الفقرة 66 ـ الحادث الرهيب ـ الحياة في بلجيكا


الحادث الرهيب

 الحياة في بلجيكا




الحادث الرهيب





ء   كانت الهجرة قدرنا. هكذا كانت تمرّ حياتنا في التّنقّل والتّجوال. لا نكاد نحطّ الرحال في هذه البلاد أو تلك العاصمة، حتى نحمله من جديد كالصّلْبان إلى بُلدان وعواصم أخرى. هذا قدر الطيور المهاجرة. تمضي حياتها في معابر الحدود، والأسلاك الشائكة، والتكيّف مع الأوضاع المتناقظة. تعيش بين المطرقة والسّندان، بين توقان الاستقرار وإجبارية التّرحال، بين الموت والحياة، بين السّعير والفردوس..! كانت أمي أوّل مَنْ فتحتْ أبواب جهنم هذه، أقصد أبواب الهجرة والشّتات، فصرنا كلنا مهاجرون ومسافرون في عالم بدأ يصغر شيئا فشيئا في عيوننا، وذالك تبعا لتراكم تجاربنا، وتعمّق معارفنا، لِتُصبح هذه الهجرة قدرنا. ولا زال النزيف جاريا إلى الآن، ولا سيّما في عصر العولمة، مع أجيال جديدة من الأحفاد وباقي العباد..!ء
ء   في أواخر شهر غشت 1982عُدْنا من الناظور إلى بروكسل حيث دارنا. كل شيء كان على حاله كما تركناه في شقتنا، كل شيئ على ما يرام في مكانه، وكل شيء بخير والحمد لله! بدأتْ زوجتي تتفقّد الدار، وترتّب بعض حوائج السفر، ثم أشعلت الثلاجة لِتضع الأطعمة في أحشائها، ونادية في غرفة نومها تلعب متلهّفة بِألعابها التي اشتاقت إليها. لم تراني وأنا أمرّ أمامها لِأفتحَ شرفة غرفة النوم لِتغيير الهواء، كانت منهمكة في ألعابها الخيالية. ألقيتُ نظرة على منازل جيراننا النصارى. الهدوء شامل ومُلهم. الحيّ هادئ، والجو صيفي جميل كأجواء بلادي الساحرة، ولكن بدون هندية ولا صرخات الباعة المتجوّلون ولا  أبواق الصوامع حيث تنبثق الآذان. ما عدا كنيسة "سانت أنطوان"، التي كانت أجراسها الرخيمة تدقّ مرة في الأسبوع. كان يوم الأحد. أمْضينا عطلة صيف سعيدة مع أهلنا وأصدقائنا في الناظور. واشتغلتُ خلال زواج أختي الصغرى الذي كان عرسا جميلا. كانت آخر فرْخ يطير بِأجنحته، ويغادر عشّ عائلتنا، في موكب ذالك العرس البهيج، وسط زغاريد النساء، والتساؤل عما يخبئه المستقبل من مفاجآت. أما الآن، فقد عدنا إلى حياة الغربة والجِدّ من جديد. لم يبق للدخول المدرسي سوى بضعة أيام. وبعدها سأستأنف دراساتي الجامعية والفنية، وعملي كأستاذ للدين الإسلامي في ثانويتين ببروكسل، وتعليم اللغة العربية بالمركز الإسلامي.ء
ء    مضت الأيام بسرعة البرق، ولم نحسّ بمرور الوقت حتى حلّ شهر دجنبر القارس البرودة، والطويل الليالي. لا أستطيع نسيان تلك الليلة الأربعاء، حين أخبرتني زوجتي بِنبإٍ صادم هزّ كل أعماقي، وهو أنها حُبْلى مِنّي! الشيء الذي صدمني. كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا. ونادية نائمة في سريرها الصغير بجوار سريرنا حيث كنا مستلقين أنا وزوجتي. كان نصف نهار ذالك اليوم الأربعاء عطلة للتلاميذ. وقد خرجتْ زوجتي مع ابنتها نادية وذهبتا إلى المتنزه الكبير في حيّنا لِلقاء صديقاتها والدردشة معهن في كل شاذّة وفاذة. فلعبت البنت كثيرا، وجرتْ بين أشجار الحدائق، تركض وراء الحمام والبط العائم في البِرَك الهادئة. ولهذا تعِبتْ ونامت مبكّرا. نظرتُ إليها أتأمّلها قائلا:ء
ء     ـ وجهها بريء وملائكي. إنها تشبه أباها محمد الريفي، زوجك. لا أفهم بعض الآباء، لماذا لا يبحث عنها ليراها. هل هذا الأب عديم الرحمة إلى هذه الدرجة!؟ء
ء    وهنا خفظتْ عيونها لِتتحاشى التقاء نظراتنا كالعادة. ثم قالت:ء
ء     ـ العام الماضي طرحتَ علي نفس السؤال، وأجبتُك أنها بدون أب. إبنتي نادية ليس لها أب عبد الرحمان.ء
