الفقرة 36 - زواج أخي محمادي
















ء    اِنتهتِ السنة الدراسية الجامعية الأولى فلسفة 1977 - 1978 بنجاح باهر. وقررتُ العودة إلى عائلتي في الناظور. الحنين يناديني. فكّرنا أنا وصديقي علي في مصير غرفتنا التي نكتريها في حي العكّاري الذي أصبح مألوفا لنا، بل محبوبا. هل نبيع كل أثاثنا الهزيل والقليل ونغادرها، أم نحتفظ بها وبِأثاثنا حتى الدخول الجامعي في سبتمبر القادم؟ وكيف سنؤدّي أجرة شهرين من الكراء؟ في الواقع بعد الذي جرى لنا مع المخابرات المغربية، وقضاء ليلة أليمة سكران في مخفر الشرطة، عشتُ فيها تحت تهديد تلفيق تُهم أنا في غِنى عنها. هناك ملف أحداث الجامعة الدامية، وهناك كتاب عبد الكريم الخطابي الذي وجده ضابط الشرطة القضائية فوق سريري ليلة مُداهمة دار القوّادة الحسناء الباطرونة زْهور، وتهمة السكر بخمر بولعوان وما عقوبتها في القانون، وربما سيزيد المحقِّق معي جريمة الإعتداء على سائح سعودي محترم! ومحاولة الطلبة كسْر سيارته والسّبّ والقذْف..! كل شيء يمكن أحيانا أن يُفْقَد في المغرب، ما عدا السريالية والسكيزوفرينيا في الحياة اليومية! كل شيء سُرْيالي في بلادي وعبثي، حتى على مستوى تطبيق القانون والحقوق التي تُباع ككل السلع في السوق! فلعلّكَ ترْضى ايّها المواطن الغالي. ولكني غير راض. لِأني شربتُ خمراً داخل البيت، ليلا، دون أن نُزْعِجَ أحدا! وأنا وصديقي لم نشترِ هذا الخمر بدراهمنا القليلة التي لا تكفينا حتى لِشراء رُبُع زيتون في الأسبوع. نحن نعيش بنصف كوميرة مع علبة سردين بلادي، و"بولعْوان" أيضا خمر جيّد من صناعة بلادي الشريفة، فأين المشكل في كل هذا؟ء
ء    بعد كل الذي جرى من ويلات وهذيان المخفر والليلة الوردية الماجنة والمكسّرة، كنتُ أفضّل المغادرة، ولو أن الحياة مع الباطرونة للاّ زْهور كانت أكثر من رائعة! بل كانت جنة! حلم مرّ سريعاً وتركني أتوق إلى حياة الإيروس والليالي الوردية..! كل هذا الذي أعيشه اليوم وأحلم به، جذوره ضاربة في طفولتي السعيدة التي عشتها بفضل أبوايَ رحمهما الله. لقد عشتُ طفولة تتميز بالسكينة والهناء، لذالك أريد أن تعم السعادة والسكينة العالم كله حولي، لِأن السعادة الحقيقية هي سعادة المحيط ككل، وليس المركز فقط! وإلاّ ستكون كمَنْ يسكن فيلا نظيفة وغنية و"سعيدة" وسط محيطٍ قذِر وبائس وهائج، يغلي بمشاكل الفقر والاِستبداد وكثير الاِضطراب..! لن يُحِسّ الإنسان الغني أبدا بالأمان والإشباع، وبقية الشعب حوله جياع! ما عدا إذا كان مُحصّناً بهالة الدين، وهذه طبيعة الأنظمة الدكتاتورية الشمولية.ء
ء    أطلَّ شهر يونيه بحرارته وأجوائه المنعشة بالآمال والرحلات والأسفار. وفكرتُ في الذهاب إلى البنك لِأتسلّمَ منحتي الدراسية الفصلية الأخيرة لهذه السنة. ثم جمعتُ أغراضي، وأخذتُ حقيبتي السوداء ومراجعي، واتّجهتُ إلى محطة القطار ذالك المساء العاصف من أواخر شهر يونيه.ء
ء    في المحطة، جلستُ مُنزوياً على مقعد خشبي مع حقيبتي السوداء، وبدأتُ أفكّر وأتأمّلُ المسافرين حولي. كان الجوّ بارد. تناهتْ أصداء آذان العشاء إلى آذاني رخيمة في بعض المقاطع، ثم طغتْ عليها عشرات أصوات الآذان المختلفة النشاز والصراخ، والمنبعثة من مختلف مآذن وصوامع العاصمة! وصارت السماء جبهة لِحرْبِ الأصوات المتداخلة والمختلطة. نظرتُ إلى ساعتي، كانت الثامنة والنّصف مساء. نور المحطة كان باهتاً، الجو يُنذِر بعواصف أشدّ، البرق يُضيئ الغرب، والسّواد بدأ يعمّ الشرق، والرياح تهب من حين لِآخر تهزّ أغصان الأشجار وأوراقها، وتحرك ملابس النساء وظفائر شعرِهِنّ بنعومة. والناس زرافات متناثرة هنا وهناك، تتحدث بهدوء على الرصيف الرومانسي الهادئ.ء


المعارك والصراعات الإيديولوجية بين المنظمات السياسية، تُترجم إلى عنف جسدي عنيف أحياناً في حرم الجامعة


