الرحلة المرعبة


الرحلة المرعبة

الصقلي عبد الرحمان 



الرحلة المرعبة

*** *** ***
        تركتُ بروكسل ماطِرة ، تعوم في جوٍّ بارد وضباب كثيف. بعد أن ودَّعْتُ زوجتي تحتَ عاصفة من الدموع والشهيق.
 فضّلتُ إستئجار طاكسي ليقلني إلى المطار بدل أخْذ ميترو الأنفاق بسبب حقيبة سفري الثقيلة بالهدايا.
 في الطريق ، عبرنا كثيرا من النواحي والضّواحي الخلاّبة . لكنها جميعا كانت تعوم تحت رذاذ الشتاء الهادئ، ومُحاصَرَة بِجوٍّ كئيب ... 
أمّا عقلي الجوّال خلال الرحلة ، فقد كان كالعادة بعيداً كل البُعد عنّي.
    عندما وَصَلْتُ الى المطار الذي كان غاصّاً بجميع أنواع الجنسيات من البشر، نظرتُ إلى الساعة العِملاقة المُعَلّقة على إحدى الجدران . 
كانت تُشير إلى الرابعة والنصف قبْلَ حُلولِ المساء ...
 كان الجوّ باردٌ والفصْلُ شتاء...    الطائرة ستقلع في السابعة . ما زال أمامي أزْيد من ساعتين من الوقت . فضّلتُ الجلوس على كرسي في إحدى قاعات الاِنتظار، لأُمضي بقية الزّمن بتصفّح جرائدي.
    أمامي كانت جالسة امرأة أنيقة تجاوزت الأربعين ، تتصفحُ مجلة وتتحدث في الموبايل الوردي من حين لآخر برشاقة فاتنة . لم أهتم بها إلا لِكَوْنِها شيْئٌ مُتَحَرِّك . لَمْ يعد يهمُّني في المرأة ، سِوى أنْ أراها تتمتّع بنفس حُقوقِ الرّجل لِكونِها كائِنٌ أسْمى وشريك جديرٌ بالاِحترام ، ولا سَيَّما بعْدَ مُعْضِلة التُّفّاحة وإشْكالية السُّقوط الفضيع والتَّمَرُّد على السّماء ...وعِصيان أبي الآلهة.
   بعد إقلاعِ الطائرة بنحو ساعة من التّأخُّر كعادة طائراتنا ، اهتديْتُ أخيرا إلى مقعدي ، وجلستُ بِجِوار أحد الرِّجال قُرْبَ النافذة لِأتأمل السّحاب من أعْلى كما هي العادة في جميع أسفاري...
      تاهَ خيالي مُرفرفاً في السّماء المُتقلِّبة السوداء ومُفَكِّراً  :
   هذه السماء أحيانا تكون نِعْمة ، ولكنها أحيانا أخرى تتحوّل إلى أكْبر نِقمة ومُصيبة.. .
      اِستيقظتُ على صوت الرجل الجالس بقربي يسألني بِحيْرة وهلعٍ:   
   - سَلاَم ، أَوَلاَ تُحِسُّ باهْتِزازٍ وبجوٍّ غريب في الطائرة ؟
  أحْسَسْتُ بالواقع المُتغيِّر حولي فعلاً ، ولكني لم أرِدْ أنْ أُجيبه لِئَلاّ أزيدَ من هلعِه.
  صمَتَ الرجل لحظات ثم بدأ يُتمْتِم مع نفسه :
 - لا يهُمّ ، رُبّما هي مجرّد أوهام !...
 قالَ ذالك وهو يتصفّح بِحَيْرَة وجوه الناس حوله ... كانتْ ملامحه المُرْتَعِدَة تخونه ويبدو غير واثقٍ من إجابتي الصّامتة ...
   سكتَ هُنيهة لِيُرْدِف وهو يُحدِّقُ في وجهي الذي لا تعبير فيه :
  -  وهل أنت أيضاً ذاهبٌ إلى النّاظور ؟
  - نعم ، أجبته بكل هُدوء  .
  - هل تُقيم بالناظور بالذّات ؟
  - لا ، أنا من قبيلة بني سيدال  .
  - وأنا أيضاً ...
    قالها فرِحاً ثم أضاف  :
 وهل يمكن أن نستأْجِر معاً نفس السّيّارة ما دُمْتَ وحدك وقاصِدين نفْس الوِجْهة ، سنترافق لِأنّ الطُّرُق غير آمِنة هنا ؟
   - لِمَ لا ؟
   في الواقع ، كُنتُ فرِحاً أنا أيضا لِمُرافقته لي خلال هذه الرِّحلة المشْؤومة التي توجَّسْتُ منها خيفة منذ البداية ، لكن اكتِئابي المُزْمِن بِسبب غياب لارا حال دون الشّعور بهذه الفرحة حَقّاً ، وارْتِسامها كتعبيرٍ على وجْهي ، مِمّا سَبّبَ في نوعٍ مِنَ الاضطراب في الفهم عند الرجل الغريب ...
   فَكّرْتُ أنّ العُقول فعْلاً لا تستوعب الغُموض ، واشْمَأزّتْ نفسي مِنْ نفسي لِانْعدام البساطة في موقفي هذا ...
       ابتسم الرجل فرحاً ، وربَتَ على كتفي مُتَسائلا:
  - يبْدو أنّكَ حزين ولا تُحبُّ الثّرثرة ، وما اسمك ؟
  -    حَمُّو .
      شدَّ الرجل يدي مُصافِحاً بحرارة وهو يُتمتم  :
 ـ متشرفين السّي حَمُّو ، أنا مُحَنْد من بني سيدال أيضاً ، يات سيذار ، أغيل أُمَضْغار.
      إقْشَعَرَّتْ نَفْسِيّتي مُرْتَبِكة حين سمِعْتُ :" يات سيذار" ... " أغيل أُمَضْغار" ... كلماتٌ لها دِلالات وجودية مَحْفورة بِعُمْقِ الزّمن في ذاكرة صَفْحَةٌ بيْضاء ... رُبَّما هو الْحَنين إلى بَلْدَةٍ رَأيْتُ فيها النُّور والْأمان لِأوّلِ مَرّة وسط والِدايَ رحمهما الله ...