ء     ـ المعذرة حبيبتي. لم آخذ ذالك محمل الجدّ، كنتُ أظن أنكِ تمزحين. ولكنها تشبهه حتى في القامة. أنا رأيتُ زوجك عند صديقي المصوّر السياحي حسن الذي كان جارنا. خرج من داركم مع الساعة الرابعة، وتبعتُه حتى دخل ستوديو التصوير. ربما جاء ليأخذ الصور التذكارية لِعائلتك في مراسيم خطوبتك السعيدة!ء
ء    تأمّلتني وفي نظراتها دهشة وعلامات استنكار واِستفهام. كنتُ أعرف ردّ فعلها قبل أن أتكلّم. نهظتْ من السرير وجرّتني من يدي وهي تهمس بصوت منخفظ لكيلا توقظ ابنتها:ء
ء     ـ تعال حبيبي نجلس في الصالون لنتحدّث بحرية وتدخّن سيجارتك. هل سآتيك بالشاي أم تشرب النبيذ. عندنا زجاجة لم نفتحها بعد.ء
ء     فكرتُ مع نفسي وأنا تحت تأثير صدمة الحمل وجِدّ غاضب. ولكن يجب السيطرة على غضبي وأعصابي المتوتّرة. في مثل هذه الحالات، التروّي والصبر هما مفاتيح الحلّ. ما من شك أنّ حديثنا سيطول هذه الليلة، ولا بدّ أن ألقي عليها أسئلة حرجة تتعلّق بماضيها وعلاقاتها القديمة، ولماذا خانت عهدنا. لا يمكن لي أن أخنق كل هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام بدون أن أبوح لها بها. سيفوق طاقتي أن أكبحها أو أقمعها لتكون من سقْط المكبوبات التافهة، في حين أنها الذكريات الأكثر ألماُ في حياتي، ولهذا قبلتُ شرْب النبيذ من باب الاحتياط ليكون مبرّرا لِجرأتي وانزلاقي الكلامي اللاشعوري أحيانا، ويكون شفيعا لِهفوات لساني وتهجّماتي اللاّإرادية. ولا بدّ أنها فهمتْ نفس الشيء، ولهذا أتتْ بكوبين فاخرين لنشرب معا. لذالك قلتُ لها تشجيعاً:ء
ء    ـ أفضّل النبيذ حبيبتي. معكِ يحلو النشاط والحديث وسمر الليل يا أجمل اِمرأة عرفتُها في حياتي..!ء
ء     وضعتْ زجاجة النبيذ والكوبين فوق الطاولة، وعادت إلى المطبخ لتأتي ببعض المأكولات والقاوقاو كفاتح لِلشهية، وجلستْ وهي تقول:ء
ء     ـ حبيبي، منذ زواجنا لم نجلس يوما ونتحدّث براحة ونتداعب كعاشقين، بسبب اِنهماكي في تربية ابنتي، وأنتَ بسبب أعمالك ودراساتك المتواصلة. وخلال هذه العطلة الصيفية كنّا مُشتّتون وبعيدون بعضنا عن بعض. إشتقتُ إلى معانقتك والجلوس بجانبك، والحديث معك، والنظر في عينيك بحرية وبدون إحساس بالنقص، بسبب أسرار أخفيْتُها عنك حبيبى. ولكنني اليوم سأفجّر الرمانة كما يُقال، وأحكي لك بعض تفاصيل حياتي منذ زواجي. وبعد ذالك سنتحدث عن عرس أختك ميمونت، وأحكي لك ما وقع لي خلال العطلة، وكل مَن رأيتُ من أفراد عائلتي في حيّ "إبَرّاقَن".ء
ء    سكبْتْ لي كأس خمر تشجيعا لِتسامحي و"بلادتي"، فأشعلتُ سيجارتي وأنا أستمع إلى حديثها بمنتهى الشوق، فاستدركتْ:ء
ء    ـ ولكن قبل أن أحكي لك وقائع الناظور والعرس، أعود إلى موضوع نادية التي هي سبب حديثنا اليوم. نادية عبد الرحمان ليستْ إبنة زوجي الأول محمد الريفي. زوجي الأول من ميضار، أبوه كان يشتغل في بلجيكا فأدخلهم في إطار التجمع العائلي. ومع أنهم تربّوا في بروكسل، فإن عقليتهم جد محافظة وخشنة. لم يدم زواجي معه أكثر من عام، فوقع الحادث الرهيب كما تعرف.ء
ء    ـ تعنين بالحادث الرهيب سقوطك من الطابق الثالث؟ء
ء    ـ نعم. ولكن ليس سقوطي، بل محمد زوجي من دفعني عمدا لِأسقط. أي أراد قتلي.ء
ء    ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. عندما تتزوج بناتنا وأخواتنا، فإنهن يفعلن ذالك ويغادرن ديار آبائهم أملا في تحقيق أحلامهنّ والعيش الرغيد في الأعالي والمعالي، وليس ليسقطْنَ في الهاوية مع الأهالي. مع الأسف حبيبتي الساحرة.
ء




