاهمتان. وهذا هو هدفي الأسمى. أريد أن تكون ابنتي سعيدة في حياتها. أعرفُ أنه لا أحد يمكن أن يعوِّض حنان أمّها. ولكن على الأقلّ، ستكون أسعد مِمّا كانت عليه من قبل، وستساعدها رفيقتها الجديدة على التّخفيف من وحدتها وروتينية حياتها، وربّما ستساعدها في واجباتها المدرسية. لِأنها درستْ أيضا. هذا ما قالته لي ابنتي. ولكني لا أعرف مستواها الدراسي الحقيقي. وهذا ما سأتأكّد منه اليوم. إن تخطيطي لعظيم!ء
ء ـ بابا، لماذا اشتريتَ اللحم والدجاج معاً ؟ء
ء ـ اللحم ستطبخه عايدة اليوم مع الطعام. أمّا الدّجاج، فضعيه في الثلاجة لِنطبخه غدا. هل تتذكّرين ما كانت تقوله لنا أمّك؟ كان تقول أن لحم الدجاج سيكون ألذّ لِلطبخ إذا بات يوما في الثلاجة، وأنه يُستحسن ألاّ يُطبخ مباشرة بعد الذّبح.ء
ء فقالت عايدة:ء
ء ـ صحيح اسّي ابراهيم. أمّي أيضاً تقول نفس الشيئ، كما نفعل مع أضحية العيد تماما.ء
ء ـ إذن هيِّئا الغذاء واطعِمي أمكِ أوّلا ثم نتغذى نحن جماعة. لوْ كانت أمّ عايدة معنا لاكتملتِ الفرحة. الله يشفيها.ء
ء أخذت حنان وعايدة سلة التسوق وذهبتا إلى المطبخ. فقلتُ لِحنان:ء
ء ـ حاولي يا ابنتي أن تتعلّمي من عايدة كيفية تهييئ الطعام. سيُفيدكِ ذالك في حياتك.ء
ء تركتهما تقومان بمهمّتهما، وانسحبْتُ إلى مكتبي لأشتغل أنا أيضا. كنتُ منهمكاً في العمل وأستمع إلى حديث حنان وعايدة وهما تضحكان. كم أنا سعيد عندما أرى ابنتي مُبتهجة ومسرورة. سمعتُ حنان تناديني:ء
ء ـ بابا، الطعام جاهز. تعال لِنتغذى.ء
ء كانت الساعة تشير إلى مُنتصف النهار. ذهبتُ إلى الصالون حيث وضعت عايدة طبق الكسكوس السّاخن. كان البخار يصعد منه وتنتشر رائحته الشهية في أجواء الدار. وبعد ذالك جاءت الطّبّاختان الماهرتان تحملان طبق الفواكه والمعالق. فقالت عايدة وهي تجلس لِلأكل:ء
ء ـ أتمنّى أن يُعجبك طبخي أسّي ابراهيم!ء
ء ـ بلعْتُ ما كان في فمي من طعام فأجبْتُها:ء
ء ـ أقول لكِ الحقيقة، منذ ماتت المرحومة زوجتي، لم أذُق طعاماً شهيّاً كهذا. ذهبنا مرّتين أنا وحنان لِنأكل الكسكوس في مطاعم فاخرة في المدينة، ولكنه لم يعجبني. هذا هو الكسكوس الحقيقي الذي ألِفْتُ أكله عندما كانت زوجتي على قيد الحياة. مهْما شكرتُك عايدة، فلن أوفي لكِ حقّك. لقد أفرحْتِني أنا وابنتي. أليس كذالك حنان؟ء
ء ـ طبْعا بابا. عايدة تُتقِنُ الطبخ فعلا. وأنا تعلّمْتُ منها كيف أهيِّئُه. إنها طبْخة صعْبة بالمقارنة مع البيض الذي تسْلِقه بابا.ء
ء وانفجرتْ بالضحك هي وعايدة.ء
سَكْ ـ اسّو
ء ـ لا لم أنسَ، فرحتْ كثيرا عندما رأتْه. هي أيضا تحب الطعام. ولكن لا إمكانيات مادية عندنا لٍنأكله كل أسبوع. أشكرك على اهتمامك.ء
ء ـ وما هو مرضها؟ء
