حب في زمن الحرب - مجموعة قصص قصيرة
حب في زمن الحرب
مجموعة قصص قصيرة
ء كان الجوّ ملبّدا بالسّحب السّوداء في ذالك اليوم من شهر دجنبر البارد، العواصف على أشدّها في الطبيعة الثّائرة، والرياح تهبّ بقوّة عنيفة. وكل هذه التّقلُّبات الجوّيّة، لم تمنع عائلة الطّالب حسن، من الاِنهماك بِحماس في تحضير حفل نجاحه في الجامعة، بمناسبة تخرّجه في علم الهندسة الزراعية في يونيه الماضي. ولم يكن باستطاعته مادّيا أن يُقيم الحفل آنذاك، مِمّا اضطرّه إلى البحث عن بعض ساعات العمل هنا وهناك ليُوفّر بعض الدراهم لِإقامة حفله. أصبَحَ في عمره اليوم 25 سنة، قضاها في الدّراسة والعمل لِمساعدة عائلته الفقيرة. لم يكن أبوه الحاج عمر يشتغل بسبب مرضه المزمن، الذي أصابه خلال عمله في إحدى المعامل، فعُوِّضَ بغيره بدون أيّ تعويض. أمّا أمّه زيْنب، فقد كانت ربّة بيت عادية، تقوم بأشغال الدّار ككلّ الأمّهات، وتربّي إبنتيها الصغيرتين، مِمّا زاد من ثِقل مسؤولية الإبن الأكبر حسن، فاضطرّ للعمل والدراسة معاً. ولحسْنِ حظّه، كانت فريدة إبنة عمّه عبد السلام، حبيبته وزميلته في الجامعة، تتكلّف بِتحْضير الدروس ونسْخ المحاضرات التي يلقيها الأساتذة عندما يتغيّب بسبب العمل الذي كان يلتهم من وقته الكثير. لم تكن العلاقة بين حسن وابنة عمّه علاقة عادية، بل كانت تجمعهما أواصر عاطفية متينة، أساسها الإخلاص في الحب والإحترام. كان يحب بعضهما البعض حبّاً جارفاً وعميقا لِدرجة الجنون. كانا مُتفاهمين في كل شيء، وكان حسن ينتظر أن تُنهي فريدة دراستها العام المُقْبِل ليعقد قرانه عليها ويتزوّجا. هذا كان حلمهما الدّائم.ء
ء نظر حسن في ساعة يده، كان الوقت عصرا. وذهب إلى أمّه لِيطمئنّ على مجْرى الأمور، وهل ينقص شيئاً ليشتريه قبل مجيء الضّيوف. ثمّ سمع طرْقاً على الباب، فإذا بِفريدة تدخل مع أمّها لِتساعدهم في تهييئ الحفل. سلّمَ عليهما فذهبتْ أم فريدة إلى المطبخ، في حين اِنزوتْ فريدة بابن عمّها في بيت الضيوف لِيتحدّثا. وعندما جلسا، سحبتْ فريدة نقودا من محفظة يدها وأعطتها لِحسن وهي تقول:ء
ء ـ هذه بعض الدراهم وفّرتُها عندما أقوم ببعض ساعات الدّعْم والمراجعة مع أبناء الجيران. ستساعدك في تغطية مصاريف الحفل.ء
ء فأجابها حسن وهو يردّ لها نقودها بِلُطْف:ء
ء ـ لا يا فريدة، لستُ بحاجة إلى هذه النقود، لِأنني اشتريتُ كل ما يلزم للحفلة. أصلا لا نحتاج لهذه المناسبة البسيطة سوى لبعض الحلويات والمشروبات. إنها ليست وليمة.ء
ء ـ آه، كم أتمنّى أن أنهي دراستي هذا العام، وأحصل على عمل لنتزوّج وننعم بحياة مستقرّة، ونُكوِّن أسرة سعيدة. أقوم بكل المجهودات اللاّزمة لِأنال إجازتي أنا أيضا. لا أُضيِّع وقتي أبدا. أنا أراجع وأدرس حتى عندما أكون في مطعم أو مقهى. وأنتَ تعرف ذالك.ء
الصحراوية. إنّ هذا الكيان الوهمي المُصطنَع لا يتوقّف عن الاِستفزاز وزعزعة استقرار الأمن والسلم افي مناطقنا الجنوبية. وإذا استمرّ هذا التّعنُّت والاِستفزاز من طرف العدوّ في مناطقنا الصحراوية، فإن المغرب مصمّم على الدخول في حرب مباشرة مع جبهة البوليساريو والجزائر معاً، وإعلان حالة الطوارئ وحضْر التّجوّل في كل المدن...ء
ء فقالت فريدة:ء
ء ـ لا يا فريدة، لستُ بحاجة إلى هذه النقود، لِأنني اشتريتُ كل ما يلزم للحفلة. أصلا لا نحتاج لهذه المناسبة البسيطة سوى لبعض الحلويات والمشروبات. إنها ليست وليمة.ء
ء ـ آه، كم أتمنّى أن أنهي دراستي هذا العام، وأحصل على عمل لنتزوّج وننعم بحياة مستقرّة، ونُكوِّن أسرة سعيدة. أقوم بكل المجهودات اللاّزمة لِأنال إجازتي أنا أيضا. لا أُضيِّع وقتي أبدا. أنا أراجع وأدرس حتى عندما أكون في مطعم أو مقهى. وأنتَ تعرف ذالك.ء
ء ـ هذا ما أحلم به أنا أيضا حبيبتي. مضى فصل من السنة الدّراسية الحالية، نحن في شهر دجنبر. الوقت لا يتوقّف، وما تبقّى من العام سيمرّ بسرعة، المهمّ أن تنجحي لِنحتفل بنجاحنا وعرسنا.ء
ء ـ إن شاء الله حبيبي. هل تعلم انني لا يمكن لي تصوُّر الحياة بدونك حسن. لقد أيْنعتْ حياتي منذ أحببتُك. أنا أحبّك كالمجنونة! ء
ء ـ وأنا أيضا فريدة حبيبتي. حلمي أن نتزوج ونعيش تحت سقفٍ واحد مدى الحياة، ونربّي فلذات أكبادنا وثمْرة حبّنا الخالص.ء
ء أشْعلَ حسن جهاز التّلفاز لِمحبوبته لكي يُغيّر موضوع الدراسة والفقر الذي يخوضان فيه ويُؤرقهما، وبدآ يتفرّجان. كان مُذيع الأخبار أشدّ توتّراً منهما وهو يُذيع آخر الأخبار السّيّئة والعاجلة التي تحدث في جنوب وطننا العزيز:ء
ا ـ سيداتي وسادتي، جبهة البوليساريو المُعادية لنا، تنقل مقرات بعض منشآتها الإدارية والعسكرية من مخيمات تندوف في الجزائر التي أقيمت بها منذ بداية النزاع، إلى حدودنا ء ـ وأنا أيضا فريدة حبيبتي. حلمي أن نتزوج ونعيش تحت سقفٍ واحد مدى الحياة، ونربّي فلذات أكبادنا وثمْرة حبّنا الخالص.ء