ء    إقتربتْ مني وعانقتني معترفة:ء
ء    ـ الناس لا تفكر كلها بطريقتك الراقية حبيبي الغالي. أنتَ إنسان إيجابي.ء
ء    تناولتْ كوبها وملأته وبدأتْ تشرب. وتناولتُ أنا كأسا ثالثة وكلّي هيجان، وأشعلتُ سيجارة أخرى. أحسسْتُ بعقلي يدور وينعتق من الخجل والكبْت، إنه تأثير الخمر. تأملتُها بشغف عنيف، ثم اقتربتُ منها وبدأتُ أقبّل شفاهها الورديتين. وأردّد لها أنني أحبها وأثق فيها، وأشاركها معاناتها. واستمرّتْ في سرْد أحداثها الدرامية بالتفصيل:ء
ء    في صباح ذالك اليوم الذي وقعتْ فيه الواقعة الرهيبة، كان زوجي مع أصدقائه في المقهى. وعمّي كان في العمل. وقد أيقظتني حماتي من نومي عندما دقّتْ بعنف باب غرفة نومي لِأقوم بالأشغال المنزلية كالعادة. فغضبتُ عليها وتناقشنا. في الواقع منذ دخولي كزوجة أو خادمة في تلك الدار، كنتُ ضائعة أعيش في الفوضى. لم أكن أعرف محلّي من الإعراب وسط تلك العائلة العنيفة، ولم أكن أعرف ما أفعل وأنا بدون شريك، ولا أهمية لي في الدار ما عدا الأشغال. زوجي كان يمضي كل أوقاته في الأزقة والمقاهي يدخن الحشيش مع أصدقائه. وعندما يرجع في الليل تهيّئ له أمه العشاء وأحيانا ينام معها في الصالون، دون أن يسأل عنّي. الأب هو الوحيد الذي يشتغل. وثلاثة أولاد أحدهم ما زال يتابع الدراسة، والآخرون غادروا الدراسة وانحرفوا وبقوا بدون شغل.ء
ء    ـ ولماذا أسقطكِ زوجك؟ء