ء    بدأتُ استحضر شريط أحداث هذا العام: الغليان الإيديولوجي والسياسي في جامعتنا كالعادة، الإحتجاجات في كل مدن الوطن، صراع الأحزاب والمنظمات السياسية بينها، وصراعها ككل مع أجهزة البوليس والمخابرات، السعودي المتحرش بالطالبات، الطلبة الذين يبصقون على الغني السعودي، الليلة الوردية التي انتهت في السجن الاِحتياطي..! مَنْ يمكن له القول بعد كل هذه الأحداث الدرامية المتسلسلة في يوم واحد، إنّ الحياة عبارة عن شيء آخر غير الصراع! الصراع الدائم والمستديم! رُبّما انّ الصراع الذي ركّبتْهُ الطبيعة فينا كوسيلة لِمقاومة ضُغوط الحياة، هو الجِذْر الأخضر الوحيد االذي ما زال يشدّنا إليها لِكيلا نتقيّأَها. أنْ تمضي حياتك في سلسلة من الصراعات الوجودية اللاّمُتناهية والتي هي صِحّية لِلإنسان وشرّ لا بدّ منه لتوازنك، خير من أن تمضيها وأنتَ تتأمل عبثها ولامعناها وفراغها، وتفكر في الاِنتحار والتخلص منها. كل إنسان ينمو ويتطوّر ضِمْنَ دائرة مغلقة من التناقضات واالعقبات، والصراعات عماد الحياة..!ء
ء    مرّ الوقت بسرعة، فسمعتُ صفير القطار يقترب من المحطة. جلستُ في مقصورة كان فيها رجل مع زوجته، وطالب يقرأ الجريدة. بعد بضع دقائق، صفّرَ القطار من جديد مُعْلِناً وقت الإقلاع.  وتحرّكَ تاركاً محطة الرباط وأصداء صفيره خلْفنا، كنتُ أتابع بنظري خيالات الناس تتحرك على الرصيف وأنا مُبْحِرٌ في الماضي مفكّرٌ في حصاد كل ما وقع لي هذا العام.ء
ء    اِنطلق صفير آخر، وتابعت القاطرة خطّها الحديدي وهي تلتهم الطريق الطويلة. سبع سنين وأنا أقِلُّ هذا القطار الذي كان يذهب بي إلى منطقتي في ريف شمال المغرب، وبالتّحديد الناظور. كان طريقه معلوما لي ومحفوظاً بالتفصيل: من محطة الرباط إلى محطة سلا. ثم القنيطرة، وسيدي سليمان، وسيدي قاسم، ومكناس وفاس وتازة وكرسيف. وكان يقطع هذا الروتين، صوت حارس القطار وهو يصرخ مُعْلِناً عن اِسم المحطّة التي نقف فيها، فضلا عن تدفّق مختلف الباعة الجوّالين إلى داخل القطار في كل محطة، وهم يصيحون بِأسماء بضائعهم الزهيدة التي يعرضون بيْعها على المسافرين، وكأنّ قدرهم المكتوب أنْ يُمضوا حياتهم ومستقبلهم في بيع الحلويات والسجائر والمشروبات لِكل العابرين... وأخيرا محطة تاوريرت التي كان على المسافرين أن يتسابقوا نحو الطاكسيات البيضاء التي تتجه إلى الناظور لِأنها قليلة ونادرة. كان سكان الناظور والنواحي ينزلون في تاوريرت لِانعدام خط السكك الحديدية إلى الناظور، ويستمر القطار على نفس السكة حتى مدينة وجدة ثم يعود. كان هناك خط واحد يستعمله قطاران، واحد يأتي من وجدة متجهاً إلى الرباط، وآخر بالعكس، ينطلق من مراكش والرباط إلى وجدة. وكانا يلتقيان في محطة فاس لِتغيير السكة الوحيدة. وقد تعطّل القطار الآتي من وجدة في إحدى سنوات الدراسة، فانتظرنا وصول القطار الآخر في محطة فاس أكثر من 6 ساعات والبرد والجوع والنوم يهلكنا. وعندما وصلنا إلى تاوريرت في منتصف النهار، لم نجد ولا طاكسي واحد يقلنا إلى الناظور. وفكرت في عبارة صديقي علي: "هذا المغرب أتْلفَ بوصلة الطريق ويسير "مْعايْنا" على بركة الله! ولكن في الواقع، ليست هناك أيّة بركة في بلاد هذا القوم! لا يلتفتُ إلى السماء ويُنهكها بالدعوات والشّكايات، سوى مَنْ اِنعتق من ظلام الكهوف،و لم يحصل على العلوم الحقّة لِينزل إلى الطبيعة ليُحلِّل عتاصرها علميا لِتسخيرها لِصالح البشر. إن الإنسان المؤمن في يومنا المعاصر هذا، والإنسان البدائي منذ ملايين السنين، كلاهما فاتهما قطار الحضارة لِيغوصوا في الاِستلاب الخطير. هذا الاِستلاب الذي نخر وجودهم، ولكنهم مع ذالك يتشبّثون به طواعية وهم لا يعلمون..!ء


محطة القطار بتاوريرت


    ء    ء عندما وصلتُ إلى منزلنا بدار وعْليت الجديدة، وجدتُ كل أفراد عائلتي مجموعين يناقشون مسألة زواج أخي محمّادي. كان هناك خالي المجاهد عبد السلام رحمه الله، مع زوجته عمتي حبيبة وبعض بناتها، وأخي الكبير محمد وزوجته، وأختي الكبرى تْلايتْماس مع ابنتها، وأختي التي تسكن في أزغنغان مع ابنتها أيضا، وأخوتتي يامْنة وحورية وثمونت، فضلا عن أخي عبد الله والعريس محمادي. ء
ء     كانت أمي تجلس في سريرها الأبيض بِسبحتها وسجادة الصلاة، وعصا من القصب بمتر ونصف تحت سريرها. كانت هذه فكرة أخي محمادي الذي أتى به مرة وقال لِأمي وهو يمدها لها:ء
ء    ـ أمي، هذا القصب اِستعمليه لِإطفاء التلفزة بدل أن تنهظي  من سريرك في وقت مجيء النوم.ء
ء    كان أفراد عائلتنا الحاضرون جالسون كلهم في غرفة أمّنا رحمها الله. أختي يامْنة قُرْبَ أمي على السرير، والآخرون جالسون على السّدّاري يشربون الشاي مع الحلويات. وكان كل واحد يدلو بدلوه في هذا الزواج المبارك، والذي حضرناه جميعا منذ بِدايته وبنيْناه وفرحنا به وباركناه: أختي ثمونت كانت تقترح صديقتها فريدة إبنة الجيران الجميلة. وأختي حورية تدافع عن صديقتها صوفي التي عاشت معها سنوات عندما كانت تدرس في مدرسة الراهبات الإسبانيات، وتُذكّر أخي محمادي أنه كان يحبها منذ زمان، وأنها يتيمة وستكون الزوجة المثالية لِأنها تُبادله نفس مشاعر الحب. كما كانت أختي الكبيرة الحاجة يمينة، تقترح مُلِحّة على أخي محمادي ان يتزوج ابنة الريفي جارها في أزغنغان. كانت تلك العائلة المحافظة تعيش على قيم وأخلاق الإسلام، وتطبّق تعاليم الدين. كانت الفتاة تصلي، كما أنها كانت تعيش في غالب الأوقات في دار والديها ولا تخرج إلاّ نادرا. وأبوها كان رجلا صالحاً وإمام مسجد. واستقرّ الأمر أخيرا على خطبة زبيدة التي اقترحتها أختي الكبيرة الحاجة يمينة، ورضخ الجميع لِرأيها لِأنها في نظر العائلة كانت تملك تجربة في الحياة الزوجية، وحكيمة فيما توصينا به في مثل هذه الظروف. وفعلا، بعد أسبوع من تلك المناقشة المستفيضة، ذهب وفْدٌ يتكوّن من أمي وخالي عبد السلام وأختي تْلايتْماس وأخي محمد واختي يمينة والعريس محمادي، لِخطبة زبيدة من عند والديها. واتفق الجميع على ما فيه مصلحة الطرفين، وأن الله سيبارك هذا الزواج المحمود...ء
ء    أمضت العائلة ذالك اليوم في سعادة لا نظير لها، وبدأ التخطيط والاِستعدادات لِإقامة العرس الميمون. وتناولت أختي تْلايتْماس البنادير والدّفوف لِتُنعش بالموسيقى أجواء العرس. فأعطت واحد لِأمي وآخر لِأختي الكبيرة. تلك الدّفوف كانت تمثل الآلَة الموسِيقِيَّةٌ الشعْبِيَّةٌ المشهورة التي يُضْرَبُ عَلَيْهَا بالكَفِّ، فتصدر عنها أصوات موسيقية ساحرة متناغمة مع إزْران الريف الأمازيغية. وعندما تسمع ذالك النّقر والهز والشخشخة، والضرب بأصابع اليد على ظهر الدف بإيقاعات منتظمة، هناك تحس أنك تسبح في عمق طفولتك، وتعانق ثقافتك العزيزة وتشمّها حية خلال هذه الأجواء من النشاط والبهجة..!ء


