الفقرة 60 ـ شُقّة الرصيف ـ الحياة في بلجيكا
ك كانت الحياة في شقة الرصيف بشارع
"ألِكس مارْسِت" ببروكسل رائعة وأكثر سعادة من سابِقتِها في الطابق
الثاني، الذي كان يُؤلِم مليكة صعود درجها. كما أن اتّساعها يجعلنا أكثر
تنظيما وحرية وراحة في استقبال الضيوف. وكانت تتكون من صالون متوسط فيه
نافذة تطل على الرصيف مباشرة، في أحد أركانه موقد خشبي كان يُعجبنا استعماله
لِرومانسيته. كما تتكون من غرفة النوم بموقد حجري. ثم يليها المطبخ، تليها
حديقة صغيرة مع ساحة وسطها مُبلّطة بالإسمنت العادي. بعدها نجد قاعة كبيرة جدا مثل
صالونات المغرب الواسعة بسبب كِبر العائلات والمناسبات والأفراح الكثيرة التي
تُقام فيها. وأعتقد أن هذه البِناية، كانت تُستعمَل رُبّما كورشة لمزاولة أعمالٍ
حرفية ما، لكونها كانت معزولة عن السكنى. وكان أوّل ما بادر إلى ذهني عند رؤيته أن
أستعمله كورشة للفن والإبداع الفني، وكذالك للمشاريع الدعائية التي أكتبها في
واجهات المحلاّت التجارية. وهو حلْم كان يسكنني من زمان مع مكتبتي التي طارت، أو
بالأحرى طيّرها الفقر. لِأنني بعتها لكي أُؤدّي بثمنها فاتورات الديون والكراء
المتراكمة علينا قبل أن آتي إلى بروكسل، لِأعيش مع أول حبي. ولكن مليكة فضّلَتْ أن
نستعمله كصالون مغربي، ونفرشه بالسّدّاري أو أرائك حديثة. وهكذا تبخّر حلماي، واحد
بسبب الفقر وهو المكتبة، والثاني بسبب الحب وهو الورشة أو المرسم. ولكن
هذا الحلْم الأخير سيبقى محفور في ذاكرتي كخلية نائمة سأحقّقه في المستقبل
بِلا ريب. وهذا ما وقع فعلا. أمّا حاليا، فسأكتفي بِتهيئ ركن في هذا
الصالون الواسع، أضع فيه مكتبي وكل المواد والأدوات التي أحتاجها في عملية الإبداع
والصباغة، وكذالك موقدا حديديا للفحم الحجري لمقاومة البرد القارس.
أمْضيْنا أسبوعا تقريبا ونحن نُرحّل أثاثنا من الطابق الثاني إلى
الطابق السُّفْلي. وفيما يخصّ التّرميمات التي
كان مالك العمارة ينْوي القيام بها في هذه الشقة الواسعة قبل
كرائها، فقد اِتّفقْتُ معه أن أقوم أنا بهذه الإصلاحات بشرط أن يتركها لنا بثمن
أقلّ من شقة الطابق الثاني. وكان هذا بالنسبة لنا رِبْحا كبيرا على المدى البعيد.
هكذا استقرّيْنا في شقتنا الجديدة. وبدأنا نُنظّمها شيئا فشيئا.
فصبغناها حتى صارت جذّابة. وقد زارني السيد كِسْتنْس بعد أسبوع. ووجدني مُنْهمِكٌ
في صناعة زخرفات بالجبس على جدران الصالون كما في المغرب ليكون جميلا.
فاسْتحْسنَ فكرتي وشجّعني علي عملي مُقترح عليّ أن يصحبني إلى المتجر
العملاق "جيبي" في "دائرة أودرْكم" بسيارته
الصغيرة، لِشراء ونقْل بعض أكياس الجبس الثقيلة لِإنهاء ديكور الصالون.