  
 فواجع حبي الأول ـ Les drames de mon premier amour  


ء    ـ جاء زوجي مع الغذاء، ومرّ عند أمّه التي أثارته وحشذتْهُ ضدّي ببكائها وتمثيلها، فطلع إلى غرفة نومنا وضربني بقسوة، ودفعني في النافذة المفتوحة فسقطتُ، وبعد ذالك فقدتُ الوعي وبقيتُ في الكوما مدة 3 أشهر. ولمّا رأى الجيران ما جرى، تجمهروا ليستطلعوا الخبر، وهل السقوط كان جريمة أم إنتحار. في ذالك الوقت، أمرتْ حماتي زوجي بالإختفاء، وصعدتْ  إلى غرفتي، وجاءت بسطل مليئ بالماء والجافيل وجفّاف النظافة. وبلّلت النافذة المفتوحة بالماء والصابون، وبعد ذالك نزلتْ وسط المارّة، تتصنّع البكاء على زوجة ابنها المسكينة التي سقطت وهي تنظّفُ نافذة غرفتها..!ء
ء     دمعتْ عيناها وهي تحكي وقائع ذكرياتها الدرامية، وتناولت بسكوطة، وبدأتْ تبكي.ء
ء     ـ وماذا وقع لك بعد السقوط؟ء
ء     ـ نادى الجيران على سيارة الإسعاف التي حملتني إلى المستعجلات. وبعد ذالك غِبْتُ في الكوما مدة شهور.ء
ء     ـ وبعد استيقاظك من الكوما، كيف كنتِ تمضين أيامك ومَن كان يزورك؟ء
ء     ـ لا أحد. لم تكن عندي عائلة في بلجيكا ولا أقارب لِيزورونني ويسألوا عن أحوالي. كان هناك رجل مغربي الوحيد الذي يأتي لِزيارة أخته المريضة التي كان سريرها بجوار سريري، فكان يسألني عن صحتي ويأتي لي بحلويات وورود. هو الذي آواني بعد خروجي من المستشفى. كان يحبني.ء
ء     ـ بطبيعة الحال أن يحبكِ حبيبتي. جمالكِ الفتّان لا يُقاوَم، والدليل هذه الضحية السكرانة أمامك الآن، رومِيو الناظور، أيْ أنا. هههههه!ء
ء    وبدأنا نضحك معا على هذه الدّعابة الخفيفة. كان وقْع هذه العبارات الغزلية وتعابير الحب والعشق تروق لها كثيرا، ولا سيّما أننا منذ زواجنا لم تتوفّر لنا فرصة كهذه، لنتحدّث ونتبادل همومنا وسعادتنا، ونعبّر عن مشاعرنا الفيّاضة. رشفْتُ ما بقي من الخمر في كأسي، وأشعلْتُ سيجارة أخرى وقبّلتُها كثيرا وأنا أتأملها وأشمّ رائحة شعرها، وقلتُ لها:ء
ء     ـ لا يمكن أن تتصوّري كم أعبدكِ حبيبتي مليكة. بقدر معاناتك الأليمة، بِقدْر حبي لك يا حبي الأول وأحلى جارة!ء
ء     كانت علامات الفرح والاِطمئنان بادية على وجهها، ربّما لِوثوقها أنها بكل هذه الحكايات المُرقّعة والاعترافات قد أقنعتني. وبدأتْ تضحك وهي تشرب. كانت تبدو واثقة من نفسها، وسعيدة في حياتها معي وتثق بي ولو نسبيا، وإلاّ لما كشفتْ لي هذه الأسرار الشخصية كلها. في الواقع، بالنسبة لي لم تكن هذه العلاقات تعجبني أبدا. ولكنني تصنّعْتُ اللامبالات، بل أحيانا كنتُ أهيج شهوة وهي تفسر لي أيام نشاطها ودعارتها مع الرجال الآخرين الذين كانوا ينشطون معها، وشجّعتُها على كشْف المزيد. كانت تلك الطريقة الوحيدة لِأعرفها أكثر، وأسبر أغوار أعماقها لِأرتاح لها، أو ربّما أنفر منها إلى الأبد. لقد جرحتْ قلبي بطعنة قاتلة، وفي فترة حرجة من حياتي المراهقة الهادئة، ولهذا كان هذا الحمْل المفاجئ صدمة لي لم أكن أتوقعها. فكّرتُ ملياُ وسألتُها:ء
ءء  ـ وما اسم ذالك الرجل الذي كان يزورك ويحبك؟
ء    ـ إسمه قاضي قدّور.ء
ء    ـ هو في أي ناحية يسكن في المغرب؟ء
ء    ـ بركاني. يسكن في بركان.ء
ء    ـ وأين يسكن في بروكسل؟ء
ء    ـ لم يعد يسكن في بروكسل. رحل عنها قبل ظهورك وزواجنا.
ء     في الواقع لم أكن أثق بها ولا بما تحكيه لي من أحداث حياتها التي لم تكن أقل من فصول مرعبة في الجحيم. ولكنها المسؤولة عن معظم كوارثها الشخصية، كذا أزماتي وكوارثي، الجسدية منها والنفسية.، هي التي خدعتْ وتزوجتْ وطلّقتْ وسقطت وهربتْ وحملت وأجهظتْ..! تخبرني عن أنصاف الحقائق، وتخبّئ الأهمّ، وتغلق في وجهي كل الأبواب، لكيلا يبقى لذكرياتها أثر يمكن أن يهديني لِأعرف زوجها محمد السابق مثلا، وصديقها قاضي قدور الذي دامت علاقتهم أربع سنوات، والذي قالت أنه رحل من بروكسل، ووالد ابنتها نادية الميكانيكي الذي قالت أنه مات في حادث سيارة وفارق الحياة. وزوجها السابق الذي لتمنع أي اتصال بهم، إدّعتْ أنهم باعوا الدار التي وقعت فيها مأساة السقوط ورحلوا. لقد هندستْ كلامها بطريقة شيطانية سدّتْ عليّ كل أبواب معرفة الحقيقة، أنا الذي يعجبني أن أعرف الأمور في أعماق جذورها. ولكنني لن أفقد الأمل في العثور على كل الحقيقة. والأيام بيننا عزيزتي...


