الفقرة 67 ـ الإنسان الإلاه ـ الحياة في بلجيكا ـ يوميات فنان مهاجر ـ بحثا عن الزمن الضائع
الإنسان الإله
الحياة في بلجيكا
ء كنتُ في الصالون منهمك في قراءة رواية البؤساء بالفرنسية، للكاتب الفرنسي فيكتور هيغو، حين سمعتُ صوتها الرخيم وهي تناديني:ء :
ـ حبيبي الغالي، آتِ عندي من فضلك.
كانت في غرفة النوم مستلقية بهدوء على السرير، وتتفرج في صورها في ألبوم أحمر. كانت لابسة فستانا شفافا ورديا يوحي بأجواء أفروديت الأفروديزياكي.ء
تأمّلتُ الصورة، إنها جميلة حقّاً. حبيبتي كانت دائما جميلة. جمالها لا يُضاهيه جمال في الدّنيا. -
ا في الواقع، كم من إنسان يعيش في شرنقة من الأوهام اليومية بدون أن يعلم. اللاشعور يفعل فعله في هذه المسائل الذاتية. كيف يُعقلَ أن تكون زوجتي أجمل فتاة في العالم، وأنا لا أعرف سوى بعض بنات حارتنا الصغيرة!؟ ما أرغب أن أؤكّده هنا في هذه التأمّلات الفلسفية، هو هذه الحقيقية العلمية، التي هي سرّ من أسرار الطبيعة. وهو أننا نحكم على شيء ما بِأنه جيد أو جميل، لا لِأنه فعلا كذالك، بل لِأننا نرغب فيه ونريده ونشتهيه، فيجْذبنا ويستحوذ على عقولنا. ولذالك نحكم عليه بأنه جيدً وجميل، بل وأجمل ما في العالم. وهذا ضرْبٌ من الجنون. ولكنه جنون ضروري لِلتّغاضي عن الحقيقة الحقّة، والتي هي مُرّة هنا. لِأنها فكرة غير براجماتية..! الإنسان الجائع قد تجذبه روائح الطعام المنبعثة من مطعم أو شوّاية الدجاج، فيسيل لُعابه ويتمنى الأكل، في حين إذا مرّ من نفس المكان إنسان شبْعان خرج من وليمة، قد تُقزّزه روائح الطعام التي أسالتْ لعب الشخص الأول. المسألة تتعلق بالتوازن النفسي. والعمى أحيانا أكثر من ضروري. وما هذه الأحكام الذاتية، وكل التّبريرات للحكم على شيء بأنه جيِّد أو العكس، سوى واحدة من آليات الدفاع عن النفس، لتكون دائما متوازنة وبعيدة عن القلق والاضطراب. الشيء الذي سقطْنا فيه اليوم أنا وحبيبتي، لِيحوّل قصة حبنا إلى بِرْكة من الوحل..! لكن يجب التغلب على الكراهية بالحب والكرم والاحترام، لِينْجو قاربنا من الغرق المحتوم.ء
ء أنْ أحبّ زوجتي وفتاة أحلامي، هذا هو المهم. وكل الأحكام والتبريرات الذاتية واللاموضوعية لا تهمّني. المهم أنني أنا الشاب المراهق، رأيتُ أنثى فتبعتُها. لِأن المسألة قانون غريزي يسري على جميع أصناف الحيوانات الأخرى، يستحيل كبته أو قمعه، إنها سُنّة الطبيعة الخلاّقة. لقد ركّبت الطبيعة الغريزة الجنسية كوسيلة للحب والتّجاذب بين البشر من أجل التكاثر وعدم اِنقراض النوع البشري وكل الأنواع الأخرى من الكائنات الحية. إن مرحلة الشباب هي فترة البحث عن صديق أو صديقة، النصف الآخر، لِأنها مرحلة البلوغ، وفي هذه المرحلة يزدهر الحب، وتتطوّ الرومانسية، ويهيج الشباب بسبب إفرازات الطاقة الجنسية: "اللّيبيدو".ء