ء ـ أمي تزاحمتْ عليها الكثير من الأمراض: داء السكري، الضغط العصبي والروماتيزم.ء
ء ـ شافاها الله. أنتِ تتحدّثين جيّدا، ما هو مستواكِ الدّراسي عايدة؟ء
ء ـ أنا نجحتُ في الباكلوريا أدبي. لم أستطع متابعة دراساتي الجامعية بسبب انعدام الجامعات في مدينتنا، وكذالك بسبب الفقر والتقاليد.ء
ء ـ لماذا التقاليد؟ء
ء ـ لِأن تقاليدنا لا تسمح لِلبنت بأن تسكن وحدها بعيدا عن العائلة ولو لِلدراسة.ء
ء ـ في الواقع التقاليد أوّلا ثم الفقر. كم من عائلة ثرية، ومع ذالك لا تسمح لِبناتها بالعيش بعيدا عن الأسرة. إنها تقاليد غابرة عفى عنها الزمن. ولكنها تُسيطر على الجهلاء وتتحكّم فيهم. فتقع البنات ضحية الجهل والأمّيّة والتقاليد الموروثة، ويشلّ نصف المجتمع الذي هو المرأة. لا تنسي أن التقاليد أمّ الجهل، وأنها الحاكمة في مجتمع الأغبياء!ء
ء ـ فعلا اسّي براهيم، صدقْتَ. التقاليد أمّ الجهل، ولا سيّما عندما تلبس تلك التقاليد طابعاً دينياً، فتُصْبِح فرْضاً، حينذاك يصعب محاربتها وتغييرها! بل يصبح مجرّد التفكير في ذالك حرام. هذا هو الواقع مع الأسف، ولهذا يصعب أن نكون نحن، وأن نختار أو نفعل ما نريد في مجتمع يسوده النّفاق!ء
ء جمعتْ عايدة طبق الطعام، ونظّفتْ الطاولة، ثم وضعتْ الفواكه مكانها. فقالت حنان:ء
ء بابا، لوْ كانت عايدة تسكن معنا لَساعدتني في دراستي. مستواها يدل على أنها تعرف الكثير من الأشياء التي أجهلها. قرأتُ ذالك في دفتر مذكّراتها. إنها تُتقن العربية الفصحى أحسن مِنّي.ء
ء ـ هذا يتوقّفُ عليها يا ابنتي. يمكن لِعايدة أن تسكن معنا هي وأمّها المريضة. وأنا سأتكلّف بمصاريف علاجها وضمان عيشهما.ء
ء فابتسمتْ عايدة وهي تعانق حنان وتقول:ء
ء ـ أنتَ وحنان من أروع الناس الذين صادفتهم في حياتي. لا يمكن أن أجازيكم أبداً على الخير والحنان الذيْن تشْملانني بهما. ولكني لا أجرأ على السكن معكما بسبب الجيران. سيعيبون عنّي أن أعيش معكما كامرأة بدون علاقة شرعية. ثم أنّي في مشكل مع زوجي السابق. طلبتُ منه الطلاق فرفض. أنا مهمومة وحائرة ولستُ أدري ماذا سأفعل بوجودي المُعلَّق!ء
ء فاستفسرتْ حنان التي كانت تتبع مناقشتنا باهتمام:ء
ء ـ أختي عايدة، لم أفهم ماذا تقصدين بالعلاقة الشرعية التي تمنعك من العيش معنا؟ أوضحي لي.ء
ء تركتُ الفرصة لعايدة أن تُجيب لِأعرف مستواها بعمق أكثر، فقالت:ء
ء ـ حنان، صديقتي البريئة، نحن نعيش في مجتمع تحكمه قوانين وضعية وأخرى تشريعية دينية إسلامية. كدولة ذات نِظامين متعارضين، أو "هيدرا" ذات رأسين مُتخبِّطين! وحسب شريعتنا وديننا، تُحرم أية علاقة بين رجل وامرأة بدون عقد زواج شرعي. ومن يخالف ذالك يُتّهم بالفساد ويُعاقب. وتُشوّه سمعتنا. هذا هو سبب عجزي عن السكن معكما.ء
