الفقرة 61 - التناقض العاطفي والصراع النفسي - الحياة في بلجيكا
التناقض العاطفي والصراع النفسي
عندما يتعايش الحب والكراهية فينا
quand l’amour et la haine coexistent en nous(الحب الحقيقي لا يولد جاهزا، بل يُبنى على أسس من الاحترام والثقة والتّعوّد)
مضت الأيام
والأسابيع، وأنا أتنقّل بين الجامعة الحرة، والأكاديمية الملكية للفنون الجميلة،
والمركز الإسلامي حيث أُدرّس اللغة العربية لِأبناء الجالية العربية من جهة،
وكذالك لِغير الناطقين بها من رجال الأعمال البلجيكيين والأروبيين، الذين يشتغلون
في الدول العربية في الخليج من جهة أخرى. وما يبقى من الوقت، أقضيه في البيت
مُعتكفاً على التحصيل، أدرس مقرر الجامعة في علم النفس التربوي والفلسفة وتاريخ
الفن، وأرسم البورتريهات لبعض الشخصيات والجيران والمعارف، وكذالك اللوحات الفنية
لِأبيعها. كل ما كنتُ أرسمه من مناظر طبيعية كنتُ أبيعه، وأحيانا تحجز زوجتي بعضها
وتؤطّرها لِتعلّقها وتزخرف بها شقتنا الجديدة. كنت أحسّ بالسعادة أن أظيف دائما
أشياء جديدة لِعشّنا، لأعيش فيه مع حبيبتي الأولى التي عادْت أخيرا لتعيش في
أحضاني. مُفتخرة أن تتزوج من عائلة معروفة ومحترمة، ومن طالب مثقّف جادّ. ولاسيّما
أنني لم أقبل الزواج بها طمعاً في شقّتها وراتبها الزهيد. بل إخلاصا لِوعدي
بالزواج بها الذي وفيْتُ به كما فعلْتُ سابقا. أمّا وعْدها بالزواج بي، فقد ضربتْ
به عرض الحائط، وتهافتتْ على الزواج بشاب غريب طمعا في الخارج، وتركتني طريح
الفراش ألملم جراحاتي، إلى أن هاجرتُ بدوري أتبعها. وها نحن الآن معاً، ولكننا نعيش كلانا مرارة الماضي الأليم، بعد أن طعنتْني طبعا في الصميم.
وقد كانت هذه عقدتي النفسية الرئيسية معها، لِدرجة أنني كنتُ أُسائِل نفسي أحيانا: هل
تزوجتُ بها لِأني حقّا أحبها، أمْ فقط إشْفاقا عليها وتعويضا
لِخسارتها مع زوجها السابق الذي آثرتْه عليّ، فطعنها في القلب ودمّرها
وأحلامها، كما دُمِّرتُ أنا، فوجدتُ نفسي أعيش مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، ازدواجية
عاطفية مصدر قلق دائم بالنسبة لي!؟ وهذا التناقض العاطفي وصراع مشاعري،
يولِّد عدم الراحة ومشقة كبيرة لي. لأنه إذا كان هناك
شيء واحد لا يحبه العقل البشري، فهو التناقض والصراع الوجداني. التناقض
العاطفي هو نوع من العاطفة المعقدة والمركّبة: التناقض والتوتر والتّمزّق يعيشون
فيه. إنه جحيم المُحِبّين. هذا هو الحال عندما نحب شخصا ونكرهه في نفس الآن. لدينا
الكثير من المودة لها، إلى جانب مرارة معينة. نحن نحبها ، لكننا نشعر أن هذه
العلاقة تؤلمنا... وهذه هي الحال عندما يتعايش الحب والكراهية فينا. ذالك
هو التناقض العاطفي المرير..!