ا إن الرقصات الإيروطيقية التي تُقام في بعض المناسبات الرومانطيقية السعيدة والنّشطة، والتي يعبّر فيها الجسد المرغوب عن جمال شهواته المثيرة. والمرونة التي يتمتع بها، تجعله يوقع أعتى اللامبالين في فخ اللذة، إنها عظمة الطبيعة، ونداء الغريزة، التي بفضل ذكاء الإنسان ورقيه صارت فنّاً، فنّاً إيروطيقيا جميلا، قطعة من الجنة، عنصر ضروري في الفردوس الحقيقي. ولهذا يعد الله عباده المؤمنين، بجنات وفراديس تتكدّس فيها حور العين الجميلات الراقصات على كل أشكالهن..! فالمؤمن ليس بليد، إنه ينتظر الوعد الموعود: حور العين. وهل هناك أجمل من وجود امرأة تعانقك وتعانقها؟! وهل يمارس الجنس ذاك العامل الفقير ذو العائلة المتعددة الأفراد والأولاد والأفواه التي يجب إطعامها، والذي يشتغل طوال اليوم في قطاعات صعبة، وقد أنهكته مصاريف الحياة ومشقات العيش وضنك البؤس، هل يمارس الجنس بنفس الطريقة التي يمارسها بها ذالك البورجوازي الذي يقضي معظم أوقاته في الاستمتاع بملذات الحياة، وينوّع فيها ويكتشف ويتذوّق؟ هكذا كانت حياتي الوجودية، مرحة وإيروطيقية، كأنّي تلميذ نجيب لِ"أبيقور"، أستاذي الذي أحبّ فلسفته الواقعية في الحياة!؟ إن الإنسان مهْما كان، وأينما كان، هدفه الوحيد هو الإرتقاء، والبحث عمّا هو أحسن. إنها سُنّة الحياة، أي قانون طبيعي. وهذا يعني أن الطبيعة واعية، أو بدأتْ تعي مع التطور. مثل الإنسان الذي يبدأ مادة أو جسم بلا وعي، ثم يتطوّر عنده الوعي شيئا فشيئا... نفس الشيء وقع للطبيعة. في البداية كانت عبارة عن أجسام مادية صلبة وغازية متناثرة في الكون بعد الانفجار العظيم، وبعد ملايين السنين من التطور، تشكّل وعيها الذي صار روح الطبيعة وقوانينها الكونية الثابتة.
ء
ا النشاط الجنسي عند الفقير يتعلّق بِمدى تطوره السوسيوـ اقتصادي والسيكولوجي والثقافي. كل شيء يجب أن يتطور ويسير في خط صاعد حسب إمكانيته التكيّفية والتأقلم والصراع من أجل البقاء. ومن لا يتطور، يحكم على نفسه بالمعاناة أو الانقراض، وعدم التّمتّع بمباهج الدنيا الجميلة. فالجنة توجد هنا في عالمنا المادي هنا قبل الأخروي. ولكنها ليست في متناول الجميع. إن من يعجز عن التطور والتقدّم، سيبقى بكل بساطة متأخّرا، متأخر في كل شيء. وهذه حال بعض البلدان والأشخاص اليوم. وهذه الدرجات من الوعي ينسحب على كل أنشطة الإنسان بما فيها النشاط الجنسي. هذا النشاط عند الفقيرقد لا يدوم أكثر من دقائق معدودة، كنظيره عند الحيوان، في حين عند الطبقة الغنية، يدوم طول المساء والليل، بل كل العمر..! من فضلك، إذا كنتَ تتنفس، وربما بمشقة، فهذا لا يعني أنك تعيش؟! فالعيش فيه وفيه، وكذالك قيمة الحياة، فيها وفيها. وأحيانا تكون ليلة نشاط واحدة أروع من سنة من العمر، فالعُمْر لا يُقاس بعدد السنين التي عشْناها، بل بمقدار لحظات اللذة التي كنتً تعوم فيها وأنتَ سكران بالسعادة. أنت تعرف ما أقصد، فوربّي لا تكذب على نفسك وتزيد إلى استلابك انفصاما واغترابا، لِأنني مللْتُ من المجاملة المحابات والضحكات الصفراء والسّخرية بكم. مللتُ من كل هذا ومنكم..! عدِّد لي ولو حسنة واحدة في كياناتكم المهترئة التي نخرها سوس النفاق والنصب والاحتيال! إني بريئ منكم أيها المنافقون، وأريد حالا الهروب والبعد عنكم أيها القوم الظالمون. الآن فعلا سأهاجر، ولكن هذه المرة لِلأبد، وسأستمتع بهجرتي حقّا، ولن أضع رِجْلا هنا ورجلا هناك. حتى قبري سيكون هناك في ديار الغربة، لقد حسمتُ هذا الأمر مع نفسي. ولكن الحقيقة المرّة، هي أن أشخاصا أقرباء، هم مَن سبّبوا لي في هذا الاِغتراب الأبدي الكئيب، والبُعد بآلاف الأميال والبحار عن وطني وقبر أمي. لقد هربتُ منهم لكيلا أراهم، وتركتهم يصارعون ضمائرهم الجيفة والنّتنة...ء