أدجون عند الأمازيغ، الدف او البندير عند العرب


ء    في الصباح الباكر، وكان يوم الأحد، اِستيقظتْ أمي مبكرا كالعادة، حيث تصلي الفجر وتبقى مستيقظة تُسبِّح لِرب العالمين وتدعو لنا بالخير حتى الصباح. ثم استيقظتْ أختي الكبيرة يمينة وصلّت ثم ذهبت إلى المطبخ لمساعدة أمي في إعداد الفطور. وشيئا فشيئا، بدأ الجميع يستيقظ ويتجمّع حول المائدة في الصالون الكبير.ء
ء    كان الجميع يتحدث عن زواج أخي محمادي وتلك الخطوبة الجميلة التي مرّتْ في أجواء هادئة وحِبّية من التّفاهم والتّراضي المشترَك. يمدحون تلك العائلة الشريفة التي تزوج أخي محمّادي اِبنتهم زبيدة، وكنتُ لا أسمع عنها سوى العبارات الحميدة مثل: "جِذر صالح"، و "بنت الأصول"، و"اِمرأة شريفة"... وكانت جميلة وهادئة حسب أوصاف كل مَنْ رآها من الخُطّاب، صغيرا وكبيرا. خُطّاب وفْدنا الذين ذهبوا إلى "أزْغنْغان" طبعاً. واقترحت العائلة أن نحتفل بهذه المناسبة السعيدة على أفضل وجه. وأنهم سيستدعون المطربة الأمازيغية العالمية الفنانة ميمونت سلْوان لِتُتْحِفَ المدعوُون بِأغنيتها الشهيرة التي يحفظها الجميع عن ظهر قلب، أغنية: أكعْكع يازُبيدة"، وروائعها الأخرى. وفجأة، نظر إليّ أخي عبد الله قائلا:ء
ء    ـ ستكون عندنا مصاريف كثيرة على ما أرى. عبد الرحمان، هل سحبْتَ منحتك من الرباط لهذا الفصل؟ء
ء    ـ نعم. أجبتُه.ء
ء  ءـ آتي بالدراهم الآن لِأنني سأخرج لِأشتري بعض الأغراض  لِلمنزل، لم يبْقَ للعرس سوى بضعة أيام ، وسأشتري الصباغة أيضا. أنتَ من سيصبغ الدار وجميع الأبواب. هذه مهمّتك.ء
ء    فذهبتُ إلى غرفة نومي وأخذتُ الدراهم لِأخي:ء
ء    ـ هاك. ألف ومئتان وخمسون درهم. هذا كل ما عندي. ومنها أصرف خلال العطلة وأعود بها إلى الرباط. لا أريد أن يقع لي مشكل في السفر.ء
ء    لم يُجب أخي عبد الله الذي كانت الدراهم لا تزال في يده، فردّ لي 100 درهم قائلا:ء
ء    ـ اِحتفظ بهذه في جيبك، ستحتاجها عندما تخرج مع اصدقائك.ء
ء    وبِمُجرّد خروجه مع أخي الكبير محمد وخالي عبد السلام، بدأتُ حالا في تهْيئ أجواء العمل بِإزاحة الأثاث من الصالون الذي قرّرْتُ البداية به. وساعدتني إخوتتي في جمع السّدّاري وتصفيفها في البهو ريثما ننتهي من صباغته.ء
ء    في الواقع كنتُ سعيدا وأنا أُهيّئ نفسي للعمل من أجل إنجاح هذا الزواج الجميل. في ظرف خمسة أيام فقط، كانت الشقة الواسعة الجميلة مصبوغة كلها، بجميع غرف النوم الثلاث، والبهو الطويل، والصالون الكبير الذي زيّنْناه بورق الجدران فيها رسوم ورود خلاّبة اِشتريناه من مليلية، والمطبخ والحمام والمرحاض وجميع الأبواب. صارت شقتنا الجميلة جديدة. ولكن لا أنسى أنّ أختي الصغيرة ثمونت، ساعدتني بل عملتْ معي جنب إلى جنب، وقامت بنِصف العمل تقريبا. كانت تعرف أن تصبغ كما ينبغي بعد أن علّمْتُها ذالك. وكنتُ أشرح لها أنّ مثل هذه الأعمال الطفيفة يمكن أن تقوم بها هي نفسها أو أي امرأة في دارها عندما ستتزوّج. لِأن الزوج يعمل خارج الدار طول النهار، والبحث عن عامل لِيقوم بالمهمة سيكون مُكْلِفاً مادياً، فضلا عن مشاكل الثقة والسرقة إلخ... وقد حكتْ لي هي نفسها عن إحدى جاراتنا الذي أتى زوجها بعامل ليُرمِّم جدار الحمام الذي أصابته الرطوبة، فسرق ذالك العامل ذهب صاحبة الدار واختفى..!ء