ء إيه، فهمتُ. يعني يجب أن تتزوّجي بِأبي لِتسكني معنا. إذن المسألة سهلة، عليكما بالزواج في أقرب وقت لِلحصول على هذا العِقد الذي سيسمح لنا أن نكون عائلة واحدة.ء
ء فانفجرنا جميعا بالضحك. وبقينا واجمين لِمدّة. فقامت عايدة وهي خجولة والحياء يغلب عليها، وهمّتْ بالخروج، فأخذتُ محفظة نقودي وناولتُها ورقة نقدية من فئة مائة درهم أجرة لعملها. فرفضتها قائلة:ء
ء ـ لا اسّي براهيم أرجوك. لقد تغذينا الطعام أنا وأمي، واستمتعتُ بالحديث معكما وكنتُ جد سعيدة، هذه هي أجرتي. لقد تشرّفْتُ بمعرفتكما حقّاً. لقد أمضيتُ معكما واحد من أسعد أيام حياتي.ء
ء فقمتُ من مكاني وألححْتُ عليها أن تقبلها. فأخذتها مُكرهة وذهبتْ. بقيتُ أنا وحنان نتحدّث عن عايدة وكل ما جرى اليوم. وبعد ذالك تمنّيتُ لها ليلة سعيدة وذهبتُ إلى مكتبي.ء
ء في الصباح الباكر، اِستيقظتُ على هرج وصراخات وخصومات، فأطللتُ من نافذة مكتبي لِأرى أم عايدة مُلْقات على الرصيف مع أثاثها القليل، وعايدة تصرخ في وجه رجل غاضب، أظنه مالك الدار، كان يُخرج ما تبقّى من أثاثها ويضعه على الرصيف وهو يتذمّر ويصرخ.ء

أمّ عايدة مُلقاة على الرصيف مع أثاثها
ء ـ بابا بابا، مالك الدار طرد عايدة وأمها من البيت. أسرع بابا يجب أن ننقذهما.ء
ء ـ ومن ماذا تريدين أن ننقذهما يا ابنتي العزيزة؟ البؤس قدَرُهما، والمصائب ستستمرّ في الهطول على الفقراء حتى يعوا ويُغيِّروا ما بأنفسهم!ء
ء ـ ليس لدينا الوقت لِلتّخطيط لِلثورة والفلسفة بابا. إفعل المستحيل لِإنقاذهما، أو اعطي الدراهم لِعايدة لِتؤدّي لِذالك المجرم أجرة الكراء.ء
ء وفجأة، وقفتْ حنان جامدة في مكانها كالتمثال تفكّر. فقفزتْ وقالت لِي وهي فرحة:ء
ء ـ بابا بابا، قف مكانك، لا تُساعدهما. لا تساعدهما. هكذا أحسن.ء
ء ـ ولكني لا أفهمكِ صغيرتي! تأمرينني أن أساعدهما ثم تنهيْنني عن ذالك! ماذا تريدين بالضّبط يا ابنتي العزيزة؟ء
ء فكّرتْ حنان ملياً ثم قالت:ء
ء ـ بابا، إذا لم نساعد عايدة وطُردتْ من بيتها، فستكون مضطرّة لِلسُّكْنى معنا. هل أعجبتكَ فكرتي؟ء
ء ـ نعم يا ابنتي. إنها فكرة شيطانية!ء
ء فانحنيتُ أقبّلها وأهنّئها على مُخطّطها العظيم! ثم صعدنا إلى مكتبي لِنتابع مجرى الأحداث من وراء النافذة. فشاهدنا حنان تتوسّل إلى مالك الدار أن يُمْهلها بعض الوقت لِأداء واجبها نحوه، لكن الرجل أخرجَ آخر ما تبقّى من الأثاث، وبدّلَ مفتاح الباب وأغلقه نهائيا في وجهها. ففكّرتُ أنّ هذا هو الوقت المناسب لنستدعيهما لِلدّخول إلى داري مع أمتعتهما لكيلا تُحْرَج أمام الجيران. فاقترحْتُ الفكرة على ابنتي حنان المُستشارة، فاستحْسنتْها، وهذا ما فعلنا.ء