ء عُدتُ إلى نفسي وصرختُ: الحمل الحمل. يجب أن نتحرك قبل فوات الأوان على الإجهاض. إنها داهية في خلق أجواء الرومانسية، لِتُنسينا مرور الوقت الثمين، عندما تريد وتشتاق إلى المُتعة واللذة. في الواقع، بدأتُ أُهذي وأنا أحاور نفسي. هل هي بداية الجنون!؟ هذا ما كنتُ أخاف منه: أن تُفقِدني حبيبتي صحتي العقلية، وهي التي خانتني مع مَنْ دمّر لها صحتها الجسدية والنفسية..! أنا مؤمن كل الإيمان، أن تقريبا كل النّساء سواء، هذه فلسفتي عن سيكولوجية بزار أو سوق النساء. لا أُعمّم هذا على كل نساء الأرض بطبيعة الحال. التعميم بلادة، وعدم رؤية الاِختلافات الكثيرة بين بني البشر. المرأة الغربية مثلا، إعتمدت على نفسها في عملية التحرر، واعية أنه لا يحكّ جلدها مثل ظفرها، فتحرّرتْ بفضل مجهوداتها في التعليم والدراسات والعمل، وكذالك النضال السياسي من أجل فصل الدين عن الدولة. لذالك لا بوجد عندها هوس الزواج ولا عار الطلاق، ولا شرائع سماوية تحُدّ من حريتها وتُقيّد تحرّرها. الإشكالية التي تعاني منها المرأة في البلدان التي تشبه بلدنا في التأخر واستبداد التقاليد البائدة، هو استئصال كل الإيديولوجيات التي تُناصبها العداء، وعلى رأسها كل الأديان التوحيدية الكبرى، والتّأقلم مع قوة الرجل البدنية كشريك أو خصم عنيد وعدواني في الوجود، التّأقلم باستعمال سلاح الدموع واستدرار الحنان، وإلا فمصيرها الهستيريا والاكتئاب والطلاق، واستعمال مفتاح اللذة الذهبي للإشباع الشبقي الغريزي عند الشريك الخصم، الضعيف من هذه الناحية، إنها سياسة العصا والجزرة. ذالك السلاح الفتّاك الذي ركّبتْه الطبيعة في النوع البشري ليحميهم من الانقراض والأفول، هذا السلاح الذي تتهاوى أمام سلطته كل القوى. تلك ربما أعظم لحظات الشعور بالتفوق عند الجنس الضعيف وفتوحاته التاريخية، وتعويض نقص الواقع المزمن الذي يدكّ كرامتها مشحونا بالتقاليد الغابرة، وظلم كل الأديان لها... الامتناع أشد وطأة على الرجل حين تريد الزوجة اِبتزازه ومعاقبته، والانتقام عند النساء قاعدة عامة. ما زالت أصداء الخطيئة الأصلية ترنّ في التاريخ البشري حين طرد الله آدم وحواء من الجنة، بسبب استعمالها للحرب ضد آدم، المفتاح السحري والحيلة، فأذْعنَ لها صاغرا وأكل التفاحة المشؤومة، التي أدّى ثمنها غاليا، وذالك حين عاقبهما الله بسبب الخطيئة الأصلية. وهنا وُلدتْ مأساتها. إن حواء ستبقى حواء، ولن تتغير إلا بتغير قوانين الطبيعة ذاتها. وهذا هو المستحيل بعينه. على حواء أن تتكيف مع قوانين الطبيعة. ومن باب الأمانة، القول أن ما خلقته الطبيعة كان هو الصواب والعدل. لقد أعطتْ القوة البدنية الخشنة للرجل ليكون