جَوْهَرُ الإيمَان
جَوْهَرُ الإيمَان
الفقرة 11 من رواية " الحياة في باسو"
للفنان التشكيلي عبد الرحمان الصقلي
جَوْهَرُ الإيمَان
شَذَرَاتْ من بروكسل
-----------
بروكسل ، الخميس 13 شتمبر 2012 . الساعة الواحدة واثنين واربعون دقيقة بعدالزوال . مقهى :
LA NOSTALGIE
حبيبتي :
غَيَّرْتُ اليوم مقهى L'ORCHIDEE
غَيَّرْتُ اليوم مقهى L'ORCHIDEE
لأَنَّها صاخِبَة ، وأنا لا أُحِبُّ الصَّخَب ،
بقِيَ لي في بروكسل أُسْبوع للعودة والرجوع ،
وبِجيْبي تَذْكِرَةُ الطَّيَرَانْ .
كُلُّ أَيَّامِي هُنا ، حُبْلَى بِأَطْنَانِ من الْغَثَيَانْ ...
كَمْ مِنْها أغْرَقْتُ في الصباغة وخَلْطِ الْألْوان ...
وكَمْ جلسْتُ مَقْهُور بِاليأْس في حديقة بُوتَشْكِينْ ،
أُمْضي الْأوْقات مُفَكِّراً فيك ، أتأمَّلُ الحمام ...
أُلاَطِفُها لِكَيْ تَحْمِلَ لكِ من عندي الف سلام ...
أنا جالِسٌ على كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ قديم ...
وَحِيدٌ أَعُدُّ الأَيَّامْ ،
وَحِيدٌ أَعُدُّ الأَيَّامْ ،
وابني المريض يُشْغِلُ بالي اللئيمْ ،
وأنا طائِرٌ بِعَقْلي إلى جَنَّةِ باسو ، وفِكْري مع لارا يَهِيمْ ...
أُرِيدُ الْعَودَة ... ولاَ مَنَاصَ مِنَ الرُّجُوعْ .
قَلْبي هُنَاكْ ، عقلي هناك .
وَكُلُّ ما سَكَبَتْهُ عَيْنايَ مِنَ الدُّمُوعْ
أُرِيدُ العودةَ والرُجوع ...
حبيبتي :
أَوَ تَذْكُرِينَ لَمَّا كُنَّا نَتَلاَهَى ونجلِسْ معاً كصبايا سُكارى فَوْقَ التُّرَابْ ؟
ونَحْكي كَمْ قَاوَمْنَا في حٌبِّنا من نزيفٍ ومِنْ عذاب ...
كَأَبْطالِ الحُبِّ كُنَّا ،
كَمْ هَزَمْنا من صِعابْ ...
وكم حارَبْنا بِسُيُوفٍ وَهْمِيَة من أشْباحِ في السَّحابْ ...
وَكَمْ اِحْتَفَلْنا بانْتِصاراتٍ وهمية راقِصينَ فَوْقَ الضَّبابْ ...
عَبَثاً دُونْ كِيشوطْ يُحارِب طَوَاحينَ الْهَواءْ ...
أَنْ أَعِيشَ أَوْ لاَ أَعيشَ ، عِنْدي سَوَاءْ ...
مَا دامَ لَيْسَ لِحُبِّي دَواءْ …
حَبِيبَتي
أَنْ يُخْلَقَ الْإِنْسَانُ في مَكَانٍ مَا أَوْ زَمَانْ ...
وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ هذا الْعِرْقِ أوْ ذَاكَ ، أبَوَانْ ،
فَهَذا قَدَرُه ... بِمَعْنَى لاَيُمْكِنُ َتَغْيِيرُه ...
أَمَّا أَنْ يَسْتَسْلِم أَوْ يَرْفُض الذُّلّ ،
فَهَاذَا اخْتِيَارُه ... بِمَعْنَى هُوَ صَانِعُ مَصِيرِه ...
وَلاَ يَسْتَسْلِمُ في نَظَرِي إِلاَّ الْجَاهِلُ الْمَقْهُور الْعَزِيمَة وَالْجَبان ...
كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ نَسْتَكِينَ لِكُلِّ هَذِهِ الْقُيُودِ وَالْأَغْلاَل ،
وَنَدَّعِي بِسَذَاجَةٍ أنَّها مَشِيئَةُ رَبِّنَا ،
وَأنَّهُ لاَ مُبَدِّلَ لِهَذِهِ " رْوِينَة " مِنَ الْأَحْوَال ...
إِلَى مَتَى سَنَبْقَى نُرَدِّدُ هَذَا الْمُوَّال ؟
وَجَحَافِلُ الْفُقَرَاءِ مُنَوَّمَةٌ بِتَخْدِيرِ الْإِسْتِلاَبْ ...!
تَتَأَلَّمْ ... تَتَخَدَّرْ ... تَتَضَرَّعْ ... وَلاَ تُطَالِبْ .
ضَحِيَّة ... أُضْحِيَّة ... قُرْبَانْ ... تَتَأَوَّه يَا صَاحِبْ ...
إِنْ سَأَلْتَهَا :
- لِمَاذا وَضْعُكِ قَاسٍ وَمُزْرٍ هَكَذَا أيُّها المسكين الطالب ؟
يُجِيبُكَ :
- هَذَا قَدَرنَا وَاللَّهُ غَالِبْ ...
كَيْفَ لاَ تَتَذَمَّـــرْ ،
كَيْفَ لا تَيْأس ولِقلبكَ ألاَّ يَتَفَجَّـــرْ ...؟
وَالْجَاهِلُ يُقْهِرُ وُجُودَهُ بِفِكْرِهِ الظَّلامي بِدونِ وَعْيٍ وَلاَ يَتَغَيَّـــرْ ...
في ذِهْنِهِ سرابٌ خطيرْ، وفي رغيفِهِ عَرَقٌ غزير، وفي خُطاهُ دوْماً يتعثَّـــرْ .
وَالنَّاسُ ترقص للحياة ، تُعَانِقُ الْكَوْنَ بِعِلْمِهَا وَدِمَاغُهُ وَحَلٌ يَتَحَجَّـــرْ ...
دَاخِلَ مُدُنِ الْفُقَرَاءْ ...
وَفي أحْيَاءِ الصَّفِيحِ والْقَصْدِيرْ ،
وَعَلَى هَوَامِشِ هَذا الْمُجْتَمَعِ السَّعِيرْ ،
حيث تزدهر المالنخوليا والاستلاب وآفاق مجهولة المصير ...
ترى الذهان والعصاب وهستيربا بريئة واشكال من الْفُصَامْ ...
ومناخات كَمَتاهاتٍ أوْ كُهوفٍ تملؤها العتمات والظلام ...
وبلادٌ يَخْضَرُّ فيها الْكبْتُ ويشتدٍّ الْقَمْعُ ويُحْضَرُ فيها الكلام ...
وصحراءٌ يستحيلُ فيها بُلُوغ أيِّ مَرام ...
وبَشَرٌ مقهورون مشلولون لا يعرفُون إلاَّ الْهَزائِمَ وَالإحجام ...
في أعراس جنائزية ، ومواكب حداد بموسيقى راقصة تُغني أُنْشودَةَ السَّلامْ ...
كَأَنَّ كل شيْءٍ في وِئامٍ وعلى ما يُرام ...
ومواكب نعوش تصدح فيها الزغاريد ودقات الطبول ...
تَتَدَاخَلُ الْأفْرَاحَ والْأتْرَاحَ مِنْ كُلِّ جَانِبْ في أُوركيسترا اللامعقول ...
وَتَتَمَازَج الْآهَاتُ وَالزَّغَارِيدْ ...
كَمَا الْعَوَاطِفُ فِيمَا بَيْنَهَا ، لِتُعْطِيكَ رُؤْيَة رَمَادِيَة لِلْحَيَاة قاتمة ...
خَلِيطٌ مِنَ الأَسْوَدِ وَالْأَبْيَض ... مِنَ الْحُزْنِ وَالسَّعَادَة تفيض فيه الدمعات ...
كَمَا الْعَوَاطِفُ فِيمَا بَيْنَهَا ، لِتُعْطِيكَ رُؤْيَة رَمَادِيَة لِلْحَيَاة قاتمة ...