مرّتْ سنوات على حبنا الأول الطائش أو الحكيم، لسْتُ أدري. ولكن، مهْما سنفعل من
مجهودات لِترميم ما وقع من مآسي وخيانة العهد، ومهْما كانت حُسْن النية لِجبْر الواقع المُثْخن،
يبقى أننا خلال فترة زواجك التي لم تدم مع الأسف طويلا، قد تغيّرتْ الكثير من
الأمور الأساسية في علاقتنا: أنتِ خرجْتِ مهزومة معنويا، ومُحطّمة نفسيا، ومُضعضعة
الصحة جسديا، وبدون بكارة. وهذه الأخيرة لا تهمُّني كثيرا. أمّا أنا، فقد حصّنْتُ
نفسي من الصدمات العاطفية وتشنّجاتها، وتغيّر فكْري جذريا وكذالك فلسفتي في الحياة، وتعمّقَ
ذهني سيكولوجيا. وعُدْتُ لا أؤمِنُ بالحب بتاتا. ومع ذالك سأبقى بجانبك
لِنعيش معا وسويا، لِأني سبق لي أن أحببتُكِ بكل صِدْق وإخلاص، ومع أن الحب ربما
تبخّر اليوم، لكن يبقي الاِحترام...
هل ما زلتُ أحب حبيبتي كما كنتُ، أم لا؟ لا جواب عندي لهذا السؤال. أو
بالأحرى أنني أعرفُ الجواب، ولكني أفضّل أن يُدْفَن معي. لا أريد البوح به
لِأحد. خصوصا لِكوني فكرياً، لا أؤمن بوجود الحب أصلا، كأساس لِلنجاح
والسعادة عند الأزواج. وقد درستُ الكثير
حول هذا الموضوع الإشكالية.
وكتبتُ مقالات عدّة
عنه منها: "فلسفة الحب"، و"سيكولوجىة الحب"،
و"صراع الحب"، و"الطلاق، بوووم"، أطرحُ فيها
آرائي ومواقفي في اعتبار الاحترام والثقة المتبادلة
أساس الحب، وشرط نجاح كل العلاقات العامة بين الناس، بما فيها الصداقة والحب نفسه، لِأن الحب
الزوجي وحده، أو العلاقة الغرامية التي تحدث
نتيجة
"النظرة الأولى"، لا يضمن بقاءعلاقة الحب صافية إلى الأبد كما
بدأتْ، لكن الإحترام يستطيع أن يحافظ على بقاء العلاقة أطول وقت
ممكن، وإستمرارها حتى في ظل عدم وجود الحب. فالاحترام ممكن بدون حب، وربما
يستمر إلى الأبد. فتنمو نوع من الصداقة العميقة التي يتعوّد عليها الشخص
ويحسّ فيها بالراحة والأمن والسعادة، تؤدي إلى التفاهم والتزاوج والإستنسال. أي
تكوين عائلة كخلية في بنية كل مجتمع. علاوة على أن الحب ليس مادّة صافية، بل مزيج
من العديد من الكوكتيلات، أهمّها الغريزة الجنسية، والصداقة، والتّعوّد والألفة،
والشفقة والجاذبية الجسدية والعقلية والخوف من أن يكون الإنسان وحيدا...
لِأنه لوْ كان الحب الرومانسي الحقيقي موجودًا فعلا كما نؤمن به ونودّ وصفه
في الأفلام والكتب وغيرها؛ وهي عملية سيكولوجية لاواعية، تعكس توقان البشر إلى هذا
النوع من الارتباط الغرامي المثالي الدائم، عندها لاستطاع الفرد أن يختار شريكه
بغض النظر عن جنسه أو دينه أوضعه الاجتماعي أو عمره أو لياقته البدنية أو لِقرابته
الدموية... إلخ. ومن الواضح أن هذا ليس صحيحًا في الواقع المُعاش، وغير موجود.