أختي الصغرى ثميمونت



ء    تناهت إلى آذاننا أصوات مؤذن صلاة المغرب من مسجد الحاج مصطفى بقربنا. كان صوته المبحوح يصلنا من نوافذ الشرق، ليخرج من نوافذ جهة الغرب، بسبب وجود واجهتين طويلتين لِشقتنا. ثمّ أنّ واحد من الأبواق الكبيرة كان موجَّها مباشرة نحو دارنا. اِجتمع أهل الدار حول مائدة الشاي في غرفة أمي كالعادة. اِنتهى آذان المغرب فقال أخي عبد الله وهو يسأل الحاضرين:ء
ء    ـ هل فكرتم في لائحة العائلات التي سنستدعيها لحضور الزفاف؟ لم يبق للعرس سوى أسبوع.ء
ء    فقالت أختي الكبيرة يمينة:ء
ء    ـ في الواقع حان الوقت لِاستدعاء الضيوف.ء
ء    أخرجَ أخي عبد الله ورقة من جيبه وقال:ء
ء    ـ هذه لائحة مؤقتة كتبتها في المقهى. هذه بعض أسماء الضيوف: عائلة القضاوي، عائلة شوقي وبن طاهر، عائلة طوعْلي في بويافار، وهذه المهمة ستتكلّف بها أختنا يامْنة، عائلة بوديح في أعرْوي، عائلة عْمَر بوطيب وبن دمْران، الدكتور مصطفى، عائلة العمراني والمجاهد في سمّار وبوحوّا... ء
ء    فقاطعتْهُ أمي:ء
ء    ـ لا تنْسَ خالتي يمينة مُّوح قدور، ولا عمّتكم فاظْمة زوجة البودالي في "إبوطيْباً"، وكذالك عائلة الجارودي. كلهم في بني سيدال يا ابني.ء



أختي تْلايتْماس العزيزة. كانت سفيرة العائلة في صِلة الرّحم، ونقل أخبارنا لكل مَنْ تزوره من أفراد عائلتنا


ء    فأظافت أختي الكبيرة:ء
ء    ـ خالتي عيشتة وشريكتها زوجة تاوْتاوْ في "ياث شيشار"، و"سْفِيَة" زوجة خالي العربي في بوحوّا. وأختنا الصقلي بتولة زوجة الأستاذ اسّي محمد إكرّومن. أختنا مامّة في مليلية وابنتها حبيبة. أختنا حبْصة في "إشَمْرارن"...ء
ء    فتدخل خالي عبد السلام:ء
ء   ـ سيكون عدد الحاضرين كبير. على الأقل عشْر موائد كبيرة أو أكثر.ء
ء    فقال له أخي محمد مازحاً:ء
     ـ أنتَ وحدك خالي تحتاج إلى مائدتين مع عائلتك! أنتَ عندك "كيبّو"، أي فِرْقة!ء
ء    وبدأ الجميع يضحك، فقالت أختي الصغيرة:ء
ء    ـ خالي، عندما تذهب في الليل لِتنام، كيف تعرف أنّ جميع الأولاد في الدار، هل تستعمل سِجِلّ الحظور والغياب؟ء
ء    فضحك الجميع. فأجابها خالي وهو يضحك أيضاً:ء
ء    ـ قبل أن أذهب للنوم، أمُرّ على الغرفة الكبيرة التي ينامون فيها جميعا، وأحسب حتى 10. فأنام.ء
ء    فينفجر الجميع في الضحك من جديد. كانت هذه العصابة المرحة والتي لا يبدوا أنها راشدة في مثل هذه المناسبات من اللقاءات الحِبّية العابرة، كلّما التقوا، إلاّ ويبدأون في الضحك والمزاح كالأطفال. ثم عاد الجميع إلى موضوع لوائح الضيوف ومسألة العرس، فقال أخي محمّادي العريس:ء
ء    ـ تحدّثنا أنا وعبد الله مع جارنا. إنسان طيّب ومحترم، وقال أننا يمكن استعمال سطح منزله لِلظيوف، وأنه سيقرضنا السدّاري لنفرشها في السطح للرجال. أما النساء فيكفي الصالون في نظري.ء
ء    وحينها باغتتْه أختي الصغرى قائلة:ء
ء    ـ هل رأيتَ أخي؟ أنا كنتُ أوصيك بالزواج بابنته صديقتي فريدة. جيراننا أشخاص متحضّرون.ء
ء    فطمأنها أخي العريس قائلا:ء
ء    ـ هذه المرة فات الأوان. لكن المرة المقبلة سأعمل بنصيحتك أختي العزيزة ثمونت.ء
ء    قام عبد الله وأعطاني ورقة وهو يقول:ء
ء    ـ هذه اللاّئحة أنتَ تتكفّل بها.ء
ء    تناولتُ اللّائحة وقرأتها فقلتُ له:ء
ء    ـ نسيتَ عائلة السعودي. سأُضيفها. مليكة وفاطمة صديقتان لحورية وثمونت، ودائما يأتيان عندنا.ء
ء    في الغد، وكان يوم الثلاثاء 22 من شهر غشت. أخذتُ اللائحة وبدأتُ أدور على الأحياء والحارات وأدقّ على الأبواب أوزّع دعوات حضور الزفاف السعيد. وقد فاجأني صديقي وابن خالتي عائشة بمجيئه إلينا مرافقاً أمه من "ياث شيشار". وقال لي أنه ترك دراجته النارية هونْدا الحمراء الفاخرة في أحد الكاراجات، وأنه سيذهب لِيأتي بها حالاً لِتساعدني في الجري واستدعاء الضيوف. ففرحتُ كثيرا لِأستعملها  في مشواري الطويل لِدعوة المعروضين في كل بِقاع الناظور، ولا سيّما عندما سأمسحها وأذهب بها إلى دار مليكة السعودي لِدعوتها لِحظور الزفاف الرائع، فتكون فرصة لِأراها وأتحدّث معها. ولوْ أنّها خانتْني، إلاّ أنني لم ولن أنساها..!ي