خَلِيطٌ مِنَ الأَسْوَدِ وَالْأَبْيَض ... مِنَ الْحُزْنِ وَالسَّعَادَة تفيض فيه الدمعات ...
مِنَ الْبَهْجَةِ وَالْكَآبَة تغْلُبُ عليهِ الْآهات ...
حلم بعيد ... قوم شريد ...مصير طريد ... عذاب شديد ... سَرابٌ بليد ...
حبيبتي :
لاَ تُعَلِّمِينِي مَبَادِئَ الْمَوَدَّةِ والْمَحَبَّةِ وَالْغَرَامْ .
لأَنِّي غُصْتُ فِي أَعْمَاقِهَا حَتَّى نُخَاعَ الْعِظَامْ .
وَمَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنْ مَزِيدٍ في ثَنَايَا الْوُجُودْ .
وَلْوْ كُنْتُ جَاهِلاً بِأَسْرَارِ الْحُبِّ ، كَمَا تَقُولِينْ ،
لَمَا كَانَ قَلْبُكِ الْكَبِيرِ في قَفَصِ قَلْبِي مَشْدُودْ .
أَنْتِ بِنَفْسِكِ قُلْتِ لِي يَوْمَاً :
- أَنْتَ وَاعَرْ يَا ابْنَ فُلاَنْ .
- تَصْطَادُ وَتَسْتَعْبِدُ النَّاسَ بِهَذا الْحَنَانْ .
وَكَيْفَ تُرِيدينَ أَنْ يَكُوَ الْحُبَّ حبيبتي
مَا عَدَا رخاء الْعَطَاءَ ...؟
وَمَا يُعْطِيهِ لَيْسَ إِلاْ النُّورْ الَّذِي يُشِعُّ مِنْهُ سخاء كَالنُّجُومْ .
فَاسْرِفُوا في الأَخْذِ فَكُلُّ هَذَا الْعَطَاءْ مَجَّانْ ...
مَاذَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ مَا عَدا الصِّدْقَ وَالْحَنَانْ .
فَاطْلِقُوا لأَضْوَاءِ أَرْوَاحِكُمْ وَأَنْوَارِ قُلُوبِكُمُ الْعِنَانْ ،
واسْبَحُوا بِأَجْنِحَتِكُمْ في الْفَضَاءْ .
فَمَا الْحُبُّ إِلاَّ الصَّفَاءْ .
يُنِيرُ الأَحِبَّةَ كَالْبَهَاءْ .
وَيَطِيرٌ حُرّاً في قَلْبِ السَّمَاءْ …
حبيبتي :
لَوْ عَرَفَ رَبُّنا بِجَنَّتِنا وَعُمْقَ حُبِّنا ،
لَدَمَّرَنا ك " إِرَمَذاتِ الْعِمادْ " ,
وَلأَهْلَكَ كلُّ مَنْ في الأَرْضِ مِنَ الْعِبادْ ...
ذَالِكَ لأَنَّ الْخَلْقَ وَالإِبْداعُ لَهُ وَحْدَهُ .
لاَ شَريكَ له ...
وَأَنا الْمَخْلُوق " أُخَرْمِزُ " بِالأَلْوانِ فَوْقَ هذه اللَّوَحاتْ ،
لأَرْسُمَ لَكِ مَشْهَداً يَحْمِلُ إِلَيْكِ مِنِّي كُلَّ الْبَصَماتْ ...
وَقُصاصاتٍ مِنْ شِعْرٍ تُجَسِّدُ ما في ذِهْني من شطحات ...
وَالنَّاسْ تَنْعَتُنِي بِالمُشْرِكِ الْفَنَّانْ ...
لاَ تَتَّبِعُوا خَطَوَاتَ هذا الشَّيْطانْ ...
وَلاَ تَثِقُوا بِه ،
لأَنَّكُمْ مَعي سَتَنْتَهُونَ حَتْماً إِلَى السَّعِيرْ ...
مَنْ يَقْتَفِي أَثَرَ الشَّيْطانِ ، سَيَلْقَى هذا الْمَصيرْ …
*** *** ***
كانَ لأِبَي مَزْرَعَةٌ ، وحيواناتٌ وكثيرٌ مِنَ الْبَعِيرْ .