ء مضتْ أيام وأسابيع، وعايدة وأمها تُقيمان في منزلي بكل احترام. أعطيتُ لهما الطابق الأول الذي يتوفّر على غرفتان لِلنوم كل واحدة بغرفتها، وصالون مفروش، ومطبخ مجهّز وحمام. أما أنا وابنتي حنان، فقد شغلْنا الطابق السّفلي لِكوني أعاني من آلام في الظهر تجعلني أحسّ بالإرهاق عندما أصعدُ الدّرج. كنّا سُعداء جميعا في وضعيتنا العائلية الجديدة، والاِنسجام بين أفراد العائلة كان رائعا. حتى من ناحية العمل المدرسي، ترقَّتْ حنان في نتائجها ولا سيّما في الأدب، حيثُ كان أستاذها يفتخر بها أمام زملائها في القسم، ويقرأ إنشاءاتها على الأساتذة حين يتجمّعون في الاستراحة، وذالك بِفضْل عايدة التي كانت تساعدها على إتمام فروضها وتمارينها المدرسية. أمّا أمّ حنان المريضة، فقد تحسّنتْ حالتها الصّحّية كثيرا بفضل التحليلات الطبية والتصوير بالأشعة وكل الأدوية التي كنتُ أشتريها لها. فكانت تمضي معظم وقتها في متابعة المسلسلات والأفلام في التلفزة، أو سقي الأشجار وورود الحديقة.ء
ء وذات يوم من أيام مارس الدافئة، كان الوقت منتصف النهار تقريباً، تناهتْ إلى آذاني أصداء نباح كلبي بدون توقف، وهرجٌ أمام باب منزلي، ثمّ سمعتُ طرْقاً على الباب. فقلتُ لِنفسي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! اللهم ابْعِد عنّا مشاكل البشر. فسمعتُ ابنتي حنان تدقّ على باب مكتبي وتدخل خائفة:ء
ء ـ بابا، هل سمعتَ الكلب ينبح، لا بدّ أنّه شمّ رائحة الخطر. إنه ينبح بشدّة وبدون توقُّف.ء
ء فسمعنا صوت رجل ينادي صارخاً:ء
ء ـ عايدة، عايدة، أعرف أنّكِ هنا. إفتحي الباب أيتها الفاجرة.ء
ء تبادلنا نظرات تعجُّب حائرة أنا وابنتي، وهممْتُ أن أخرج لِأرى مَن هذا الطّارق العصبي، فإذا بعايدة وأمها تهرعان إلى مكتبي. فقالت عايدة وعلامات الخوف بادية عليها:ء
ء ـ سّي براهيم، أرجوك لا تفتح الباب. إنه الحاجّ قدّور، زوجي العنيف الذي هربتُ من داره!ء
ء ـ هدّئي من روعِكِ عايدة. لا تخافي. ولكني يجب أن أقابله لِأرى ماذا يريد.ء
ء فسمعوا الرجل يدقّ بعنف على الباب وهو يصرخ من جديد:ء
ء ـ عايدة، يا ابنة الزّنْقة، إفتحي حالا وإلاّ سأكسّر الباب.ء
ء كان الرّعب سيّد الموقف، والخوف يسيطر على الجميع، وعايدة ملتصقة إلى النافذة تراقب حشود الجيران وراء السِّتار، وحنان جالسة مع أم عايدة التي تحاول تهدئتها. فتحتُ الباب لأرى رجلا خمسيني بِلحية سوداء مخطوطة بالشيب، وفي يده أوراق. فقلت له:ء
ء ـ السلام عليكم. مَنْ أنتَ؟ء
ء ـ فأجاب الرجل بعصبية:ء
ء ـ مَنْ أنا؟ أنا زوج عايدة التي توجد في دارك.ء
ء كان الحاج قدور يغلي بالغضب، ففكّرتُ إدخاله إلى الدار لِنتناقش بهدوء. فقلتُ له:ء
زوج عايدة
ء فرفض وصرخ:ء
ء ـ أنا أريد زوجتي. أخرجها من دارك لِتعود معي إلى البيت. قل لها أن زوجك ينتظرك.ء