ولهذا أنحاز إلى الاحترام. لِأن وجود الاحترام كركيزة صلبة، أهمّ بكثير من
وجود الحب وحده. العلاقة لا تدوم بالحب وحده إذا كان الإحترام مفقود فيها بين
أحد طرفيها. ولكنها ممكن أن تدوم وتستمر بالإحترام وحده مع عدم وجود الحب. تماماً
كما يقع في ممارسة الشهوة الجنسية التي أشرْتُ إليها في دراساتي السابقة، فهي لا
تحتاج إلى الحب من أجل الحصول على اللّذة، والوصول إلى حالة الشبقية الأيروطيقية
بعد المضاجعة. وهذه العملية الجنسية هي بيت القصيد هنا، أي الجانب الجمالى للغريزة
الجنسية الطبيعية، المتمثّل في تلك الرّعشة التي تُصاحب عملية الإجماع كإكسير الحياة. كما أن عدم وجود الإحترام في العلاقة التي يغمرها الحب إلى
حد الإغراق، قد يؤدي إلى قتل الحب أو هروبه، أو غرقه أو خنقه في
المشاكل والخصومات الناتجة عن قلة الإحترام أو عدم وجوده. وبالمقابل إن الحب قد
يوجد ويظهر وينمو ويكبر وينتج في العلاقة القائمة بين طرفيها على أساس الإحترام
والتقدير...
أعرف كثيرا من العلاقات العاطفية العاصفة والعنيفة أنتهت بفشل ذريع، بالرغم مِمّا كان يشكله الحب
فيها من قوة مذهلة ومدهشة. وحينما تبحث عن أسباب ذلك الفشل تجده يشير إلى
فقدان المقومات الحقيقية لإستمرار العلاقات بين الناس وهما: الإحترام
والتقدير ... وبالمقابل فإنك تجد أن هناك بعض من العلاقات بين الناس ظهر
ونما فيها الحب بعد فترة معينة من التعامل، ليس بسبب الإعجاب الشكلي أو المادي،
ولكن بسبب وجود شيئ آخر جدا مهم وهو الإحترام أو التقدير في تلك العلاقة، فضلا عن
الاهتمام بطبيعة الحال. ومعلوم أن الاحترام والوفاء بالعهد واحترام الوقت والمواعيد، كلها تعكس نوعا من الرّقيّ الحضاري، والسلوك المؤدّب وعلوّ الأخلاق. ونلاحظ هذا في الدول المتطورة في الغرب حيث أعيش...
ء ثم
أننا لا يجب أن ننسى أن الرجل إذا خضع واسْتكانَ وقرّر العيش مع امرأة، فالجاذب الرئيسي
لهذه العلاقة ليس الحب، وإنما الميول الجنسية أولا وقبل كل شيء. أما الحب
والاهتمام وتقديم الهدايا والتغزّل مع العبارات الرقيقة و وباقات الورد ووو للمرأة، ما هو إلا واجهة أدبية (مُتحضّرة) مصحوبة بطقوس معينة،
وتخضع لثقافة وتقاليد الشعوب المختلفة، كل ذالك ليعزل الذكر إحدى الإناث لِتهدئة
شهواته الجنسية، ورغباته الشبقية. هذا لُبّ ما يوجد في هذا الموضوع المعقّد،
والإشكالية التي تتفرّع عنها إشكاليات عديدة أخرى تؤرق راحة المجتمع، وتهدّد أمنه واستقراره. مثل مشاكل
الطلاق، والاغتصاب، والتّحرّش الجنسي، وإجراءات المحاكم ومصاريف المتعة والمهر وأتعاب المحامين
إلخ. كل هذه المِحن والإجراءات وهدْر الأموال، من أجل حق طبيعي غريزي للإنسان، ألا
وهو الحق في الجنس. والمسؤول الأول والوحيد على منع هذا الحق وتحْريمه على الإنسان، هو الأديان، ابتداء من المسيحية التي جعلت من مريم العذراء إيقونة استلاب تاريخية خطيرة، وجريمة في حق الإنسانية المؤمنة بخرافاتها التي نقلتها من الحضارة السومرية الفارسية. ومن هناك انبثقتْ القنبلة التي دمّرتْ كل الأديان، على لسان الحكيم زرادشتورا الذي أعْلَنَ "موت الله" أو بالأحرى "غروب الآلهة"..!