الطالبة فريدة تطالع دروسها في مقهى الجامعة بالناظور
الصحراوية. إنّ هذا الكيان الوهمي المُصطنَع لا يتوقّف عن الاِستفزاز وزعزعة استقرار الأمن والسلم افي مناطقنا الجنوبية. وإذا استمرّ هذا التّعنُّت والاِستفزاز من طرف العدوّ في مناطقنا الصحراوية، فإن المغرب مصمّم على الدخول في حرب مباشرة مع جبهة البوليساريو والجزائر معاً، وإعلان حالة الطوارئ وحضْر التّجوّل في كل المدن...ء
ء فقالت فريدة:ء
ء إطفِئ التلفاز حبيبي، فأخبار وضْع البلد أكثر كارثية من حالتنا المُزْرية. أصبحنا لا نقرأ ونسمع سوى أخبار الحروب والكوارث الطبيعية والبشرية.ء
ء فأجاب حسن:ء
ء صحيح. ولكن اِطمإنّي حبيبتي، فمنطقة الصراع بعيدة عنّا بِآلاف الكيلومترات.ء
ء ـ أتظنّ ذالك حبيبي الغالي؟ عندي إحساس أن هذا الصراع البعيد عنّا بِآلاف الكيلومترات كما تقول، سيودي بِحياتنا ومستقبلنا إلى الهاوية. أطلب من الله السّلامة.ء
ء مضتِ الحياة على وتيرتها الرّوتينية العادية. وبحثَ حسن عن العمل في كل مكان في المدينة وضواحيها. كان يذهب كل يوم لِمقابلة مسؤولي الشركات، ويطرق أبواب المعامل طلباً للشّغل، ولكن بدون جدْوى. فيأسَ من وضعية البطالة التي استقرّ فيها منذ تخرّجه من الجامعة، ولاسيّما أن موعد زواجه بابنة عمّه على الأبواب. فتألّمَ لِكونه لا يستطيع توفير نصيب من الدراهم لِإقامة عرسه القريب. وذات يوم، وهو مجتمع مع عائلته يتناولون غذاءهم، وقفتْ سيارة الدّرك الملكي أمام باب دراهم، ونزل منها رجلان لابسان ثياباً مَخْزنية، وطرقا على الباب يبحثان عن حسن. فخرجتْ أمّه تسألهما ماذا يريدان؟ فسلّمها الدّركي استدعاء لِيذهب إليه غدا صباحاً لِيسجّله في لائحة التجنيد العسكري الإجباري. وختم رجل الدّرك مقابلته معها بقوله:ء
ء ـ غدا مع الساعة الثامنة صباحا، يجب أن يكون ابنكِ حسن في مكتبي. سنعطيه بعض التّعليمات والوثائق لِيلتحق بالجيش.ء
ء فصعقها الخبر، واحتجّتْ وهي تذرف دموع اليأس:ء
ء ـ ولكن ابني له شهادة عُلْيا، وهو أملنا الوحيد لِيعمل ويُعيلنا. أبوه مريض ومشلول، وبدون أجرة ولا تعويض ولا مدْخول. لا يمكن أن يذهب ابني إلى الخدمة العسكرية ويتركنا نموت بالجوع.ء
ء فردّ عليها الدّركي:ء
ء ـ إنه واجب وطني سيدتي. كلّنا فِداء للوطن.ء
ء فتنهّدتْ أم حسن وهي تبكي، وقالت بصوت منخفض كأنّها تُحاور نفسها:ء
ء ـ ومَنْ يفْدينا نحن من الفقر المُدْقع؟! كيف يمكن أن تفكّر في حب الوطن، عندما تتضوّر أمعاؤك بالجوع، ولا تجد ما تضعه على المائدة لِإطعام أبنائك الصّغار؟!ء
ء لم يفهم الدّركي شيئاً من تمْتمتها فسألها:ء
ء ـ هل قلتِ شيئا سيّدتي؟ء
ء ـ لا، لم ولن أقول شيئاً. أصلاً نحن الفقراء، ليس لنا الحقّ في قول أيّ شيء! نحن سيدي أموات أحياء!ء
ء دخلتْ أمّ حسن واجمة وحزينة. ولم تُرِد كشْف القضية مع عائلتها على مائدة الغذاء لكيلا تنغص عليهم شهيّتهم. ولكن الجميع لاحظ حزنها الذي كان سكوتها علامة عليه. فسألها زوجها عن السائل الذي طرق الباب. فلم تُجِب. فقال لها حسن:ء
ء ـ لقد رأيتُكِ تتحدّثين مع رجال الدّرك أمّي، قولي لنا ماذا يريدون؟ء
ء ـ أنتَ مَنْ يريدون يا ابني. لقد سلّموني اسْتدعاء لِتذهب عندهم غدا مع الثامنة صباحا، ستلتحق بالجيش، وستعيش مُدّة عام ونصف بعيداً عنّا.ء
ء فانفعل حسن وتغيّر لونه، وصرخ غاضباً:ء
ء ـ هذا هو الشيء الذي لن يحصل أبداً. الطّلبة المتخرّجون من التعليم العالي، يُمضون الخدمة المدنية في مؤسّسات الدولة كموظّفين، ولا يذهبون إلى جبهات القتال في الصّحاري! وثانياً مَنْ سيُعيلكم إذا التحقْتُ بالحيش كجُنديّ؟ هذه ليستْ مأساة، إنها أكثر من مهزلة!ء
ء فقالت له أمه:ء
ء ـ لقد قلتُ لهم كل هذا يا ابني، وأجابوني باستخْفاف:ء
ء ـ "إنه واجب وطني. كلّنا فِداء للوطن".ء
ء طأْطأ حسن رأسه المهموم يفكّر. لم يستطع التّركيز على أيّ شيء، ولا حتى على مشكله الآني. تشوّشَ عقله، وتشتَّتَ بين عشرات الصور التي يستعْرضها ذِهْنه كالشّريط: حبيبته، إخوانه الصغار، أبوه المُعاق والمريض، عمله، مشروع زواجه... إنه مشكل كبير لم يخطُر على باله أبدا. كيف سيذهب إلى جبهة القتال في الصحراء وهو الذي يكره العُنْف والحروب أصلا!؟ وكيف سيفترق عن حبيبته فريدة التي اعْتادَ على رؤيتها كل يوم وسماع صوتها الجميل؟ ومَن سيُعيل عائلته الفقيرة؟ وكيف سيتكيّف مع الحياة الجديد ومُستنقعات الحرب بعيدا عن كل أحبابه وذويه؟ مستحيل أن يقع هذا التّجنيد، مستحيل. فحسَمَ موقفه وقال لِأمّه:ء
ء ـ أمّي، الحلّ الوحيد هو الهُروب. سأهرب وأختفي حتى أتزوج مع فريدة، وآنذاك سيسقط التّجنيد الإجباري تِلقائياً، لِأنّ المتزوّجين وأرباب العائلات لا يشملهم إجبار التّجنيد. هكذا سنحلّ المشكل.ء