ء الناس يتفرّجون علينا. من الأحسن أن تدخل ونناقش القضية بهدوء.ء
ء ـ قلتُ لك أنني أريد زوجتي الهاربة من بيتي. هل تفهم؟ هذا عقد زواجنا، أنظر. أريد أن تعود زوجتي معي الآن إلى البيت.ء
ء ـ أعرف، ولهذا يجب أن تدخل لِتراها لِأنها تخاف منك. أُدخل يا رجل إذا أردتَ أن تتفاهم مع زوجتك وإلاّ سأغلق الباب في وجهك.ء
ء فرضخَ ودخل لِنجلس في الصالون. رحّبْتُ بالرجل وتركته دقيقة، وذهبتُ أُطَمْئِنُ ابنتي وعادية اللتان كانتا مذْعورتين من هذه المصيبة التي حلّتْ بِنا جميعا. وأمرتُ عايدة بتهيئ برّاد شاي لِلضّيف الطّامّة، وأن تلتحق بنا في الصالون لِتتفاهم مع زوجها لِيغْرب عن وجهي. لم يمض وقت طويل حتى جاءت عايدة بصينية الشاي والحلويات. فافتتح الرجل النّقاش قائلا لِعايدة.ء
ء ـ ماذا تفعلين في هذه الدار؟ ولماذا هربْتِ من داري أنا أيّتها العاصية؟ لقد حدّثْتُكِ مِراراً عن عقوبة عدم طاعة الزوجة لزوجها، أمْ أن ذاكرتِكِ مُخْتلّة أيها الحمْقاء!؟ء
ء بقيتُ ساكتاً أتأمّلُ المشهد الدرامي، عايدة أيضاً لم تنبس ببنت شفة. تركنا الزوج الحاج قدور يغلي وهو يتحدّث ويُحدِّث:ء
ء ـ كم مرة كرّرتُ لكِ أنه يُحرّم عصيان الزوجة لزوجها. لماذا تخرجين من داري بدون إذني إذن؟ هذا شكل من عدم طاعة الزوجة لزوجها. هذه من أكبر المُحرّمات يا عايدة، يجب على
الزوجة أن تخبر زوجها بكل تحركاتها وقبل أن تخرج من البيت، وإلاّ فلها في كل خطوة ذنب إذا لم تخبره بذلك. هذا كلام العلماء. أنا أقول لكِ الحقيقة. في الحديث الشريف: «لو كنت آمراً أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدى المرأة حق الله عليها كله، حتى تؤدى حق زوجها عليها كله، حتى لو سألها نفسها وهى على ظهر قتب، لأعطتها إياه»؛
هذا ليس كلامي، بل حديث رواه أحمد وابن ماجه. تكلّمي وأجيبيني، أو نادي على أمّكِ. أريد أن أسألها...ء
هذا ليس كلامي، بل حديث رواه أحمد وابن ماجه. تكلّمي وأجيبيني، أو نادي على أمّكِ. أريد أن أسألها...ء
ء كانت عايدة خلال أحاديث زوجها الذي تمقته، حزينة ومُنحنية الرأس، تسمع وتفكر. ثمّ رفعتْ نظراتها عندما رأتْ أمها وحنان تدخلان وتسلّمان على الضيف وتجلسان معنا. أمّا أنا، فقد كنتُ أحلّل ما يقوله هذا الرجل العصبي. كل ما ذكره وسرده من أحاديث، كان الهدف منه التأثير وغسْل دماغ زوجته الحسْناء، لِكي يبقى مًسيْطراً فكريا عليها، أو بالأحرى دينياً، ليكون له تأثير أنْجع. نظرَ الزوج إلى حماته وقال مُؤنِّباً:ء
ء ـ هل أعْجبكِ ما فعلتهُ ابنتكِ عايدة؟ء
ء نظرتْ أم حنان إلى ابنتها ثم قالت:ء