                   فواجع حبي الأول ـ Les drames de mon premier amour



ء    أيْقظني صوت حبيبتي وهي تطلب مني أن أمدّها الولاّعة لِتشعل سيجارتها، فسألتها:ء
ء     ـ وكيف تعرّفتِ على أب نادية؟ء
ء     ـ عندما استيقظتُ من الغيبوبة وخرجتُ من المستشفى المرة الأولى، لم يكن عندي أين أتّجه، فحملتني سيارة الإسعاف إلى دار زوجي. ولكني بعد يومين، جمعتُ ملابسي في حقيبة وهربتُ خفية من الدار. و...ء
ء     توقّفتْ عن الحديث فجأة، وبدأتْ تنتحب ودموعها تهطل بغزارة. كانت جد متأثّرة بأحداث قصة حياتها الزوجية الدرامية. ثم استمرّتْ:ء
ء     ـ لا زلتُ أتذكر ذالك اليوم المشؤوم الذي بدأتُ أتسكّع فيه في شوارع بروكسل من الصباح إلى المساء، والجوع يقطّع أوصالي، والآلام توخزني بشدة في فخذي، بدون أن أملك ولو ثمن تذكرة الحافلة أو الترامواي. وبدأتُ أطلب الناس أن يؤدوا لي ثمن التذكرة لِأذهب إلى وسط المدينة. لم أكن أخرج لِأعرف بروكسل. كنتُ أتنقّل على رجلاي المريضتين بعكّازين، والجوع ينهك أمعائي، وأنا أجر الحقيبة الثقيلة. إلى أن لمحْتُ شابا ميكانيكيا يشتغل في مرآبه، فأخبرته بحالي ورجوتُه أن أترك عنده حقيبتي حتى أعود. كنتُ جد جائعة. فطلب مني أن أشاركه الغذاء. ثم بعد ذالك طلب مني أن أقضي الليل معه في شقته. ولم يكن عندي اختيار. أفضل النوم في الشوارع على العودة إلى دار زوجي. فقبلتُ دعوته وسكنتُ معه مدة أسابيع. ثم غادرتُ شقته وذهبتُ كنزيلة في ملجأ النساء المعنفات وذوات المشاكل العائلية. وبعد أسبوعين بدأتُ أحس بأعراض الحمل. ولما عدتُ عنده لِأخبره، قالوا لي أنه مات في حادثة سير. كان الشّؤم وسوء الحظ حليفي الممقوت في تلك المرحلة. كل أبواب الأمل اِنغلقتْ في وجهي، وكل أبواب الجحيم فُتِحت على مصراعيها لِتبتلعني وتُعذّبني..!ء
ء    شربتْ جرعة من كأسها ومسحتْ دموعها. كانت فعلا تتعذّب بصمت، وتندب حظها التعس الذي دمّرها في زهرة شبابها. فسألتها:ء
ء    ـ وماذا فعلتِ عندما عرفتِ أن والد جنينك قد مات؟ء
ء    ـ ذهبتُ توّاً إلى هولندا لِلإجهاض. كانت تسكن هناك ابنة عمّي التي قالت تشجعني، إن قوانين هولندا أكثر تسامحا من هذه الناحية، أي من ناحية تشريعات الإجهاظ، فركبتُ القطار وسافرتُ، وكلي أمل في حل هذه المعضلة الخطيرة، التي ستشوّه سمعة كل العائلة...