ء فقالت له أمّه:ء
ء ـ إفعل ما تراه صائبا يا ابني. لقد صدمني هذا الخبر كالصّاعقة. حالتنا مُزْرية أصلا. وكّلْنا عليهم الله.ء
ء في الصباح الباكر، هيّأتْ السّيدة زيْنب الفطور لِابنها حسن. وجلستْ قربه على طاولة الفطور تتأمّله وتفكّر. ثم قالت له:ء
ء ـ أين ستذهب لِتختفي يا ابني؟ء
ء ـ عند الأصدقاء أمّي. مرّةً عند هذا وليلة عند الآخر. يجب أن أتوارى عن أنظار المخزن على الأقل أسبوع لِكيلا يُباغتوني في الدار إذا جاؤوا للبحث عنّي.ء
ء ـ سيأتون لا محالة للبحث عنك. وماذا سأقول لهم إذا جاءوا؟ء
ء فأجاب حسن:ء
ء صحيح. ولكن اِطمإنّي حبيبتي، فمنطقة الصراع بعيدة عنّا بِآلاف الكيلومترات.ء
ء ـ أتظنّ ذالك حبيبي الغالي؟ عندي إحساس أن هذا الصراع البعيد عنّا بِآلاف الكيلومترات كما تقول، سيودي بِحياتنا ومستقبلنا إلى الهاوية. أطلب من الله السّلامة.ء
ء ـ غدا مع الساعة الثامنة صباحا، يجب أن يكون ابنكِ حسن في مكتبي. سنعطيه بعض التّعليمات والوثائق لِيلتحق بالجيش.ء
ء فصعقها الخبر، واحتجّتْ وهي تذرف دموع اليأس:ء
ء ـ ولكن ابني له شهادة عُلْيا، وهو أملنا الوحيد لِيعمل ويُعيلنا. أبوه مريض ومشلول، وبدون أجرة ولا تعويض ولا مدْخول. لا يمكن أن يذهب ابني إلى الخدمة العسكرية ويتركنا نموت بالجوع.ء
ء فردّ عليها الدّركي:ء
ء ـ إنه واجب وطني سيدتي. كلّنا فِداء للوطن.ء
ء فتنهّدتْ أم حسن وهي تبكي، وقالت بصوت منخفض كأنّها تُحاور نفسها:ء
ء ـ ومَنْ يفْدينا نحن من الفقر المُدْقع؟! كيف يمكن أن تفكّر في حب الوطن، عندما تتضوّر أمعاؤك بالجوع، ولا تجد ما تضعه على المائدة لِإطعام أبنائك الصّغار؟!ء
ء لم يفهم الدّركي شيئاً من تمْتمتها فسألها:ء
ء ـ هل قلتِ شيئا سيّدتي؟ء
ء ـ لا، لم ولن أقول شيئاً. أصلاً نحن الفقراء، ليس لنا الحقّ في قول أيّ شيء! نحن سيدي أموات أحياء!ء
ء دخلتْ أمّ حسن واجمة وحزينة. ولم تُرِد كشْف القضية مع عائلتها على مائدة الغذاء لكيلا تنغص عليهم شهيّتهم. ولكن الجميع لاحظ حزنها الذي كان سكوتها علامة عليه. فسألها زوجها عن السائل الذي طرق الباب. فلم تُجِب. فقال لها حسن:ء
ء ـ لقد رأيتُكِ تتحدّثين مع رجال الدّرك أمّي، قولي لنا ماذا يريدون؟ء
ء ـ أنتَ مَنْ يريدون يا ابني. لقد سلّموني اسْتدعاء لِتذهب عندهم غدا مع الثامنة صباحا، ستلتحق بالجيش، وستعيش مُدّة عام ونصف بعيداً عنّا.ء
ء فانفعل حسن وتغيّر لونه، وصرخ غاضباً:ء
ء ـ هذا هو الشيء الذي لن يحصل أبداً. الطّلبة المتخرّجون من التعليم العالي، يُمضون الخدمة المدنية في مؤسّسات الدولة كموظّفين، ولا يذهبون إلى جبهات القتال في الصّحاري! وثانياً مَنْ سيُعيلكم إذا التحقْتُ بالحيش كجُنديّ؟ هذه ليستْ مأساة، إنها أكثر من مهزلة!ء
ء فقالت له أمه:ء
ء ـ لقد قلتُ لهم كل هذا يا ابني، وأجابوني باستخْفاف:ء
ء ـ "إنه واجب وطني. كلّنا فِداء للوطن".ء
ء طأْطأ حسن رأسه المهموم يفكّر. لم يستطع التّركيز على أيّ شيء، ولا حتى على مشكله الآني. تشوّشَ عقله، وتشتَّتَ بين عشرات الصور التي يستعْرضها ذِهْنه كالشّريط: حبيبته، إخوانه الصغار، أبوه المُعاق والمريض، عمله، مشروع زواجه... إنه مشكل كبير لم يخطُر على باله أبدا. كيف سيذهب إلى جبهة القتال في الصحراء وهو الذي يكره العُنْف والحروب أصلا!؟ وكيف سيفترق عن حبيبته فريدة التي اعْتادَ على رؤيتها كل يوم وسماع صوتها الجميل؟ ومَن سيُعيل عائلته الفقيرة؟ وكيف سيتكيّف مع الحياة الجديد ومُستنقعات الحرب بعيدا عن كل أحبابه وذويه؟ مستحيل أن يقع هذا التّجنيد، مستحيل. فحسَمَ موقفه وقال لِأمّه:ء
ء ـ أمّي، الحلّ الوحيد هو الهُروب. سأهرب وأختفي حتى أتزوج مع فريدة، وآنذاك سيسقط التّجنيد الإجباري تِلقائياً، لِأنّ المتزوّجين وأرباب العائلات لا يشملهم إجبار التّجنيد. هكذا سنحلّ المشكل.ء
ء فقالت له أمّه:ء
ء ـ إفعل ما تراه صائبا يا ابني. لقد صدمني هذا الخبر كالصّاعقة. حالتنا مُزْرية أصلا. وكّلْنا عليهم الله.ء
ء في الصباح الباكر، هيّأتْ السّيدة زيْنب الفطور لِابنها حسن. وجلستْ قربه على طاولة الفطور تتأمّله وتفكّر. ثم قالت له:ء
ء ـ أين ستذهب لِتختفي يا ابني؟ء
ء ـ عند الأصدقاء أمّي. مرّةً عند هذا وليلة عند الآخر. يجب أن أتوارى عن أنظار المخزن على الأقل أسبوع لِكيلا يُباغتوني في الدار إذا جاؤوا للبحث عنّي.ء
ء ـ سيأتون لا محالة للبحث عنك. وماذا سأقول لهم إذا جاءوا؟ء
ء ـ قل لهم أيّ شيء أمّي. قل لهم أنني مريض وأنني ذهبتُ إلى المستشفى للعلاج مثلا.ء
ء ـ آه يا إلاهي! لم يكن ينقصُنا سوى هذا النّبأ الكارثي الصّادِم! سأقول لهم أنك مريض وتحتاج للعلاج، وأنّك ستتزوّج قريبا مع خطيبتك. ربّما سيرحموننا ويعفونك من هذا التّجنيد الإعجازي!ء