ء ـ عايدة تعذّبتْ كثيرا منذ تزوّجتَها الحاج قدّور! لقد كنتَ تُشْبِعها ضرباً واستهزاءاً بِمجرّد أن تطلب منك زيارتي. فضلا عن أنّكَ تمنعها من الخروج من البيت تماماً! تعاملها كأقلّ من خادمة وتُسجنها وتجرحها. وهذا غير معقول. ء
ء فغضب الزوج وصرخ على حماته:ء
ء ـ إذن أنتِ هي العقل المُدبِّر لهذه المشاكل كلها أيّتها الطّامّة الكبرى! سبحان الله! صدَقَ من قال أنّ المرأة ناقصة عقل ودين! لكن، لماذا لا تفهمين يا امرأة أنني تزوجتُ ابنتكِ وليس أنتِ! تبقين في داري مدة أيام كأنّكِ في دار أبيك! لِتستهلِكي وتأكلي وتشربي، ثم تُخطّطين لي المكايد كالشيطان الرّجيم..! حسْبُنا الله ونعْمَ الوكيل، حسْبُنا الله ونعْمَ الوكيل!ء
ء ـ حا شا لله، ماذا تقول الحاج؟ أنا باركتُ لكما زواجكما، واقترضتُ الدراهم لكي ينجح عُرْس ابنتي، ولا أتمنى لكما إلاّ الخير. ولكنك أسأتَ التّصرّف معها. وأنا الآن لا يمكنني أن أساعدك في شيء.ءء ـ بالعكس. لقد ساعدتِني بتشجيع زوجتي على السّكن مع الرجال الغرباء بدون علاقة شرعية! هذا تشجيع على الفساد أيتها المصيبة! وهذ الدار الفاخرة التي تسكنان فيها أنتِ وابنتكِ وكْر لِلدّعارة! هذه جريمة وخيانة يعاقب عليها القانون، وتستهجنها الأخلاق! نحن مسلمون قبل كل شيء يا امرأة، ولكن يبدو أنكما تتجاهلان طريق الفضيلة..!ء
بائعة الخبز
ء نظرتْ إليه أم عايدة بحقد وغضب وقالت:ء
ء ـ أنتَ عديم الحياء الحاج قدّور وتكذب. أنا لم أشجّع عايدة لا لِكي تنفصل عنك، ولا أن تُطلّق منك. أنا وابنتي لا نعرف الرجال كما تدّعي. هذا الرجل الذي تراه أمامك أنْقذنا أنا وابنتي من التّشرّد. مالك الغرفة التي كنا نكتري رمى أثاثنا في الشارع بدون رحمة، لِأننا لم نؤدّي له شهران من إيجار الكراء. والأستاذ اسّي ابراهيم هو الذي ساعدنا أكرمه الله وطوّلَ عمره. ء
ء نظر الرجل إليّ وقال:ء
ء ـ ما فعلْتَه ليس خيرا ولا إحسانا أبراهيم. إنه مُخالفة للقانون والشريعة. أنتَ تشجّع على الفحْشاء والمُنْكَر! ودارك وكْرٌ لِلدّعارة والفساد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! وهاتين المرأتين تُطبِّلان لك. هل تعلم أن إيواء إمرأة متزوّجة هو فساد وخيانة في شريعتنا؟ تذهب إلى أي فندق مع زوجتك فيرفضون إيواءك وكراء غرفة لكما، لِأن هذا ممنوع قانونيا وحرام دينياً إذا لم يكن عندكما عِقْد الزواج وبطائق التعريف. وأحْرى أن تُسكِنََ معك اِمرأة متزوجة ولمدّة طويلة. بِأيِّ حقّ تفعل هذا أيّها الرجل الفاحش؟ أنتَ كافر وتحرّض على الفساد!ء
ء حينذاك، تدخّلتْ عايدة:ء
ء ـ الأستاذ اِبراهيم رجل محترم. فعل هذا وأنقذنا وساعدنا من أجل الإنسانية فقط. ولولاه لكنّا ننام على أرصِفة الشوارع الآن أيّها الرجل العظيو! أنا لن أعودَ معك ولو قتلتني أقدّور. سأُمزِّق عقد نكاحك. لا يمكن لي أن أعيش مع وحْش جلاّد! أريدُ طلاقي، هل سمعْتَ؟د