هذا يعني أن هناك إلهٌ وقد مات، وأن فكرتنا عن الإله هي التي ماتت. فبعد عصر التنوير، أصبحت فكرة الكون الذي تحكمه القوانين الفيزيائية وليست العناية الإلهية حقيقةً واقعة. لقد أظهرت الفلسفة أن الحكومات لم تعد بحاجة إلى الالتفاف حول فكرة الحق الإلهي لكي تكتسب شرعية وجودها، وهذا ما وقع في القرون الوسطى وهيمنة الكنيسة. وإنما من خلال موافقة أو عقلانية المحكومين، تلك النظريات الأخلاقية الكبيرة والمتسقة يمكن أن توجد بدون الرجوع إلى الإله. فكان هذا حدثًا جللًا، حيث لم تعد أوروبا بحاجة إلى الإله كمصدر ومرجعية للأخلاق أو القيمة أو النظام في الكون، بل كانت الفلسفة والعلوم قادرتين على فعل ذلك من أجلنا جميعا. دفعت هذه الفلسفة العلمانية المتزايدة في الغرب إلى إدراك أن الإله لم يمت فقط، بل أن البشر قد قتلوه بثورتهم العلمية، ورغبتهم في فهم العالم بشكل أفضل، بعيدا عن العبودية لِآلهة الجهل والاستلاب. وعندما استقْرئُ التاريخ وحركات المجتمعات الإنسانية، وأرى ما يقع من ثورات الربيع العربي، ونقد إرثه المتخلّف والثقافة الإسلامية الخانقة، وكراهية الأحزاب الدينية وتُجّار الدين، وما تتناوله شبكات التواصل الاجتماعي من مواضيع تهم شأن المجتمع، ومحاربتهم لِلمفتين وأبواق الأنظمة الرّجعية التي تستغل الدين كغطاء لِِاستمداد شرعيتها وبقاءها في السلطة، لِاستغلال البشر وتخديرهم بِأطروحات الدين التي تتعارض مع المنطق السليم وتحارب التطور العلمي والحريات الفردية، هنا أتيقّن أن المجتمعات العربية تعيش حاليا في القرن الخامس عشر الميلادي، عصر الثورة في كل أروبا على القيم البائدة، وحُلول عصر الأنوار: إننا نعيش حاليا في عصر النهضة العربية الحقيقية، ولو متأخّرة بخمس قرون على حركات النهضة الأروبية. إنه عصر بداية انهيار المؤسسة الدينية العتيقة، والتي عفى عنها الزمن، والدخول في عصر الديمقراطيات العلمانية العقلانية، التي ستفصل الدين عن الدولة، وتمنع تطبيق الشرائع القديمة، وتستأصل تجّار الدين من التدخّل في الحياة العامة والخاصة، والحكم بالقوانين الوضعية العادلة. هكذا ستتغير الأمور إلى أحسن، وتتخلّص أجيال الشباب من عاهات هذا الإرْث الثقافي الخانق، وينطلقوا لينمّوا حياتهم ويعيشون بدون تعقيدات ولا مكبوتات ولا انفصامات في الشخصية..!
الغارق في الصراعات النفسية والتناقض العاطفي
ء كنتُ
أحلم متى أرى حبيبتي مليكة، وأن أستمتع برؤية عينيها الجميلتين وابتسامتها
الساحرة. ولو فقط لِبعض لحظات أو ساعات كما كان يقع في الناظور، يوم كنا نعشق
بعضنا أواخر السّتّينات من القرن الماضي. واليوم هي زوجتي، ونعيش تحت سقفٍ واحد،
وننام في نفس السرير. ومع ذالك لا نتحادث إلا نادرا جدّا. وحتى عندما نتحدّث، تخفظ
عيونها فلا أرى نظراتها كما قبْل. فهل تكسّرَ كل شيء وانتهت حكاية عشقنا التي كان
يتغنّى بها أولاد حارتنا!؟
يتبع
يتبع



Commentaires
Enregistrer un commentaire