الفقرة 64 ـ زيارة أخي محمّادي ـ الحياة في بلجيكا


زيارة أخي محمّادي

 الحياة في بلجيكا

أخي محمادي مع زوجته كريستل



ء     ومرّتِ الأيام روتينية الهدوء. وأنا أوزّعُ وقتي بين العمل والدراسة في ثانويات بروكسل، وأعتكفُ في البيت أرسم وأقرأ. فلم نكن نلتقي أنا وزوجتي سوى على مائدة الأكل. مِمّا اضطرّها إلى التفتُح على جاراتها لِتنسج معهن العلاقات فرارا من الروتين القاتل. وبعد أن سكن جارنا المغربي الجديد أحمد البركاني في شقتنا بالطابق الثاني، كانت زوجته فتيحة الريفية تقضي مع مليكة الكثير من وقتها هربا من الملل والقنط في البيت وحدها، لِأن زوجها يعود دائما متأخرا في الليل. كما تعرّفتْ على جارتين أخريين مغربيتين من طنجة، كان اسمهما فاطنة البيضاء الوجه والسمينة، زوجها عْمر موظّف، وآمنة الرقيقة السمراء العصرية، وزوجها سعيد المرح المزاج. وقد دامت علاقتنا المتينة معهم مدّة ستة أشهر ونحن نتبادل الزيارات الودّية. إلى أن عادت زوجتي يوما وحكت لي أن صديقتها فاطنة دخلتْ في إجراءات الطلاق، وتعاركت بوحشية مع صديقتها آمنة التي كانت تخونها مع زوجها كعشيقة مقابل النقود والهدايا الثمينة. كنتُ أعرف أن هذه العلاقات الكثيرة مع نساء الحي لا فائدة فيها ما عدا المشاكل وكثرة النميمة والقيل والقال. ولكن للضرورة أحكام. أنا لا أحس بالملل لكثرة أشغالي، أما زوجتي فيُذبلها الملل، ولِلتّخلّص منه، تحب الخروج والتنزّه والتّجمُع لِلدردشة مع نساء الحيّ. كما كانت جارتنا البيضاوية تأتي أحيانا لتجلس مع زوجتي لتشربان الشاي وتتحدّثان عن شؤون نساء الحي وهموم تربية الأولاد. وكان زوجها محمد يسوق التّرامواي ويربح كثيرا بسبب إبنه المعاق ذهنيا والتعويضات والمساعدات التي تعطيها له الدولة. وقد اِشترى الدار التي يسكنها مع زوجته هْنية التي كانت ابنة عمه، وبنتيه الكبيرتان التلميذتان والإبن المعاق. كان صارما وقاسيا مع زوجته وابنتيه بسبب تحرّرهما وتأخرهما المدرسي. وذات يوم، جاء عندنا منفعلا وهو يحمل رسالة في يديه لِأقرأها له. كانت رسالة من محامي ابنته المراهقة، يُفسر فيها أنها التجأتْ إلى مركز الأطفال المُعنّفين وتُقيم هناك. وتطلب منه أن يحوّل إلى حسابها البنكي تعويضها العائلي، ويؤدّي كل شهر مقدار 12 الف فرنك بلجيكي إظافي لتصرفها على نفسها. وفي حالة عدم تطبيق هذا الإجراء، سيتدخّل القانون لِحجْزها عنوة.ء
ء    كانت تقع الكثير من هذه المشاكل الزوجية والعنف في تربية الأولاد داخل العائلات بسبب صراع الأجيال وصدام العادات والثقافات. وهذا يجد جذوره في التربية والثقافة التقليدية المحافظة التي تظغط على المرأة منذ ولادتها. فوأْدُ البنات حيات ودفنهن في رمال الصحراء كان عادة شائعة عند العرب. ومن تربّى على هذا الفقه العبودي لا يمكن  أن يعطي للمرأة حقوقها أو  يحترمها. ففاقد الشيء لا يعطيه أصلا. والحرية تُكتسَب بالنضال. وهذا ما يجب أن تعيه المرأة في عالم قائم على الصراع على النفوذ. ولا زلتُ أتذكر حديث الناس وما كانت تردّده القنوات التلفزية والصحف في ذالك الوقت وما بعده، عن والي دائرة"سان جيل" الوزير سابقا، السيد "شارل بيكيه" الاشتراكي الذي كان يبعث بالرسائل إلى النساء المغربيات والعربيات والأسر المسلمات، يحثّهنّ فيها على تقديم الشكاوى ضد الأزواج الذين يعنّفون نساءهم ويضغطون عليهن، أو يضربون أبناءهم، وأن هذا النوع من الممارسات الهمجية ممنوعة في القوانين البلجيكية، وعلى المهاجرين من أصول عربية اِحترام القوانين العامة التي ينصّ عليها الدستور. وكان ذالك نابع من الحوادث المعاشة يوميا، وفكرة الأروبيين من أن الإسلام دين عنيف، ويغتصب حقوق النساء ويصادرها، ويجعل الرجال قوّامون عليهن، وفي درجة أعلى من ناحية جميع الحقوق المدنية. ولا يمكن السماح لهذه العبودية وتطبيق الشرائع المتخلّفة في بلد ديموقراطي يؤمن بِتساوي حقوق الرجل والمرأة.ء
ء    وقد حكتْ لي زوجتي عن جارتين كان زوجهما يمنعهما من الخروج من البيت، وإقامة العلاقات مع النساء. وكانت إحداهن لا تعرف من البشر سوى جارتها وساعي البريد الذي كانت تفتح له لِتستلم رسائل زوجها، وتتحدث معه عن وضعيتها المزرية معه، وتشكي له حالها، وأنه يعاملها كسجينة. إلى أن ظهر خبر اختفائها وهروبها مع ساعي البريد النصراني. وأردفتْ زوجتي مُعقِّبة عل هذه الأحداث الدرامية قائلة:ء
ء     ـ هؤلاء الناس يعيشون في قلب أروبا في نهاية القرن العشرين ولكن بعقلية الجاهلية! أن هذا السجن لِلنساء مستحيل، لِأن المرأة ضروري أن تخرج لِلتسوّق والتبضّع وحتى التّنزّه.ء
ء    فأجبتُها:ء
ء     ـ بالنسبة لي هذا لا يُطْرَح كمشكل، بل أراه عادياً وضروريا لِتساهم المرأة في تحمُّل أعباء البيت، وكيف تُسيّر أمورها المعيشية والاقتصادية. الزوج وحده لا يمكن أن يقوم بكل شيء.ء