وقال أن أحد أبناء بلدي من مدينة "بركان" قد اِكترى الشقة التي رحلنا منها،
وأنه متزوج وسيسكن قريبا. فانتظرتُ حتى ذهب، فصعدْتُ إلى الشقة العلوية لِأنهي ترحيل ما
بقي من أشياء خفيفة كالصور المُعلّقة التي لا تستطيع زوجتي الصعود على الكرسي
لِإزالتها. ثم ذهبتُ إلى الشرفة لِأودّعها وأتأمّل المدينة الهادئة في ذالك المساء
الغائم والمُمْطِر.ر
ء كانت الأمطار تسقط بغزارة، والسماء مُلبّدة بالغيوم الداكنة. ومن حين لِآخر تتوهّج في السماء صواعق مخيفة. بدأت الأضواء تشعل في المنازل والبيوت شيئاً فشيئا. كم من منزل في الأفق أمامي. أعداد لا تُحْصى. في كل مسكن عائلة، وفي كل بيت أشخاص كبار وفتية، ومعهم أحيانا بعض الحيوانات الأليفة. من عادتهم حب القط والكلاب والعصافير الجميلة، والتي لا يكاد يخلو منها حيّ أو عمارة. في كل بيت حكاية، ووراء كل شخص قصة، قد تكون قصة سعيدة، وقد تكون حزينة. ليس هناك من لا يجرّ وراءه ماضيه الذي هو جزء من حياته التي تكون أحيانا نتِنة، وأحيانا عطِرة. وقد يكون هذا الماضي مؤلم و معقّد وعليل، وقد يكون سعيد وسويٌّ ونبيل. الكل حصيلة تعقيدات الظروف وطريقة تحليلها والتعامل معها. الوجود صراع دائم من أجل التّكيّف مع عراقيل الحياة وإشكالياتها التي ليست ضرورية ولا مُقدّرة. بل يصطنعها بعض البشر المُعقّدون ولا
يستطيعون العيش بدونها. ولذلك فهي تقدّم نفسها كمصير محتوم ،أو شرّ لابدّ منه، وعلينا وعلى كل العائلات التي تسقط وسطها هذه الطامّة الكبرى، تحمُّلُ مُخطّطاتها الشيطانية وأساليبها القذرة اللانهائية. هكذا بزغتْ زوجة أخي في حياة عائلتنا بِشرورها وظُلْمها وحقدها الأسود، فابتلعتْ أخونا، وتركنا نستمِرّ في الإبحار هائمين في محيط هذا الوجود العبثي وحْدنا، نُواسي أمّنا الحزينة التي تبكي كل يوم، وتتحسّر على إبنها الموظف الغني الذي نبذَها، بعد أن حرمتْنا زوجته حتى من زيارته ورؤيته، لِيعيش معها بدون أية سعادة، إنه الخبز الحافي يا سادة، في بلاد مسلمة يؤمن أهلها بالبرّ بالوالدين وطاعتهما، ولا يقولون لهما "أُفٍّ لكما ولا ينهرونهما"..!ء
la vieillesse est un naufrage
الشيخوخة غرق سفينة
ء عدْتُ بنظري من الأفق البعيد الضبابي، وبدأتُ أتأمّل العجوز "مدام كارْمِن" جارتنا. كان مالك دارنا السيد "كِسْتنْس" يعرفها جيدا. وكان يحدّثني عنها أحيانا. إنها تسكن وحدها في الطابق الأول من الدار التي تواجهنا. دائما تجلس على نفس المقعد المتحرّك وراء النافذة كملاك لطيف، لِتتأمّل الغادين والرائحين في شارعنا الصغير، يمشون على أرجلهم السليمة، تقضي شيخوختها التي تعتبرها "حطام سفينة"، في الحداد على الماضي الجميل، وتنتظر الموت القريب. سكنَتْ هنا قبلنا بِسنين مع أولادها وزوجها الجندي الذي مات قبل الحرب العالمية الثانية، وتركها تعيش مع أبنائها. ولما كبروا، طاروا من العش، وبقيت تعيش دائما مُنعزلة مع نفسها، محكوم عليها بالوحدة واليأس. وترى نفسها مهجورة في الحياة. بعض أيام الأحد، كنتُ أذهب إلى الشرفة كفترة استراحة قصيرة من عناء الرسم والدراسة، فأرى معها ابنتها التي تأتي لزيارتها. وأحيانا أخرى يأتي عندها ابنها بسيارته وكلبه العزيز المُدلّل. وأحيانا يأتيان معاً في الصباح، ويساعدانها في القيام ببعض الأمور التي لا تستطيع القيام بها لِشيخوختها، ويجلسان يشربان نخب اللقاء، ويتحدّثان دون أن أسمعهما. كنتُ لا أرى من خلال النافذة المغلقة سوى حركاتهما. ثم يودّعانها ويذهبان إلى حال سبيلهما. كأنهما جاءا لِزيارة جارة قديمة لهما..! أتمنى ألاّ يكون مصير أمّهاتنا هكذا كما بدأ يقع لِأمّي بسبب سفور الأنانية. كما لا أتمنى أن يتغلغل هذا الوباء في بلادي، فتكون العشيقات والكلاب أعزّ من الأمّهات والوالدين..!ء
يتبع





Ajouter un commentaire