الفقرة 64 ـ ليلة في المرقص ـ الحياة في بلجيكا
ء ـ حبيبي، لا أكره أن يكون لِابنتنا نادية أخٌ أو أخت. ما رأيك؟ سيُبْهجني هذا كثيرا وسيدخل الغبطة في عشّنا. كما أن نادية ستفرح كثيرا بمولودِنا الجديد.ء
ء لم يكن عندي أيّ جواب لهذا السؤال المفاجئ، لِأنني لم أفكّر فيه من قبل أبدا. أو أنه لم يكن على أجنْدة مشاريعي الحالية إطلاقا. أنا لا زِلْتُ طالبا لم أتمِم بعد دراساتي، لا في الفن ولا في علم النفس، ولا في الموسيقى. أريد تحقيق كل أحلامي قبل أن يكون لي أولاد. أعرف عقلية المرأة المغربية وتهافتها على إنجاب الأولاد بمجرد الزواج. وهذا نابع من قلقها من وباء الطلاق والانفصال. وبالتالي الحكم عليها سواء بالعودة إلى بيت والدها الذي أتتْ منه، أو العمل ولو بممارسة التهريب أو الدعارة لِتغذية نفسها وأطفالها. الأولاد في غالب الأحيان يكونون للمرأة، أحسن ضمانة لِتفادي هذا السيناريو المرعب، وبقاء زوجها معها في حالة أُفول الحب وتبخّره. لِأن للحب عُمْرٌ قصير في غالبية الأحيان، أو أن الساهرين عليه لا يتقنون العناية به. فيذبل كما تفعل كل الورود بعد ربيع العشق القصير...ء
ء أيقظني من تيهاني الفكري صوت زوجتي وهي تُخاطبني:ء
ء ـ لم تُجِبني حبيبي على سؤالي!ء
ء ـ ماذا تريدين أن أقول لك حبيبتي؟ لم يمْضِ وقتٌ طويل على زواجنا، فلماذا تستعجلين الأمور؟ء
ء صمتتْ وكأنّ على رأسها الطير. وأدارتْ عيونها إلى الجهة الأخرى مِمّا يدلّ على امتعاضها من رأيي. بقيتْ واجمة لِبرهة، ثم قالت بنبْرة فيها عِتاب:ء
ء ـ عبد الرحمان، ربّما أنتَ غير واثق من نجاح زواجنا!ء
ء ـ لا. لا تقولي هذا من فضلك، تعرفين صراحتي المطلقة، لو قصدتُ ما فهمتِه، لقلتُها لكِ بصراحة وبدون الْتِواء، لا تفهميني غلط حبيبتي. أقصد فقط أنني ما زلتُ طالبا. وأنتِ عندك إبنة جميلة لِتُشبِعي غريزة الأمومة، وتمنحينها حنانك حبيبتي.ء
ء نهظتْ من السرير وبدأتْ تُهيّئُ نفسها للخروج. فغيرتُ ملابسي وخرجنا في صمت.ء
ء عندما نزلنا من التّرام 81، وجدنا أنفسنا في الحي التجاري "سيتي 2 " وسط المدينة. كانت مليكة تعرف بروكسل كما ينبغي. فقادتني إلى مطعم عربي أكلاته لذيذة كما قالت. جلسنا في طاولة عليها باقة ورد وشمعة. كان جو المطعم رومانسي يوحي بِأجواء "ألف ليلة وليلة". جاء النادل حاملا لائحة الأكلات، وطلب مِنّا أن نختار ما نريد. فطلبت مليكة أكلة "لدغة للملكة"، (لي بوشي ألَغان) التي تحبها. كانت تهيّئها لنا في بعض المناسبات، أو عندما يأتي عندنا ضيوف. وطلبتُ أنا بطاطس مقلية مع قطعة لحم. وعندما انتهينا من تناول غذاءنا، فاجأتنا امرأة عصرية وقبّلتْ زوجتي بحرارة قائلة:ء
ء ـ أهلا مليكة، توحّشتُك كثيرا صديقتي.ء
ء ـ وأنا كذالك سامية. كيف حالك؟ هذا زوجي عبد الرحمان الذي حدّثتُكِ عنه.ء
ء فسلّمتْ عليّ مبتسمة وهي تقول:ء
ء ـ متشرّفين سّي عبد الرحمان. مليكة دائما تُحدّثني عنك. إيجابيا طبعا.ء
ء فقرّبتْ مليكة الكرسي لصديقتها وقالت:ء
ء ـ إجلسي معنا لتتناولي مشروبا.ء