ء

أمي خلال العرس



ء    كان يوم  العرس مشمساً، ومع حلول المساء، بدأ الجوّ يبرد شيئاً فشيئا. وبدأ المعروضونَ يتوافدونَ تِباعا. كنتُ اقفُ بالباب استقبل الوافدين من الضيوف. أفراد عائلتنا، أصدقاء أخي محمّادي العريس، اصدقاء أخي عبد الله من معلمين ومدير المدرسة وصديقه نقيب المحامين وغيرهم وبعض الجيران. كان الرجال يصعدون إلى  سطح جارنا الكريم، والنساء في صالون شقتنا في الطابق الأول. كانت العمارة التي نسكن فيها آنذاك، من أول وأكبر العمارات التي بدأتْ تظهر في مدينة الناظور في بداية السبعينات. ولاسيّما أنّها محاذية لِلسوق المركزي الكبير. وكانت عالية تتكون من 5 طوابق. ولِصعوبة الصعود والهبوط المتعب في الدرج إلى السطح االذي كان واسعاً، فضّلنا تخصيصه فقط لِلطبخ، أمّا الرجال، فقد وضعناهم فوق سطح دار جارنا أكرمه الله.ء





م    مَرّ العرس على أحسن ما يرام. وقد شاركتُ جموع الشباب الأصدقاء والعائلة عندما كانوا يدورون جماعة في الليل بِالعريس المُلتحف بالجلباب قُرْبَ دارنا في الساحة المقابلة لِكراج الحاج مصطفى رحمه الله، وهم يرددون خلْفه هذا الدعاء الذي هو إحدى مظاهر طقوس المرورالجماعية، لِاعتراف المجتمع بالحدث لِيتقبّله الناس:ء
  
سبحان الخالق سبحان الرازق
 سبحان الباقي مدى الخلائق
كلام الله حقا محقق وما محمد الا مصدق
كلام الله حقا تحقيقا وما محمد الا تصديقا
كلام الله حقا علينا وما محمد الا نبينا
كلام الله حقا مرفع وما محمد الا مشفع
هدى ورحمة للناس نعمة فضل وحكمة مولاي محمد
الحمد لله والشكر لله والأمر لله مولاي محمد
أنت الرفيع أنت الرحيم أنت الغفور مولاي محمد
ارحمنا يا الله وارحم شبابي شبابي يفنى تحت التراب
ارحمنا يا الله وارحم والدينا هما ربونا وارضوا علينا
امسا لخير عليكم يا اموالين الدار الله إيزيدكم بخير أكتر
الله يرحمكم ويجود عليكم وما طعيمتم مخلوف عليكم
تبقاوعلى خير يا اموالين الدار الله إيزيدكم بخير أكتر
سبحان الرازق سبحان الخالق سبحان الباقي مدى الخلائق

ء   وبعد ذالك صدحت أنغام "إزْران نرّيف" على سطح دار جارنا، وصوت مطربة الريف الفنانة ميمونت سلوان، وهي تغني أغنيتها المشهورة عالميا:ا
ء
    ـ أَكَعْكَعْ يا زبيدة أَكعكع يا زْمَرْ إنو...ء
ء    ولكن ما لم أفهمه، لماذا وُضِعت النساء في صالون الدار مع كل هذه الحرارة الخانقة وبلا جوق، في حين أن الرجال خُصِّصَ لهم سطح دار جارنا الواسع واالمفتوح على السماء والهواء الطّلْق مع جوق راقٍ للغناء الشعبي لِتعميق السعادة والبهجة ووو... أوَ لم يكن الأولى والأجْدر أن يجمعوا النساء والرجال معاً فوق سطح دار جارنا، ويفرقوا بين جهة النساء وجهة الرجال بِوضْعِ الجوق بينهما كحاجز جمالي وإيروسي! ويستمتع  الجميع بسماع ورؤية ملكة الغناء الريفي ميمونت سلوان!؟ أوَ ليست كل هذه الأحداث والأتعاب وإقامة الأعراس واستدعاء الضيوف من كل فج عميق في الواقع، إلاّ مظهراً من مظاهر الحرب المعلنة من زمان بين معسكر الأيروس المحرر الليبرالي التّوّاق إلى شذرات من اللذة والحرية، ومعسكر طاناطوس الظلامي الجاهلي، الذي يحارب اللذة والسعادة باسم الأديان التوحيدية الكبرى؟!ء
    ء    كنتُ أعطي تعليمات لِلطبّاخ ألاّ ينسى حارس كراج الحاج مصطفى جارنا، وأن يرسلوا له العشاء، حين 
سمعتُ نداء عبد الواحد ابن خالتي عائشة وهو يقترب مني ويمدّ لي سيجارة. كنا نستمتع برؤية أطفال الجيران يلعبون مع أبناء الضيوف ببراءة أمام باب دارنا. أنغام الموسيقى ما زالت صادحة فوق السطح. فقلتُ لِعبد الواحد أن يرافقني ونصعد إلى فوق لنرى المنظر عند الرجال. كان هناك الكثير من الضيوف. وقد اِنعزلتْ مجموعة منهم بعيدا لأنهم كانوا يتناولون بعض كؤوس الكحول وعلب الجُعة، ويناقشون مسائل ثقافية بكل هدوء. كانوا ثُلّة من مثقّفي مدينة الناظور آنذاك. وكان بينهم بعض أفراد العائلة وصهرنا عبد السلام البوديحي، والشامي وجمال كروم أصدقاء العريس. وبعد أن سلّمْنا على أفراد العائلة وبعض الضيوف، عدنا أنا وعبد الواحد ألى الباب لِنحرس الهوندا الحمراء الفاخرة، ولِنستمتع بهدوء الليل ونتحدث بيننا لِأننا لم نرى بعضنا منذ عام:ء
ء   ـ عبد الواحد، هل ما زلتَ تشتغل في المقهى الراقي في الشارع الرئيسي في مليلية؟ء
ء    ـ نعم، لا زلتُ اشتغل في ذالك المقهى. إسمه "بار أبينيذا".ا