قُلْنَا لَهُ يوماً :
- أبانا العزيز ، لِماذا تَصْلُحُ الدَّوَابِّ الْغَفيرة ؟
فَأَجابْ بهدوئه الوقور :
- لِوَقْفِ كُلَّ مَسِيرَة ...
لَمْ أَفْهَمْ شَيْئاً مِنْ حِكَمِهِ إِلَى الاَنْ ...
ومتى فهِمْتُ شيْئاً وَأنا الذي ما زِلْتُ بِسذاجتي كالْحِمارْ .
يرْكُبني الْكِبارُ والصِّغارْ ،
والْكُلُّ وَرَائِي يُنَممُ في نِفاقْ ...
لم أعد أحتمل الرياء والشقاق ...
لَمْ أَعُدْ أَفْهَمُ مَعْنى الرِّفاقْ ...
على الطَّوَفَان أَنْ يُغْرِقَ كُلُّ هذا " الْبَزَار "
ويقذف بالكل في يَمِّ الْبِحارْ ،
وَيَهْدَأُ الْكَوْن ... إِلاَّ مَنِ اِسْتَطاعَ الْفِرَارْ ...
حبيبتي :
ماذا يَنْفَعْ أَنْ تَكُونَ كَبيراً أَوْ صَغيرْ ،
ماذا ينفع أَنْ تكونَ غَنِيّاً أَوْ فقيرْ ...؟
ماذا يَنْفَعُ أَنْ تَكُونَ سَيِّداً مَشْهُوراً أَوْ عَبْداً حَقيرْ ...؟
ماذا ينفع أنْ تَعِيشَ دُهُوراً أَوْ تَمُوتَ صَغِيرْ ...؟
ماذا ينفع أنْ تَغْرِسِي وُرُوداً أَو أَشْوَاكاً في حَقْلٍ كبيرْ ...؟
ماذا يُجْدِي أَنْ تَنَامَ مُشَرَّداً عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيق ،
أَوْ تَنْشَأَ في قُصور كالامير ...؟
مَا دَامَ كُلُّ شَيْء عَبَثٌ في عَبَثْ ...
وَمَا دَامَ أَنَّ كُلَّ الْفُرُوقَ سَتَمْحُوها الْقُبُورْ …!
وما دامَ أَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُدُ كُلَّ الْحَيَاة ...؟
وأَنَّ سَاعَةَ الْفَنَاء دَقَّتْ نَاقُوسَ الْخَطَرْ ...
وَأَنَّنَا نَدْخُلْ زَمَنَ الرُّعْبِ وَالْمَمَاتْ ...
وَمِنْ عُيُونِ الشَّمْسِ ستَنهمر يوما دُمُوعُ الْمَطَرْ ...!
حبيبتي :
مَا جَدْوَى أَنْ نَعْبَثَ في الْعبَثْ ...
وَهَذَا الْوُجُودُ بِلاَ مَعْنَى وَلاَ هُدُوءْ وَلاَ مَنْطِقْ وَلاَ مَعْقُولْ ...
وَالنَّاسْ تَسِيرُ كَقُطْعَانِ الإسْتِلاَبْ في لا أَمَانْ الضَّبَابْ ...!
لاَ تَعِي ولا تعرف أَنَّهَا تَعِيشُ دَوْماَ في السَّرَابْ ...
وَأَنَّ مَاهِيَةَ الْكَوْنِ الأُولَى مَا هِيَ إِلاَّ الْعَذَابْ ...
وَأَنَّ الْكُلُّ سَائِرٌ كَالضَّرِيرْ تائه في القباب ...
وأَنَّهُ سَيَأْتِي يَوْم بِدونِ حِسَابٍ َولاَ عِقَابْ ،
وَسَيَعُودُ الْكُلُّ مُتَحَلِّلاً إِلَى عُمْقِ التُّرَابْ …
حبيبتي :
لاَ تُعاتِبِينِي إِنْ كُنْتُ أُفَكِّرُ هكذا كالْمَجْنونْ ،
وَأَنَّ لَحَظات حُبِّنا الْهَوْجَى الْبالِغَة الشُّجُونْ ،
إِنْ هِيَ إِلاَّ مُهَدِّئات لِقَهْرِ السَّرَابْ ...
