الفقرة 57 ـ تداعيات الزمن الملعون ـ الحياة في بلجيكا
كنتُ وحيداً في البيت ببروكسل هذا الصباح الخميس، من أواخر سبتمبر 1981. زوجتي مليكة
ذهبتْ إلى سوق الخميس بِدائرة "مولمْبيك" لِشراء الخضر والفواكه، لِأنها
رخيصة في ذالك السوق الأسبوعي المكتضّ بالمغاربة. كانالجوّ باردا، والسماء داكنة. سطتْ عليها سحب
سوداء كثيفة. والأمطار لا تكفّ عن التّهاطل بغزارة. وكثير
من أسْطح المنازل والطرقات، ما زالت تُغطّيها الثلوج التي سقطتْ بالأمس وفي الأيام
الماضية. ذهبْتُ إلى غرفة النوم. تأمّلْتُ الصورة التي أطّرتْها مليكة في إطار
وردي، ونحن بملابس العرس، ووضعتْها بِعناية على طاولة بجانب السرير. كنتُ أحلم أن تكون زوجتي منذ عرفتُها، لكن الأقدار خانتْنا ومشتِ ضدّ حلمنا، بل كسّرتْه.
دخلتُ إلى غرفة نوم نادية. اِقتربّتُ من صورتها المعلّقة على الجدار فوق سريرها. وبدأتُ أتأمّلها بعمق: إنها تشبه أباها. ذالك الشاب الطويل النّحيف الساكن ببروكسل. كان خطيبها الرسمي. وقد تبعْتُه عندما خرج من دار والد مليكة في الناظور سنة 1979، مع الرابعة مساء، وذهب إلى استوديو المصور حسن السياحي وأنا أتبعه، وحقّقْتُ في وجهه كما ينبغي. نفس ملامح نادية، ونفس القامة الطويلة. ولكن علامة استفهام عريضة كانت تُزْعج ذِهني وتقلقُني: لماذا لا تحمل إسمه إذا كانت إبنته حقّاً!؟
دخلتُ إلى غرفة نوم نادية. اِقتربّتُ من صورتها المعلّقة على الجدار فوق سريرها. وبدأتُ أتأمّلها بعمق: إنها تشبه أباها. ذالك الشاب الطويل النّحيف الساكن ببروكسل. كان خطيبها الرسمي. وقد تبعْتُه عندما خرج من دار والد مليكة في الناظور سنة 1979، مع الرابعة مساء، وذهب إلى استوديو المصور حسن السياحي وأنا أتبعه، وحقّقْتُ في وجهه كما ينبغي. نفس ملامح نادية، ونفس القامة الطويلة. ولكن علامة استفهام عريضة كانت تُزْعج ذِهني وتقلقُني: لماذا لا تحمل إسمه إذا كانت إبنته حقّاً!؟
داخ رأسي
وأنا أكتشف هذه الألغاز، ففتحْتُ باب الشرفة، وبدأتُ أتأمّل الشارع
الهادئ. فكّرْتُ في أمي وأختي الصغيرة في الناظور، وبماذا وكيف تعيشان؟ وهل تُؤدّيانَ كراء شقتنا في عمارة وعْليت؟ عندما سأبدأ العمل هنا في بروكسل، سوف
أتكفّلُ أنا بكل مصاريف عيشكما وإيجار شقتنا التي أحبها كثيرا. هذا وعْدٌ مِنّي
أمي، وإن كان هذا سيُؤثّر جزئياً على دراستي التي هاجرتُ بلدي من أجلها...
فكّرتُ
في "روش روشتي" الغالية، وهل نجحتْ لِتصيرَ أستاذة كما كانت تحلم
دائما؟ وأين طوّحَتْها ظروفها المأساوية وأقدارها العوجاء؟ وبما أنني تزوّجْتُ
الآن ولن أراها ربّما أبداً، فأنا أتمنى لها من أعماق قلبي، زوجا مثقّفا يحبها
ويحترمها، ويكون لها سندا وفيّاً، فقد أرغمتْنا ظروفنا القاهرة على الفراق،
وأبعدتْنا عن بعضنا...
و وفكّرْتُ في ابنة عمّي سلوى السّيّئة الحظ، كيف تكسّرَ عرسها وتحوّل إلى جنازة سريالية! وكيف هاجرتْ إلى المانيا لتستكمل دراساتها العليا في علم النفس مثلي، حاملة معها مأساتها الدرامية، وجرحها العميق. وتلك المقرّرات السنوية التي كنتُ آتيها بها من جامعتنا في الرباط لِتدرسها، وكيف كنا نلتقي في فاس حيث تدرس علم النفس، ونركب نفس الحافلة للعودة إلى الناظور. وكيف كانت تقضي معنا أوقاتا مُمْتِعة في شقتنا الجميلة. ولا سيّما تلك الليلة العويصة البيضاء، التي قضتها معنا في الصالون وسط العائلة، حين كانت أختي الصّغرى ثمونت مصابة بِأزمة نفسية. فكانت تتفوّق كثير وتشهق بالبكاء بسبب ظروفنا المادية الصعبة آنذاك، بعد زواج أخينا عبد الله الذي تنكّرَ لنا ولم نعد نراه إلاّ نادرا جدا. وقد أمْضَتْ إبنة عمي معظم ذالك الليل وهي تُواسي أختي دون أن تكشف لها السبب الحقيقي لنوباتها النفسية... وكيف طوتْ صفحة ماضيها الأليمة، لِترتبط مع إيرانيّ لا
علاقة له ببلدها ولا بلغتها ولا بتاريخها. كانت ردّة فعل ضد ثقافتها التي أهلكتْها وسوّدتْ
حياتها وسمّمتْها، فهاجرتْ بدورها مجروحة مثلي.