ء شرب حسن بعض جرعات من كأس الشاي، وقام لِيستعدّ لِلرحيل. فقَدَ شهيته وراحة البال. لم يعد يفكّر سوى في التّخلّص من مشكلة التّجنيد الذي سيُبعده عن حبيبته. لن يُطيق الحياة والعيش بدونها أبدا. وهي كذالك. سيصْعقها الخبر العاجل كما صعق أمّه فاطمة. إنّها من أعظم المصائب التي سقطتْ عليهم من سماء الظروف المُعاكسة هذا العام. لا يجب أن تعْلَم فريدة بالخبر المشؤوم وإلاّ ستموت ألماً وحزنا. يجب أن أرحل في صمْت وفي أقْرب وقت. ثمّ ودّغَ أمّه وتوارى، وهي تتبعه بعيونها الدّامعة.ء
ء مشى حسن تائها بدون هدف مُحدّد. لم يعرف بعد مَنْ سيطرق بابه من أصدقائه ومعارفه طلباً لِلّجوء والاِختفاء. كان يتيه ويفكّر: حتْماً سيعودان اليوم. الدّركيّان. ربّما في نفس الساعة مثل الأمْس. وربما سيعود واحد منهما فقط، وربما سيرسلان رجال الشرطة للبحث عنّي. وربّما لن يعودا إلى دارنا أبداً. وربّما ستُحَلّ المشكلة وتنتهي الحرب ويُلْغى التّجنيد. بسببهما أنا هارب من بيتي بسبب وطني الذي يناديني لِأذودَ عنه. ولكن من سيذود عنّي وعن إخوتي وأبواي وحبيبتي؟ ليتها كانت معي فريدة الآن لِأشكي لها همومي. نحن الفقراء صبورون! صبورون أكثر من اللاّزم. ربّما أكثر من النبيّ يعقوب نفسه! ولكن لماذا كل هذه الحيرة والخوف من الذهاب إلى جبهة الحرب؟ أوَ لسْتُ أعيش في حرب دائمة ومستمرّة على أكثر من جبهة! أوَ ليس الفقر في حدّ ذاته من أعْتى الحروب! حرب أعصاب تستنزف كل طاقاتنا وسعادتنا؟ ومتى عرف الفقراء السّعادة أصلا؟ كيف لِمن شبّ وترعرع في قلب وأحضان عواصف حرب الفقر الدّائمة، أن يخاف من الذهاب إلى جبهة حرب مؤقّتة!؟ أنا ضائع حبيبتي فريدة..! أرجوك حياتي؛ أينكِ لِتُواسيني...ء
ء دَوَّتْ في السماء صرخات المُؤذّنين مُعلنة صلاة العصر. لم يحسّ بالوقت يمرّ. كان حزينا وغارقاً في التّيهان والتفكير. ربّما يكون رجال الدّرك قد عادوا إلى منزله من جديد لِيبحثوا عن الهارب من وطنه في وطنه. أحسّ بالجوع لِأنّه لم يأكل شيئا هذا اليوم العصيب في حياته. فكّرَ في صديقه أحمد النّادل في "مقهى السّعادة". وقرّر أن يذهب إليه في دارهم لِيسأل عنه، ويختفي عنده بعض الساعات أو الأيام. وعندما وصل، طرق الباب، فخرجت أمّه. فسألها:ء
ء ـ هل أحمد في الدّار؟ء
ء ـ لا، أحمد في المقهى.ء
ء ـ شكرا. سأذهب عنده.ء
ء عندما وصل إلى "مقهى السّعادة"، وجد النّادل أحمد ينظّف الطّاولات ويحمل كؤوس الشاي إلى الزّبناء. فسلّم عليه وجلس إلى طاولة في الدّاخل لِكي لا يراه أحد. فسأله أحمد:ء
ء ـ كيف أحوالك صديقي حسن؟ ومتى سنحضر عرسَك الميمون؟ء
ء ـ عندي مشكلة أحمد. توصّلتُ البارحة باستدعاء لِلذهاب إلى التّجنيد الإجباري. أنا حالياً هارِب من بيتنا لِكيلا يجدني رجال الدّرك إذا عادوا للبحث عنّي. لستُ أدري ماذا سأفعل!ء
ء ـ ليس لك الخيار حسن. إما التّجنيد أو عقوبة الحبس مع غرامة مالية. أنا مررْتُ من هذه التجربة أيضا. ماذا تشرب؟ء
ء ـ فنجان قهوة وحلْوى من فضلك.ء

ء وضع صديقه النادل كأس القهوة وقطعة الحلوى فوق الطاولة وسأله:ء
ء ـ هل يعلم والديك بالخبر؟ء
ء ـ نعم. أمّي هي التي تسلّمتِ الإستدعاء البارحة، وناقشنا القضية جميعاً على مائدة الغذاء.ء
ء ـ لوْ كان عندك عقد زواج مع خطيبتك، لَأمْكَنَ لك الأمل والإعفاء من الخدمة العسكرية الإجبارية.ء
ء ـ كُنّا سنذهب إلى العُدول لِتحرير العقد، لكن الإمكانيات معدومة مع الأسف الشديد.ء
ء وفجأة، وقفتْ سيارة مخزنية أمام باب المقهى، ونزل منها رجال الدّرك. إنهما نفس الدّركين الذين سلّما استدعاء التّجنيد العسكري لِأمّه. حدّقَ الدّركيان في زبناء المقهى الجالسين على كراسي الرّصيف. ثمّ دخلا إلى المقهى بحثاً عن الهارب حسن. ولمّا رأياه، قفزا عليه ووضعا أصْفادا حديدية في يديه، واقتاداه إلى سيارتهما ذات اللوحة التّرقيمية الحمراء، وذهبا به إلى وجهة غير معروفة...ء
ء في هذه اللحظات التي كانت هذه الأحداث تقع في "مقهى السعادة"، كانت الطالبة فريدة فرحة وهي ذاهبة إلى دار ابن عمّها لِتزفّ له خبراً سارّاً. فجارتهم الغنية التي كانت تُراجع مع ابنها، وتعطيه ساعات دروس الدّعْم والتّقْوية الخصوصية، وتساعده في واجباته المدرسية، قد أدّتْ لها سبع مائة درهم ثمن أتْعابها الشهرية. وستعطيها لِحبيبها حسن، ليسلّمها لِلعادل الشّرعي الذي سيكتب عقْد زواجهما.ء

ء وعندما وصلتْ إلى دار عمّها، وجدتْ كل العائلة خارج البيت في حالة من الذّهول والصّدْمة، وهم يتحدّثون مع النّادل أحمد الذي أخبرهم أنّ ابنهم حسن، قد قبض عليه رجال الدّرك، واِقتادوه معهم في سيارتهم إلى وجهة غير معلومة. فسألتْ فريدة النّادل، وطلبتْ منه أن يُحدّثها بالتّفصيل عن كلّ ما جرى لِخطيبها. وبعد ذالك دخل الجميع إلى بيت الضّيوف واجمين. فحكَتْ أمّ حسن لِفريدة كل ما جرى. فصعقها الخبر وسالتْ دموع الحزن من عينيها وقالت:ء
