الفقرة 62 الإبداع هو الحل - الحياة في بلجيكا
ء ومرّت الأيام، وأنا وزوجتي وابنتها، نعيش في سكون واطمئنان في شقّة الرصيف. وقد زارتنا أختها التي جاءت من مدينة "بوبغطال" الألمانية، مع زوجها وولديهما في شاحنتهم البيضاء. وجاء أيضا أخو مليكة وخالها الّذان يدرسان الهندسة المعمارية وعلم الصيدلة ببروكسل. كذالك زارنا في نفس الوقت خالها الكبير الذي جاء من مدينة "لْييج" البلجيكية. وتلاقوا جميعا في بيتنا في أجواء من الفرح والبهجة، جعلتْ زوجتي من أسعد المخلوقات. سُعِدْتُ بهذا الجوّ السعيد، فاعتذرتُ لهم، وتركتهم يتحدّثون في شؤونهم العائلية على راحتهم، وانسحبْتُ إلى مكتبي في الصالون الكبير لِاستئناف أعمالي. كانت هناك في انتظاري ثلاث لوحات زيتية، تمثل مناظر طبيعية يجب علي إنهاؤها ليوم الغد لِمطعم فاخر ببلدية "إكْسيل". كما أنني سأدرس الكتاب الجامعي من تأليف أستاذي الدكتور جوريس في الكلية وألَخِّصه، لأنه يُعتبر مادة مُنقّطة في امتحان آخر السنة. كما أنني يجب علي تهييء مقرر الدين الأسلامي للثانوية الجديدة التي عيّنني فيها مدير المركز الإسلامي السيد العلويني. وقد زرتُه في مكتبه الأربعاء الماضي بعد استدعائي، واقترح علي ثانوية بدائرة "أودركم" بتوقيت 18 ساعة في الأسبوع. وبعدها بشهرين عيّنني في ثانوية أخرى لِإكمال التوقيت الكامل في التدريس في السّلك الثاني الثانوي، أي 22 ساعة في الأسبوع. وكانت هذه الثانوية توجد في دائرة "أندرلخت"، التي كان اسمها "المعهد العالي للمحافظة وتعليم فن الزراعة والبستنة". كانت بناية هائلة سواء في هندستها وشكلها، أو على مستوى المقررات الزراعية وفنون البستنة وتربية الزهور والورود التي كانت تُدرّس فيها. وأظن أنه لا يؤمّها سوى أبناء الطبقة البورجوازية من البلد المظيف والأوروبيين. أما التلاميذ المغاربة، فلم يكن هناك سوى تلميذين مختلفي المستوى، أدرّسهما أربع ساعات من الدين الإسلامي لكل أسبوع. لذالك تحدّثَ معي مدير ثانويتها واتفقنا أن أعطي هذه الساعات من الحصص في غرفة نوم حارس المدرسة الظريف. لم يكن المغاربة يهتمون بهذا النوع من العلوم الزراعية وفنون البستنة. ربما لِأن أغلب آبائهم كانوا فلاحين قبل أن يهاجروا إلى بلجيكا من الجبال والقرى الريفية المغربية النائية عن مناطق الحضارة.ة
ه هكذا وجدتُ نفسي خلال أقلّ من 8 أشهر، أُدرِّسُ في مدرستين عموميتين في بروكسل، فضلا عن تعليم اللغة العربية أيام السبت والأربعاء في المركز الإسلامي التابع لِلرابطة الإسلامية. ومن السادسة مساء إلى العاشرة ليلا، كنتُ أذهب يوميا إلى الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة لأتعلم الرسم والتصوير، ودراسة تاريخ الفن، وتقنيات الصباغة ومواد أخرى. أشغالي هذه كانت شغلي الشاغل. كنتُ دائما أعمل، وبلا توقُّف. وكانت تُخالجني أحيانا وساوس فيما يتعلّق بِاتّجاهات خيالي. ولا سيّما خلال أوقات الصباغة التي تدوم ساعات، فيسوح عقلي كالعادة بلا حدود. كنتُ أنا أيضا تعْبان أشكو حال نفسي لِنفسي: لماذا أشتغل دائما وبلا توقُّف؟ هل نفسي سادية لِتعذّبني دائما هكذا!؟ ولماذا استحوذ عليّ هاجس الوقت ولا أريد إضاعته في فِعْل لا شيء؟ أم أن هذا تبرير فقط لِسبب غير واعي. يحرّكني من أعماق اللاشعور كالقاهر الذي لا يرحم! وبدأتُ أقوم بِتحليل نفسي لِشخصي. وكان الاستنتاج أنّ ما أشكو به من مرض نفسي المتمثّل في هاجس العمل، له علاقة بِأحداث طفولتي الصغيرة، والتي يفسّر بها فرويد وتيار التحليل النفسي كل العاهات والعقد النفسية التي تصيبنا في هذه المرحلة المُبكّرة من حياتنا، ونعاني من تأثيراتها في كبرنا. لقد كانت طفولتي سعيدة، بل جنة في رحاب أحضان أبي العزيز في بلدتنا بِ"بني سيدال". ولذالك ترعْرعْتُ وسط الحب والأحلام الذيذة.ء
ء إذن كان هاجس العمل نابع من صميم طفولتي السعيدة، فضلا عن نتاج تأثير ما درسته من فلسفة وبحوث سوسيولوجية وسيكولوجية مختلفة خلال كل عمري الذي أمضيتُه في التمدرس والتحصيل. وكان كتاب الفيلسوف آرثر شوبنهور "الإدراك والتمثل"، الذي يعرض فيه فلسفته، ويلخّص فيه مأساتان يعاني منهما الإنسان، أي خطران يهددانه في وجوده، وهما الأمراض الفتاكة التي تؤدّي إلى الموت، والحل في التقدم الطبي وتوفير العلاج، والثاني الضجر والسأم والملل، وكلها مرادفات لهذا الوباء الخطير الذي عندما يداهمنا، نكره حياتنا ونضيع تائهين دون أن نعرف ماذا نفعل بوقتنا ولا بعمرنا. فتضيق بنا الدنيا، ونغرق في اكتئاب مرير. وهنا يقترح كمخرج وحل، تربية المواهب وإيجاد شيء يحبه الشخص ويميل إليه لِيملأ به أوقات فراغه المملّ، كما أفعل أنا مع هواية الرسم التي لا يمكن أن أعيش بدونها. لِأنني بها أملأ كل أوقات فراغي. ولكن مع ذالك أنا غير مقتنع بهذا التحليل والتعليل السّطحي. أظن أن هناك عوامل أخرى أعمق من ذالك، جعلتْ مِنّي شخصا يحب العمل الجاد ويكره إضاعة الوقت وهدْرره عبثا. فهل هو القلق الميتافيزيقي المتمثل في الموت؟ وأن شراهتي للعمل ما هي سوى آلية دفاعية سيكولوجية غير واعية، لِلتّخفيف من حِدّة صدمة الموت التي لا ريب فيها؟! أي إعتبار الوجود عبث ولا يستحقّ العيش، وأن الحياة والموت سيان، ولا إشكال في اختيار أحدهما! ومع ذالك، أرى أنني في تحليلي النفسي لِشخصي، بقيتُ أطْفو على السطح، ولم أنزل بعد إلى الأعماق لِاكتشاف سبب أو أسباب وعوامل أخرى لِظاهرة الإفراط في العمل عندي. لقد وجدْتُها أخيراً كما ركضَ أرخميس صائحا: "أوريكا، أوريكا، لقد وجدتُها، لقد وجدتُها"..!ء