متفوق على المرأة ليحمي عشه ويحميها هي وأولادها معها لِاستمرار النسل وعدم الانقراض، بل ويحمي الأوطان كلها، في عالم لا تسود فيه سوى الذئاب. ومنحت المرأة ذالك الجسد المرمري الشهواني كجنس ظريف. وزوّدتها بالمفتاح السحري الذي هو امتلاك أسرار السعادة وينبوع اللذة لِجذْب الذكور للتزاوج والتكاثر، وتهييء أجواء المتعة والجنة، كخواتم المسك لقضاء لحظات المتعة. إنها وظيفة طبيعية عادية مُكمّلة لبعضها البعض بالنسبة للعقول الراقية، خلقت لسعادة الإنسان وترقيته، لا لِابتزازه. والطبيعة الواعية تعرف أين تسير، وهذا بالنسبة لي بدون أدنى شك. لماذا؟ لِأني بنيتُ نسقي الفلسفي هذا على أسس متينة لا يمكن معارضتها لمنطقيتها ودرجتها العلمية المعمول بها الآن، لِأنها الفلسفة الوجودية الوحيدة التي أؤمن بها اليوم وإلى الأزل، والتي ستكون عقيدة المستقبل. ذالك أني أعتبر أن الله الذي يسري فينا وفي الطبيعة المحيطة بنا، والذي طالما اختلف فيه الفلاسفة والحكماء، وغيروا مكانه في الغابات، كالطوطم المهبول، أو لعبة في أيدي الأطفال، ونوّعوا أسماءه، وعدّدوا ألقابه حسب الشعوب والحقب التاريخية المتعاقبة، فوصلتْ إلى 99 إسم أحيانا...إلخ، ما هو سوى القوة الأبدية التي تحرك الكون وتتحرك فينا جميعا، فكل واحد مِنّا قبس إلاهي، ونور الرب. فالله والطبيعة شيء واحد. فأنتَ في قمة ما وصل إليه تطوّر الطبيعة، وبالتالي، فأنتَ جزء من الله، وخليفته في الأرض. لكن حذار من إساءة قوانين الطبيعة والتّعدّي عليها وعدم احترامها..!ء
ء ما يبدو لنا من الطبيعة، ليس فقط الجزء الواضح من الله الذي نراه حين نتفسّح في الحدائق والغابات، أو نتسلق الجبال ونعوم في البحار. بل حتى الهواء الذي نتنفّسه هو روح الله. الكون موجود بوجود الله نفسه الذي هو ماهيته وجوهره، بل هو الله بالذات، والعكس صحيح. فالله تموْضع في الطبيعة وفي كل ذرّة من أجل أن نقدّسها ونحبها ونحميها من كوارث البشرية. فمحرابنا منذ اليوم هو الطبيعة. ومن هنا يحق القول: "أينما تولّيتم فثمّة وجه الله"، إنها آية ملائمة تماما في هذا السياق الكوني. صدق القرآن العظيم. الله ينتشر في كل جزء من الكون. ف "كل شيء هو الله، والله هو كل شيء" وأن الله الذي يسري فينا وفي كل شيء، له نفس النطاق ونفس الحدود المكانية أو المتسلسلة، مثل الكون. هو نفسه وليد الاِنفجار العظيم!ء
ء كان عظمة سبينوزا الأساسية في كسْر ثنائية ديكارت الخطيرة وغير العلمية. وكان يميل إلى الهندوسية. الكثير من الفكر الهندوسي وأديانهم، تعبير عن وحدة الوجود هذا، لهذا كان لهم من التوازن السيكولوجي ما يفوق توازننا وراحتنا. لا أجرأ على القول أننا قوم بدون توازن ولا شخصية، قوم منافقون ومُخادعون، قوم طائفي مغلوق وعقيم، سيظل يمثّل طوال وجوده، لِيبرّر باستمرار لنفسه، أنه جِدّ سويّ، وأنه بعيد عن محيط "السّكيزوفرينيا" وقارّة الانفصام!ا
ءتأمّلتُ صورتها من جديد، وبدأتُ أضحك وأنا أحكي لها ما جرى أيام رسمتُ صورتها الأولى:ا
ـ ـلقد وقعت واقعة بسبب ذالك
البورتريه الذي رسمتُ لك في السبعينات.