              الحياة في بلجيكا

 

    سمعنا صوت نادية تحلم في سريرها، لا بُدَّ أن عملية الإجهاظ في هولندا قد أُجْهِظتْ وباءتْ بالفشل الذريع، ما دام أن البنت اليتيمة نائمة هنا بجوارنا، وعًمْر الخطيئة 6 سنوات. يجب أن تكون زوجتي محظوظة ما دام أن لها ابنة تؤنسها في عمرها وتساعدها في أشغالها ونزهاتها، فلماذا حملتْ بي، لماذا؟ أنا الذي يجب أن أشتاق إلى الأولاد وليس هي. ثم أنه كان عليها أن تستشيرني قبل أن تُقدِم على هذه الخطوة الخطيرة التي كانت بالنسبة لي "خطّاً أحمرا". ولهذا آلمني أشدّ الألم أن تفاجئني بخبر الحمل هذا، وتُقرّر وحدها في أمور مصيرية تتعلّق بِإرادة كلينا واتفاقنا على رغباتنا. هذه المرة ليستْ وحدها لِتقرّر وتنفّذ قراراتها بمفردها كأني غير موجود، وسوف أوقفها عند حدّها. فسألتها:

    ـ حبيبتي الجميلة، هل اِشتقتِ إلى الإنجاب أم ماذا؟ لماذا تسرّعتِ في هذا الحمل؟ أرى أنه سيأتي قبل الأوان وأنا لم أُنْهِ بعد دراساتي؟! أقول لكِ الحقيقة، أنا غير موافق تماماً على هذا الحمل الثقيل، والغير المناسب في هذه الظروف.

    ـ وما بها هذه الظروف عبد الرحمان؟ أنت تشتغل وتربح النقود، وأنا كذالك بِأجرتي. نحن بخير، ماذا يخصّنا؟   

     ـ نعم حبيبتي فعلا أشتغل وأربح، ولكني أريد جمع ما يمكن أن نشتري به دارا أو شقة لنا عندما نذهب إلى الناظور، لنقضي عطلاتنا في راحة. لا يمكن أن نُثقِل على أحبابنا ونحن ثلاثة والعائلة ما زالت تكبر. مَن سيتحمّل ثقلنا لشهور؟ ثم إن هناك مشكل عائلتي التي ستُفرغ الشقة التي نسكنها الآن بسبب الديون. 

      ـ أختك ميمونت تزوجتْ، لم يبق في تلك الشقة سوى أمك. يمكن لها أن تسكن عند أحد أولادها أو بناتها.

      ـ أمّي متقدّمة في السِّنّ، وقد بلغتْ من العمر عتيّا، لا أحد يعرف كم ستمكث معنا في هذه الحياة. ستذهب يوما ما، وسنحافظ على الشقة لنا ريثما نشتري أو نبني دارنا. لقد اِبتعدنا عن الموضوع كثيرا. باختصار، سأفرحُ بالحمل عندما أكون مستعدٌّ له. هكذا أرى الأمور حاليا حبيبتي.