   اِسْتمرّتْ هذه الدردشة الفارغة بهدوء وأنا أتَتَبَّعُ مسار الطائرة في الأجواء  ، من خلال نافذتي،  إلى أنْ تفاجأْنا بهبوب عاصفة قوية في الأجواء ، تسبّبتْ في اهتزازات عنيفة للطائرة ، أدت للهلع وحالات فوْضى  وإغماء وتقيؤ بعض الأطفال .. حيث كان قائد الرحلة على ما يبْدو يحاول الهبوط  في إحْدى المطارات القريبة المرة تلو الأخرى دون جدوى ...
    لاحَظْتُ ذالكَ من خِلال النافذة حينَ كان الطَّيّار يَلْتَفُّ حَوْلَ مطار إحْدى البلْدات بِجنوب فرنسا مُحاوِلاً النُّزول فيه ، في حين كنّا أنا والرجل الغريب مُسْتغْرِقين في هذياننا حول الغُرْبة في أحضان الوطن الأمّ المُصاب بِوَباءِ النِّفاق.وأحْسَستُ هذهالمرّة بِهَزَّةٍ أُخرى أعْنف في الطائرة وقد بدأتْ تميلُ أجْنِحتها نحْوَ اليسار، سُمِعَ إثْرها صوت قائد الطائرة وهو يتحدث في البوق مُخاطِباً الرّكّاب  بهدوءٍ مُصْطَنَع :
 ـأعِزّائي المسافرين ، لقد دخلنا في جوٍّ مُظْطرب ، أرجو أنْ تُحافظوا على هدوئكم وأنْ تلزموا أماكِنكُم ولا تنسوا شَدّ أحْزِمَتكم حتى نخرج من هذه المنطقة الْوَعِرة والكثيرة الاِظْطِرابات . شكراً لِتفهُّمِكم  ...

سادَ صمْتٌ رهيب ، لكنّ الخوف والحيرة والاِرْتِباك  بَدَى على الجميع ، ولا سيّما بعْدَ أنْ لوحِظَ  بعض المُضيفين الذين كانوا يُرَدِّدون الشهادة وأدْعية السفر، مِمّا أوحى لبعض الركاب بتأزم الموقف أكثر وتَدِبُّ حالة من الذعر في صفوف الرُّكّاب خاصّة من النساء...