ء سمعنا هرَجا وصخَبا في الخارج، ثمّ طرْقاً عنيفاً على الباب. فذعر الجميع، وأسْرعَتْ اِبنتي حنان لِتفتح. فدخلتْ اِمرأة حاملة رضيعاً بين ذراعيها وطفلة صغيرة تشدّ بأهدابها وتتبعها. وعندما رأتْ زوج عايدة صرختْ:ء
ء ـ ماذا تفعل هنا أيها الرجل؟ سمَحْتَ فينا أنا وأولادك وتركتنا نموت بالجوع! لم أجد ما أشتري به الحليب لِلرضيعة.ء
ء تفاجأ الكلّ، بِمَنْ فيهم الحاج قدّور نفسه. وقام وقبّلَ الرضيع، وأعطى لِلمرأة ورقة نقود وهو يأمرها:ء
ء ـ كيف عرفتِ أنني هنا؟ خُذي هذه لِتشتري الحليب لِلرضيع وعودي إلى البيت حالاً.ء
ء ـ ولكن مَن هؤلاء؟ ولماذا أنتَ هنا؟ قلتَ لي أنكَ في المسجد، وذهبتُ ولم أجدك. مَن هؤلاء الناس؟ء
ء ـ نهيتكِ يا فاطمة عن كثرة السؤال. إذهبي من هنا حالا.ء
ء فابتعدَتْ عنه المرأة وصرختْ:ء
ء ـ لن أذهب من هنا حتى تقول لي من هؤلاء الناس؟ء
ء فقامتْ عايدة من مكانها وقالت للمرأة:ء
ء ـ أنا زوجته. وأنتِ مَنْ تكونين؟ء
ء ـ أنا زوجته. هذا مستحيل! إذن تزوّجْتَ يا قدّور بدونِ عِلْمي وتركْتنا نموت بالجوع أنا وأولادي؟ الله يأخذ فيك الحق يا رجل.ء
ء ففاجأ قدّور زوجته بِصفْعةٍ قوية في وجهها، ودفعها مع رضيعها نحوَ الباب وهو يصرخ عليها:ء
ء ـ قلتُ لكِ اذهبي فاذهبي. عندما سأرجع سأتفاهم معك يا فاطمة.ء
زوجة قدور الأولى مع أولادها
ء ـ أنت لستَ بشر أيها الحقود. تظلمُ الناس بدمٍ بارد! أُخرُج من داري حالا.ء
ء ـ لن أخرج من دارك حتى تُخرِجَ زوجتي. يجب أن تعود معي إلى بيتي.ء
ء سُمِعَ طرْقاً على الباب من جديد، فذهبتُ أفتح، فإذا برجل يقترب منّي وسط جمهور غفير ومعه زوجة قدّور وقال:ء
ء ـ أنا أخ زوجة قدّور، منذ تزوّجَ أختي وهو يعذّبها. سأدخل وأقتله.ء
ء فحاولتُ تهدئته، ومنعتُه من الدّخول. فترجّاني بِأدب:ء
ء ـ إذا لم تُرِد أن أدخل فاخرجه من بيتك ولا تحميه. إنه رجل خطير على المجتمع كله! خلية نائمة! أرجوك اُطرُدْهُ من دارك لِأتحدّث وأُنْهي جسابي معه.ء
ء ـ أفهمك. أنتَ مُحِقّ، سأفعل.ء
ء وناديتُ على الحاج قدّور وأمرتُه بالمُغادرة لِيتفاهم مع زوجته فاطمة وعائلتها في الخارج. فرفض وطلب منّي أن أُخْرِجَ زوجته عايدة أوّلاً وإلاّ فسوف لن يخرج بدونها.ء
ء فما كان بي سوى أن أطلب من عايدة أن تخرج لِتتفاهم معه. فبكت اِبنتي حنان وتمسّكَتْ بعايدة وهي تتوسّل:ء
ء ـ لا تخرجي معه عايدة، سيضربكِ كما ضرب زوجته الأولى. إبقيْ معنا ولا تخرجي.ء
ء فطمْأنَتْها عايدة وهي تعانقها:ء
ء ـ لا بُدّ أن أخرج لِأتفاهم معه، ثم سأعود. لا تخافي حبيبتي حنان. وخرجتْ وحنان تتبعها. وتبعهما الحاج قدّور. وبمجرّد أن وضع رجليه خارج عتبة الدار، حتى ارْتمى عليه أخ فاطمة وهو يصرخ في وجهه:ء