ء

ء    ـ هل تتذكّر حين كنتُ أجلس مع أصدقائي في ذالك المقهى فنشرب ما نريد، وعندما كنت أعطيك ورقة نقدية من فئة 200 بسّيطة إسبانية لِتقطع ثمن المشروبات، كنتَ تأخذ النقود وتضعها في الكيس، ثم ترد لي نفس النقود مصرّفة وأحيانا أكثر. أشكرك كثيرا أخي عبد الواحد.ء
ء    ـ لِأنني اعرف ان الطلبة ليسوا أغنياء ولا أموال عندهم.ء
ء    ـ فِعْلاً فعلاً عبد الواحد. أنا هذه المرة أعطيتُ كل دراهم المنحة الفصلية لِعبد الله إسْهاماً مني في إنجاح عرس أخي محمّادي. سأعود بعد بضعة أيام إلى الرباط وليس في جيبي سوى 100 درهم التي ردّها لي من المنحة. أخاف أن يقع لي مشكل في الدراسة.ء
ء    عبد الرحمان، أنا سأذهب في الصباح إلى عملي في مليلية وربما سأعود وربما لن أعود. أمي تريد أن تقضي بعض الأيام مع عمّتي، أمّك في الناظور. ولهذا أرجو أن تتقبّل مني هذه كمساعدة لتشجعك على مواصلة دراستك.ء
ء    سَحَبَ من محفظة نقوده ورقتان نقديتان من فئة 200 درهم كل واحدة ومدّها لي مبتسماً.ء
ء    تردّدْتُ في قبولها، ولكنه ألحَّ عليَّ فقبلتها شاكراً:ء
ء    ـ لن أنسى لك هذا ما حييت. أنتَ صديق رائع عبد الواحد! شكرا.ء
   ء




 عبد الواحد إبن خالتي على اليسار مع أخيه


    ـ اِسمع عبد الرحمان، تحدّثتُ عنْكَ مع باطرون البار "خوسي"، لقد رأيتَه بنفسك وقدّمتُه لك سابقا. يريد أن ترسم صورته بالألوان الزيتية على القُماش، حجم متوسط، 40× 60. هل توافِق؟ هو يريد أن يُعلِّق لوحته في صالون المقهى، وقد يقوم لك بالدعاية وترسم الكثير من الشخصيات. "خوسي" يعرف شخصيات مهمة وغنية، والنصارى يحبّون الفن ويشجّعون الفنّانين. وقد يتوسّط لك لِإقامة معرض تشكيلي بمليلية، وقبل المعرض، هو مستعد لِعرض بعض لوحاتك في صالون المقهى ليعرفك الناس ويسمعوا إسمك، وهذا سيزيد من شُهْرتِك. هل توافق عبد الرحمان؟ء
ء    ومدّ لي صورة الباطْرون "خوسي". كانت الصورة واضحة وسهلة الرسم. وأنا بقي لي أسبوع لِلسفر. فقبلْتُ الصّفْقة وقلتُ له:ء
ء    ـ عبد الواحد أنا موافق. اليوم السبت، غدا آخر يوم للعرس، ويوم الإثنين سأبدأها، ويوم الثلاثاء ستكون الصورة جاهِزة ويمكن لك أخْذها.ء
ء    ـ سأُؤدّي لك الآن لتشتري ما يلزمك. كم سأعطيك؟ء
ء    ـ أوه عبد الواحد. يمكن أن تعطيني ما تشاء. أنْ أرْسم وأربح النقود خير من الذهاب إلى المقاهي وإضاعة الوقت الغالي في لاشيء!ء
ء    سحب عبد الواحد أوراق نقدية من فئة 200 درهم، ومدّها لي قائلا:ء
ء    ـ خُذ عبد الرحمان، هنا 1000 درهم. هل تكفي أم أزيد لك مصاريف الصباغة والقماش؟ء
ء    ـ يكفي 1000 درهم. لا تنسَ أنّكَ أعطيتني منذ قليل 400 درهم.ء
ء    فقال عبد الوحيد وهو يزيد لي ورقة أخرى زرقاء من فئة 200 درهم:ء
ء    ـ أزيدُ لك هذه لِشراء القماش وبعض أنابيب الصباغة، أعرف أن هذه المواد غالية. أمّا 400 درهم التي أعطيتها لك في البداية، فإنها كمساعدة مني. إنساها. ربّما يومٌ ما يكون وقتك فارغاً وترسم لي أنا أيضاً لوحة زيتية لِأني أنا ايضا أحب الفن، وسأُؤَدّي لك بسخاء. أنا أفتخر بك عبد الرحمان.ء
ء    فقلتُ له أُفاجِئه، وأنا فرح ومُسْتبْشِرٌ بفكرة جديدة ومضتْ في عقلي:ء
ء    ـ أعطني صورتك المفضّلَة، وسأرسمها في نفس الوقت لتكون اللوحتان جاهزتان معاً يوم الخميس.ء
ء    ـ هذه الفكرة رائعة. سأعطيها لك الآن. إنما بالنسبة للدراهم، فسآتي بها يوم الخميس.ء
ء    ـ لا عبد الوحيد، أعطني ما تشاء يوم الخميس بِ"البسّيطة" الإسبانية. لِأني سأعود معك إلى مليلية لِأشتري قيثارة لي. تسجّلْتُ هذا العام كتلميذ في "المعهد الوطني للموسيقى والرقص" بالرباط لِأتعلم الموسيقى. ولكني كنتُ أحضر الدروس النظرية فقط، أي الصّولفيج والإملاء المويسيقي، وتاريخ الموسيقى وقراءة النوطات والمفاتيح الموسيقية، ولكني كنتُ محروماً من الدروس التطبيقية لِأنني لم أكن أملك آلة الموسيقى. أي القيثارة. أنا أحب الموسيقى منذ صغري. أريدُ استغلال سنوات الدراسة الجامعية بالرباط لِتعلّم الموسيقى قراءة وكتابة. هذه المعاهد لا توجد عندنا في منطقة الريف.ء