إ إنه حُلْمُ الخُلود. وهنا أتذكّر وأنا طفل صغير ببني سيدال، كنتُ دائما أحلم أنني أطير. أطير من سطح دارنا الكبيرة، وكل الناس جالسة في حدائقها وحقولها ترنوا إليّ بعيونها، وأنا أحلِّق وأحلّق بعيدا تحت أنظار كل سكان قبيلتنا المُشرئبة رؤوسهم يتأمّلونني مشدوهين ومُفتخرين. وأُشْرِقُ عليهم كنجم ساطع، وأنا في قمّة السعادة والنِّرفانا. فكان هذا الحلم كنزي وهدفي الأهمّ في الحياة، إن لم يكن الوحيد. والذي وضعتُه نِصْب عيني أمامي في خط زمن المستقبل كخارطة طريق تُنير أفقي، أفكّر فيه ليل نهار، وأحاول تحقيقه. ومِمّا يؤكّد لدي صِدْق هذه النظرية، أنني مع الوقت ومُداهمة العمر والشيخوخة والأمراض، وبالتالي الاِقتراب بسرعة من العدم، اِرتأيْتُ مقتنعا أكثر من ذي قبل، أن هذا الفصل من خريف العمر، هو أفضل موسم للزراعة والعطاء. زراعة الفن والأدب والجمال في وجودي وكل ما حولي، لِيَيْنع ويزدهر في الربيع المقبِل. فأحقّق بذالك حلمي الجميل والقديم. وهناك سأكون سعيدا في السماء، لِأني أخيرا وجدتُ نفسي...ء
institut provinciale superieure d'horticulture de Bruxelles, avenue Marius Renard, n:1. Anderlecht
ه هكذا وجدتُ نفسي خلال أقلّ من 8 أشهر، أُدرِّسُ في مدرستين عموميتين في بروكسل، فضلا عن تعليم اللغة العربية أيام السبت والأربعاء في المركز الإسلامي التابع لِلرابطة الإسلامية. ومن السادسة مساء إلى العاشرة ليلا، كنتُ أذهب يوميا إلى الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة لأتعلم الرسم والتصوير، ودراسة تاريخ الفن، وتقنيات الصباغة ومواد أخرى. أشغالي هذه كانت شغلي الشاغل. كنتُ دائما أعمل، وبلا توقُّف. وكانت تُخالجني أحيانا وساوس فيما يتعلّق بِاتّجاهات خيالي. ولا سيّما خلال أوقات الصباغة التي تدوم ساعات، فيسوح عقلي كالعادة بلا حدود. كنتُ أنا أيضا تعْبان أشكو حال نفسي لِنفسي: لماذا أشتغل دائما وبلا توقُّف؟ هل نفسي سادية لِتعذّبني دائما هكذا!؟ ولماذا استحوذ عليّ هاجس الوقت ولا أريد إضاعته في فِعْل لا شيء؟ أم أن هذا تبرير فقط لِسبب غير واعي. يحرّكني من أعماق اللاشعور كالقاهر الذي لا يرحم! وبدأتُ أقوم بِتحليل نفسي لِشخصي. وكان الاستنتاج أنّ ما أشكو به من مرض نفسي المتمثّل في هاجس العمل، له علاقة بِأحداث طفولتي الصغيرة، والتي يفسّر بها فرويد وتيار التحليل النفسي كل العاهات والعقد النفسية التي تصيبنا في هذه المرحلة المُبكّرة من حياتنا، ونعاني من تأثيراتها في كبرنا. لقد كانت طفولتي سعيدة، بل جنة في رحاب أحضان أبي العزيز في بلدتنا بِ"بني سيدال". ولذالك ترعْرعْتُ وسط الحب والأحلام الذيذة.ء
ء إذن كان هاجس العمل نابع من صميم طفولتي السعيدة، فضلا عن نتاج تأثير ما درسته من فلسفة وبحوث سوسيولوجية وسيكولوجية مختلفة خلال كل عمري الذي أمضيتُه في التمدرس والتحصيل. وكان كتاب الفيلسوف آرثر شوبنهور "الإدراك والتمثل"، الذي يعرض فيه فلسفته، ويلخّص فيه مأساتان يعاني منهما الإنسان، أي خطران يهددانه في وجوده، وهما الأمراض الفتاكة التي تؤدّي إلى الموت، والحل في التقدم الطبي وتوفير العلاج، والثاني الضجر والسأم والملل، وكلها مرادفات لهذا الوباء الخطير الذي عندما يداهمنا، نكره حياتنا ونضيع تائهين دون أن نعرف ماذا نفعل بوقتنا ولا بعمرنا. فتضيق بنا الدنيا، ونغرق في اكتئاب مرير. وهنا يقترح