ء ـ ولكن حماتي، لماذا لم يأتِ عندنا لِيختبئ؟ ولماذا لم يخبرني بما وقع؟ء
ء فأجابت أم حبيبها وهي تبكي:ء
ء ـ لقد فكّرْنا في إخبارك بما وقع. لكن حسن رفض ذالك خوفا عليكِ من الصّدْمة والحزن.ء
ء فسحبَتْ فريدة النقود من جيبها، ومدّتْها لِأمّ حسن قائلة:ء
ء ـ خذي هذه الدراهم واحتفظي بها. عندما سيرجع حسن سنذهب عند العادل لِتحرير عقد الزواج. أمّا أنا، فسأذهب حالاً إلى مركز الدّرك لِأعرف مصير حبيبي. ومسحتْ دموعها وخرجتْ.ء

ء عندما وصلتْ فريدة إلى مقرّ إدارة الدّرك الملكي، سألت أحد الموظفين عن خطيبها حسن، فدلّها على مكتب المسؤول عن التجنيد العسكري. ولمّا دخلتْ عنده بعد الاِستئذان، وشرحتْ له الحادث، أخذ الرجل مِلفّاً كان فوق مكتبه، ففتحه وتأمّله ملياً وقال:ء
ء ـ خطيبُكِ حسن في السّجن. سيُحاكم بعد أسبوع، ثم يلتحق بعد المحاكمة بالجيش في الصحراء.ء
ء ـ هل يمكن لي أن أراه الآن سيّدي؟ء
ء ـ لا آنسة. الزيارة ممنوعة حاليا، لِأن التّحقيق ما زال جاريا.ء
ء ـ عائلته قلقون عليه، وأمه تبكي منذ وقع هذا الحادث. أرجوك إسمح لي أن أراه لِأخبر عائلته أنه بخير.ء
ء ـ قلتُ لكِ ممنوع رؤيته حالياً.ء
ء تذمّرتْ فريدة بجواب المسؤول وبدأتْ دموعها تنْهمِر بلا شعور. فسحبتْ هاتفها النّقّال القديم من محفظتها ومدّتْهُ لِلرجل مُتوسّلة:ء
ء ـ سيّدي، هل يمكن أن تعطي لِخطيبي هذا الهاتف لِيتحدّث مع أمّه ويُطمْئنها؟ء
ء ـ في الواقع السّجناء في مثل حالته يُمنَع أن تكون بحوزتهم هواتف. سأفعل هذا الخير لِأنّي أشفق عليك. سأعطيه له، ولكن بعد الغد.ء
ك شكرتْهُ فريدة، وخرجت مُحْبَطة وحزينة. لم تستطع العودة لا إلى بيت أبويها، ولا إلى بيت عائلة خطيبها. بماذا ستُخْبرهم؟ وماذا ستقول لِحماتها؟ أنّ ولدها في السّجن! أمْ تخبرهم أن الدّركي أشْفَقَ عليها، أمْ تقول أنه بعد المحاكمة سيرسلونه مباشرة إلى حبهة القتال؟ اِسْتمرّتْ في تيهانها حتى وصلتْ إلى ضِفّة البحر في "كورنيش" الناظور. وجلستْ على مقعد وهي تُفكّر: ماذا سأفعل الآن؟ عندي فراغ في القلب والعقل! وقعَ خطأ في حسابنا أنا وحبيبي حسن، أخْطأنا يوم الخطوبة. كان من الواجب علينا اِسْتدعاء العادل لِيتغذّى مع الضيوف ويُحرّر العِقد في نفس اليوم. ولكن كبرياء حسن هو المسؤول، لِأنه لم يكن عنده ما يكفي من المال لِيُؤدّي لِلعادل أجرته، ورفض مساعدة أبي له. لكن لا يجب أن أحمّله هذه المسؤولية لوحده. فالفقر في الواقع كان وراء كل هذا، هو سبب كل مشاكلنا التي نغرق فيها. كَمْ عانى والديه من أجل إكْمال دراسته التي أوْدَتْ به إلى الحرب! وكم اِقْترضتْ أمّه من دراهم من عند الجيران لِتُساعده على الكراء والأكل عندما كان طالبا في الجامعة البعيدة عن منطقته؟ وكم باعتْ من أشيائها الخاصّة من أجل شراء لوازم الدّراسة؟ وكانت نتيجة التّخرُّج، الهاوية التي نحن فيها الآن! يا لَلطّامة!ء
ء مضتْ ثلاثة أيام منذ أن ذهبت فريدة إلى مخفر الدّرك. لكن، لا مُكالمة من حسن، ولا أخبار عن أحواله. ورجعتْ مرة أخرى بدون نتيجة، لِأنها صادفتْ رجلا آخر في مكان المسؤول الذي أعطته هاتفها ليُسلّمه لِحبيبها. واستمرّ القلق يفترسها واليأس يُحاصرها من كل الجهات. كانت خائفة على مصيرها ومستقبلها. لم يعد عندها أيّ مذاق للحياة بعد غياب حبيبها. فِعْلاً، لا مذاق لِأيّ
شيء على الإطلاق! كانت تعرف أنها ستواجه كثيرا من التحديات والعراقيل في حياتها بدون زوجها. وأنّ كل أحلامها بدأتْ تتبخّر وتتهاوى واحدة بعد الأخرى. وبعد بضعة أيام، اِصطحبتْ معها حماتها فاطمة لِترى ابنها. وعندما وصلتا إلى مكتب المسؤول الكبير على الخدمة العسكرية، أخبرهما أن الجُنديّ حسن القديري رقم 1304، قد اِلْتحق البارحة مساء بالجيش في جنوب المغرب. فصعقهما الخبر الصّادِم، وسقطتْ أمّ حسن على الأرض مغْشياً عليها، وفريدة تحاول مواساتها ولمْلمة جراحاتها ومساعدتها.ء
ء مضت الحياة بمشاكلها وصدماتها المٌتعاقتة الغير المُتوقَّعَة، مُجرْجِرة وراءها الأيام الصّعبة والعويصة بالنّسبة لِلعائلتين الفقيرتين معاً. وزادتْ الحالة الصّحّية لِوالد حسن سوءاً. مِمّا اضطرّ أمّه لِصرْف دراهم فريدة الخاصّة لِتحرير عِقد الزواج، لِتشتري بعض الموادّ الغذائية والطّحين والزيت والسّكّر، وأدْوية لِزوجها الذي تدهورتْ صِحّته كثيرا. وخيّمَ الحزن والاِكتئاب على الجميع. ولم يعُد بِإمكان العائلة العديمة الدّخْل أداء فواتير الضوء والماء وغيرها من الضّروريات الحياتية. فقُطِعَ عنهم التّيار الكهربائي. وباعتْ أمّ حسن آخر ما تبقّى لها من أشياء لِمواجهة مصائب ومصاريف العيش الثّقيلة. وبدأتْ العائلتان تتلاقيان