     ء    ـ إذن نعمل هكذا: بدل أن آتي وأعود إلى مليلية، لماذا لا تأتي انتَ باللوحتين ونلتقي في "بار أبينيذا" لِتتناول فطورك، وبعد ذالك سأذهب معك لِشراء القيثارة عند "ألْخِمين"، متفقين عبد الرحمان؟.ء
ء    ـ متفق عبد الواحد. الخير فيما اِخترتَه. رائع!ء
ء    شكرتُهُ على أسلوبه الحضاري الراقي في التّعامُل معي وأخْذِه ظروفي الصّعبة كيتيم وطالب مُحِبّ لِلفن بعين الاِعتبار. وأعجبني الحال عندما اختار دكان "ألْخِمين" لشراء قيثارتي، لِأنه أرفع مكان لبيع الآلات الموسيقىة الرفيعة في مليلية كلها. مَدّ لي سيجارة أخرى. مرّ ابن خالي عبد السلام مع أحفاد آخرين يحملون صواني الشاي والحلويات لِلضيوف الرجال فوق سطح جارنا. فاعترضتُ طريق أحدهم وأخذتُ كأسان من الشاي وبعض الحلويات لنا. كنتُ أدخّن سيجارتي وأنا أفكر في حظّ هذه الليلة المبروكة والكثيرة السعادة، بسبب هذا الزواج الميمون بِأختنا الجديدة زبيدة...ء
ء    في الواقع كنتُ قلقاً جدّاً بسبب عودتي إلى الرباط بدون نقود.لا أحد يرحمك في الرباط إذا كان جيبك فارغا. لكن الحمد والشكر لِعبد الواحد إبن خالتي عائشة الذي حلّ لي هذا المشكل المُؤْرِق والعويص. م
ء    منذ قليل، تبخّرتْ أصداء آذان العشاء في السماء، ومضى وقت طويل والموسيقى الأمازيغية تصدح فوق سطح جارنا احتفالاً بعرس أخينا العزيز. ونحن نتحدّث عن ذكريات الماضي ومشاريع المستقبل. قال لي أنه سيتزوج بِنْت كومنْدار في أزْغنْعان، وأنهما سيعيشان في كندا بعد الزواج. وأن أباه خالي "تاوْتاوْ" مات رحمه الله منذ عامين. وأخوته عبد الوهاب وأحمد ذهبا إلى المانيا. أمّا عبد المالك، فقد فتح متجرا لِلتّوابِل والعطْريات في الناظور، وأنه تزوج واستقرّ هناك، وأنّ زوجة أبيه الثانية بقيتْ في دار أبيه بِ"ياث شيشار" لِتربي أولادها الصغار، وأن ووو...ء
ء    طوّحتْ بي الذكريات فجأة بعيدا في الزمان والمكان. إنها ذِكريات الصِّبا التي تفرض نفسها أحياناً بفضل تداعي الأفكار وترابطها النفسي، ولِما لها من أهمّية في حياة الفرد السيكولوجية، ولا سيّما أن هذه الذكريات نُقِشَتْ في الذاكرة عندما كانت صفحة بيضاء وعذراء، ولهذا تُداهمنا على شكل أمواج أحيانا حين تتسنّى لها فرصة الهروب من اللاوعي العميق...ء
ء    فكّرتُ حين كُنّا نأتي أنا وأمي وأبي من بلدتنا "يات سيذار"، إلى دار خالتي عائشة المجاهد في "ياث شيشار". وكنتُ أخرج مع أولاد خالتي لنلعب في الحيّ الواسع الذي كانت فيه مزْبلة  نصرانية كبيرة، ما زالت رائحتها أشمها لحد الآن، والتي يذكّرني بها رائحة السّماد أينما وجدتُه. كنّا نبحث فيها عن دُمى وألعاب بلاستيكية جميلة، ولا سيّما دمية الكاوْبويْ الأزرق أو الهندي الأحمر، والذي سبّبَ لي العديد من المخاصمات والصراعات مع أخي عبد الله الذي كان يسرقه لي ويُخْفيه، أو يبدّله مع أحد اصدقائه مقابل لعبة أخرى..!ء
ء    كما حطّتْ بي أجنحة الذكريات في دارنا ببني سيدال، حين كانت خالتي عائشة تأتي عندنا مع زوجها خالي "تاوتاو" وابنها الصغير مُنْعِم، يحملون لنا الرّمّان الكبير الأحمر، السّفْلي، وكانت من أحسن اللحظات عندما ينتهي الضيوف من الغذاء، ونجلس جميعا حول المائدة نُقشّر ذالك الرّمّان الأحمر الحلو والقاني، ونأكله بنهم واشتهاء وسط طبيعة بلدتنا الخلاّبة، والدجاج ينقب الأرض حولنا، والكلبان "عسّاس" و"ويذا" قابعان بعيدا عنّا احتراماً، وهما يحرساننا ودارنا، والقطة نائمة بعمق تحت المائدة، ولن تستيقظ حتى تشم رائحة الطعام في العشاء...ء