تاه تفكيري في الزمن الضائع، حين فشل زواج أخي مُحمّادي مع زبيدة التي كنا نحبها. وارتبط بامرأة سويسرية متزوجة وهو الآن يعيش معها. لا بدّ أن أتّصل به لِيأتي ليراني وزوجتي مليكة التي كان يعرفها قبل هجرته إلى ألمانيا...
تاه تفكيري في الزمن الضائع، حين فشل زواج أخي مُحمّادي مع زبيدة التي كنا نحبها. وارتبط بامرأة سويسرية متزوجة وهو الآن يعيش معها. لا بدّ أن أتّصل به لِيأتي ليراني وزوجتي مليكة التي كان يعرفها قبل هجرته إلى ألمانيا...
وفكّرْتُ وفكّرْتُ... وأخيرا عُدْتُ من سفري الخيالي ونزلتُ برجلي
على أرض الواقع الصّلْبة. الواقع صلْب في الواقع! ماذا سأفعل غدا؟ هذا العام ستضيع منحتي. أنا ضحية فقري.
وإلا لكنتُ أقلْتُ الطائرة في ذالك اليوم، ولكُنتُ حللْتُ المشكل في الرباط وأعود
بمنحتي إلى بروكسل مرتاحا ومتفائلا. ولكني لا أملكُ الإمكانيات المالية لذالك. في
الواقع الفقر لا يُولِّد إلا الفقر، والعكس فيما يخص الغِنى. فكّرتُ أن أبوح
لزوجتي بِسرّي. ولكن ماذا ستفعل لي؟ أخي وشقيقي نفسه لم يُرِدْ مساعدتي رغم غنائه،
أما مليكة فأجرتها غير كافية لِتغطية هذا النوع من المصاريف الباهضة، ثمن تذكرة
الذهاب والأياب في الطائرة. سأزيدها همّي على همومها. الحلّ يكمن في العمل لِتعويض
الخسارة. ولهذا فكرتُ أن أذهب غدا صباحا إلى المركز الإسلامي لِأدرّس.
أيقظتني من تيهاني مليكة وهي تدخل جارّة حقيبة التّبضع الصغيرة ذات العجلتين. كانت مرهقة وتلهث من الألم عند
صعود الدرج وحتى هبوطه بسبب عظم اِصطناعي في وركها، والجراحات الترقيعية الصعبة
التي تعرّضتْ لها بعد حادثة سقوطها من الطابق الثالث، عندما كانت تعيش مع زوجها
السابق. ساعدتُها في جرّ الحقيبة إلى المطبخ
وإفراغها. فقالت:
ـ السوق
اليوم مليء بالبشر، ولا سيّما النساء. ولهذا يسمّونه سوق النساء! ينطبق الإسم على
المسمّى.
ـ وهل
هذا السوق الخميس هو الوحيد في بروكسل؟
ـ
ههههههه! طبعاً لا. بروكسل فيها 21 دائرة، وكل دائرة بسوقها الأسبوعي. المسؤولون
في هذه الدوائر يجنون أرباحا طائلة من هذه الأسواق التي ينظمونها، لِأن كل تاجر
يؤدي ثمن كراء المكان الذي يكتريه لِيبيع فيه بضائعه.
ـ مليكة،
الخميس المقبل عندما تذهبين إلى السوق سأرافقك. ممنوع عليك حمل الأثقال. الطبيب
نهاك عن ذالك.
ـ فعلا
عبد الرحمان. سيسرّني أن نذهب معا إلى السوق لِأحمل عليك مزيدا من أثقالي.
ـ هذا
واجبي ويسعدني القيام به.
ـ شكرا حبيبي
سوق مولمبيك ببروكسل
نظرتْ في وجهي تقرأ ملامحي وسألتني:
ـ ما بِك
عبد الرحمان؟ هل هناك مشكل يشغل بالك؟
لم أعرف
كيف أجيبها عن سؤالها المحرج. كنتُ فعلا مُكتئب ومهموم. وقد عرفتْ ذالك، بعدما ما
قرأتْه في ملامحي فتجرّأتُ وقلتُ لها
ـ مليكة،
هذه السنة لن أحصل على منحتي. وزارة التعليم العالي يطلبون مني وثيقة ليكتمل ملفي
ويرسلون لي المنحة. وهذا يقتضي منّي السفر إلى المغرب. مشكل لم أكن أتوقّعه مع
الأسف.
ـ ولكنك
ستدرس في الجامعة؟
ـ طبعا.
هذه الوثيقة تخصّ المنحة فقط.
ـ إذن
ليس هناك مشكل. حاليا نحن نعيش ولا يخصّنا شيئا. أجِّل الوثيقة إلى السنة المقبلة.
سنذهب في عطلة الصيف إلى الناظور، أم لا؟ ما رأيُك؟
ـ طبعا
سنذهب، أنا أيضا توحّشْتُ عائلتي. وما دام الأمر كذالك، فغدا سأذهب إلى المركز
الإسلامي لِأدرِّس.
ـ فكرة
حسنة.
يتبع




Ajouter un commentaire