نظرتْ إليّ وعيناها تشعّان حيرة، فسألتني:
ـ وماذا وقع عبد الرحمان؟
ـ كنّا نسكن دار الحاج حدّو الضيقة. أنتِ تعرفينها. كان فيها فناء بدون سقف. كنت أحب الرسم فيها لتوفّر الضوء والهواء الطلق. وقد رسمتُ وجهك فوق وجهي، وهذا ما جرّ عليّ مشاكل كنتُ في غِنى عنها.
ـ أنتَ تُحيّرني حبيبي، قل لي ماذا وقع؟
ـ كان عندنا في ذالك اليوم خالي المجاهد عبد السلام وأخي الكبير محمد وأخي عبد الله. كانوا يجلسون على حصيرة وهياضر فرّشتْها لهم أمي. وكانوا يشربون الشاي بالنعناع ويستهزئون بي. هؤلاء الثلاثة عندما يلتقون، يمضون وقتهم في الضحك وقول النُّكت.
ـ لماذا كانوا يستهزئون بك وماذا قالوا؟
ـ كانوا يقولون بسخرية أنني مثقف ملتزم يدافع عن حقوق المرأة لدرجة يضعها فوق رأسه! وأنني مراهق ساذج أعيش في الأحلام، وأنني ستُبْدي لي الأيام ما كنتُ جاهلا، وأنني سأصطدم يوما بالواقع المرير وأُغيّر أفكاري الطوباوية!
ـ أمانة للحقيقة لم يقولوا عيبا. وما قالوه أعرفه وأعرف أكثر من ذالك عنك حبيبي. هم مُحقّين. فأنت إنسان مثقف هادئ تدافع عن حقوق الإنسان ولا سيّما حقوق المرأة. هل تظن أن كل المغاربة ، وخصوصا سكان منطقتنا الريفية، يفكرون مثلك؟ وهل تظن أنهم يمكن أن يفعلوا ما فعلتَه أنتَ حبيبي، أن يتزوّجوا امرأة مطلقة معطوبة الصّحة، مع ابنة غير شرعية، فضلا عن أنها خانتك وتزوجتْ غيرك؟ هذا كثير أسّي الصقلي!
في الواقع، هناك بعض الحركات والإيحاءات والتعابير تجعلك تعرف بعمق أكثر نمط الشخص الذي تعيش معه، ونوعية أفكاره واتّجاهاته النفسية، ومدى صِدق مشاعره نحوك. هذا الاعتراف جعلني أحتار في موقفي ولا أعرف ما سأفعل. فقد وضعتْنا بِاعترافها هذا، في صميم الواقع الصعب والمرير الذي جئنا منه، والذي نحن حصيلة مخاضه، ووضعنا خارج الرومانسية التي كنا نعوم فيها. وختمت الاعتراف بقولها:
ـ لم أقل لك أنني حاولت الانتحار عندما اتفقتْ عائلتي على تزويجي كرها عني؟ لقد هربتُ عند خالي الدكتور في فيلته بالقرية.
كنت سأجيبها بصاعقة أخرى سبّبَتْ لي فيها وآلمتني كثيرا. وذالك في شهر يوليوز المنصرم. كنتُ آتٍ من عند أختي يامنة في دار الحاج حدّو حيث تصل رسائلنا. وأنا ذاهب إلى شقتنا الجديدة في عمارة وعْليت. فتحتُ تلك الرسالة المشؤومة التي أرسلتها لي من بروكسل، تأمرني فيها بعدم الذهاب إليها. صُعِقْتُ وأنا أقرأها. كان خطها رديئ وتعابيرها ركيكة. ولكن المضمون كان جلياً كالشمس: "حبيبي عبد الرحمان، لا تأتِ عندي إلى داري ببروكسل. ظروفي لا تسمح لي باستقبالك.