لِمواساة بعضهما البعض، وانتظار الأخبار عن الجندي الغائب. أمّا فريدة المسكينة، فقد اِنْقلبتْ حياتها رأسا على عقب، وأحسّتْ بالضّياع وانعدام الأمن والأمل في الحياة. مِمّا جعلها تفكّر في ما وراء الحياة. فكّرتْ أوّلاً في السّفر إلى الصحراء لِلبحث عن حبيبها البعيد عنها. كما راودتها فكرة الاِنتحار التي اسْتبْعدتْها من ذهنها نظرا لِأن عائلتها يحتاجون إليها وإلى مساعدتها. فهي البنت الكبيرة التي تدرس وتشتغل لِتساعد أبويها على مُصارعة الحياة الصّلْبة. وذات مساء، بينما هي مُنْهمكة في مراجعة دروسها في بيتها استِعْدادا لِامتحانات آخر السنة الدراسية، رَنّ هاتفها. سيكون ربّما صوت حبيبها حسن. فاجأتها المُكالمة وأفرحتها كثيرا. كانت مُتلهِّفة لِمعرفة أخباره، فقالت:ءء
ء ـ آلو، حسن. كيف أنتَ حبيبي؟ أخبرنا عن أحوالك فالكلّ قلقٌ عليك.ء
ء فأجابها صوت رجل:ء
ء ـ آلو، أنتِ من عائلة حسن؟ء
ء ـ نعم أنا خطيبته. قل له فريدة تريد أن تتحدّث معك.ء
ء ـ آلو، أنا صديقه. حسن خطيبك في حبهة القتال. لم يأخذ هاتفه لِأن المنطقة التي يتواجد فيها خارج التّغطية. وترك لي هاتفه لِأقول لكم عندما تتّصلون أنه بخير.ر
ء ـ ومتى سيرجع من جبهة القتال؟ء
ء ـ سيعود عندما تنتهي الحرب آنستي. سأخبره أنكِ اتّصلتِ به. مع السلامة.ء
ء ـ من فضلك سيدي. عائلته قلقة عليه كثيرا. نريد أن نتحدّث معه شخصياً. من فضلك! أتسمعني؟ء
ء وانقطع صوت الرجل. لم تُشْفِ هذه المكالمة غليلها، لِمعرفة حقيقة أحوال حبيبها الذي صار هاجسها. إنه في حبهة القتال يُقاتل عدوّاً موهوما، وسيعود عندما تنتهي الحرب! ومَن يعرف متى ستنتهي هذه الحرب؟ ربّما ستنتهي بعد أن تُفْنينا وتُنْهينا! معركته الحقيقية كانت هنا في بلْدتنا ضدّ الفقر والأمراض، ضدّ الفساد والطّاعون. وأنا التي انتظر الزواج به من زمان! وأمّه التي تبكي ليل نهار! إيييه يا إلاهي! لقد أحْببْنا بعضنا البعض إلى درجة الجنون! ولكننا سنفشل في حبّنا لا محالة، لِأنّ توْقيت هذا الحب خاطئ. لِأنه حُبٌّ في زمن الحرب. وما أدراني هل سيعود أم لن يعود من هذه الحرب! إنها حرب وليستْ بِ"لُعبة" مع الأسف! ولكن مهما كان، ومهْما طالتِ الحرب، فإني سأنتظره وبكلّ إخلاص...ء
ء ـ إن شاء الله أختي رحْمة. اِشْتقْنا إليه كثيرا.ء
ء ـ نحن كذالك. وخصوصاً فريدة ابنتي. لا تتحدّث سوى عن خطيبها حسن. الله إيحفظه لها.ء
ء فتدخّلتْ فريدة سائلة:ء
ء ـ لا بُدّ أن تكون للجنود قيمة أمّي. إنهم سيأتون به إلى البيت في سيارة كبيرة فخْمَة.ء
ء ـ أحقّاً؟ لا بدّ أنها من بين الاِمتيازات التي يتمتّع بها جيشنا الوطني. الجنود حُماة الوطن. ولهذا يُرافقونهم في السيارة إلى بُيوتهم.ء
ء تسمّرتْ فريدة وراء النافذة تنتظر وصول خطيبها العائد من الجنوب، وفجأة، سُمِعَتْ سيارة الإسعاف تصمّ الآذان بصفيرها وهي تقترب من حيّهم الشّعبي الفقير. ووقفتْ أمام بيت الحاج القديري والد حسن. ونزل منها رجلان، فتحا باب السيارة الخلْفي، وجرّا العربة الخاصة بنقل الجرْحى والمرضى. كان فوقها شخص مُغَطّى بِإزار أبيض. فأسْرعتْ فريدة لِترى حبيبها. ولمّا أزاحتْ عنه الغطاء، رأتْ جُثّة حسن مبِتور اليد والرِّجل اليُمْنيَيْن، والدّماء تنزف منه، وتُلطِّخ كلّ جسده وثيابه..!ء
ء ـ آه يا إلاهي! لم يكن ينقصُنا سوى هذا النّبأ الكارثي الصّادِم! سأقول لهم أنك مريض وتحتاج للعلاج، وأنّك ستتزوّج قريبا مع خطيبتك. ربّما سيرحموننا ويعفونك من هذا التّجنيد الإعجازي!ء
ء شرب حسن بعض جرعات من كأس الشاي، وقام لِيستعدّ لِلرحيل. فقَدَ شهيته وراحة البال. لم يعد يفكّر سوى في التّخلّص من مشكلة التّجنيد الذي سيُبعده عن حبيبته. لن يُطيق الحياة والعيش بدونها أبدا. وهي كذالك. سيصْعقها الخبر العاجل كما صعق أمّه فاطمة. إنّها من أعظم المصائب التي سقطتْ عليهم من سماء الظروف المُعاكسة هذا العام. لا يجب أن تعْلَم فريدة بالخبر المشؤوم وإلاّ ستموت ألماً وحزنا. يجب أن أرحل في صمْت وفي أقْرب وقت. ثمّ ودّغَ أمّه وتوارى، وهي تتبعه بعيونها الدّامعة.ء
عاشقان مزّقتهما الحرب وفرقت بينهما
ء دَوَّتْ في السماء صرخات المُؤذّنين مُعلنة صلاة العصر. لم يحسّ بالوقت يمرّ. كان حزينا وغارقاً في التّيهان والتفكير. ربّما يكون رجال الدّرك قد عادوا إلى منزله من جديد لِيبحثوا عن الهارب من وطنه في وطنه. أحسّ بالجوع لِأنّه لم يأكل شيئا هذا اليوم العصيب في حياته. فكّرَ في صديقه أحمد النّادل في "مقهى السّعادة". وقرّر أن يذهب إليه في دارهم لِيسأل عنه، ويختفي عنده بعض الساعات أو الأيام. وعندما وصل، طرق الباب، فخرجت أمّه. فسألها:ء
ء ـ شكرا. سأذهب عنده.ء
ء عندما وصل إلى "مقهى السّعادة"، وجد النّادل أحمد ينظّف الطّاولات ويحمل كؤوس الشاي إلى الزّبناء. فسلّم عليه وجلس إلى طاولة في الدّاخل لِكي لا يراه أحد. فسأله أحمد:ء