ء ـ إذا انتهيتما من تناول العشاء، فسأقترح عليكما أن نذهب إلى ملهى ليلى رائع في شارع "لْويز" الذي سبق أن ذهبنا إليه أنا ومليكة. صاحبه تونسي مثلي. والمكان رومانسي جدا كما تعرفين.ء
ء فنظرتْ إليّ مليكة قائلة:ء
ء ـ أنا ليس عندي مانع.ء
ء فأدّيتُ للنادل وخرجنا. مشينا على أرجلنا نتفسّح في الشارع الرئيسي الكثير الإنارة الذي يؤدّي إلى الملهى الليلي. كنتُ أتأمّل بنايات المدينة ومتاجرها مُستغلا الفرصة لكي أعرف بروكسل التي كُتِبَ لي العيش فيها، والتي لِحدّ الآن أجهلها. لم أكن أخرج لِلتّنزّه إلاّ نادرا جدّا بسبب كثرة أشغالي التي لا تترك لي فترة اِسترخاء أو الراحة لِأفكر في التِّجوال، أو التّسكّع في المقاهي. وهذه الظاهرة عرَض لِتفشّي الضجر والسّأم والملل المسيطر على الناس، ويطردهم من ديارهم، أو بسبب مشاكل الزواج وانعدام الحب والاحترام، أو لِقلّة الشغل كما في بلادي. وهذا يجعل من المقاهي أنْجع وسيلة لِقتْل الوقت، ومقبرته الهائلة. واسمحوا لي أن أؤكّد لكم ومستدركا، أنني لا أعرف هذا المرض، وأنني مُحصّن منه، لِأني نظّمتُ وقتي لِتفادي هذا الوباء من زمان. ولكن الحقيقة أقول، أن القصد من الجلوس في المقاهي أحيانا، يكون مُبرمج مسبّقا مع سبْق الإصرار، وهدفه تطهير النفس من الحقد الأسود الذي يحسّ به الإنسان تجاه عدوٍّ ما. فلا يجد من وسيلة أخطر لِتدميره والانتقام منه، أفضل من تشويه سمعته. وهذا لن يتأتّى سوى في "المزارات المقدّسة"، أقصدُ المقاهي الشعبية. إن المقاهي أحيانا تلعب دور التطهير السيكولوجي، فلماذا لا تكون معبدا مقدّسا يؤمّه الناس من كل فجٍّ عميق، تاركين المساجد يعوي علي مآذنها بلال الحبشي، فيُسمَع صراخه من مكبّرات الصوت والأبواق العديدة فوق الصوامع والمآذن، كأنه ملهى ومرقص نهاري، أحيانا يحجّ إليه البعض المترجّين للفراديس الوهمية. فما أكثرهم، وما أروع الجنون..!ء
ء طلبنا مشروباتنا من جديد. طلبتْ سامية كأس ويسكي مخلط مع كوكا كولا. وطلبتُ أنا كأساً من النبيذ الأحمر لِكونه سريع المفعول، وكذالك لِأن له أثر صحّي على القلب لكونه يُنشّط الدورة الدموية، ويحتوي على فيتامينات... تناولتُ علبة سجائري والولاّعة ووضعتهما على الطاولة وبدأتُ أدخّن. لم أجرُؤ على تقديم السجائر لِسامية، ظنّاً مِنّي أنها لا تدخّن، ككل النساء في محيطي بالمغرب. لكن الأمور هنا تختلف!ء
ء قمْتُ بمجهود لِإنهاء كأسي بعد سامية البطلة. معلوم أنها تعوّدتْ على الشراب والتدخين أكثر مِنّي. كانت مطلّقة من رجل تونسي أنجبتْ معه ولدا. نفس حالة زوجتي التي طلقتْ من زوجها السابق. طلبتُ لِلنادل كأسا ثانية. وفعلتْ سامية نفس الشيء. أشعلتُ سيجارة ووضعتُ العلبة قرب سامية. رأيتهما تنظران معا في الراقصين وسط الحلبة الباهرة الألوان. كان هناك شابّ عربي يرقص ويومِئ لسامية أن ترقص معه. ولكنها اكتفتْ بالإبتسامة له، وتدخين سيجارتها وشرب كأسها الثانية، وهي تضحك مع زوجتي على منظر الراقص الولهان. فقالت لها مليكة:ء
ء ـ إنهظي وارقصي معه. ليس فيها عيب. هيّا سامية.ء