أخي محمادي



ء    في 15 أبريل من نفس العام 1981، جاء عندنا أخي محمّادي مع زوجته السوسرية "كْريسْتل" التي حملتْ في يدها باقة ورد لِمليكة. جاءا لِيباركا لنا زواجنا. كان يسكن آنذاك في ضواحي مدينة "بال" التي انتقلَ إليها من فرانكفورت التي عاش فيها مدة سنوات. وقد أتى لنا بهدايا وفرحنا به كثيرا. حتى زوجتي ترك عندها انطباعاً إيجابيا لِصِدْقه وعواطفه النبيلة، وحبّه لِنادية التي كان يشتري لها الألعاب والحلويات ويلعب معها أحيانا، ويشملها بعطفه. وقد يكون هذا تعويض سيكولوجي لِفقدان ابنته نسرين وحبه لها، والتى لم يسعفْها الحظ لِتعيش مع أمها قرب أبيها في المانيا. وقد أمْضى معنا أخي محمادي ثلاثة أيام. كان اليوم الأول مُخصّص لِلبحث عن حانوت "سيلين" العالمية الشهيرة التي جاءت "كريستل" خصيصا لِشراء أحذية منها رأتها في مجلة إشهارية. سألنا عنها حتى وجدناها في شارع "لويز" الفخم والذي لا يقصده سوى الأغنياء. وفي اليوم الثاني سافرنا إلى مدينة "أوسْتُنْد" في شمال بلجيكا لوحدنا مع كريستل، أما مليكة فقد اعتذرت عن الذهاب بسبب صحتها، وقضينا يوما ممتعا، ومشينا على رمال شواطئها. وعندما تعبنا من التنزّه في المدينة، ذهبنا إلى مطعم على شطّ البحر، والتهمْنا طاجينا كبيرا من بلح البحر اللذيذ الذي كان يحبه أخي. وفي المساء قبل غروب الشمس، قفلْنا عائدين إلى بروكسل...ء
ء  وفي اليوم الذي سيعود فيه إلى ألمانيا، اِستظافنا جميعا إلى مطعم فاخر وسط المدينة للغذاء، ناصحا مليكة بالراحة من أجل صحّتها..وسألني.عّما إذا كُنت أملُك حسابا في البنك أو أن نذهب لِيفتح لي واحدا. ولما قلتُ له أنني أملك الحساب البنكي وأنني أعمل، مدّ يده إلى جيبه وأعطاني 800 فرنك بلجيكي كمساعدة منه لي، لِأني طالب وأحتاج إلى المساعدة والتشجيع كما قال لكريستل بالألمانية. كما أعطى لنادية ورقتان نقديتان.لشراء ما تريد.ء
ء....كان أخي مّحمّادي سعيدا مع زوجته السويسرية كريستل. وقد تعرفا على بعضهما خلال عملهما معا لسنوات في القطار الذي يذهب من "شتوتكرت" إلى مدينة "هامبورغ" الألمانية، مارا من فرانكفورت وكولن ودورتموند وبْريم. كان أخي رئيس مطبخ ومقهى القاطرة. وقد تحوّلت الصداقة بينهما مع المدة إلى زواج، وذالك بعد فشل محاولة التجمّع العائلي، وعدم إمكانية سفر زبيدة ونسرين للعيش في المانيا. وكذالك بسبب الشقة الجديدة التي منحتها شركة السكك الحديدية لِأخي محمادي. حينها استقرّتْ كريستل معه بصفة دائمة، وصارت زوجته إلى الأبد.ء




يتبع




Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.