ء ـ كيف أحوالك صديقي حسن؟ ومتى سنحضر عرسَك الميمون؟ء
ء ـ عندي مشكلة أحمد. توصّلتُ البارحة باستدعاء لِلذهاب إلى التّجنيد الإجباري. أنا حالياً هارِب من بيتنا لِكيلا يجدني رجال الدّرك إذا عادوا للبحث عنّي. لستُ أدري ماذا سأفعل!ء
ء ـ ليس لك الخيار حسن. إما التّجنيد أو عقوبة الحبس مع غرامة مالية. أنا مررْتُ من هذه التجربة أيضا. ماذا تشرب؟ء
ء ـ فنجان قهوة وحلْوى من فضلك.ء

المقاهي مأوى العاطلين. هنا اختبأ حسن الهارب
ء ـ هل يعلم والديك بالخبر؟ء
ء ـ نعم. أمّي هي التي تسلّمتِ الإستدعاء البارحة، وناقشنا القضية جميعاً على مائدة الغذاء.ء
ء ـ لوْ كان عندك عقد زواج مع خطيبتك، لَأمْكَنَ لك الأمل والإعفاء من الخدمة العسكرية الإجبارية.ء
ء ـ كُنّا سنذهب إلى العُدول لِتحرير العقد، لكن الإمكانيات معدومة مع الأسف الشديد.ء
ء وفجأة، وقفتْ سيارة مخزنية أمام باب المقهى، ونزل منها رجال الدّرك. إنهما نفس الدّركين الذين سلّما استدعاء التّجنيد العسكري لِأمّه. حدّقَ الدّركيان في زبناء المقهى الجالسين على كراسي الرّصيف. ثمّ دخلا إلى المقهى بحثاً عن الهارب حسن. ولمّا رأياه، قفزا عليه ووضعا أصْفادا حديدية في يديه، واقتاداه إلى سيارتهما ذات اللوحة التّرقيمية الحمراء، وذهبا به إلى وجهة غير معروفة...ء
ء في هذه اللحظات التي كانت هذه الأحداث تقع في "مقهى السعادة"، كانت الطالبة فريدة فرحة وهي ذاهبة إلى دار ابن عمّها لِتزفّ له خبراً سارّاً. فجارتهم الغنية التي كانت تُراجع مع ابنها، وتعطيه ساعات دروس الدّعْم والتّقْوية الخصوصية، وتساعده في واجباته المدرسية، قد أدّتْ لها سبع مائة درهم ثمن أتْعابها الشهرية. وستعطيها لِحبيبها حسن، ليسلّمها لِلعادل الشّرعي الذي سيكتب عقْد زواجهما.ء

العادل الشرعي يحرّر عقود الزواج
ء ـ ولكن حماتي، لماذا لم يأتِ عندنا لِيختبئ؟ ولماذا لم يخبرني بما وقع؟ء
ء فأجابت أم حبيبها وهي تبكي:ء
ء ـ لقد فكّرْنا في إخبارك بما وقع. لكن حسن رفض ذالك خوفا عليكِ من الصّدْمة والحزن.ء
ء فسحبَتْ فريدة النقود من جيبها، ومدّتْها لِأمّ حسن قائلة:ء
ء ـ خذي هذه الدراهم واحتفظي بها. عندما سيرجع حسن سنذهب عند العادل لِتحرير عقد الزواج. أمّا أنا، فسأذهب حالاً إلى مركز الدّرك لِأعرف مصير حبيبي. ومسحتْ دموعها وخرجتْ.ء

القبض على حسن الهارب
ء ـ خطيبُكِ حسن في السّجن. سيُحاكم بعد أسبوع، ثم يلتحق بعد المحاكمة بالجيش في الصحراء.ء
ء ـ هل يمكن لي أن أراه الآن سيّدي؟ء
ء ـ لا آنسة. الزيارة ممنوعة حاليا، لِأن التّحقيق ما زال جاريا.ء
ء ـ عائلته قلقون عليه، وأمه تبكي منذ وقع هذا الحادث. أرجوك إسمح لي أن أراه لِأخبر عائلته أنه بخير.ء
ء ـ قلتُ لكِ ممنوع رؤيته حالياً.ء
ء تذمّرتْ فريدة بجواب المسؤول وبدأتْ دموعها تنْهمِر بلا شعور. فسحبتْ هاتفها النّقّال القديم من محفظتها ومدّتْهُ لِلرجل مُتوسّلة:ء
ء ـ سيّدي، هل يمكن أن تعطي لِخطيبي هذا الهاتف لِيتحدّث مع أمّه ويُطمْئنها؟ء
ء ـ في الواقع السّجناء في مثل حالته يُمنَع أن تكون بحوزتهم هواتف. سأفعل هذا الخير لِأنّي أشفق عليك. سأعطيه له، ولكن بعد الغد.ء
الحب والحرب
ك شكرتْهُ فريدة، وخرجت مُحْبَطة وحزينة. لم تستطع العودة لا إلى بيت أبويها، ولا إلى بيت عائلة خطيبها. بماذا ستُخْبرهم؟ وماذا ستقول لِحماتها؟ أنّ ولدها في السّجن! أمْ تخبرهم أن الدّركي أشْفَقَ عليها، أمْ تقول أنه بعد المحاكمة سيرسلونه مباشرة إلى حبهة القتال؟ اِسْتمرّتْ في تيهانها حتى وصلتْ إلى ضِفّة البحر في "كورنيش" الناظور. وجلستْ على مقعد وهي تُفكّر: ماذا سأفعل الآن؟ عندي فراغ في القلب والعقل! وقعَ خطأ في حسابنا أنا وحبيبي حسن، أخْطأنا يوم الخطوبة. كان من الواجب علينا اِسْتدعاء العادل لِيتغذّى مع الضيوف ويُحرّر العِقد في نفس اليوم. ولكن كبرياء حسن هو المسؤول، لِأنه لم يكن عنده ما يكفي من المال لِيُؤدّي لِلعادل أجرته، ورفض مساعدة أبي له. لكن لا يجب أن أحمّله هذه المسؤولية لوحده. فالفقر في الواقع كان وراء كل هذا، هو سبب كل مشاكلنا التي نغرق فيها. كَمْ عانى والديه من أجل إكْمال دراسته التي أوْدَتْ به إلى الحرب! وكم اِقْترضتْ أمّه من دراهم من عند الجيران لِتُساعده على الكراء والأكل عندما كان طالبا في الجامعة البعيدة عن منطقته؟ وكم باعتْ من أشيائها الخاصّة من أجل شراء لوازم الدّراسة؟ وكانت نتيجة التّخرُّج، الهاوية التي نحن فيها الآن! يا لَلطّامة!ء