    بَدَأْتُ أتأمّلُ وجوه المُسافِرين التي بَدَى عليها الخوْف من المجْهول ، في حينِ اسْتَمَرَّ صوْتُ قائد الطائرة في تِلاوَةِ نفس المَضْمون وإعْطاء تعليمات السلامة  بِلُغاتٍ أجْنبيّة أُخْرى وَسَطَ ذُعْرِ المسافرين وتَذَرُّعاتهم للسّماء ، وإغماءات وفزع الرُّكّاب خلال الرحلة المشؤومة ...
 وفجأة ، داهَمَتْنا عاصفة أخرى رَعْدية وغشتنا بالظلام الدامس ، ليتعالى صوت الاستغفار من كل الجهات في هذيانٍ شامل ... في الوقت الذي بدأت الطائرة بالتمايل فوق السّحاب مُغيرّة اتجاهها في رقصةٍ مع الموت ...
    اسْتمرّ الوضعُ كذالك ،إلى ان استطاعتْ أخيراً اختراق العاصفة لتخرج منها سالِمة ويتنفس الركاب الصُّعَداء ،
بعد فِتْرةٍ من الهلع الشديد ...
لِيُحِسّوا وكأنّهم  وُلِدُوا من جديد...
        - الحمد لله ، لقد نجونا بِأُعْجوبة  بِمشيئةِ  الله...
   تَمْتَمَ مُحَنْد وهو ينظر إليَّ مُرْتجِفاً ، واستأْنف يُردِّد مُرْتَبِكاً وهو يُحَدِّقُ في وجهي جاحِظاً:
 -   " قُل لن يُصيبنا إلاّ ما كتبه الله لنا وهو على كل شيء قدير" ، مُخْتلِطاً بأدعية السفر الغيْر المَفْهومَة...
ثُمّ استدار نحوي فجأة بِنوْعٍ من التّحَدّي وهو يقول :
       ـ وَلَوْ أنّني أُمِّيّ وغَبِيّ كما يُسَمّونني في الخارج ، ولو أنني لم أجلس يوما على مقعد في المدرسة ولم أُكَلِّم مُعلّماً ، إلاّ أنّني حفِظْتُ سِتّينَ حِزْباً كالماء ، وحفِظْتُ أحد أدعية السفرعن ظهْرِ قلب...
   سكتَ هُنَيْهةً لِيُرْدِف :
  هل تريد أنْ أعلِّمك أيّاه ؟ إسمع :
     ـ  " اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضيين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما ذرين .
أسألك خير هذه القرية وخير أهلها ، وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها ، وشر أهلها ، وشر ما فيها "
           ـ  هل أعْجبك الدُّعاء ؟
      قالها بِنَشْوةِ المُنْتَصِر وأنا أتأمّلُهُ بِبُرودة أعصاب وبنوع من الغثيان ، ثم أجبته :
         ـ  إنّهُ دُعاءٌ رائع ولوْ أنّه مليءٌ بِالشُّرور. أتمَنّى أنْ يُساعِدنا على بُلوغِ  وِجْهتنا لنصل بِسلام إلى " يات سيذار " .
         ـ  بِطبيعة الحال . كل مَنْ يقْرأ هذا الدُّعاء حتْماً سيصِلُ بِسلام إلى أيّةٍ وِجْهةٍ يشاء وسيُحَقِّقُ ربّنا أُمْنيته ، لكن من الأفْضل أنْ تحفظهُ عن ظهر قلب مِثلي ليكون سلاحك المُلازم ضد مصائب الدّهْر...
   فِعْلاً . أصابَ حينَ ذَكَرَ " مصائب الدّهْر " وما أكْثرها في وقْتِنا ، لِدرجةٍ أنّ لِكلّ إنْسانٍ مُصيبَتَه...
    كانتْ مُصيبتي أنا ، وِلادتي ثُمّ وِلادة إنْسانةٍ داخِلي...
     شكرْتُه على حُسْنِ طويّته وتركته لِشأْنه ، لِيَسْتَرْسَلَ في أوْهامِه السّكِيزوفْرينِيّة ، بَعْدَ أنْ لاحَظَ أنني اسْتَدَرْتُ مُعْتَكِفاً على تفْكيري ومصائبي... كنتُ خارج الزمن، أقرأ الحضارة السومرية العظيمة. منبع كل الحضارات، "الأنوناكي". يجب أن يقرأه الجميع لِما فيه من إضاءات لنفهم حاضرنا بطريقة علمية صرفة.    


***

   وطِئتْ أقدامُنا أرض مطار العرْوي  ـ النّاظورحوالي الساعة الحادية عشر ليلا ...
ما زالَ أمامنا شَطْرٌ آخر من السفر، والطريق الغير آمنة حتى نصل 
إلى  وِجْهتِنابِبني سيدال ...


  

بعد إجْراءات المُرور وطَبْع جواز السفر، وَضَعَ الرجل حقيبتيه أمامي مُهَرْوِلاً إلى الخارج، وهو يصرخ بأعْلى صوته، وكأنّه في قعْرِ الواد:
 - أحرس الحقائب آمُحَنْد. وانتظرْني هنا، سأحْجِزُ سيارة لنا،طاكسيات بني سيدال   مَعْدومَةٌ هُنا ولا سيّما في مثل هذه الساعة من اللّيل .

 وبعد أقلّ من عشر دقائق ، عاد لِأخْذ الحقائب بسُرْعة مُدْهِشة وهو يلْهث .
 وركبنا الطّاكسي المُهْترئ الأبيض الذي انْدفع تَوّاً في الطريق نحْوَ الجَبل 



التالي
الطريق نحْوَ الجَبل

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.