ء لم أُعِر أية أهمية لملاحظتها التبريرية الأخيرة: "أظن قلتُ لك من قبل أنني حاولتُ الانتحار عندما اتفقتْ عائلتي على تزويجي كرها عني؟ لقد هربتُ عند خالي الدكتور في فيلته بالقرية، ...". لا، لن أثق فيها أبدا، فالنساء في ميدان الكذب والتمثيل عبقريات يفُقْنَ الشياطين والأبالسة! ثم أنه فات الفوت، ووقعت الفأس في الرأس. هذا النوع من الاعتذار لن يغير من واقعنا الأليم شيئا، فكما يقوا المثل الفرنسي: "الضرر حدث". ويستحيل لصق القطع المكسرة مرة أخرى أو جبْرها...
Le mal est fait
ولكن مشكلتي الأزلية أن قلبي مال إليها وتعلّق بها، ولا زال يحبها. فما العمل، وما هو الحب أصلا. آمل أن لا أكون أخلط بين الحب والشفقة في مغامرتي العاطفية هذه، من أجل الوفاء بعهدي، ومن أجل ابتسامتها.
ء ومرّت الأيام، ما بين رمادية وسوداء وبيضاء، وأحيانا ليالي وردية، لننسى بها مرارة حياتنا المشتركة التي لم يبقَ منها سوى شذرات صاعقة، وذكريات مؤلمة. ولكن الكل غارق في كآبة، وأجواء من الفراغ العاطفي الخانق. كنتُ أعرف بالدراسات العميقة، وكذالك فضلا عن تجاربي الشخصية، أن العاطفة لا تحب الفراغ، تماما كالطبيعة. كل شيء في الطبيعة ممتلئ، على الأقل بالأثير والهواء والضوء، هذا إذا لم يكن هناك تراب وماء ومواد صلبة. كذالك العاطفة، لا يمكن أن تهدأ إذا لم يكن هناك من تحطّ عليه، أو أي شيء تتعلّق به ولو كان حيوان. أي ترتبط به وتحبه لِملء فراغها. لم يكن عندي أولاد لِأحبهم وأُشبِع عاطفة حبي الأبوي فيهم. وهذه هي العاطفة الأكثر سموّا، والقاعدة لكل حب طارئ آخر، كحب حبيبة أو عاشقة. الفراغ العاطفي قد يؤدي إلى الجفاف العاطفي، وبالتالي إلى الطلاق العاطفي، فتذبل المشاعروتتبلّد الأحاسيس. كما لم يكن عندي هنا أصدقاء، ولا حبيبة أعبدها في مراهقتي وشبابي. كانت عندي الكثير من الصديقات والعاشقات في الناظور والرباط. ولكن بسبب حبك أدرْتُ لهن ظهري جميعا لِأتبعك وأكون مخلصا في حبي لك؟! لقد قتلتني مرارا وجعلتِ من حبي تابوتا، ومن غرامي لكِ كبشا مصلوبا ومعذبا؟ لن أسمح لك أبدا أبدا. ولكني سأكون لكِ زوجا مسؤولا ومثاليا..!ء
ء مرّتْ هذه السنة الدراسية والمهنية بسرعة فائقة. لم أحس بمرور الأسابيع والشهور حتى وجدتُ نفسي على أبواب شهر يوليوز الحار. ستحل عطلة الصيف بعد بضعة أسابيع. سأستعد لِلسفر وحدي هذا العام. فزوجتي احتفظتْ بحملها الذي في عمره اليوم بضعة أشهر. وحسب صور الموجات فوق الصوتية، كان الجنين ذكرا، مِمّا جعل زوجتي وابنتها تطيران فرحا. من المؤسف لها أن لا تسافرمعي هذا العام، لأنه يُمنع السفر على النساء الحوامل فيالبواخر والطائرات.ء. ء