ء مضتْ ثلاثة أيام منذ أن ذهبت فريدة إلى مخفر الدّرك. لكن، لا مُكالمة من حسن، ولا أخبار عن أحواله. ورجعتْ مرة أخرى بدون نتيجة، لِأنها صادفتْ رجلا آخر في مكان المسؤول الذي أعطته هاتفها ليُسلّمه لِحبيبها. واستمرّ القلق يفترسها واليأس يُحاصرها من كل الجهات. كانت خائفة على مصيرها ومستقبلها. لم يعد عندها أيّ مذاق للحياة بعد غياب حبيبها. فِعْلاً، لا مذاق لِأيّ
شيء على الإطلاق! كانت تعرف أنها ستواجه كثيرا من التحديات والعراقيل في حياتها بدون زوجها. وأنّ كل أحلامها بدأتْ تتبخّر وتتهاوى واحدة بعد الأخرى. وبعد بضعة أيام، اِصطحبتْ معها حماتها فاطمة لِترى ابنها. وعندما وصلتا إلى مكتب المسؤول الكبير على الخدمة العسكرية، أخبرهما أن الجُنديّ حسن القديري رقم 1304، قد اِلْتحق البارحة مساء بالجيش في جنوب المغرب. فصعقهما الخبر الصّادِم، وسقطتْ أمّ حسن على الأرض مغْشياً عليها، وفريدة تحاول مواساتها ولمْلمة جراحاتها ومساعدتها.ء
اِنهيار الأمّ بعد سماع الخبر المشؤوم
ء ـ آلو، حسن. كيف أنتَ حبيبي؟ أخبرنا عن أحوالك فالكلّ قلقٌ عليك.ء
ء فأجابها صوت رجل:ء
ء ـ آلو، أنتِ من عائلة حسن؟ء
ء ـ نعم أنا خطيبته. قل له فريدة تريد أن تتحدّث معك.ء
ء ـ آلو، أنا صديقه. حسن خطيبك في حبهة القتال. لم يأخذ هاتفه لِأن المنطقة التي يتواجد فيها خارج التّغطية. وترك لي هاتفه لِأقول لكم عندما تتّصلون أنه بخير.ر
ء ـ ومتى سيرجع من جبهة القتال؟ء
ء ـ سيعود عندما تنتهي الحرب آنستي. سأخبره أنكِ اتّصلتِ به. مع السلامة.ء
ء ـ من فضلك سيدي. عائلته قلقة عليه كثيرا. نريد أن نتحدّث معه شخصياً. من فضلك! أتسمعني؟ء
ء وانقطع صوت الرجل. لم تُشْفِ هذه المكالمة غليلها، لِمعرفة حقيقة أحوال حبيبها الذي صار هاجسها. إنه في حبهة القتال يُقاتل عدوّاً موهوما، وسيعود عندما تنتهي الحرب! ومَن يعرف متى ستنتهي هذه الحرب؟ ربّما ستنتهي بعد أن تُفْنينا وتُنْهينا! معركته الحقيقية كانت هنا في بلْدتنا ضدّ الفقر والأمراض، ضدّ الفساد والطّاعون. وأنا التي انتظر الزواج به من زمان! وأمّه التي تبكي ليل نهار! إيييه يا إلاهي! لقد أحْببْنا بعضنا البعض إلى درجة الجنون! ولكننا سنفشل في حبّنا لا محالة، لِأنّ توْقيت هذا الحب خاطئ. لِأنه حُبٌّ في زمن الحرب. وما أدراني هل سيعود أم لن يعود من هذه الحرب! إنها حرب وليستْ بِ"لُعبة" مع الأسف! ولكن مهما كان، ومهْما طالتِ الحرب، فإني سأنتظره وبكلّ إخلاص...ء
ء لم تمْضِ بِضْعة أشهر، حتى رنّ الهاتف من جديد، إنّهُ صوت من الصحراء، صوت نفس الرجل الذي هاتف فريدة من قبل، صديق خطيبها حسن:ء
ء ـ آلو. الآنسة فريدة، هل تسمعينني؟ء
ء ـ نعم نعم، أنا أسمعك. ما هي أخبار خطيبي حسن من فضلك؟ وهل عاد من جبهة القتال؟ء
ء ـ نعم نعم، أنا أسمعك. ما هي أخبار خطيبي حسن من فضلك؟ وهل عاد من جبهة القتال؟ء
ء ـ نعم آنستي، خطيبك حسن عاد منذ يومين من الحرب. وسوف يأتي في القِطارإلى الناظور مساء يوم الجمعة. سيصل بعدها إلى البيت في سيارة مَخْزنية كبيرة. مع السلامة آنستي.ء
اء ـ ولماذا لم يتّصل بي من قبل؟ شكرا لك على هذا الخبر المُفْرِح سيّدي. ألْف شكر. هل تسمعني سيدي؟ إنْقطع الصوت، وقفزتْ فريدة فرحة تصرخ كالمجنونة:ء
اء ـ ولماذا لم يتّصل بي من قبل؟ شكرا لك على هذا الخبر المُفْرِح سيّدي. ألْف شكر. هل تسمعني سيدي؟ إنْقطع الصوت، وقفزتْ فريدة فرحة تصرخ كالمجنونة:ء
ء ـ أمّي، حسن رجع من الحرب. حبيبي حسن عاد وسنذهب إلى العادل الشرعي لِتحرير عقد زواجنا. وهكذا لن يرجع زوجي الغالي إلى الحرب أبدا.ء
وطني، روحي فِداه
ء في مساء يوم الجمعة، تجمّعتِ العائلتان لِاستقبال جنديّ الوطن المخلص، العائد من جبهة الحرب في الجنوب. فقالت أمّ فريدة لِفاطمة وهي تُبارِكُ لها عودة اِبنها حسن:ء
ء ـ مبْروك للاّ فاطمة عودة ابنك حسن من الخدمة العسكرية. نتمنى أن يصل بخير.ءء ـ إن شاء الله أختي رحْمة. اِشْتقْنا إليه كثيرا.ء
ء ـ نحن كذالك. وخصوصاً فريدة ابنتي. لا تتحدّث سوى عن خطيبها حسن. الله إيحفظه لها.ء
ء فتدخّلتْ فريدة سائلة:ء
ء ـ لا بُدّ أن تكون للجنود قيمة أمّي. إنهم سيأتون به إلى البيت في سيارة كبيرة فخْمَة.ء
ء ـ أحقّاً؟ لا بدّ أنها من بين الاِمتيازات التي يتمتّع بها جيشنا الوطني. الجنود حُماة الوطن. ولهذا يُرافقونهم في السيارة إلى بُيوتهم.ء
ء تسمّرتْ فريدة وراء النافذة تنتظر وصول خطيبها العائد من الجنوب، وفجأة، سُمِعَتْ سيارة الإسعاف تصمّ الآذان بصفيرها وهي تقترب من حيّهم الشّعبي الفقير. ووقفتْ أمام بيت الحاج القديري والد حسن. ونزل منها رجلان، فتحا باب السيارة الخلْفي، وجرّا العربة الخاصة بنقل الجرْحى والمرضى. كان فوقها شخص مُغَطّى بِإزار أبيض. فأسْرعتْ فريدة لِترى حبيبها. ولمّا أزاحتْ عنه الغطاء، رأتْ جُثّة حسن مبِتور اليد والرِّجل اليُمْنيَيْن، والدّماء تنزف منه، وتُلطِّخ كلّ جسده وثيابه..!ء









Ajouter un commentaire