وَتَسْلِيَةٌ لِمَلإِ الْوَقْتِ الْعَبَثِيِّ الْكَثِيرِ الصِعَابْ …
وَكُلٍّ هذهِ مَسَرَّاتٌ لِنِسْيَانِ الْفَنَاءْ ...
لِكَيْلاَ نُفَكِّرَ فيه ، فَيَزيدُنَا عَنَاءً في عَنَاءْ …
حبيبتي :
لاَ تَصُدِّي عَنِّي قَلْبَكِ ، وَأَنَا عَاشِقُكِ الْوَلْهَانْ ،
وَلاَ تَجُرِّينِي إِلى عالمَكِ الَّذي فَرَرْتُ مِنْهُ منذ زَمانْ .
أَنا عَاشِقٌ لِلحُبِّ ، وَلَسْتُ عَاشِقاً لِلْجِنانْ .
لاَ أَعْبُدُ ، وَلَنْ أَعْبُدَ على طَرِيقَةِ السُّفَهَاءْ .
وَلَسْت أَنْتَظِرُ لاَ الْجَنَّةَ وَلاَ الْحَنَانَ مِنَ السَّماءْ .
وَلاَ أَنْتَظِرُ جَزَاءَ الآخِرَة مِنْ أَيٍّ كَاْنْ ...
وَمُصِرّ أَلاَّ أَعُودَ بِفِكْرِي إِلَى الْوَرَاءْ .
وَلَنْ أَكُونَ يَوْماً لِلْجَهْلِ وَالإِسْتِلاَبِ كَبْشَ الْفِداءْ .
- قُلْ يَا أَيُّها الْجَاهِلُونْ ،
لاَ أُفَكِّرُ مَا تُفَكِّرُونْ ،
وَلاَأَنْتُمْ مُفَكِّرُونَ مَا أُفَكِّرْ ،
وَلاَ أَنَا مُفَكِّرٌ مَا فَكَّرْتُمْ ،
وَلاَ أَنْتُمْ مُفَكِّرُنَ مَا أُفَكِّرْ .
لَكُمْ تَفْكِيرُكُمْ وَلِيَ تَفْكِيرْ .
إلهي ،
تعبتُ من صخب الدنيا وعقم الحياة وعبث هذا الفناء ...
تمرُّ أيامنا ثائرة هوجى جريحة موؤودة أقدار السماء ...
وأنتِ الكئيبة حيرى ، بركة حزن راكد يكسوها كل هذا البهاء ...
مهما عتتِ الظروف وتجهَّمتِ أمزجة الأقدارحبيبتي ،
فإن هذا العبد المستكين لم ولن يعرف إلا الوفاء ...
أنا التائه دوما في عتمات السراب ...
أنا الروح الضائعة في أجنحة الضباب ...
مستلقٍ على الأطلال أتأمل كل هذا الخراب ...
وروحي الآن تنزف الأسى ويتآكلها العذاب ...
أنا في سجن الحياة أُقاوم مدَّ كل هذا السراب ...
تائهٌ في محيط أمواجه العاتية يمخرني العباب ...
أهيم كل مساء نحو شمس الأصيل وألوان المغيب ،
أسأل عنكِ النور والظلام وأُعاني الكِراب ...
أُصلي في هجوع الليل ... أتضرَّع ...
أستغيثُ ولا مِنْ مُجيب ...
وفي كل هذا يُداهمنا إحساس أننا غارقون إلى ما لا نهاية في عبثٍ عجيب ...
أبحث عنكِ في عمق الغسق ، أسأل عنكِ أي غريب .
أستغيثُ ولا مِنْ مُجيب ...
وفي كل هذا يُداهمنا إحساس أننا غارقون إلى ما لا نهاية في عبثٍ عجيب ...
أبحث عنكِ في عمق الغسق ، أسأل عنكِ أي غريب .
رائد ثورة الأوهام ... حالما بحرية قصوى بلا مراقب أو رقيب ...
أبني قصورا من الخيال لهفواتنا الآتية يا أغلى حبيب ...