       كنت أعيش مع زوجتي ومحبوبتي أصعب أيام حياتي من ناحية التناقض العاطفي السيكولوجي الذي أحسُّ به تجاهها، (أومبيفَلونس). كنتُ أحسّ بفوضى مشاعري وعدم اِستقرارها، وأن أشواكا في عشّي توخزني فأتوتّر وحدي، وتتبخّر راحتي، وأشعر أنني أحبها ولا أحبها. كنتُ أسير في اتجاهين في نفس الوقت، وهذا الغير منطق عسير التّحمّل. بمعنى آخر، كنت أحبها لِأنها حبي الأول والأجمل. حبّ تغنّى به الكثيرون من أولاد حارتنا في زمن الذكريات الجميل، حين سقطنا في فخّ الغرام ونحن جيران، ومراهقون عُقلاء، محظوظون بالحب البريء الذي هبتْنا السماء إيّاه فجمعنا، ولكنها دمّرتْه. وكنتُ في نفس الوقت لا أحبها، لِأنها جرحتْ قلبي بعمق وأدْمتْه، وخانت عهدنا على الزواج. هذه الصفعات المؤلمة والقاسية يستحيل على كل ذي شعور نِسْيانها، لِأنها محفورة بعمق في ذاكرة الزّمن، أو زمن الذاكرة. ومن هنا، أتوقّفُ قليلا لِممارسة نوع من النقد الذاتي كما هي عادتي، في إطار تحسين معاملاتي والارتقاء بها. فألاحظُ أنني حتى على مستوى الحديث والحوار الهادئ والمتشنّج أحيانا مع شريكة حياتي، يفيض هذا التناقض العاطفي السيكولوجي في حديثي معها، ويطفو على السطح: فعندما أفكر في أيام حبنا الجميل في حارتنا السعيدة بالناظور، كانت لا تنطق شفاهي خلال حديثنا سوى بِأروع عبارت الغزل والحب والإحترام، فأرى وجه حبيبتي يُشْرق سعادة وبهجة، ويتفتّح كورود الربيع الخلابة. وحين تهاجمني ذكريات الخيانة وما عانيْتُ بسببها من آلام فوق الطاقة، ألْسعُها بِلِساني كالعقرب المجروح، فتذبل الإبتسامة الجميلة، وتتغير سحنات وجهها، وتنقلب إلى عبس وتولّى..! لم أكن أعرف كيف أمنع نفسي من الغضب الذي يؤثّر على أجواء حياتنا ويسمّمها، ويغرقنا في الربيع المزهر أحيانا، ثم يمطرنا بالأعاصير المزلزلة لوجداننا أحايين أخرى. لم أكن أفعل ذالك من أجل استفزازها أو إيلامها أبدا، لِأني كنتُ أؤمن أن الحب لا يؤذي أبدا. بل كان ذالك التهافت في النقد لاإرادي ولاشعوري، وإملاءات معاناتي معها حين تزوجتْ وخانتني كما ينبغي أن تكون الخيانة. ولو أنني أحاول قهر هذا الشعور الأليم الآن، ودفعه إلى أعماق العقل الباطن، وأدفنه في اللاشعور، أي كبْته، إلاّ أنه يستغلُ ارتخاء مراقبتي العقلية بفعل النيذ وعصير العنب والنشاط الأفروديزياكي، فيتسرّبَ في الحديث خلسة، أو على شكل هفوات اللسان، فيقلب علينا طاولة سعادتنا. والدليل على ذالك بالنسبة لي، أنني أندم بعد ذالك ويوبّخني ضميري عندما أكون قاسياً في حديثي معها. ولكن لا يهم، نحن حول مائدة السّمر والنشاط الآن، وحبّي الأول غفورٌ رحيم...

           

                                                  يتبع



Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الرأسمالية المتوحّشة

Carte visite :

L'Union Des Écrivains Marocains, Branche De Nador, Lors D'une Soirée De Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli. Lecture Du Roman «La Vie À Passo» Du Romancier Abderrahman Skalli.