ء ـ أنتَ مُخْتصّ في صُنْع الكوارث أيها اللقيط! لا تقدر حتى إعالة أولادك وتتزوج ثانية؟ منذ عرفناك وأختي في العذاب.ء
ء تدخّلتُ وفرّقتُ بينهما، ورجوتُهما أن يهدآ وأن يذهب كل واحد إلى حال سبيله. فاقترب قدور من زوجته عايدة وحاول جرّها لٍتعود معه إلى بيته، لكن عايدة نفرتْ منه وقالت له:ء
ء ـ لن أرجع إلى بيتك اَقدور. أريد طلاقي.ء
ء فصرخ قدّور وسط الناس يخاطبهم:ء
ء ـ هذه زوجتي أيّها الناس. وهذا عِقْد زواجي الشّرعي بها. إنها تُقيم عند هذا الرجل الأعزب وترفض العودة معي إلى بيتنا. إنها تفضّل أن تعيش في وكْر الدّعارة بدَل أن تعود معي إلى بيتها! هل هذا عدل أيّها الناس!؟ ماذا تستحقّ هذه الفاجرة العاصية أيّها الشُّرفاء؟ء
ء وبدأ الناس يتململون ويُحدّقون في عايدة وينظرون إليها بكراهية وحِقْد. وقال أحدهم:ء
ء ـ زوجتك تستحقّ الموت اَسّي قدّور!ء
ء وقال آخر:ء
ء ـ هذا بُهْتان وعِصيان أوامر الله. أُقتلها يا رجل.ء
ء وقال رجل شيخ:ء
ء ـ القانون هو الذي سيعاقبها وليس أنتم. نحن لسنا في الغابة ولا تحكمنا شرائع الغاب! إذهبوا إلى القضاء والقانون سيتكلّف.ء
ء فعارضه شابّ قائلا:ء
ء ـ هذا شرع الله ويجب عِقابها هنا الآن. زوجها مَن له الحقّ بمعاقبتها لِأنه هو الذي خانته زوجته وليس القاضي؟.ء
ء وقال أحد الجيران:ء
ء ـ سأنادي على الشرطة أو الدّرك لِيحسموا في هذه القضية. نحن في دولة القانون ولا تحكمنا شريعة الغابة أو في بلاد السّيبة!ء
ء وصرخ أحد المُناصرين للقانون الوضعي مُؤيِّداً:ء
ء ـ صحيح. القانون هو الذي سيبثّ في مسألة عودة الزوجة إلى بيتها أو الاِنفصال والطلاق.ء
ء فانبرى رجل سمين وهو يخاطب الناس مُحْتجّاً:ء
ء ـ إهجروهن في المضاجع واضربوهن حتى يطعن. صدق الله العظيم.ء
ء فقاطعهم قدّور وهو يجرّ عايدة من ذراعها:ء
ء ـ أنا من سيحسم في أمْري هذا، سترجعين طوعاً أو كُرْهاً أيتها الفاجرة. هيّا تحرّكي لِنعود إلى بيتنا.ء
ء فسحبتْ عايدة ذراعها منه ودفعتْه وهي تصرخ وتبكي:ء
ء ـ لن أرجع لك أبداً. أريد طلاقي يا رجل. إبتعد عني. أنتَ تظلمني.ء
ء ـ هيّا قلتُ لك. تحرّكي أمامي.ء
ء ـ لا، لن أتحرّك. تحرّك أنتَ وابتعد من هنا. أنا لستُ زوجتك ولا أريدك.ء
ء فسحب قدّور سِكّيناً طويلا، وطعنها في بطنها وهو يصرخ: الله أكبر، لِتنْهار مصروعة والدّم يملأُ ثيابها. وصرخت أمّها وارتمتْ على جثّة اِبنتها مُنهارة وهي تصرخ وتُولْول.ء
ء فتأمّلتْ حنان المشهد المؤلم وهي تبكي من شدّة الحزن على صديقتها وقالت:ء
ء ـ هذه هي "الهيدرا" المُرْعِبة ذات الرأسين التي حدّثتْني عنها عايدة المسكينة! رحمكِ الله صديقتي العزيزة..!ء









Ajouter un commentaire