إله الفوضى والعِصيان والمجون والشك المريب .
لماذا قبلنا الحياة ... لماذا عِشناها ؟
لم تكن لنا الدنيا سوى جحيما عاتٍ وقاسٍ وفصلا من زمان رهيب ...
لكن لا تحزني ، تفاءلي ، فإن فرج الله لا بد آتٍ عما قريب ...
حبيبتي :
لاَ تَزِيدِي عَلَى اسْتِلاَبِ الْحَيَاةِ دُمُوعَ حُزْنِكِ الأَلِيمْ ،
وَلاَ تُظيفِي الْعُصَابَ إِلَى الذُّهَانْ ،
وَلاَ تُوَبِّخِينِي وَأَنَا كَالْقَارِبِ السَّكْرَانْ ...
تَائِه في سَرَابِ الْحيَاةِ ، حَالِماً بِضفَافِ الأَمَانْ ،
بَاحِثاً عَنْ نَفْسِي في أَدْغَالِ هَذا الزَّمَانْ .
مُمَزَّقُ الْعَوَاطِف أَبْحَثُ في هذهِ الْحشُودِ عَنِ الإِنْسانْ .
فَلاَ أَجِدُهُ ... وَأُحِسُّ أَنِّي مُغْتَرِبٌ وَحيدْ ...
إِلاَهِي :
تَعْرِفُ دَوَاخِلِي كَمَا أَعْرِفُ رَحْمَتَكْ ،
كَمِ الْتَقَيْنَا في صَلَوَاتِي الخَفَيَّةِ لِقَدَاسَتِكْ ...
وَكَمْ شَمَلَتْنِي الأَنْوَارُ الْمُشِعَّةِ مِنْ جَلاَلَتِكْ .
وَكَمْ بَهَرَنِي صَفَاءُ رَهْبَتِكْ ...
أَنَا لاَ أُجْهِرُ بِعِبَادَتِي لَكَ في فَنَاءِ الْمَعَابِدْ ،
وَ لاَ أَعْرِضُ صَلَوَاتِي لَكَ في سَاحَاتِ الْمَسَاجِدْ ...
إِيمَانِي بِكَ نُورٌ يُشِعُّ في دَاخِلِي وَيُضِيئُنِي كَالنِّبْرَاسْ ،
وَلَنْ أُجْهِرَ بِهِ أَمَامَ الْمَلإِ أَوْ هَؤُلاَءِ النَّاسْ ...
كَمَنْ يَعْرِضُ دِرْهَمَ الصَّدَقَةِ في الْفَضَاءِ ،
قَبْلَ أَنْ يَجُودَ بِهِ عَلى السٌّعَاةِ وَالْفُقَرَاءْ ...
أَوْ كَمَنْ يُقَبِّلُ رَأْسَ الْيَتَامَى بِرِفْقٍ وَحَنَانْ ،
وَيَأْكُلُ مُلْتَهِماً أَرْزَاقَ الأَبْرِيَاءْ ...
أَنَا لَسْت َكذَالِكَ وَلَنْ أَكُونْ ،
وَإِيمَانِي الْعَمِيقْ بِكَ لَيْسَ طَمَعاً في إِحْدَى جَنَّاتِكْ ،
وَمَا كُنْتُ يَوْماً وَلَنْ أَكُونَ مِنَ الطَّامِعِينْ ...
أَكْرَهُ كُلُّ هَذا النِّفاقْ الَّذِي صَارَ وَبَاءً ، بَلْ غَائِطاً ،
حَاشَا السَامِعِينْ …
إِلاَهي :
لَنْ يَكُونَ إِيماني بِكَ أَبَداً وَسِيلَة لِلتَّمْويهِ وَذَرِّ الرَّمَاد في الْعُيٌونْ ...
ولا وسيلة لِكَسْبِ وَدِّ النَّاسِ لأَغْراضٍ أَوْ لاِسْتِقْطابِ أَصْوات النَاخِبين .
أَوْ قِناعاً يُخْفي ما في داخِلي مِنْ عُيوبْ .
إِنَّ الإِيمانَ إِذا مَلأَ النُّفُوسَ ، بَهَرَ الْقُلُوبْ ...