كمخرج وحل، تربية المواهب وإيجاد شيء يحبه الشخص ويميل إليه لِيملأ به أوقات فراغه المملّ، كما أفعل أنا مع هواية الرسم التي لا يمكن أن أعيش بدونها. لِأنني بها أملأ كل أوقات فراغي. ولكن مع ذالك أنا غير مقتنع بهذا التحليل والتعليل السّطحي. أظن أن هناك عوامل أخرى أعمق من ذالك، جعلتْ مِنّي شخصا يحب العمل الجاد ويكره إضاعة الوقت وهدْرره عبثا. فهل هو القلق الميتافيزيقي المتمثل في الموت؟ وأن شراهتي للعمل ما هي سوى آلية دفاعية سيكولوجية غير واعية، لِلتّخفيف من حِدّة صدمة الموت التي لا ريب فيها؟! أي إعتبار الوجود عبث ولا يستحقّ العيش، وأن الحياة والموت سيان، ولا إشكال في اختيار أحدهما! ومع ذالك، أرى أنني في تحليلي النفسي لِشخصي، بقيتُ أطْفو على السطح، ولم أنزل بعد إلى الأعماق لِاكتشاف سبب أو أسباب وعوامل أخرى لِظاهرة الإفراط في العمل عندي. لقد وجدْتُها أخيراً كما ركضَ أرخميس صائحا: "أوريكا، أوريكا، لقد وجدتُها، لقد وجدتُها"..!ء
إ إنه حُلْمُ الخُلود. وهنا أتذكّر وأنا طفل صغير ببني سيدال، كنتُ دائما أحلم أنني أطير. أطير من سطح دارنا الكبيرة، وكل الناس جالسة في حدائقها وحقولها ترنوا إليّ بعيونها، وأنا أحلِّق وأحلّق بعيدا تحت أنظار كل سكان قبيلتنا المُشرئبة رؤوسهم يتأمّلونني مشدوهين ومُفتخرين. وأُشْرِقُ عليهم كنجم ساطع، وأنا في قمّة السعادة والنِّرفانا. فكان هذا الحلم كنزي وهدفي الأهمّ في الحياة، إن لم يكن الوحيد. والذي وضعتُه نِصْب عيني أمامي في خط زمن المستقبل كخارطة طريق تُنير أفقي، أفكّر فيه ليل نهار، وأحاول تحقيقه. ومِمّا يؤكّد لدي صِدْق هذه النظرية، أنني مع الوقت ومُداهمة العمر والشيخوخة والأمراض، وبالتالي الاِقتراب بسرعة من العدم، اِرتأيْتُ مقتنعا أكثر من ذي قبل، أن هذا الفصل من خريف العمر، هو أفضل موسم للزراعة والعطاء. زراعة الفن والأدب والجمال في وجودي وكل ما حولي، لِيَيْنع ويزدهر في الربيع المقبِل. فأحقّق بذالك حلمي الجميل والقديم. وهناك سأكون سعيدا في السماء، لِأني أخيرا وجدتُ نفسي...ء
ء إذن يمكن لي تفسير هاجس العمل عندي لِتفادي الشعور بعبث الحياة ولامعناها، وانعدام جدواها، أي نوع من الهروب من الحقيقة المؤلمة، وأن هذه الحياة في المُحصِّلة، لا تستحقّ أن تُعاش بتاتا، ما دام أنها لا معنى لها. هذا هو الواقع بالنسبة لأصحاب التفكير الفلسفي المادي العقلاني. للوصول إلى حالة من التوازن السيكولوجي لتخفيف وطأة القلق الميتافيزيقي، المتمثّل في صدمة الموت المحتومة. وعندما نصل إلى هذا الزقاق الوجودي المسدود، يواجهنا اختياران لا ثالث لهما: إما الانتحار ووضع حدّ للوجود التّافه والخالي من أي معنى، وإمّا تكريس الوجود للتصعيد والتسامي والتألّق في سماء المشاهير. وأنا اِخترتُ الحل الأخير كمَهْرب من الزّقاق المسدود، وفِرار من غثيان الوجود. وبذالك يكون "الإبداع هو الحل"...ء
يتبع



Commentaires
Enregistrer un commentaire