ء شربتُ جرعة كبيرة، وشعرتُ بتأثير الخمر يفعل فعله، بدأتُ أتحرّر من قيود الواقع شيئا فشيئا، وكذالك مَن حولي. هو مُرّ المذاق، ولكنه جواز سفر ضروري لِتجاوز حدود الواقع الثقافي المفروض، وتخطّي عقبات الحياة وضغوطها. أشارتْ سامية إلى النادل أن يأتي. وطلبت منه كأسا ثالثة. وطلبتْ مثلها لزوجتي. غاب النادل دقيقتين وعاد بالكؤوس وصحن صغير مليء بالقاوقاو المالح الذي يزيد من رغبة الشّرب. حاولتْ مليكة بخجل رفض الكأس، ولكن سامية أصرّتْ عليها. وقالت أنها ستقوم للرقص مع الشاب الولهان بعد شُرْب كأسها الثالثة. لِأنها ستكون مرحة ومُتجرّئة وأكثر تحرّرا، والسّكْر عذرٌ كبير. وغمزتْ بِدهاء لمليكة متمتمة: هيّا اشربي صديقتي..! ء
ء عندما أتتْ سامية على كأسها الثالثة وأفْرغتْهُ في جوفها، قامتْ واتّجهتْ مباشرة نحو الصيّاد الولهان وبدأتْ ترقص معه. هو يشتري اللذة، وهي تبيع اللذة. تقاطع المصالح، وقوة الغرائز والثورة على الطابوهات والمحرّمات. تناولتُ سيجارة وبدأتُ أدخِّن وأتأملُ الراقصين السُّعداء. كل الطرق تؤدّي إلى عالم إلهة الحب "أفروديت"، إلى الجنة، قالها الأبيقوريون قبل الميلاد، كما نبه الماركسيون ببناء الجنة هنا في هذه الدنيا قبل الآخرة، وأن استلابهم وعبوديتهم لِأوهام الحياة الأخرى، هي سبب فشلهم في بناء الجنة هنا على الأرض، وتحقيقها في الواقع الملموس، وليس انتظار جنان الأوهام التي لن تأتي أبدا. فراديس السراب. ولكنهم ما داموا مُخدّرون بعفْيون الأديان، فإنهم سيمضون كل حياتهم في انتظار الجنة الأخرى..! في الواقع، ربّما جميل أن تعيش في دنيا الدّعارة كجزء صغير من أمبراطورية لذّات الجنة، حور العين في كل مكان، يفعلن كل شيء، ويشاركن الرجال كل شيء، ومن جنسيات وألوان مختلفة. مثْنى وثلاث ورباع. ودرسْنَ الروض العاطر، ويتقننَ تلبية رغبات الخواطر، ويحلمن بالملايين. صدق الواقع الأليم أو العظيم..!ء
ء أعادني إلى المرقص الليلي صوت حبيبتي الرخيم وهي تعانقني:ء
ء ـ حبيبي. ما بك غارق في التفكير؟ ولماذا يغيب عقلك دائما؟ نحن في جوّ بهيج. هيا، أعطيني سيجارة لِأدخّنَ معك إذا لم تمانع.ء
ء ـ لا أبدا. بالعكس حبيبتي، أشعر بالسعادة عندما تشاركينني لذّاتي.ء
ء شربتْ بعض الجرعات من كأسها، وسحبتْ نفخة من سيجارتها وقالت ضاحكة:ء
ء أشعر بنفسي سعيدة أحلق في السماء. إنه تأثير الويسكي ربّما، أو تأثير حبي لك. كم أحبك حبيبي. هيا لنرقص معا.ء
ء ـ لِمَ لا؟ هيّا.ء
ء بقينا نتعانق ونشرب وندخّن ونحن في قمّة السعادة والحرية واللذة. نظرتُ إلى ساعتي، كانت الثالثة صباحا. ثم دخلنا حلبة المجون متعانقين نرقص على أنغام عربية وغربية متنوعة ورائعة، تحت الأضواء المختلفة الألوان. كنا في عالم آخر مليء بالحب واللذات، وكل أنواع الاِستيهامات..! كُنّا خارج نطاق ثقافتنا العتيقة، بعيدين عن كل حاراتنا وقارَتنا التي تركناها خلفنا وراء البحار، كنا في بلد حر، يعرف تحرير ومغازلة غرائز اللاشعور..!ء
يتبع




Ajouter un commentaire