ء    لكم هي الحياة عجيبة وعبثية، وتمرّ بِأسرع وقت ونحن لا ندري إلى أين ستُطوّحُ الحياة بكل واحد منّا وفي أيِّ اتِّجاه! نمرّ فيها كشريط متقطّع من السحاب الصيفي، ولا نلبث قليلا حتى نتلاشى بِتلاشي السحاب، فنصير ضبابا ثم لا شيء... ما نحن سوى أصداء عابرة في هذه السيمفونية الهائلة من الموسيقى الحزينة. شذرات من نوطات المالنخوليا الكئيبة. بفضل الكارما، كل شيء سيضيع أو لا يضيع في هذا الكون العجيب..!  ء
ء    وفجأة، لمحْنا صهري بوديح عبد السلام يهبط من سطح الضيوف ويتّجه نحونا. طلب مِنّا سيجارة، فأسْرعْتُ أقدِّم له سيجارة  من علبتي نوع "دون هيلْ".ء





   ء  كان هذا النوع من السجائر الأمريكية الفاخرة، أوّل نوع بدأتُ أدخِّنُه منذ عامين عندما كنتُ أدرس في ثانوية يعقوب المنصور قرب حسّان بالرباط. وكانت صديقتي نجية الهيفاء هي التي أعطتني أول سيجارة من علبتها "دون هيل" الحمراء ذات يوم كنا فيه وحدنا في فيلاّ سلا.ء
ء    ـ أنتم الطبقة الأرِسْتُقْراطية تدخّنون السجائر الفاخرة، ليس مثلنا نحن أولاد الفقراء الذين يدخّنون "كازا سْبور" أو "أولمبيك" المغربية، ونشتري بِ"الدِّيتاي" حاشاكم!ء
ء    قالها صهري متهكِّماً، وهو ينزع مني العُلْبة ويتفحّصُها بِدهشة. ثم أرْدَف:ء
ء    ـ نحن لا نرى هذا النوع من العُلب الفاخرة سِوى في مُلْصقات الدّعاية أو المجلاّت البورجوازية وحفلات المساء الراقية والتلفزة. أنتم محظوظون وتهربون مِنّا لكيلا نطلب منكم سيجارة.ء
ء   أشْعَلَ سيجارته وذهب ليدخل إلى دارنا. لم أعْطِ المسألة أهمّية. ظننتُ أنه يريد التحدّث ربما مع زوجته أختي. واستمرّيْنا أنا وعبد الواحد في الدردشة. مرّ وقت سمعنا إثْرِه هرجاً ومرجا في صالون النساء! ورأيتُ محمد إبن خالي عبد السلام يخرج من باب عمارتنا ويجري نحو سطح الجار لِيستدعي أباه الذي جاء مُسرعاً مع أخي الكبير محمد. حدث شيء ما. الضّوْضاء في صالون النساء. ماذا حدث ولم يكن معلوما؟ ء
ء    قلتُ لعبد الواحد أنني سأصعد إلى شقتنا لِأرى ماذا يقع! وعندما وصلتُ، وجدتُ فوضى في الصالون واستغراب النساء والضيوف سلوك صهرنا عبد السلام الذي دخل وسط النساء والعائلات، وبدأ يصرخ شاتِماً أخي محمادي العريس الذي نصحه بِالسترة وقليل من العفة، وقال له:ء
ء    ـ "وإذا ابتُليتُم فاستتروا".ء
ء    ولم يقبل صهرنا العزيز ملاحظة أخي العريس الحكيمة، فنزل من السطح سكْران غضْبان، والسيجارة بين أصابعه، ليحْشر نفسه في الصالون وسط النساء وهو يصرخ. إقترب منه خالي عبد السلام محاولا تهدئته وإخراجه من الصالون. ولكنه رفض الخروج وبقي ثابتاً كعمود الكهرباء وسط النساء. وبعد ذالك حاول معه أخي الكبير محمد، بدون جدوى. وصرخ صهرنا العزيز في وجه أخي محمد:ء
ء    ـ أنتم أولاد الحاج الهادي "اَتَّشْمَمْ ثْبَرْذَ اتَّجِّمْ أغْيور". (بمعنى أننا ننْغزُ البردعة بدل الحمار)! أخوك محمادي أغضبني لأنه طلب مني أن لا أشرب أمام الظيوف لأنهم مع أبنائهم وأن هذا عيب! العيب في مَن اِشترى الكحول. أنا لم أشتر شيئاَ.ء
ء    فقال له أخي محمد أنّ له الحق في كل ما يقول، وأنّ العيب في العريس محمادي، ورجاه أن يرافقه إلى الخارج لِيتحدّثوا بهدوء، ويستمر الحفل بسلام.ء
ء    حين ذاك تحرّك السيد عبد السلام الذي ظل حرِناً لمدة طويلة، وخرج مع أخي وخالي إلى الخارج وهما يُهدِّئانه.ء





خالي المجاهد عبد السلام، وأخي الكبير محمد



ء    عُدْتُ إلى عبد الواحد، فوجدتُ أنه أوْدَعَ الهونْدة الحمراء في كاراج الحاج مصطفى الذي يظل مفتوحا طوال الليل. سألني عمّا وقع، فحكيتُ له باختصار الحدث الطبيعي الذي جرى، وقلتُ له أنه يمكن أن ينام معي في غرفة نومي. فاعتذر لِأنه وعد أخاه عبد المالك بِأن يقضي الليل عنده.ء





الفنانة الريفية العالمية ميمونت سلوان خلال عرس أخي 



ء    اِستمرّ الجوق في الغناء طوال يوم الأحد. وفي الخامسة بعد الزوال، ذهبَ موْكِب من السيارات ليأتوا بالعروسة المباركة. وساعد أصدقاء أخي محمادي في توفير خمس سيارات إظافية لِتنظمّ إلى الموكب. وقد أمَرَ العريس بِنقل الجوق إلى الصالون لِتستمتع النساء بأغاني الفنانة ميمونت سلْوان العظيمة، في انتظار وصول العروسة. أما أنا، فقد فضّلتُ الإستلقاء على سريري في غرفة نومي. طبيعتي اتِّباع إيقاعي البيولوجي والنوم باكرا لِلنهوظ باكرا. بالنسبة لِليلة الأمس كانت اِستثنائية. لِأول مرة أذهب للنوم ما بعد الثانية صباحاً. لِذالك اضطرب نومي لِفوات وقت النوم الاعتيادي، فبقيت ساهرا أفكر حتر الفجر.ء
ء    قلتُ لِأمي سأرتاح قليلا، فدعتْ معي قائلة:ء
ء    ـ إذهب وارتح يا ابني. حفظك الله وزيّنَ عمرك.ء
  ء    بدأتُ أتقلّب في سريري، وأتأمل مكتبتي التي بدأتْ تكبر شيئا فشيئا. أغلبية الكتب فلسفية وسيكولوجية وانثروبولوجية، فضلا عن مراجع ودراسات في علم الاجتماع ومختلف كتب اللاهوت والأديان السماوية. بدأ سلطان النوم يداهمني شيئا فشيئا، وأنا أعدّ الكتب التي قرأتها: قصة الفلسفة لِويل ديورانت، المراحل المبكرة لعقدة أوديب، بين القصرين لنجيب محفوظ، اللامنتمي لكولن ولسون، الإنسان ذو البعد الواحد لِهربرت ماركوز...ء
ء    تناهت إلى آذاني من بعيد، منبهات السيارات وزغاريد الفرح، إنه موكبنا الزفافي الذي عاد من أزغنغان. أتمنى أن يكون أخي محمّادي سعيدا في هذا اليوم الذي ستكتمل فيه فرحته. بدأتُ أحسّ بِعُيوني ثقيلة الحركة، وتبدأ جفوني تنغلق شيئا فشيئا، أحاول الإسترخاء العميق حتى على مستوى الذّهن، لا استجابة للصوت أو الضوء مع الخارج، عندها يبدأ نشاط الدماغ، فتختلط أفكاري مع بعضها وتندمج فيما بينها، وترتفع في صعود تجريدي، إلى أن تستقرّ على مُقابلاتها في دهاليز اللاّوعي، فينطلق الإنسان في النوم العميق، في مغازلة مع غرائزه المكبوتة. أجزم بعد تجاربي العديدة على نفسي كل يوم وقبل كل نوم، أنّ بداية النوم العميق، يعني بداية انفلات محتوى اللاوعي من رقابة الشعور أثناء اليقظة وتعبيره عن نفسه. وبما أن الأمور هكذا وتتبع هذه القاعدة عند نفس الأحياء، فهذا يعني أن جميع البشر يحلمون. وبما أن وظيفة النوم هي إعادة شحن بطارية الدماغ، بمنحه فترات الراحة والنوم، فإن لكل التجمّعات البشرية مكبوتات في إطار ثقافتها التقليدية. وأن هذه المكبوتات تُنفِّس عن نفسها خلال الحلم بِأساليبها وتقنياتها المختلفة...ء 
ة




يتبع



Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.