ء عندما وصلتُ إلى الناظور، بدأتُ أبحث مباشرة عن أمي. ذهبتُ أولا إلى دار أختي الصغرى ميمونت التي تزوجتْ العام الماضي. كانت في بيتها. شربنا الشاي مع حلويات من صنعها. كانت الساعة السابعة مساء، والشمس لا زالت في السماء جهة الغروب. ألحّتْ عليّ أن أتعشى وأقضي الليل معهم، ونذهب معا غدا لزيارة أمي التي تقيم مع أخي عبد الله في شقة جديدة لم أكن أعرفها. لكني امتنعتُ بسبب اِشتياقي لرؤية والدتي. لبستْ جلبابها وخرجنا تاركين وراءنا بناتها وحماتها. في الطريق، سألتها عن مصير شقة وعليتْ، فقالت أن أخانا عبد الله سلّم مفاتيحها للمالك الذي تنازل بدوره عن أجرة الشهور التي لم نؤدّيها، ورحلتْ لتسكن معه. لم تمض 7 دقائق حتى أحسستُ بيد أختي توقفني. كنّا في شارع عريض وطويل، أمام عمارة مكونة من أربع طوابق وواجهتين. بمقهى واسع في الرصيف. وأشارت علي بالدخول. صعدنا الدرج حتى وصلنا إلى الطابق الثالث ونحن نلهث. فكرتُ في زوجتي وكذالك أمي، سيصعب عليهما تسلّق هذا الجبل كل يوم. عندما دخلنا، وجدنا أخي عبد الله وزوجته وأولاده في البيت. أما أمي، فقد كانت في غرفة نومها تصلي صلاة المغرب. جلسنا في الصالون، وأتت الخادمة بصينية الشاي والحلويات. ثم جاءت أمي، وقمتُ لأعانقها. كنت مشتاق لرؤيتها حقاً. فتحتُ حقيبتي ووزّعتُ الهدايا لمن كان معنا. تناولنا العشاء وبقينا ساهرين نتحدث عن كل شيء. وبعدها ذهبتُ للنوم، وأنا فرح بوجودي وسط عائلتي.ء
ء في صباح الغد، أتتْ عندنا أختي الكبيرة يمينة من أزغنغان، ومعها أختي يامنة التي قدمتْ مع زوجها من بني بوغافر. فرحتْ أمي لتجمّع أولادها حولها. وقالتا أن أختنا حورية ستأتي أيضا من العروي. فرحنا جميعا بهذا اللقاء الأخوي الذي قضيناه في الدردشة وتحريك مختلف الذكريات وإلحاح أخواتي على مساعدة أخي عبد الله ماليا لِيشتري منزلا. نظرتُ إلى ساعتي، الحادية عشر والنصف، قُمْتُ ونبّهتُ أخي عبد الله أنني سأخرج للتّبضيع وشراء ما نحتاجه للغذاء في السوق. واقترح عليّ مرافقتي فقبِلت. في الطريق، مررتُ عند وكالة لتعليم السياقة. حصلتُ على كل المعلومات المتعلقة برخصة الساقة ومدة التعلم وكل المصاريف الواجب أداؤها. لم أرد أن أضيع ولو يوما واحدا من عطلتي في الناظور، لذالك عملْتُ ما نصحني صديق من أني يجب أن أعطي لمعلم السياقة 1000 درهم لكيلا لا يُسقطني وأضيع الوقت والدراهم في إعادة الامتحان. وهذا ما فعلتُه. ولكنني عندما خرجتُ وأخبرتُ أخي عبد الله بذالك، غضب قائلا:ء
ء ـ أنتَ لستَ أمّيّ ومتأكّد أنك ستنجح، فلماذا أعطيتَه هذه الرشوة التي لا يستحقّ؟ إنتظرني، سأذهب عنده لِاسترداد 1000 درهم. مزيان..!ء
ء غاب لخمس دقائق ثم عاد فرحا. وتابعنا طريقنا إلى السوق وأنا أفكّر: سيكون سهلا عليّ النجاح والحصول على رخصة السياقة. سبق لي أن تعلّمتُ القيادة مع أخي محمّادي عندما كانت عنده سيارة "فولكسفاكن" البيضاء. لا زلتُ أتذكر يوم سُقْتُ بأخواي محمادي وعبد الله ونحن عائدون من شاطئ "قرية أركْمان" حيث كنا نعوم في البحر. وقد ضحكا كثيرا عندما صرختُ على صاحب دراجة لكي يسير على هامش الطريق وليس الوسط كما يفعل الآن. وأعدتُ الصراخ وأنا ألوّح بيدي شاتما، ناسياً استعمال منبّه السيارة، مِمّا جعلهما يضحكان ملء أشداقهما!ء
ء
يتبع





Commentaires
Enregistrer un commentaire