وَلَنْ يَكونَ إِيماني بِكَ للِشَّرِّ غِطاءٌ وَحِجابْ ...
حُبِّي لَكَ وإِيماني ، نُورٌ سَاطِعٌ في أَعماقي يٌشعُّ كالشِّهابْ .
وَلَنْ أَرْتَجِف خَوْفاً مِنْ عَزْرَائِيل أَوْ أَهابَ يَوْمَ الْحِسابْ ...
لأَنَّ ضَميري طاهِرٌ وَنَقِيٌّ وَشفَّافْ ،
وَالصَّفَاءُ لاَ يَحْتاجُ إِلى نِقابْ ...
وكِتابي فارِغٌ مِنْ كُل الْخَطايا الَّتي تَجْرَحُ النَّاسَ أَوْ تَلْهَثْ وَرَاءَ الثوَابْ.
ولَنْ يَكُونَ إِيمَانِي حَدْبَةً في جَبِينِي كَعَلاَمَةٍ لِلصَّلاَة .
ولَكِنَّ الإِيمَانَ شُعَاعٌ رُوحِي يَنْبَثِقُ مِنَ الْقُلُوبْ ،
وَلَيْسَ لَحَايَا أَوْ حَرَكَاتٍ أَوْ نُدُوبْ .
إِيمَاني بِكَ نُورٌ على نُورْ ،
إِيمَانِي بِكَ صوفِي وَعَمِيقُ الْجُذُورْ .
وَهُوَ مَا يَرْبِطُ بَيْنَنَا مِنْ جُسُورْ ...
إِيمَانِي بِكَ عَظِيمٌ وَأَنْتَ الأَعْظَمُ يَا مَنْ يَعْلَمُ كل مَا في الصُّدُورْ …
أُحِبُّكَ إِلاَهِي ،
فَأَعِدْنِي إِلَى جَنَّةِ باسو لأَرَى ما يَحْدُثْ هُناكَ مِنْ كِرَابْ ...
لَقَدْ صَارَ وُجُودِي بِلاَ لاَرَا خَرَابٌ في خَرَابْ ...
فَارْحَمْ شَوْقِي ، واطْرُدْنِي مِنْ هُنَا لأَنَّهُ حَانَ وَقْتُ الذَهَابْ ...
إِنَّ شَوْقِي يَلْتَهِبُ مِنَ الْعَذَابْ ...
فَدَعْنِي أَرْحَلْ ، وَيَكْفِي هَذَا الْحِسَابْ …
عَقْلِي مُرْهَقْ ... وَمِزَاجِي أَحْمَقْ ...
وَأَخَافُ أَنْ أَفْقِدَ مَزِيداً مِنَ الصَّوَابْ ...
رَبِّي ... رَبِّي …
حبيبتي :
لِماذا لا أفْهَمُ دينَكُمْ وقَدْ جُبْتُ خَفايا وتفاصيل كُلِّ الأَدْيانْ ،
مِنْ حِكَمِ بُوذا ، وتعليمات غوروناناك وَمُعاناتِ مُوسى ،
ومُغامراتِ نُوحْ ، وَصَبْرِ أَيُّوبْ ، وعِبادة لُقْمانْ .
وتضحيات ابراهيم , وعذاباتِ الْمَسيحْ في أَرْجاءِ رُوما واليَوْنانْ ،
وهُدوء الصابِئة ومُناجات زَرَادَشْتُورا ، وطُقُوس الْمايا في الْميرِكانْ .
وعِفَّة يوسف الجميل مع العاشِقة زليخة وصديقاتها من النِّسْوان ..
وتفسيرهُ لِحلمِ السبع بقرات السِّمان والسبع العجاف الرِّقاق ...
وَأَدْيانٌ أُخْرَى حَدِيثَة تُلَبِّي رَغَبَات النَّاس بِالإِتِّفَاقْ .Les sectes
ولَمْ أُشاهِدْ دِيناً كَهذا مُلَطَّخاً بِالنِّفاقْ .
جَوْهَرَةٌ سَقَطَتْ في أَيادي أَهْلِ النَّميمَةِ والشِّقاقْ .
لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ إِلاَّ صادِقاً وَهُوَ الأَمِينْ ،
لكنَّ أَحْفادَ أَحْفادِهِ جَنَحوا .
فَشَوَّهوا ما شَوَّهوا ، وَلَطَّخُوا ما لَطَخوا ،
فَحَاقَ عَلَيْهِم التَّخَلُّف وَالدَّمارْ …
أَنْ نَسْقُطَ هَكَذا وَنَحْنُ " خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسْ " ،
إِنَّهُ عَارٌ ... ثُمَّ عار ... ثم عار …
حبيبتي :
لاَ تُعاتِبِيني إِنْ كُنْتُ أُفَكِّرُ هكذا ،
فَديني أَنا كَوْني وَلِكُلِّ النَّاسْ ،
لاَ يُقْصِي أَحَدا وَلاَ هٌوَ بِعَنِيفْ .
تَجِدِينَهُ في كُلِّ كُوخٍ أَوْ قَصْرٍ أَوْ رَصِيفْ .
وَيَنْسابُ رُوحاً في كُلِّ الْفُصُولِ مِنْ شِتاءٍ وَرَبِيعٍ وَصَيْف وَخَرِيفْ .
وَيُعانِقَ الْكَوْنَ كُلَّهُ ، مِثْل الْهَواءِ والْماءْ ،
وَلاَ حُدُودَ لَهُ جُغْرَافِيَة في هذا الْفَضَاءْ .
لأَنّهُ دِينُ الْمَحَبَّةِ والسَّلاَم والْوِئَام .
كَمَا كانَ يُرَدِّدُ دَوْماً سَيّدُ الأَنامْ .
كانَ يَصْعَدُ إِلى جَبَلِ حِيرَاءْ ،
والنَّاسُ يَتَهافَتُونَ عَلَيْهِ مِنْ كُلّ فَجٍّ عَمِيقْ ،
مِنْ فُقَراء وأغْنِياء وَعَبِيدٍ وَرَقِيقْ ...
لِيَرَوا مُحَيَّاهُ الْمُشْرِق وَيَسْمَعُوا نُورَ كَلِماتِه ،
وَهِيَ تَسْرِي في أَرْوَاحِهِمْ كالسُكُونْ ،
وَآدَمُ يُسْرِعُ الْخُطَى ، وَحَوَاءْ وَلاَرَا يَتْبَعَانِهِ في جُنُونْ ،
لِيَسْمَعُوا كَلِمات الرَّسُولْ ،
وَهوَ يَخْطٌبُ في الناس وَيَقُولْ :
إِنَّ رَبِّي وَرَبُّكُمْ وَاحِدْ ،
وَأَنَّ هذا الدِّين لِكُلِّ النَّاسِ أَجْمَعِينْ ،
مِنْ مَايَا وَهُنُودٍ حُمَرْ ، وَسُودْ وَإِسْكَيمُو وَغَجَرْ .
فَكُونُوا عِبَادَ اللهِ بَشَرْ ،
لأَنَّ اللهَ مَحَبَّة ،
وَأَنَا صَادِقٌ غَيْرُ مُنَافِقْ ،
وَالدِّينُ تَسَامُحْ .
فَعِيشُوا يَا بَنُو آدَم في سَلاَمٍ وَمَحَبَّةٍ وَوِئَامْ .
لَقَدْ أَرْهَقَنِي الْيَوْمَ هَذا الْكَلاَمْ .
وَسَأَمْضِي إِلَى حَالِ سَبِيلِي بقلبي الجريح …
آنَ لِي الآنَ أَنْ أَسْتَرِيحْ ...
لَكِنِّي سَوْفَ أَعُودْ ...
أَلآنَ أُرِيدُ الَّرحِيلْ .
فَعَلَيْكُمْ أَتْبَاعي السَّلاَمْ ...
فَرَاحَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ الأَمِينْ وَهُوَ يُرَدِّدْ بِهُدُوءْ :
عَلَيْكُمُ السَّلاَمْ ... عَلَيْكُمُ السَّلاَمْ ... عَلَيْكُمُ السَّلاَمْ ...
.jpg)






Commentaires
Enregistrer un commentaire